< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
< فهرس الموضوعات > 3 - الإطار العام للاقتصاد الإسلامي < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > المصالح الطبيعية والمصالح الاجتماعية للإنسان < / فهرس الموضوعات > 3 - الإطار العام للاقتصاد الإسلامي :
يمتاز المذهب الاقتصادي في الإسلام عن بقية المذاهب الاقتصادية التي درسناها ، بإطاره الديني العام . فإن الدين هو الإطار الشامل لكل أنظمة الحياة في الإسلام . فكل شعبة من شعب الحياة حين يعالجها الإسلام يمزج بينها وبين الدين ، ويصوغها في إطار من الصلة الدينية للانسان بخالقه وآخرته .
وهذا الإطار هو الذي يجعل النظام الإسلامي قادراً على النجاح ، وضمان تحقيق المصالح الاجتماعية العامة للإنسان لأن هذه المصالح الاجتماعية لا يمكن أن يضمن تحقيقها إلا عن طريق الدين .
ولكي يتضح ذلك يجب أن ندرس مصالح الانسان في حياته المعيشية ، ومدى إمكان توفيها وضمان تحقيقها . لننتهي من ذلك إلى الحقيقة الآنفة الذكر ، وهي : أن المصالح الاجتماعية للإنسان لا يمكن أن توفر ويضمن تحقيقها إلا عن طريق نظام يتمتع بإطار ديني صحيح .
وحين ندرس مصالح الانسان في حياته المعيشية ، يمكننا تقسيمها إلى فئتين :
إحداهما : مصالح الانسان التي تقدمها الطبيعة له بوصفه كائناً خاصاً كالعقاقير الطبية مثلاً فإن من مصلحة الانسان الظفر بها من الطبيعة ، وليست لهذه المصلحة صلة بعلاقاته الاجتماعية مع الآخرين ، بل الانسان بوصفه كائناً معرضاً للجراثيم الضارة ، بحاجة إلى تلك العقاقير ، سواء كان يعيش منفرداً أم ضمن مجتمع مترابط .
والفئة الأخرى : مصالح الانسان التي يكفلها له النظام الاجتماعي ، بوصفه كائناً اجتماعياً يرتبط بعلاقات مع الآخرين ، كالمصلحة التي يجنيها الانسان مع النظام الاجتماعي حين يسمح له بمبادلة منتوجاته بمنتوجات الآخرين ، أو حين يوفر له ضمان معيشته في حالات العجز والتعطل عن العمل .
وسوف نطلق على الفئة الأولى اسم : المصالح الطبيعية ، وعلى الفئة الثانية اسم المصالح الاجتماعية .
ولكي يتمكن الانسان من توفير مصالحه الطبيعية والاجتماعية ، يجب أن يجهّز بالقدرة على معرفة تلك المصالح وأساليب إيجادها ، وبالدافع الذي يدفعه إلى السعي في سبيلها . فالعقاقير التي تستحضر للعلاج من السل مثلاً ، توجد لدى الانسان حين يعرف أن للسل دواءاً ، ويكتشف كيفية استحضاره ، كما أن ضمان المعيشة في حالات العجز - بوصفه مصلحة اجتماعية - يتوقف على معرفة الانسان بفائدة هذا الضمان ، وكيفية تشريعه ، وعلى الدافع الذي يدفع إلى وضع هذا التشريع وتنفيذه .
فهناك إذن شرطان أساسيان ، لا يمكن بدونهما للنوع الانساني أن يظفر بحياة كاملة تتوفر فيها مصالحه الطبيعية والاجتماعية : أحدهما : أن يعرف تلك المصالح ، وكيف تحقق ، والآخر : أن يملك دافعاً يدفعه بعد معرفتها إلى تحقيقها .
ونحن إذا لاحظنا المصالح الطبيعية للانسان - كاستحضار عقاقير للعلاج من السل - وجدنا أن الانسانية قد زودت بإمكانات الحصول على تلك المصالح ، فهي تملك قدرة فكرية تستطيع أن تدرك بها ظواهر الطبيعة ، والمصالح التي تكمن فيها . وهذه القدرة وإن كانت تنمو على مر الزمن نمواً بطيئاً ، ولكنها تسير على أي حال في خط متكامل على ضوء الخبرة والتجارب المستجدة ، وكلما نمت هذه القدرة كان الانسان أقدر على إدراك مصالحه ومعرفة المنافع التي يمكن أن يجنيها من الطبيعة .
وإلى جانب هذه القدرة الفكرية تملك الانسانية دافعاً ذاتياً ، يضمن اندفاعها في سبيل مصالحها الطبيعية ، فإن المصالح الطبيعية للانسان تلتقي بالدافع الذاتي لكل فرد . فليس الحصول على العقاقير الطبية مثلاً مصلحة لفرد دون فرد . أو منفعة لجماعة دون آخرين . فالمجتمع الانساني دائماً يندفع في سبيل توفير المصالح الطبيعية بقوة من الدوافع الذاتية للأفراد ، التي تتفق كلها على الاهتمام بتلك المصالح وضرورتها ، بوصفها ذات نفع شخصي للأفراد جميعاً .
وهكذا نعرف أن الإنسان ركب تركيباً نفسياً وفكرياً خاصاً ، يجعله قادراً على توفير المصالح الطبيعية ، وتكميل هذه الناحية من حياته عبر تجربته للحياة والطبيعية . .
وأما المصالح الاجتماعية فهي بدورها تتوقف أيضاً - كما عرفنا - على إدراك الانسان للتنظيم الاجتماعي الذي يصلحه ، وعلى الدافع النفسي نحو إيجاد ذلك التنظيم وتنفيذه . فما هو نصيب الانسان من هذين الشرطين بالنسبة إلى المصالح الاجتماعية ؟ وهل جهز الانسان بالقدرة الفكرية على إدراك مصالحه الاجتماعية ، وبالدافع الذي يدفعه إلى تحقيقها ، كما جهز بذلك بالنسبة إلى مصالحه الطبيعية ؟ ؟
ولنأخذ الآن الشرط الأول ، فمن القول الشائع : أن الانسان لا يستطيع أن يدرك التنظيم الاجتماعي الذي يكفل له كل مصالحه الاجتماعية ، وينسجم مع طبيعته وتركيبه العام ، لأنه أعجز ما يكون عن استيعاب الموقف الاجتماعي بكل خصائصه ، والطبيعة الانسانية بكل محتواها ويخص أصحاب هذا القول إلى نتيجة هي : أن النظام الاجتماعي يجب أن يوضع للانسانية ، ولا يمكن أن تترك الإنسانية لتضع بنفسها النظام ، ما دامت معرفتها محدودة ، وشروطها الفكرية عاجزة عن استكناه أسرار المسألة الاجتماعية كلها .
وعلى هذا الأساس يقدمون الدليل على ضرورة الدين في حياة الانسان ، وحاجة الإنسان إلى الرسل والأنبياء ، بوصفهم قادرين عن طريق الوحي على تحديد المصالح الحقيقية للانسان في حياته الاجتماعية وكشفها للناس .
غير أن المشكلة في رأينا تبدو بصورة أكثر وضوحاً حين ندرس الشروط الثاني .
فإن النقطة الأساسية في المشكلة ليست هي : كيف يدرك الإنسان المصالح الاجتماعية[1]؟ بلى المشكلة الأساسية هي : كيف يندفع هذا الإنسان إلى تحقيقها وتنظيم المجتمع بالشكل الذي يضمنها ؟ ومثار المشكلة هو أن المصلحة الاجتماعية لا تقف في أكثر الأحايين مع الدافع الذاتي ، لتناقضها مع المصالح الخاصة للافراد . فإن الدافع الذاتي ، لتناقضها مع المصالح الخاصة للافراد . فإن الدافع الذاتي الذي كان يضمن اندفاع الإنسان نحو المصالح الطبيعية للانسان ، لا يقف الموقف نفسه من مصالحها الاجتماعية ، فبينما كان الدافع الذاتي يجعل الإنسان يحاول إيجاد دواء للسل ، لأن إيجاد هذا الدواء من مصلحة الأفراد جميعاً . . نجد أن هذا الدافع الذاتي نفسه يحول دون تحقيق كثير من المصالح الاجتماعية ، ويمنع عن إيجاد التنظيم الذي يكفل تلك المصالح أو عن تنفيذه . فضمان معيشة العامل حال التعطل يتعارض مع مصلحة الأغنياء ، الذي سيكلفون بتسديد نفقات هذا الضمان . وتأميم الأرض يتناقض مع مصلحة أولئك الذين يمكنهم احتكار الأرض لأنفسهم . وهكذا كل مصلحة اجتماعية ، فإنها تمنى بمعارضة الدوافع الذاتية من الأفراد ، الذين تختلف مصلحتهم عن تلك المصلحة الاجتماعية العامة .
وفي هذا الضوء نعرف الفارق الأساسي بين المصالح الطبيعية والمصالح الاجتماعية . فإن الدوافع الذاتية للأفراد لا تصطدم بالمصالح الطبيعية للانسانية ، بل تدفع الأفراد إلى إيجادها واستثمار الوعي التأملي في هذا السبيل ، وبذلك كان النوع الإنساني بكل الإمكانات التي تكفل له مصالحه الطبيعية ، بصورة تدريجية وفقاً لدرجة تلك الإمكانات التي تنمو عبر التجربة . وعلى العكس من ذلك المصالح الاجتماعية ، فإن الدوافع الذاتية التي تنبع من حب الانسان لنفسه ، وتدفعه إلى تقديم صالحه على صالح الآخرين ، إن تلك الدوافع تحول دون استثمار الوعي العملي عند
[1]قمنا بدراسة واسعة لتقييم امكانات الانسان للوصول فكرياً إلى التنظيم الاجتماعي الأصلح وإدراك المصالح الاجتماعية الحقيقية في كتابنا ( الانسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية ) وشرحت هناك دور التجارب الاجتماعية والعلمية ومدى عطائها في هذا المجال .
الإنسان استثماراً مخلصاً ، في سبيل توفير المصالح الاجتماعية ، وإيجاد التنظيم الاجتماعي الذي يكفل تلك المصالح وتنفيذ هذا التنظيم .
وهكذا يتضح أن المشكلة الاجتماعية التي تحول بين الانسانية وتكاملها الاجتماعي ، هي التناقض القائم بين المصالح الاجتماعية والدوافع الذاتية وما لم تكن الإنسانية مجهزة بإمكانات للتوفيق بين المصالح الاجتماعية والدوافع الأساسية التي تتحكم في الأفراد ، لا يمكن للمجتمع الإنساني أن يظفر بكماله الاجتماعي . فما هي تلك الإمكانات ؟ ؟
إن الإنسانية بحاجة إلى دافع يتفق مع المصالح الاجتماعية العامة ، كما وجدت المصالح الطبيعية الدافع الذاتي حليفاً لها .
هل يمكن للعلم أن يحل المشكلة ويتردد على بعض الشفاه أن العلم الذي تطور بشكل هائل ، كفيل بحل المشكلة الاجتماعية ، لأن الانسان هذا المارد الجبار الذي استطاع أن يخطو خطوات العمالقة ، في ميادين الفكر والحياة والطبيعة ، وينفذ إلى أعمق أسرارها ، ويحل أروع ألغازها ، حتى أتيح له أن يفجّر الذرة ويطلق طاقتها الهائلة ، وأن يكشف الأفلاك ويرسل إليها قذائفه ، ويركب الطائرة الصاروخية ، ويسخر قوى الطبيعة لنقل ما يحدث على بعد مئات الألوف من الأميال على شكل أصوات تسمع وصور ترى . . إن هذا الانسان الذي سجل في تاريخ قصير كل هذا الفتوحات العلمية ، وانتصر في جميع معاركه مع الطبيعة ، لقادر بما أوتي من علم وبصيرة أن يبني المجتمع المتماسك السعيد ، ويضع التنظيم الاجتماعي الذي يكفل المصالح الاجتماعية للانسانية ، فلم يعد الانسان بحاجة إلى مصدر يستوحي منه موقفه الاجتماعي سوى العلم الذي قاده من نصر إلى نصر في كل الميادين .
وهذا الزعم في الواقع لا يعني إلا الجهل بوظيفة العلم في الحياة الإنسانية ، فإن العلم مهما نما وتطور ليس إلا أداة لكشف الحقائق الموضوعية في مختلف الحقول ،
وتفسير الواقع تفسيراً محايداً يعكسه بأعلى درجة ممكنة من الدقة والعمق . فهو يعلمنا مثلاً في المجال الاجتماعي : أن الرأسمالية تؤدي إلى تحكم القانون الحديدي بالأجور ، وخفضها إلى المستوى الضروري للمعيشة ، كما يعلمنا في المجال الطبيعي أن استعمال مادة كيماوية معينة يؤدي إلى تحكم مرض خطير بحياة الشخص . والعلم حين يبرز لنا هذه الحقيقة أو تلك ، يكون قد قام بوظيفته وأتحف الانسانية بمعرفة جديدة ، ولكن سبح هذا المرض الخطير أو ذلك القانون الرهيب ( قانون الأجور الحديدي ) ، لا يتلاشى لمجرد أن العلم اكتشف العلاقة بين تلك المادة المعينة والمرض ، أو بين الرأسمالية والقانون الحديدي ، بل إن الانسان يتخلص من المرض بالتجنب عما يؤدي اليه ، ويتخلص من القانون الحديدي للأجور بمحو الإطار الرأسمالي للمجتمع . وهنا نتساءل ما الذي يضمن أن يتخلص الانسان من ذلك المرض ؟ ومن هذا الإطار ؟ والجواب فيما يتصل بالمرض واضح كل الوضوح ، فإن الدافع الذاتي عند الانسان يكفي وحده لإبعاده عن تلك المادة الخاصة التي كشف العلم عن نتائجها الخطيرة لأنه يناقض المصلحة الخاصة للفرد . وأما فيما يتصل بالقانون الحديدي للأجور وإزالة الإطار الرأسمالي ، فإن الحقيقة العلمية التي كشفت عن الصلة بين هذا الإطار وذلك القانون مثلاً ، ليست قوة دافعة إلى العمل وتغيير الإطار ، وإنما يحتاج العمل إلى دافع ، والدوافع الذاتية للافراد لا تلتقي دائماً ، بل تختلف تبعاً لاختلاف المصالح الخاصة .
وهكذا يجب أن نفرق بين اكتشاف الحقيقة العلمية ، والعمل في ضوئها على إسعاد المجتمع . فالعلم إنما يكشف الحقيقة بدرجة ما ، وليس هو الذي يطورها .
المادية التاريخية والمشكلة وتقول الماركسية بهذا الصدد - على أساس المادية التاريخية - دعوا المشكلة نفسها ، فإن قوانين التاريخ كفيلة بحلها في يوم من الأيام ، أفليست المشكلة هي أن
الدوافع الذاتية لا تستطيع أن تضمن مصالح المجتمع وسعادته ، لأنها تنبع من المصالح الخاصة التي تختلف في أكثر الأحايين مع المصالح الاجتماعية العامة ؟ إن هذا ليست مشكلة وإنما هي حقيقة المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ ، فقد كان كل شيء يسير طبقاً للدافع الذاتي الذي ينعكس في المجتمع بشكل طبقي ، فيثور الصراع بين الدوافع الذاتية للطبقات المختلفة ، والغلبة دائماً تكون من حظ الدافع الذاتي للطبقة التي تسيطر على وسائل الإنتاج ، وهكذا يتحكم الدافع الذاتي بشكل محتوم ، حتى تضع قوانين التاريخ حلها الجذري للمشكلة بإنشاء المجتمع اللا طبقي ، تزول فيه الدوافع الذاتية ، وتنشأ بدلاً عنها الدوافع الجماعية ، وفقاً للملكية الجماعية .
وقد عرفنا في دراستنا للمادية التاريخية ، أن أمثال هذه النبوءات التي تتنبأ بها المادية التاريخية لا تقوم على أساس علمي ، ولا يمكن انتظار حل حاسم للمشكلة من ورائها .
وهكذا تبقى المشكلة كما هي مشكلة مجتمع يتحكم فيه الدافع الذاتي ، وما دامت الكلمة العليا للدافع الذاتي تمليه على كل فرد مصلحته الخاصة ، فسوف تكون السيطرة للمصلحة التي تملك قوة التنفيذ فمن يكفل لمصلحة المجتمع في زحمة الأنانيات المتناقضة أن يصاغ قانونه وفقاً للمصالح الاجتماعية للانسانية . ما دام هذا القانون تعبيراً عن القوة السائدة في المجتمع ؟ !
ولا يمكننا أن ننتظر من جهاز اجتماعي كالجهاز الحكومي أن يحل المشكلة بالقوة ويوقف الدوافع الذاتية عند حدها ، لأن هذا الجهاز منبثق عن المجتمع نفسه ، فالمشكلة فيه هي المشكلة في المجتمع بأسره ، لأن الدافع الذاتي هو الذي يتحكم فيه .
ونخلص من ذلك كله إلى أن الدافع الذاتي هو مثار المشكلة الاجتماعية ، وأن هذا الدافع أصيل في الانسان لأنه ينبع من حبة لذاته .
فهل كتب على الانسانية أن تعيش دائماً في هذا المشكلة الاجتماعية النابعة من دوافعها الذاتية ، وفطرتها وأن تشقى بهذه الفطرة ؟ !