بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 284


2 - مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود والثاني من أركان الاقتصاد الإسلامي ، السماح للأفراد على الصعيد الاقتصادي بحرية محدودة ، بحدود من القيم المعنوية والخلقية التي يؤمن بها الإسلام .
وفي هذا الركن نجد أيضاً الاختلاف البارزين بين الاقتصاد الإسلامي ، والاقتصادي ، الرأسمالي والاشتراكي . فبينما يمارس الأفراد حريات غير محدودة في ظل الاقتصاد الرأسمالي ، وبينما يصادر الاقتصاد الاشتراكي حريات الجميع . . يقف الإسلام موقفه الذي يتفق مع طبيعته العامة ، فيسمح للأفراد بممارسة حرياتهم ضمن نطاق القيم والمثل ، التي تهذب الحرية وتصقلها ، وتجعل منها أداة خير للانسانية كلها .
والتحديد الإسلامي للحرية الاجتماعية في الحقل الاقتصادي على قسمين :
أحدهما : التحديد الذاتي الذي ينبع من أعماق النفس ، ويستمد قوته ورصيده من المحتوى الروحي والفكري للشخصية الإسلامية .
والآخر : التحديد الموضوعي الذي يعبر عن قوة خارجية ، تحدد السلوك الاجتماعي وتضبطه .
أما التحديد الذاتي : فهو يتكون طبيعياً في ظل التربية الخاصة ، التي ينشئ الإسلام عليها الفرد في المجتمع الذي يتحكم الإسلام في كل مرافق حياته ( المجتمع الإسلامي ) . فإن للإطارات الفكرية والروحية التي يصوغ الإسلام الشخصية الإسلامية ضمنها ، حين يعطي فرصة مباشرة واقع الحياة وصنع التاريخ على أساسه . . إن لتلك الإطارات قوتها المعنوية الهائلة ، وتأثيرها الكبير في التحديد ذاتياً وطبيعياً من الحرية ، الممنوحة لأفراد المجتمع الإسلامي ، وتوجيهها توجيهاً مهذباً صالحاً ، دون أن يشعر الأفراد بسلب شيء من حريتهم ، لأن التحديد نبع من واقعهم الروحي والفكري ، فلا يجدون فيه حداً لحرياتهم . ولذلك لم يكن التحديد الذاتي تحديداً للحرية في الحقيقة ، وإنما هو عملية إنشاء للمحتوى الداخلي للانسان الحر ، إنشاءاً معنوياً صالحاً ، حيث تؤدي الحرية في ظله رسالتها الصحيحة .


صفحه 285


وقد كان لهذا التحديد الذاتي نتائجه الرائعة ، وآثاره الكبيرة في تكوين طبيعة المجتمع الإسلامي ومزاجه العام ، وبالرغم من أن التجربة الإسلامية الكاملة كانت قصيرة الأمد ، فقد آتت ثمارها ، وفجّرت في النفس البشرية امكاناتها المثالية العالية ، ومنحتها رصيداً روحياً زاخراً بمشاعر العدل والخير والاحسان ولو قدر لتلك التجربة أن تستمر وتمتد في عمر الانسانية ، أكثر مما امتدت في شوطها التاريخي القصير ، لإستطاعت أن تبرهن على كفاءة الإنسانية لخلافة الأرض ، ولصنعت عالماً جديداً زاخراً بمشاعر العدل والرحمة ، واجتثت من النفس البشرية أكثر ما يمكن استئصاله من عناصر الشر ، ودوافع الظلم والفاسد .
وناهيك من نتائج التحديد الذاتي ، أنه ظل وحده هو الضامن الأساسي لأعمال البر والخير في مجتمع المسلمين ، منذ خسر الإسلام تجربته للحياة . وفقد قيادته السياسية وإمامته الاجتماعية ، وبالرغم من ابتعاد المسلمين عن روح تلك التجربة والقيادة بعداً زمنياً امتد قروناً عديدة ، وبعداً روحياً يقدر بانخفاض مستوياتهم الفكرية والنفسية ، واعتيادهم على ألوان أخرى للحياة الاجتماعية والسياسية . . بالرغم من ذلك كله فقد كان للتحديد الذاتي ، الذي وضع الإسلام نواته في تجربته الكاملة للحياة ، دوره الإيجابي الفعال ، في ضمان أعمال البر والخير ، التي تتمثل في إقدام الملايين من المسلمين بملء حريتهم ، المتبلورة في إطار ذلك التحديد ، على دفع الزكاة وغيرها من حقوق الله ، والمساهمة في تحقيق مفاهيم الإسلام عن العدل الاجتماعي ، فماذا تقدر من نتائج في ضوء هذا الواقع ، لو كان هؤلاء المسلمون يعيشون التجربة الإسلامية الكاملة ، وكان مجتمعهم تجسيداً كاملاً للإسلام ، في أفكاره وقيمه وسياسته ، وتعبيراً عملياً عن مفاهيمه ومثله .
وأما التحديد الموضوعي للحرية ، فنعني به : التحديد الذي يفرض على الفرد في المجتمع الإسلامي من خارج ، بقوة الشرع . ويقوم هذا التحديد الموضوعي للحرية في الإسلام ، على المبدأ القائل : إنه لا حرية للشخص فيما نصت عليه الشريعة


صفحه 286


المقدسة ، من ألوان النشاط التي تتعارض مع المثل والغايات التي يؤمن الإسلام بضرورتها[1].
وقد تم تنفيذ هذا المبدأ في الإسلام بالطريقة التالية :
أولاً : كفلت الشريعة في مصادرها العامة ، النص على المنع عن مجموعة من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية ، المعيقة - في نظر الإسلام - عن تحقيق المثل والقيم التي يتبناها الإسلام ، كالربا والاحتكار وغير ذلك[2].
وثانياً : وضعت الشريعة مبدأ إشراف ولي الأمر على النشاط العام ، وتدخل الدولة لحماية المصالح العامة وحراستها ، بالتحديد من حريات الأفراد فيما يمارسون من أعمال[3]. وقد كان وضع الإسلام لهذا المبدأ ضرورياً لكي يضمن تحقيق مثله ومفاهيمه في العدالة الاجتماعية على مر الزمن . فإن متطلبات العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها الإسلام ، تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية للمجتمع ، والأوضاع المادية التي تكتنفه فقد يكون القيام بعمل مضراً بالمجتمع وكيانه الضروري ، في زمان دون زمان ، فلا يمكن تفصيل ذلك في صيغ دستورية ثابتة وإنما السبيل الوحيد هو فسح المجال لولي الأمر ، ليمارس وظيفته بصفته سلطة مراقبة وموجهة ، ومحددة لحريات الأفراد فيما يفعلون أو يتركون من الأمور المباحة في الشرع ، وفقاً للمثل الإسلام في المجتمع .
والأصل التشريعي لمبدأ الإشراف والتدخل هو القرآن الكريم ، في قوله تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )[4]. فإن هذا النص دل بوضوح على وجوب إطاعة أولي الأمر . ولا خلاف بين المسلمين ، في أن أولي الأمر هم أصحاب السلطة الشرعية في المجتمع الإسلامي ، وإن اختلفوا في تعيينهم وتحديد شروطهم وصفاتهم .


[1]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 253 ، وجواهر الكلام ج 22 ، ص 10 ، والميزان ج 1 ، ص 253 .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 22 ، ص 9 - 195 ، وإيصال الطالب ج 10 ، ص 395 .
[3]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 253 ، وإيصال الطالب ج 7 ، ص 171 - 179 .
[4]النساء ، 59 .


صفحه 287


فللسلطة الإسلامية العليا إذن حق الطاعة والتدخل ، لحماية المجتمع وتحقيق التوازن الإسلامي فيه ، على أن يكون هذا التدخل ، لحماية المجتمع وتحقيق التوازن الإسلامي فيه ، على أن يكون هذا التدخل ضمن دائرة الشريعة المقدسة . فلا يجوز للدولة أو لولي الأمر أن يحلل الربا ، أو يجيز الغش ، أو يعطل قانون الإرث ، أو يلغي ملكية ثابتة في المجتمع على أساس إسلامي . . وإنما يسمح لولي الأمر في الإسلام ، بالنسبة إلى التصرفات والأعمال المباحة في الشريعة أن يتدخل فيها ، فيمنع عنها أو يأمر بها وفقاً للمثل الإسلامي للمجتمع[1]. فإحياء الأرض ، واستخراج المعادن ، وشق الأنهار ، وغير ذلك من ألوان النشاط والاتجار . . أعمال مباحة سمحت بها الشريعة سماحاً عاماً ووضعت لكل عمل نتائجه الشرعية التي تترتب عليه ، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع عن القيام بشيء من تلك التصرفات أو يأمر به ، في حدود صلاحياته . . كان له ذلك ، وفقاً للمبدأ الآنف الذكر .
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وآله - يطبق مبدأ التدخل هذا حين تقضي الحاجة ويتطلب الموقف شيئاً من التدخل والتوجيه . ومن أمثلة ذلك ما جاء في الحديث الصحيح - عنه صلى الله عليه وآله - من أنه قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل : إنه لا يمنع نفع الشيء . وقضى بين أهل البادية : إنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء ، وقال لا ضرر ولا ضرار[2]. فإن من الواضح لدى الفقهاء : أن منع نفع الشيء أو فضل الماء ، ليس محرماً بصورة عامة في الشريعة المقدسة . وفي هذا الضوء نعرف : أن النبي لم يحرم على أهل المدينة منع نفع الشيء ، أو منع فضل الماء بصفته رسولاً عن تنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع وتوجيهها توجيهاً لا يتعارض مع المصلحة العامة التي قدرها . وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل الرواية تعبر عن تحريم النبي ( ص ) : بالقضاء لا بالنهي ، نظراً إلى أن القضاء لون من الحكم[3].


[1]لاحظ تحف العقول ص 347 ، وإيصال الطالب ج 7 ، ص 187 - 195 .
[2]الوسائل ج 17 ، ص 333 ، الحديث 3241 .
[3]وقد اعتقد بعض الفقهاء ، في قضاء النبي بأن لا يمنع فضل الماء أو نفع الشيء : أنه نهي تحريم . وأنما اضطروا إلى هذا اللون من التأويل وانتزاع طابع الحتم والوجوب عن قضاء النبي ، اعتقاداً منهم بأن الحديث لا يتحمل إلا أحد معنيين : فإما أن يكون نهي النبي تحريماً ، فيصبح منع فضل الماء والكلاء محرماً في الشريعة ، كتحريم الخمر وغيره من المحرمات العامة . وإما أن يكون النهي ترجيحاً واستحساناً ، لسخاء المالك بفضل ماله . ولما كان المعنى الأول غريباً عن الذهنية الفقهية ، فيجب الأخذ بالتفسير الثاني . ولكن هذا في الواقع لا يبرر تأويل قضاء النبي وتفسيره بالترجيح والاستحسان ، ما دام من الممكن أن نحتفظ لقضاء النبي يتابع الحتم والوجوب ، كما يشع به اللفظ ، ونفهمه بوصفه حكماً صدر من النبي بما هو ولي الأمر ، نظراً إلى الظروف الخاصة التي كان المسلمون يعيشونها وليس حكماً شرعياً عاماً كتحريم الخمر أو الميسر .


صفحه 288


وسوف نتناول هذا المبدأ ( مبدأ الاشراف والتدخل ) ، بشكل أوسع وبصورة أكثر وضوحاً أكثر وضوحاً وتحديداً في بحث مقبل[1].
والركن الثالث في الاقتصاد الإسلامي . هو مبدأ العدالة الاجتماعية التي جسدها الإسلام ، فيما زود به نظام توزيع الثروة في المجتمع الإسلامي من عناصر وضمانات ، تكفل للتوزيع قدرته على تحقيق العدالة الإسلامية ، وانسجامه مع القيم التي يرتكز عليها . فإن الإسلام حين أدرج العدالة الاجتماعية ضمن المبادئ الأساسية ، التي يتكون منها مذهبة الاقتصادي لم يتبن العدالة الاجتماعية بمفهومها التجريدي العام ، ولم يناد بها بشكل مفتوح لكل تفسير ، ولا أوكله إلى المجتمعات الإنسانية التي تختلف في نظرتها للعدالة الاجتماعية ، باختلاف أفكارها الحضارية ومفاهيمها عن الحياة . . وإنما حدد الإسلام هذا المفهوم وبلوره ، في مخطط اجتماعي معين ، واستطاع - بعد ذلك - أن يجسد هذا التصميم في واقع اجتماعي حي ، تنبض جميع شرايينه وأوردته بالمفهوم الإسلامي للعدالة .
فلا يكفي أن نعرف من الإسلام مناداته بالعدالة الاجتماعية ، وإنما يجب أن نعرف أيضاً تصوراته التفصيلية للعدالة ، ومدلولها الإسلامي الخاص .


[1]راجع مبدأ تدخل الدولة ، ص 685 من الكتاب .


صفحه 289


والصورة الإسلامية للعدالة الاجتماعية تحتوي على مبدئين عامين ، كل منهما خطوطه وتفصيلاته : أحدهما : مبدأ التكافل العام ، والآخر : مبدأ التوازن الاجتماعي . وفي التكافل والتوازن بمفهومهما الإسلامي ، تحقق القيم الاجتماعية العادلة ، ويوجد المثل الإسلامي للعدالة الاجتماعية ، كما سنرى في فصل قادم[1].
وخطوات الإسلام التي خطاها في سبيل إيجاد المجتمع الإنساني الأفضل ، عبر تجربته التاريخية المشعة ، كانت واضحة وصريحة في اهتمامه بهذا الركن الرئيسي من اقتصاده .
وقد انعكس هذا الاهتمام - بوضوح - في الخطاب الأول الذي ألقاه النبي ( ص ) ، وفي أول عمل سياسي باشره في دولته الجديدة .
فإن الرسول الأعظم دشن بياناته التوجيهية - كما في الرواية - بخطابه هذا :
( ( أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم ، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ألم يأتك رسولي فبلغك ، وآتيتك مالاً وأفضلت عليك ؟ ‌ ! فما قدمت لنفسك ؟ ! فلينظرن يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً ، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم . فمن استطاع أن يقي وجهه من النار - ولو بشق تمرة - فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإنها تجزي الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) )[2].
وبدأ عمله السياسي بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وتطبيق مبدأ التكافل بينهم ، بغية تحقيق العدالة الاجتماعية التي يتوخاها الإسلام .
فهذه هي الأركان الأساسية في الاقتصاد الإسلامي :
أولا : ملكية ذات أشكال متنوعة ، يتحدد التوزيع في ضوئها[3].


[1]راجع الضمان الاجتماعي ص 661 ، والتوازن الاجتماعي ص 671 من الكتاب .
[2]كنز العمال ج 6 ، ص 367 ، الحديث 16101 ، مع اختلاف .
[3]لاحظ شرائع ج 3 ص 736 ، ومفتاح الكرامة ج 7 ، ص 3 و 9 .


صفحه 290


ثانياً : حرية محدودة بالقيم الإسلامية ، في مجالات : الإنتاج ، والتبادل ، والاستهلاك[1].
ثالثاً : عدالة اجتماعية تكفل للمجتمع سعادته ، قوامها التكافل والتوازن .
وللمذهب الاقتصادي في الإسلام صفتان أساسيتان ، تشعان في مختلف خطوطه وتفاصيله ، وهما : الواقعية ، والأخلاقية . فالاقتصاد الإسلامي اقتصاد واقعي وأخلاقي معاً ، في غاياته التي يرمي إلى تحقيقها ، وفي الطريقة التي يتخذها لذلك .
فهو اقتصاد واقعي في غايته ، لأنه يستهدف في أنظمته وقوانينه الغايات التي تنسجم مع واقع الإنسانية ، بطبيعتها ونوازعها وخصائصها العامة . ويحاول دائماً أن لا يرهق الانسانية في حسابه التشريعي ، ولا يحلق بها في أجواء خيالية عالية فوق طاقاته وإمكاناتها . . وإنما يقيم مخططه الاقتصادي دائماً على أساس النظرة الواقعية للانسان ، ويتوخى الغايات الواقعية التي تتفق مع تلك النظرة . فقد يلذ لإقتصاد خيالي كالشيوعية مثلاً ، أن يتبنىّ غاية غير واقعية ، ويرمي إلى تحقيق إنسانية جديدة طاهرة من كل نوازع الأنانية ، قادرة على توزيع الأعمال والأموال بينها ، دون حاجة إلى أداة حكومية تباشر التوزيع ، سليمة من كل ألوان الاختلاف أو الصراع . . غير أن هذا لا يتفق مع طبيعة التشريع الإسلامي ، وما اتصف به من واقعية في غاياته وأهدافه .
وهو - إلى هذا - واقعي في طريقته أيضاً . فكما يستهدف غايات واقعية ممكنة التحقيق ، كذلك يضمن تحقيق هذه الغايات ضماناً واقعياً مادياً ، ولا يكتفي بضمانات النصح والتوجيه ، التي يقدمها الوعاظ والمرشدون ، لأنه يريد أن يخرج تلك الأهداف إلى حيز التنفيذ ، فلا يقنع بإيكالها إلى رحمة الصدف والتقادير . فحين يستهدف مثلاً إيجاد التكافل العام في المجتمع ، لا يتوسل اليه بأساليب التوجيه


[1]لاحظ تحف العقول ص 204 و 282 ، وجواهر الكلام ج 22 ، ص 9 ، والميزان ج 4 ، ص 116


صفحه 291


واستثارة العواطف فحسب ، وإنما يسنده بضمان تشريعي ، يجعله ضروري التحقيق على كل حال .
والصفة الثانية للاقتصاد الإسلامي ، وهي الصفة الأخلاقية ، تعني - من ناحية الغاية : أن الإسلام لا يستمد غاياته التي يسعى إلى تحقيقها في حياة المجتمع الاقتصادية ، من ظروف مادية وشروط طبيعية مستقلة عن الإنسان نفسه ، كما تستوحي الماركسية غايتها من وضع القوى المنتجة وظروفها . . وإنما ينظر إلى تلك الغايات ، بوصفها معبرة عن قيم عملية ضرورية التحقيق من ناحية خلقية . فحين يقرر ضمان حياة العامل مثلاً ، لا يؤمن بأن هذا الضمان الاجتماعي الذي وضعه ، نابع من الظروف المادية للإنتاج مثلا ، وإنما يعتبره ممثلاً لقيمة عملية يجب تحقيقها ، كما سندرس ذلك بصورة مفصلة خلال بحوث هذا الفصل .
وتعني الصفة الخلقية - من ناحية الطريقة : أن الإسلام يهتم بالعامل النفسي ، خلال الطريقة التي يضعها لتحقيق أهدافه وغاياته . فهو في الطريقة التي يضعها لذلك ، لا يهتم بالجانب الموضوعي فحسب - وهو أن تحقق تلك الغايات - وإنما يعنى بوجه خاص بمزج العامل النفسي والذاتي بالطريقة التي تحقق تلك الغايات . فقد يؤخذ من الغنى مال لإشباع الفقير مثلاً ، ويتأتى بذلك للفقير أن يشبع حاجاته ، وتوجد بذلك الغاية الموضوعية التي يتوخاها الاقتصاد الإسلامي ، من وراء مبدأ التكافل . ولكن هذا ليس هو كل المسألة في حساب الإسلام ، بل هناك الطريقة التي تم بها تحقيق ضريبة من الأغنياء لكفالة الفقراء . وهذا وإن كفى في - تحقيق الجانب الموضوعي من المسألة ، أي إشباع الفقير . . . ولكن الإسلام لا يقر ذلك ، ما دامت طريقة تحقيق التكافل مجردة عن الدافع الخلقي ، والعامل الخير في نفس الغني . ولأجل ذلك تدخل الإسلام ، وجعل من الفرائض المالية - التي استهدف منها إيجاد التكافل - عبادات شرعية ، يجب أن تنبع عن دافع نفسي نيّر ، يدفع الانسان إلى المساهمة في تحقيق غايات الاقتصاد الإسلامي ، بشكل واع مقصود ، طلباً بذلك رضا الله تعلى والقرب منه .