بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 288


وسوف نتناول هذا المبدأ ( مبدأ الاشراف والتدخل ) ، بشكل أوسع وبصورة أكثر وضوحاً أكثر وضوحاً وتحديداً في بحث مقبل[1].
والركن الثالث في الاقتصاد الإسلامي . هو مبدأ العدالة الاجتماعية التي جسدها الإسلام ، فيما زود به نظام توزيع الثروة في المجتمع الإسلامي من عناصر وضمانات ، تكفل للتوزيع قدرته على تحقيق العدالة الإسلامية ، وانسجامه مع القيم التي يرتكز عليها . فإن الإسلام حين أدرج العدالة الاجتماعية ضمن المبادئ الأساسية ، التي يتكون منها مذهبة الاقتصادي لم يتبن العدالة الاجتماعية بمفهومها التجريدي العام ، ولم يناد بها بشكل مفتوح لكل تفسير ، ولا أوكله إلى المجتمعات الإنسانية التي تختلف في نظرتها للعدالة الاجتماعية ، باختلاف أفكارها الحضارية ومفاهيمها عن الحياة . . وإنما حدد الإسلام هذا المفهوم وبلوره ، في مخطط اجتماعي معين ، واستطاع - بعد ذلك - أن يجسد هذا التصميم في واقع اجتماعي حي ، تنبض جميع شرايينه وأوردته بالمفهوم الإسلامي للعدالة .
فلا يكفي أن نعرف من الإسلام مناداته بالعدالة الاجتماعية ، وإنما يجب أن نعرف أيضاً تصوراته التفصيلية للعدالة ، ومدلولها الإسلامي الخاص .


[1]راجع مبدأ تدخل الدولة ، ص 685 من الكتاب .


صفحه 289


والصورة الإسلامية للعدالة الاجتماعية تحتوي على مبدئين عامين ، كل منهما خطوطه وتفصيلاته : أحدهما : مبدأ التكافل العام ، والآخر : مبدأ التوازن الاجتماعي . وفي التكافل والتوازن بمفهومهما الإسلامي ، تحقق القيم الاجتماعية العادلة ، ويوجد المثل الإسلامي للعدالة الاجتماعية ، كما سنرى في فصل قادم[1].
وخطوات الإسلام التي خطاها في سبيل إيجاد المجتمع الإنساني الأفضل ، عبر تجربته التاريخية المشعة ، كانت واضحة وصريحة في اهتمامه بهذا الركن الرئيسي من اقتصاده .
وقد انعكس هذا الاهتمام - بوضوح - في الخطاب الأول الذي ألقاه النبي ( ص ) ، وفي أول عمل سياسي باشره في دولته الجديدة .
فإن الرسول الأعظم دشن بياناته التوجيهية - كما في الرواية - بخطابه هذا :
( ( أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم ، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ألم يأتك رسولي فبلغك ، وآتيتك مالاً وأفضلت عليك ؟ ‌ ! فما قدمت لنفسك ؟ ! فلينظرن يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً ، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم . فمن استطاع أن يقي وجهه من النار - ولو بشق تمرة - فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإنها تجزي الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) )[2].
وبدأ عمله السياسي بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وتطبيق مبدأ التكافل بينهم ، بغية تحقيق العدالة الاجتماعية التي يتوخاها الإسلام .
فهذه هي الأركان الأساسية في الاقتصاد الإسلامي :
أولا : ملكية ذات أشكال متنوعة ، يتحدد التوزيع في ضوئها[3].


[1]راجع الضمان الاجتماعي ص 661 ، والتوازن الاجتماعي ص 671 من الكتاب .
[2]كنز العمال ج 6 ، ص 367 ، الحديث 16101 ، مع اختلاف .
[3]لاحظ شرائع ج 3 ص 736 ، ومفتاح الكرامة ج 7 ، ص 3 و 9 .


صفحه 290


ثانياً : حرية محدودة بالقيم الإسلامية ، في مجالات : الإنتاج ، والتبادل ، والاستهلاك[1].
ثالثاً : عدالة اجتماعية تكفل للمجتمع سعادته ، قوامها التكافل والتوازن .
وللمذهب الاقتصادي في الإسلام صفتان أساسيتان ، تشعان في مختلف خطوطه وتفاصيله ، وهما : الواقعية ، والأخلاقية . فالاقتصاد الإسلامي اقتصاد واقعي وأخلاقي معاً ، في غاياته التي يرمي إلى تحقيقها ، وفي الطريقة التي يتخذها لذلك .
فهو اقتصاد واقعي في غايته ، لأنه يستهدف في أنظمته وقوانينه الغايات التي تنسجم مع واقع الإنسانية ، بطبيعتها ونوازعها وخصائصها العامة . ويحاول دائماً أن لا يرهق الانسانية في حسابه التشريعي ، ولا يحلق بها في أجواء خيالية عالية فوق طاقاته وإمكاناتها . . وإنما يقيم مخططه الاقتصادي دائماً على أساس النظرة الواقعية للانسان ، ويتوخى الغايات الواقعية التي تتفق مع تلك النظرة . فقد يلذ لإقتصاد خيالي كالشيوعية مثلاً ، أن يتبنىّ غاية غير واقعية ، ويرمي إلى تحقيق إنسانية جديدة طاهرة من كل نوازع الأنانية ، قادرة على توزيع الأعمال والأموال بينها ، دون حاجة إلى أداة حكومية تباشر التوزيع ، سليمة من كل ألوان الاختلاف أو الصراع . . غير أن هذا لا يتفق مع طبيعة التشريع الإسلامي ، وما اتصف به من واقعية في غاياته وأهدافه .
وهو - إلى هذا - واقعي في طريقته أيضاً . فكما يستهدف غايات واقعية ممكنة التحقيق ، كذلك يضمن تحقيق هذه الغايات ضماناً واقعياً مادياً ، ولا يكتفي بضمانات النصح والتوجيه ، التي يقدمها الوعاظ والمرشدون ، لأنه يريد أن يخرج تلك الأهداف إلى حيز التنفيذ ، فلا يقنع بإيكالها إلى رحمة الصدف والتقادير . فحين يستهدف مثلاً إيجاد التكافل العام في المجتمع ، لا يتوسل اليه بأساليب التوجيه


[1]لاحظ تحف العقول ص 204 و 282 ، وجواهر الكلام ج 22 ، ص 9 ، والميزان ج 4 ، ص 116


صفحه 291


واستثارة العواطف فحسب ، وإنما يسنده بضمان تشريعي ، يجعله ضروري التحقيق على كل حال .
والصفة الثانية للاقتصاد الإسلامي ، وهي الصفة الأخلاقية ، تعني - من ناحية الغاية : أن الإسلام لا يستمد غاياته التي يسعى إلى تحقيقها في حياة المجتمع الاقتصادية ، من ظروف مادية وشروط طبيعية مستقلة عن الإنسان نفسه ، كما تستوحي الماركسية غايتها من وضع القوى المنتجة وظروفها . . وإنما ينظر إلى تلك الغايات ، بوصفها معبرة عن قيم عملية ضرورية التحقيق من ناحية خلقية . فحين يقرر ضمان حياة العامل مثلاً ، لا يؤمن بأن هذا الضمان الاجتماعي الذي وضعه ، نابع من الظروف المادية للإنتاج مثلا ، وإنما يعتبره ممثلاً لقيمة عملية يجب تحقيقها ، كما سندرس ذلك بصورة مفصلة خلال بحوث هذا الفصل .
وتعني الصفة الخلقية - من ناحية الطريقة : أن الإسلام يهتم بالعامل النفسي ، خلال الطريقة التي يضعها لتحقيق أهدافه وغاياته . فهو في الطريقة التي يضعها لذلك ، لا يهتم بالجانب الموضوعي فحسب - وهو أن تحقق تلك الغايات - وإنما يعنى بوجه خاص بمزج العامل النفسي والذاتي بالطريقة التي تحقق تلك الغايات . فقد يؤخذ من الغنى مال لإشباع الفقير مثلاً ، ويتأتى بذلك للفقير أن يشبع حاجاته ، وتوجد بذلك الغاية الموضوعية التي يتوخاها الاقتصاد الإسلامي ، من وراء مبدأ التكافل . ولكن هذا ليس هو كل المسألة في حساب الإسلام ، بل هناك الطريقة التي تم بها تحقيق ضريبة من الأغنياء لكفالة الفقراء . وهذا وإن كفى في - تحقيق الجانب الموضوعي من المسألة ، أي إشباع الفقير . . . ولكن الإسلام لا يقر ذلك ، ما دامت طريقة تحقيق التكافل مجردة عن الدافع الخلقي ، والعامل الخير في نفس الغني . ولأجل ذلك تدخل الإسلام ، وجعل من الفرائض المالية - التي استهدف منها إيجاد التكافل - عبادات شرعية ، يجب أن تنبع عن دافع نفسي نيّر ، يدفع الانسان إلى المساهمة في تحقيق غايات الاقتصاد الإسلامي ، بشكل واع مقصود ، طلباً بذلك رضا الله تعلى والقرب منه .


صفحه 292


ولا غرو أن يكون للإسلام هذا الاهتمام بالعامل النفسي ، وهذا الحرص على تكوينه روحياً وفكرياً ، طبقاً لغاياته ومفاهيمه ، فإن لطبيعة العوامل الذاتية التي تعتلج في نفس الانسان ، أثرها الكبير في تكوين شخصية الانسان ، وتحديد محتواه الروحي ، كما أن للعامل الذاتي أثره الكبير على الحياة الاجتماعية ومشاكلها وحلولها . وقد بات من الواضح لدى الجميع اليوم : أن العامل النفسي يلعب دوراً رئيسياً في المجال الاقتصادي ، فهو يؤثر في حدوث الأزمات الدورية ، التي يضج من ويلاتها الاقتصاد الأوروبي . ويؤثر أيضاً على منحني العرض والطلب ، وفي الكفاية الإنتاجية للعامل إلى غير ذلك من عناصر الاقتصاد .
فالإسلام إذن لا يقتصر - في مذهبه وتعاليمه - على تنظيم الوجه الخارجي للمجتمع ، وإنما ينفذ إلى أعماقه الروحية والفكرية ، ليوفق بين المحتوى الداخلي ، وما يرسمه من مخطط اقتصادي واجتماعي . ولا يكتفي في طريقته أن يتخذ أي أسلوب يكفل تحقيق غاياته ، وإنما يمزج هذا الأسلوب بالعامل النفسي والدافع الذاتي الذي ينسجم مع تلك الغايات ومفاهيمها .


صفحه 293


الإقتصاد الإسلامي جُزء من كل إننا في وعينا للاقتصاد الإسلامي ، لا يجوز أن ندرسه مجزءاً بعضه عن بعض . نظير أن ندرس حكم الإسلام بحرمة الربا ، أو سماحه بالملكية الخاصة ، بصورة منفصلة عن سائر أجزاء المخطط العام . كما لا يجوز أيضاً أن ندرس مجموع الاقتصاد الإسلامي ، بوصفه شيئاً منفصلاً وكياناً مذهبياً مستقلاً ، عن سائر كيانات المذهب : الاجتماعية والسياسية ، الأخرى ، وعن طبيعة العلاقات القائمة بين تلك الكيانات . . . وإنما يجب أن نعي الاقتصاد الإسلامي ضمن الصيغة الإسلامية العامة ، التي تنظم شتى نواحي الحياة في المجتمع . فكما ندرك الشيء المحسوس ضمن صيغة عامة تتألف من مجموعة أشياء ، وتختلف النظرة إلى الشيء ضمن الصيغة العامة عن النظرة اليه خارج تلك الصيغة ، أو ضمن صيغة أخرى ، حتى لقد يبدو الخط قصيراً ضمن تركيب معين من الخطوط ، ويبدو أطول من ذلك إذا تغير تركيب الخطوط . . كذلك أيضاً تلعب الصيغ العامة للمذاهب الاجتماعية ، دوراً مهماً في تقدير مخططاتها الاقتصادية . فمن الخطأ أن لا نعير الصيغة الإسلامية العامة أهميتها ، وأن لا ندخل في الحساب طبيعة العلاقة بين الاقتصاد وسائر أجزاء المذهب ، والتأثير المتبادل بينها في كيانه العضوي العام .


صفحه 294


كما يجب أيضاً أن لا نفصل بين المذهب الإسلامي بصيغته العامة ، وبين أرضيته الخاصة التي أعدت له ، وهيأ فيها كل عناصر البقاء والقوة للمذهب . فكما ندرك الصيغ المحسوسة على أرضيات مختلفة ، وينسجم كل شكل مع أرضية معينة ، فقد لا تصلح أرضية لشكل آخر ، ولا يصلح ذلك الشكل لأرضية أخرى . كذلك الصيغة العامة للمذهب - أي مذهب كان - تحتاج إلى أرضية وتربة ، تتفق مع طبيعتها ، وتمدها بالعقيدة والمفاهيم والعواطف التي تلائمها فلابد لدى تقدير الصيغة العامة للمذهب أن ندرسها على أساس التربة والأرضية المعدة لها ، أي ضمن إطارها العام .
وهكذا يتضح أن الاقتصاد الإسلامي مترابط في خطوطه وتفاصيله ، وهو بدوره جزء من صيغة عامة للحياة[1]وهذه الصيغة لها أرضية خاصة بها ، ويوجد المجتمع الإسلامي الكامل حين يكتسب الصيغة والأرضية معاً ، حين يحصل على النبتة والتربة كليهما . ويستقيم منهج البحث في الاقتصاد الإسلامي ، حين يدرس الاقتصاد الإسلامي بما هو مخطط مترابط ، ويوصفه جزءاً من الصيغة الإسلامية العامة للحياة ، التي ترتكز بدورها على التربة والأرضية التي أعدها الإسلام للمجتمع الإسلامي الصحيح .
وتتكون التربة أو الأرضية للمجتمع الإسلامي ، ومذهبه الاجتماعي ، من العناصر التالية :
أولاً : العقيدة ، وهي القاعدة المركزية في التفكير الإسلامي ، التي تحدد نظرة المسلم الرئيسية إلى الكون بصورة عامة .
وثانياً : المفاهيم التي تعكس وجهة نظر الإسلام في تفسير الأشياء ، على ضوء النظرة التي تبلورها العقيدة .
وثالثاً : العواطف والأحاسيس التي يتبنى الإسلام بثها وتنميتها ، إلى صف تلك المفاهيم ، لأن المفهوم - بصفته فكرة إسلامية عن واقع معين - يفجر في نفس المسلم


[1]لاحظ الميزان ج 4 ، ص 109 .


صفحه 295


شعوراً خاصاً تجاه ذلك الواقع ، ويحدد اتجاهه العاطفي نحوه . فالعواطف الإسلامية وليدة المفاهيم الإسلامية ، والمفاهيم الإسلامية بدورها موضوعية في ضوء العقيدة الإسلامية الأساسية ، ولنأخذ لذلك مثلاً من التقوى . ففي ظل عقيدة التوحيد ينشأ المفهوم الإسلامي عن التقوى ، القائل : إن التقوى هي ميزان الكرمة والتفاضل بين أفراد الإنسان ، وتتولد عن هذا المفهوم عاطفة إسلامية بالنسبة إلى التقوى والمتقين ، وهي عاطفة الإجلال والاحترام .
فهذه هي العناصر الثلاثة : العقيدة ، والمفاهيم ، والعواطف ، التي تشترك في تكوين التربة الصالحة للمجتمع[1].
ثم يأتي - بعد التربة - دور الصيغة الإسلامية العامة للحياة ، كلاً لا يتجزأ ، يمتد إلى مختلف شعب الحياة . وعندما يستكمل المجتمع الإسلامي ربته وصيغته العامة ، عندئذ فقط نستطيع أن نترقب من الاقتصاد الإسلامي أن يقوم برسالته الفذة في الحياة الاقتصادية ، وأن يضمن للمجتمع أسباب السعادة والرفاه ، وأن نقطف منه أعظم الثمار . وأما أن ننتظر من الرسالة الإسلامية الكبرى ، أن تحقق كل أهدافها من جانب معين من جوانب الحياة ، إذا طبقت في ذلك الجانب بصورة منفصلة عن سائر شعب الحياة الأخرى . . فهذا خطأ . لأن الارتباط القائم في التصميم الإسلامي الجبار للمجتمع ، بين كل جانب منه وجوانبه الأخرى ، يجعل شأنه شأن خريطة يضعها أبرع المهندسين لإنشاء عمارة رائعة ، فليس في إمكان هذه الخريطة أن تعكس الجمال والروعة - كما أراد المهندس - إلا إذا طبقت بكاملها ، وأما إذا أخذنا بها في بناء جزء من العمارة فقط ، فليس من حقنا أن نترقب من هذا الجزء أن يكون كما أراد المهندس ، في تصميمه للخريطة كلها . وكذلك التصميم الإسلامي ، فإن الإسلام إشترع نهجه الخاص به ، وجعل منه الأداة الكاملة لاسعاد البشرية ، على أن يطبق هذا النهج الإسلامي العظيم في بيئة إسلامية ، قد صبغت على أساس الإسلام في وجودها وأفكارها وكيانها كله وان


[1]لاحظ البحار ج 68 ، ص 191 وج 74 ، ص 232 و 234 ، والوسائل ج 8 ، ص 399 .