اقتصادنا في معالمه الرئيسيّة 1 - الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي 2 - الاقتصاد الإسلامي جزء من كل 3 - الإطار العام للاقتصاد الإسلامي 4 - الاقتصاد الإسلامي ليس علماً 5 - علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج 6 - المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام ، وحلولها
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
< فهرس الموضوعات > 1 - الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > 1 - مبدأ الملكية المزدوجة < / فهرس الموضوعات > 1 - الهيكل العَام للاقتصاد الإسلامي يتألف الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي من أركان رئيسية ثلاثة يتحدد وفقاً لها محتواه المذهبي ، ويتميز بذلك عن سائر المذاهب الاقتصادية الأخرى في خطوطها العريضة . وهذه الأركان هي كما يلي :
1 - مبدأ الملكية المزدوجة .
2 - مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود .
3 - مبدأ العدالة الاجتماعية .
وسوف نتناول هذه الأركان الرئيسية بالشرح والتفسير ، فنكوّن فكرة عامة عن الاقتصاد الإسلامي ، كي يتاح لنا مجال البحث بصورة أوسع ، في تفاصيله وخصائصه المذهبية .
1 - مبدأ الملكية المزدوجة يختلف الإسلام عن الرأسمالية والاشتراكية ، في نوعية الملكية التي يقررها اختلافاً جوهرياً .
فالمجتمع الرأسمالي يؤمن بالشكل الخاص الفردي للملكية ، أي بالملكية الخاصة ، كقاعدة عامة . فهو يسمح للأفراد بالملكية الخاصة لمختلف أنواع الثروة في البلاد تبعاً لنشاطاتهم وظروفهم . ولا يعترف بالملكية العامة إلا حين تفرض الضرورة
الاجتماعية ، وتبرهن التجربة على وجوب تأميم هذا المرفق أو ذاك . فتكون هذه الضرورة حالة استثنائية ، يضطر المجتمع الرأسمالي - على أساسها - إلى الخروج عن مبدأ الملكية الخاصة ، واستثناء مرفق أو ثروة معينة من مجالها .
والمجتمع الاشتراكي على العكس تماماً من ذلك . فإن الملكية الاشتراكية فيه هي المبدأ العام ، الذي يطبق على كل أنواع الثروة في البلاد . وليست الملكية الخاصة لبعض الثروات في نظره إلا شذوذاً واستثناءاً ، قد يعترف به أحياناً بحكم ضرورة اجتماعية قارة .
وعلى أساس هاتين النظرتين المتعاكستين ، للرأسمالية والاشتراكية ، يطلق اسم : ( المجتمع الرأسمالي ) ، على كل مجتمع يؤمن بالملكية الخاصة بوصفها المبدأ الوحيد ، وبالتأميم باعتباره استثناءاً ومعالجة لضرورة اجتماعية كما يطلق اسم : ( المجتمع الاشتراكي ) على كل مجتمع يرى أن الملكية الاشتراكية هي المبدأ ، ولا يعترف بالملكية الخاصة إلا في حالات استثنائية .
وأما المجتمع الإسلام فلا تنطبق عليه الصفة الأساسية لكل المجتمعين . لأن المذهب الإسلامي لا يتفق مع الرأسمالية في القول : بأن الملكية الخاصة هي المبدأ ، ولا مع الاشتراكية في اعتبارها للملكية الاشتراكية مبدأ عاماً ، بل إنه يقرر الأشكال المختلفة للملكية في وقت واحد ، فيضع بذلك مبدأ الملكية المزدوجة ( الملكية ذات الأشكال المتنوعة ) بدلاً عن مبدأ الشكل الواحد للملكية ، الذي أخذت به الرأسمالية والاشتراكية . فهو يؤمن بالملكية الخاصة ، والملكية العامة ، وملكية الدولة . يخصص لكل واحد من هذه الأشكال الثلاثة للملكية حقلاً خاصاً تعمل به ، ولا يعتبر شيئاً منها شذوذاً واستثناءً ، أو علاجاً موقتاً اقتضته الظروف .
ولهذا كان من الخطأ أن يسمى المجتمع الإسلامي : مجتمعاً رأسمالياً وإن سمح بالملكية الخاصة ، لعدة من رؤوس الأموال ووسائل الإنتاج ، لأن الملكية الخاصة عنده ليست هي القاعدة العامة . كما أن من الخطأ أن نطلق على المجتمع الإسلامي اسم المجتمع الاشتراكي ، وإن أخذ بمبدأ الملكية العامة ، وملكية الدولة في بعض الثروات
ورؤوس الأموال ، لأن الشكل الاشتراكي للملكية ليس هو القاعدة العامة في رأيه . وكذلك من الخطأ أيضاً أن يعتبر مزاجاً مركباً من هذا وذاك ، لأن تنوع الأشكال الرئيسية للملكية في المجتمع الإسلامي ، لا يعني أن الإسلام مزج بين المذهبين : الرأسمالي والاشتراكي ، وأخذ من كل منهما جانباً . . وإنما يعبر ذلك التنوع في أشكال الملكية عن : تصميم مذهبي أصيل قائم على أسس وقواعد فكرية معينة ، وموضوع ضمن إطار خاص من القيم والمفاهيم ، تناقض الأسس والقواعد والقيم والمفاهيم التي قامت عليها الرأسمالية الحرة ، والاشتراكية الماركسية .
وليس هناك أدل على صحة الموقف الإسلامي من الملكية ، القائم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة . من واقع التجربتين الرأسمالية والاشتراكية . فإن كلتا التجربتين اضطرنا إلى الاعتراف بالشكل الآخر للملكية ، الذي يتعارض مع القاعدة العامة فيهما ، لأن الواقع برهن على خطأ الفكرة القائلة بالشكل الواحد للملكية . فقد بدأ المجتمع الرأسمالي منذ أمد طويل يأخذ بفكرة التأميم ، وينزع عن بعض المرافق إطار الملكية الخاصة . وليست حركة التأميم هذه إلا اعترافاً ضمنياً من المجتمعات الرأسمالية : بعدم جدارة المبدأ الرأسمالي في الملكية ، ومحاولة لمعالجة ما نجم عن ذلك المبدأ من مضاعفات وتناقضات .
كما أن المجتمع الاشتراكي من الناحية الأخرى ، وجد نفسه - بالرغم من حداثته - مضطراً أيضاً إلى الاعتراف بالملكية الخاصة ، قانونياً حيناً وبشكل غير قانوني أحياناً أخرى . فمن اعترافه القانوني بذلك ، ما تضمنته المادة السابعة في الدستور السوفياتي ، من النص على أن لكل عائلة من عوائل المزرعة التعاونية ، بالإضافة إلى دخلها الأساسي الذي يأتيها من اقتصاد المزرعة التعاونية المشترك قطعة من الأرض خاصة بها ، وملحقة بمحل السكن ، ولها في الأرض اقتصاد إضافي ومنزل للسكنى وماشية منتجة وطيور وأدوات زراعية بسيطة . . كملكية الخاصة . وكذلك سمحت المادة التاسعة بتملك الفلاحين الفرديين والحرفيين ، لمشاريع اقتصادية صغيرة ، وقيام هذه الملكيات الصغيرة إلى جانب النظام الاشتراكي السائد .
2 - مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود والثاني من أركان الاقتصاد الإسلامي ، السماح للأفراد على الصعيد الاقتصادي بحرية محدودة ، بحدود من القيم المعنوية والخلقية التي يؤمن بها الإسلام .
وفي هذا الركن نجد أيضاً الاختلاف البارزين بين الاقتصاد الإسلامي ، والاقتصادي ، الرأسمالي والاشتراكي . فبينما يمارس الأفراد حريات غير محدودة في ظل الاقتصاد الرأسمالي ، وبينما يصادر الاقتصاد الاشتراكي حريات الجميع . . يقف الإسلام موقفه الذي يتفق مع طبيعته العامة ، فيسمح للأفراد بممارسة حرياتهم ضمن نطاق القيم والمثل ، التي تهذب الحرية وتصقلها ، وتجعل منها أداة خير للانسانية كلها .
والتحديد الإسلامي للحرية الاجتماعية في الحقل الاقتصادي على قسمين :
أحدهما : التحديد الذاتي الذي ينبع من أعماق النفس ، ويستمد قوته ورصيده من المحتوى الروحي والفكري للشخصية الإسلامية .
والآخر : التحديد الموضوعي الذي يعبر عن قوة خارجية ، تحدد السلوك الاجتماعي وتضبطه .
أما التحديد الذاتي : فهو يتكون طبيعياً في ظل التربية الخاصة ، التي ينشئ الإسلام عليها الفرد في المجتمع الذي يتحكم الإسلام في كل مرافق حياته ( المجتمع الإسلامي ) . فإن للإطارات الفكرية والروحية التي يصوغ الإسلام الشخصية الإسلامية ضمنها ، حين يعطي فرصة مباشرة واقع الحياة وصنع التاريخ على أساسه . . إن لتلك الإطارات قوتها المعنوية الهائلة ، وتأثيرها الكبير في التحديد ذاتياً وطبيعياً من الحرية ، الممنوحة لأفراد المجتمع الإسلامي ، وتوجيهها توجيهاً مهذباً صالحاً ، دون أن يشعر الأفراد بسلب شيء من حريتهم ، لأن التحديد نبع من واقعهم الروحي والفكري ، فلا يجدون فيه حداً لحرياتهم . ولذلك لم يكن التحديد الذاتي تحديداً للحرية في الحقيقة ، وإنما هو عملية إنشاء للمحتوى الداخلي للانسان الحر ، إنشاءاً معنوياً صالحاً ، حيث تؤدي الحرية في ظله رسالتها الصحيحة .
وقد كان لهذا التحديد الذاتي نتائجه الرائعة ، وآثاره الكبيرة في تكوين طبيعة المجتمع الإسلامي ومزاجه العام ، وبالرغم من أن التجربة الإسلامية الكاملة كانت قصيرة الأمد ، فقد آتت ثمارها ، وفجّرت في النفس البشرية امكاناتها المثالية العالية ، ومنحتها رصيداً روحياً زاخراً بمشاعر العدل والخير والاحسان ولو قدر لتلك التجربة أن تستمر وتمتد في عمر الانسانية ، أكثر مما امتدت في شوطها التاريخي القصير ، لإستطاعت أن تبرهن على كفاءة الإنسانية لخلافة الأرض ، ولصنعت عالماً جديداً زاخراً بمشاعر العدل والرحمة ، واجتثت من النفس البشرية أكثر ما يمكن استئصاله من عناصر الشر ، ودوافع الظلم والفاسد .
وناهيك من نتائج التحديد الذاتي ، أنه ظل وحده هو الضامن الأساسي لأعمال البر والخير في مجتمع المسلمين ، منذ خسر الإسلام تجربته للحياة . وفقد قيادته السياسية وإمامته الاجتماعية ، وبالرغم من ابتعاد المسلمين عن روح تلك التجربة والقيادة بعداً زمنياً امتد قروناً عديدة ، وبعداً روحياً يقدر بانخفاض مستوياتهم الفكرية والنفسية ، واعتيادهم على ألوان أخرى للحياة الاجتماعية والسياسية . . بالرغم من ذلك كله فقد كان للتحديد الذاتي ، الذي وضع الإسلام نواته في تجربته الكاملة للحياة ، دوره الإيجابي الفعال ، في ضمان أعمال البر والخير ، التي تتمثل في إقدام الملايين من المسلمين بملء حريتهم ، المتبلورة في إطار ذلك التحديد ، على دفع الزكاة وغيرها من حقوق الله ، والمساهمة في تحقيق مفاهيم الإسلام عن العدل الاجتماعي ، فماذا تقدر من نتائج في ضوء هذا الواقع ، لو كان هؤلاء المسلمون يعيشون التجربة الإسلامية الكاملة ، وكان مجتمعهم تجسيداً كاملاً للإسلام ، في أفكاره وقيمه وسياسته ، وتعبيراً عملياً عن مفاهيمه ومثله .
وأما التحديد الموضوعي للحرية ، فنعني به : التحديد الذي يفرض على الفرد في المجتمع الإسلامي من خارج ، بقوة الشرع . ويقوم هذا التحديد الموضوعي للحرية في الإسلام ، على المبدأ القائل : إنه لا حرية للشخص فيما نصت عليه الشريعة
المقدسة ، من ألوان النشاط التي تتعارض مع المثل والغايات التي يؤمن الإسلام بضرورتها[1].
وقد تم تنفيذ هذا المبدأ في الإسلام بالطريقة التالية :
أولاً : كفلت الشريعة في مصادرها العامة ، النص على المنع عن مجموعة من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية ، المعيقة - في نظر الإسلام - عن تحقيق المثل والقيم التي يتبناها الإسلام ، كالربا والاحتكار وغير ذلك[2].
وثانياً : وضعت الشريعة مبدأ إشراف ولي الأمر على النشاط العام ، وتدخل الدولة لحماية المصالح العامة وحراستها ، بالتحديد من حريات الأفراد فيما يمارسون من أعمال[3]. وقد كان وضع الإسلام لهذا المبدأ ضرورياً لكي يضمن تحقيق مثله ومفاهيمه في العدالة الاجتماعية على مر الزمن . فإن متطلبات العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها الإسلام ، تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية للمجتمع ، والأوضاع المادية التي تكتنفه فقد يكون القيام بعمل مضراً بالمجتمع وكيانه الضروري ، في زمان دون زمان ، فلا يمكن تفصيل ذلك في صيغ دستورية ثابتة وإنما السبيل الوحيد هو فسح المجال لولي الأمر ، ليمارس وظيفته بصفته سلطة مراقبة وموجهة ، ومحددة لحريات الأفراد فيما يفعلون أو يتركون من الأمور المباحة في الشرع ، وفقاً للمثل الإسلام في المجتمع .
والأصل التشريعي لمبدأ الإشراف والتدخل هو القرآن الكريم ، في قوله تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )[4]. فإن هذا النص دل بوضوح على وجوب إطاعة أولي الأمر . ولا خلاف بين المسلمين ، في أن أولي الأمر هم أصحاب السلطة الشرعية في المجتمع الإسلامي ، وإن اختلفوا في تعيينهم وتحديد شروطهم وصفاتهم .
[1]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 253 ، وجواهر الكلام ج 22 ، ص 10 ، والميزان ج 1 ، ص 253 .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 22 ، ص 9 - 195 ، وإيصال الطالب ج 10 ، ص 395 .
[3]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 253 ، وإيصال الطالب ج 7 ، ص 171 - 179 .
[4]النساء ، 59 .