بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 307


الإنسان استثماراً مخلصاً ، في سبيل توفير المصالح الاجتماعية ، وإيجاد التنظيم الاجتماعي الذي يكفل تلك المصالح وتنفيذ هذا التنظيم .
وهكذا يتضح أن المشكلة الاجتماعية التي تحول بين الانسانية وتكاملها الاجتماعي ، هي التناقض القائم بين المصالح الاجتماعية والدوافع الذاتية وما لم تكن الإنسانية مجهزة بإمكانات للتوفيق بين المصالح الاجتماعية والدوافع الأساسية التي تتحكم في الأفراد ، لا يمكن للمجتمع الإنساني أن يظفر بكماله الاجتماعي . فما هي تلك الإمكانات ؟ ؟
إن الإنسانية بحاجة إلى دافع يتفق مع المصالح الاجتماعية العامة ، كما وجدت المصالح الطبيعية الدافع الذاتي حليفاً لها .
هل يمكن للعلم أن يحل المشكلة ويتردد على بعض الشفاه أن العلم الذي تطور بشكل هائل ، كفيل بحل المشكلة الاجتماعية ، لأن الانسان هذا المارد الجبار الذي استطاع أن يخطو خطوات العمالقة ، في ميادين الفكر والحياة والطبيعة ، وينفذ إلى أعمق أسرارها ، ويحل أروع ألغازها ، حتى أتيح له أن يفجّر الذرة ويطلق طاقتها الهائلة ، وأن يكشف الأفلاك ويرسل إليها قذائفه ، ويركب الطائرة الصاروخية ، ويسخر قوى الطبيعة لنقل ما يحدث على بعد مئات الألوف من الأميال على شكل أصوات تسمع وصور ترى . . إن هذا الانسان الذي سجل في تاريخ قصير كل هذا الفتوحات العلمية ، وانتصر في جميع معاركه مع الطبيعة ، لقادر بما أوتي من علم وبصيرة أن يبني المجتمع المتماسك السعيد ، ويضع التنظيم الاجتماعي الذي يكفل المصالح الاجتماعية للانسانية ، فلم يعد الانسان بحاجة إلى مصدر يستوحي منه موقفه الاجتماعي سوى العلم الذي قاده من نصر إلى نصر في كل الميادين .
وهذا الزعم في الواقع لا يعني إلا الجهل بوظيفة العلم في الحياة الإنسانية ، فإن العلم مهما نما وتطور ليس إلا أداة لكشف الحقائق الموضوعية في مختلف الحقول ،


صفحه 308


وتفسير الواقع تفسيراً محايداً يعكسه بأعلى درجة ممكنة من الدقة والعمق . فهو يعلمنا مثلاً في المجال الاجتماعي : أن الرأسمالية تؤدي إلى تحكم القانون الحديدي بالأجور ، وخفضها إلى المستوى الضروري للمعيشة ، كما يعلمنا في المجال الطبيعي أن استعمال مادة كيماوية معينة يؤدي إلى تحكم مرض خطير بحياة الشخص . والعلم حين يبرز لنا هذه الحقيقة أو تلك ، يكون قد قام بوظيفته وأتحف الانسانية بمعرفة جديدة ، ولكن سبح هذا المرض الخطير أو ذلك القانون الرهيب ( قانون الأجور الحديدي ) ، لا يتلاشى لمجرد أن العلم اكتشف العلاقة بين تلك المادة المعينة والمرض ، أو بين الرأسمالية والقانون الحديدي ، بل إن الانسان يتخلص من المرض بالتجنب عما يؤدي اليه ، ويتخلص من القانون الحديدي للأجور بمحو الإطار الرأسمالي للمجتمع . وهنا نتساءل ما الذي يضمن أن يتخلص الانسان من ذلك المرض ؟ ومن هذا الإطار ؟ والجواب فيما يتصل بالمرض واضح كل الوضوح ، فإن الدافع الذاتي عند الانسان يكفي وحده لإبعاده عن تلك المادة الخاصة التي كشف العلم عن نتائجها الخطيرة لأنه يناقض المصلحة الخاصة للفرد . وأما فيما يتصل بالقانون الحديدي للأجور وإزالة الإطار الرأسمالي ، فإن الحقيقة العلمية التي كشفت عن الصلة بين هذا الإطار وذلك القانون مثلاً ، ليست قوة دافعة إلى العمل وتغيير الإطار ، وإنما يحتاج العمل إلى دافع ، والدوافع الذاتية للافراد لا تلتقي دائماً ، بل تختلف تبعاً لاختلاف المصالح الخاصة .
وهكذا يجب أن نفرق بين اكتشاف الحقيقة العلمية ، والعمل في ضوئها على إسعاد المجتمع . فالعلم إنما يكشف الحقيقة بدرجة ما ، وليس هو الذي يطورها .
المادية التاريخية والمشكلة وتقول الماركسية بهذا الصدد - على أساس المادية التاريخية - دعوا المشكلة نفسها ، فإن قوانين التاريخ كفيلة بحلها في يوم من الأيام ، أفليست المشكلة هي أن


صفحه 309


الدوافع الذاتية لا تستطيع أن تضمن مصالح المجتمع وسعادته ، لأنها تنبع من المصالح الخاصة التي تختلف في أكثر الأحايين مع المصالح الاجتماعية العامة ؟ إن هذا ليست مشكلة وإنما هي حقيقة المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ ، فقد كان كل شيء يسير طبقاً للدافع الذاتي الذي ينعكس في المجتمع بشكل طبقي ، فيثور الصراع بين الدوافع الذاتية للطبقات المختلفة ، والغلبة دائماً تكون من حظ الدافع الذاتي للطبقة التي تسيطر على وسائل الإنتاج ، وهكذا يتحكم الدافع الذاتي بشكل محتوم ، حتى تضع قوانين التاريخ حلها الجذري للمشكلة بإنشاء المجتمع اللا طبقي ، تزول فيه الدوافع الذاتية ، وتنشأ بدلاً عنها الدوافع الجماعية ، وفقاً للملكية الجماعية .
وقد عرفنا في دراستنا للمادية التاريخية ، أن أمثال هذه النبوءات التي تتنبأ بها المادية التاريخية لا تقوم على أساس علمي ، ولا يمكن انتظار حل حاسم للمشكلة من ورائها .
وهكذا تبقى المشكلة كما هي مشكلة مجتمع يتحكم فيه الدافع الذاتي ، وما دامت الكلمة العليا للدافع الذاتي تمليه على كل فرد مصلحته الخاصة ، فسوف تكون السيطرة للمصلحة التي تملك قوة التنفيذ فمن يكفل لمصلحة المجتمع في زحمة الأنانيات المتناقضة أن يصاغ قانونه وفقاً للمصالح الاجتماعية للانسانية . ما دام هذا القانون تعبيراً عن القوة السائدة في المجتمع ؟ !
ولا يمكننا أن ننتظر من جهاز اجتماعي كالجهاز الحكومي أن يحل المشكلة بالقوة ويوقف الدوافع الذاتية عند حدها ، لأن هذا الجهاز منبثق عن المجتمع نفسه ، فالمشكلة فيه هي المشكلة في المجتمع بأسره ، لأن الدافع الذاتي هو الذي يتحكم فيه .
ونخلص من ذلك كله إلى أن الدافع الذاتي هو مثار المشكلة الاجتماعية ، وأن هذا الدافع أصيل في الانسان لأنه ينبع من حبة لذاته .
فهل كتب على الانسانية أن تعيش دائماً في هذا المشكلة الاجتماعية النابعة من دوافعها الذاتية ، وفطرتها وأن تشقى بهذه الفطرة ؟ !


صفحه 310


وهل استثنيت الانسانية من نظام الكون الذي زود كل كائن فيه بإمكانات التكامل ، وأودعت فيه الفطرة التي تسوقه إلى كماله الخاص ، كما دلت على ذلك التجارب العلمية إلى جانب البرهان الفلسفي ؟ ! .
الدين هو الحل الوحيد للمشكلة :
وهنا يجيء دور الدين بوصفه الحل الوحيد للمشكلة ، فإن الدين هو الإطار الوحيد الذي يمكن للمسألة الاجتماعية أن تجد ضمنه حلها الصحيح . ذلك أن الحق يتوقف على التوفيق بين الدوافع الذاتية والمصالح الاجتماعية العامة ، وهذا التوفيق هو الذي يستطيع أن يقدمه الدين للانسانية ، لأن الدين هو الطاقة الروحية التي تستطيع أن تعوض الانسان عن لذائذه الموقوتة التي يتركها في حياته الأرضية أملاً في النعيم الدائم ، وتستطيع أن تدفعه إلى التضحية بوجوده عن إيمان بأن هذا الوجود المحدود الذي يضحي بعه ليس غلا تمهيداً لوجود خالد وحياة دائمة ، وتستطيع أن تخلق في تفكيره نظرة جديدة تجاه مصالحه ، ومفهوماً عن الربح والخسارة ارفع من مفاهيمهما التجارية المادية . فالغناء طرق اللذة ، والخسارة لحساب المجتمع سبيل الربح ، وحماية مصالح الآخرين تعني ضمناً حماية مصالح الفرد في حياة أسمى وأرفع . . وهكذا ترتبط المصالح الاجتماعية العامة بالدوافع الذاتية ، بوصفها مصالح للفرد في حسابه الديني .
وفي القرآن الكريم نجد التأكيد الرائعة على هذا المعنى منتشرة في كل مكان ، وهي تستهدف جميعاً تكوين تلك النظرة الجديدة عند الفرد عن مصالحه وأرباحه فالقرآن يقول :
{ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ }[1]{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا }[2].


[1]المؤمن / 40 .
[2]فصلت / 46 ، والجاثية / 15 .


صفحه 311


{ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه }[1]{ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }[2]{ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }[3].
هذه صور رائعة يقدمها الدين في نصوص القرآن ليربط بين الدوافع الذاتية وسبل الخير في الحياة ويطور من مصلحة الفرد تطويراً يجعله يؤمن بأن مصالحه الخاصة والمصالح الحقيقية العامة للانسانية التي يحددها الإسلام مترابطتان .
فالدين إذن هو صاحب الدور الأساسي في حل المشكلة الاجتماعية ، عن طريق تجنيد الدافع الذاتي لحساب المصلحة العامة .
وبهذا نعرف أن الدين حاجة فطرية للانسانية ، لأن الفطرة ما دامت هي أساس الدوافع الذاتية التي نبعت منها المشكلة فلابد أن تكون قد جهزت بإمكانات لحل المشكلة أيضاً ، لئلا يشذ الانسان عن سائر الكائنات التي زودت فطرتها جميعاً بالإمكانات التي تسوق كل كائن إلى كماله الخاص . وليست تلك الامكانات التي تملكها الفكرة الانسانية لحل المشكلة إلا غريزة التدين والاستعداد الطبيعي لربط الحياة بالدين وصوغها في إطاره العام .
فللفطرة الانسانية إذن جانبان : فهي من ناحية تملي على الانسان دوافعه الذاتية . التي تنبع منها المشكلة الاجتماعية الكبرى في حياة الانسان ( مشكلة التناقض بين


[1]الزلزلة / 6 .
[2]آل عمران / 169 .
[3]التوبة / 120 و 121 .


صفحه 312


تلك الدوافع والمصالح الحقيقية العامة للمجتمع الانساني ) .
وهي من ناحية أخرى تزود الانسان بإمكانية حل المشكلة عن طريق الميل الطبيعي إلى التدين ، وتحكيم الدين في الحياة بالشكل الذي يوفق بين المصالح العامة والدوافع الذاتية . وبهذا أتمت الفطرة وظيفتها في هداية الانسان إلى كماله . فلو بقت تثير المشكلة ولا تموت الطبيعة الانسانية بحلها ، لكان معنى هذا أن الكائن الانساني يبقى قيد المشكلة ، عاجزاً عن حلها ، مسوقاً بحكم فطرته إلى شرورها ومضاعفاتها وهذا ما قرره الإسلام بكل وضوح في قوله تعالى :
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } .[1]فإن هذه الآية الكريمة تقرر :
أولاً : إن الدين من شؤون الفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها جميعاً ، ولا تبديل لخلق الله .
وثانياً : إن هذا الدين الذي فطرت الإنسانية عليه ليس هو إلا الدين الحنيف ، أي دين التوحيد الخالص ، لأن دين التوحيد هو وحده الذي يمكن أن يؤدي وظيفة الدين الكبر ، ويوجد البشرية على مقياس عملي وتنظيم اجتماعي ، تحفظ فيه المصالح الاجتماعية . وأما أديان الشرك أو الأرباب المتفرقة على حد تعبير القرآن ، فهي في الحقيقة نتيجة للمشكلة فلا يمكن أن تكون علاجاً لها ، لأنها كما قال يوسف لصاحبي السجن { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ }[2]يعني بذلك أنها وليدة الدوافع الذاتية ، التي أملت على الناس أديان الشرك طبقاً لمصالحهم الشخصيّة المختلفة ، لتصرّف بذلك ميلهم الطبيعي إلى الدين الحنيف تصريحاً غير طبيعي ، وتحول بينهم وبين الاستجابة الصحيحة لميلهم الديني الأصيل .


[1]الروم : 30 .
[2]يوسف / 40 .


صفحه 313


وثالثاً : إن الدين الحنيف الذي فطرت الانسانية عليه يتميز بكونه ديناً قيماً على الحياة ( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم ) ، قادراً على التحكم فيها وصياغتها في إطاره العام . وأما الدين الذي لا يتولى إمامة الحياة وتوجيهها ، فهو لا يستطيع أن يستجيب استجابة كاملة للحاجة الفطرية في الانسان ، إلا الدين ، ولا يمكنه أن يعالج المشكلة الأساسية في حياة الإنسان .
ونخلص من ذلك إلى عدة مفاهيم للإسلام عن الدين والحياة .
فالمشكلة الأساسية في حياة الانسان نابعة من الفطرة .
لأنها مشكلة الدوافع الذاتية في اختلافاتها وتناقضاتها مع المصالح العامة . والفطرة في نفس الوقت تمون الانسانية بالعلاج .
وليس هذا العلاج إلا الدين الحنيف القيّم ، لأنه وحده القادر على التوفيق بين الدوافع الذاتية ، وتوحيد مصالحها ومقاييسها العملية .
فلابد للحياة الاجتماعية إذن من دين حنيف قيم .
ولابد للتنظيم الاجتماعي في مختلف شعب الحياة أن يوضع في إطار ذلك الدين ، القادر على التجاوب مع الفطرة ومعالجة المشكلة الأساسي في حياة الانسان .
وفي هذا الضوء نعرف أن الاقتصاد الإسلامي بوصفه جزءاً من تنظيم اجتماعي شامل للحياة ، يجب أن يندرج ضمن الإطار العام لذلك التنظيم ، وهو الدين ، فالدين هو الإطار العام لاقتصادنا المذهبي[1].
ووظيفة الدين - بوصفه إطاراً للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي في الإسلام - أن يوفق بين الدوافع الذاتية والمصالح الخاصة من ناحية ، والمصالح الحقيقية العامة للمجتمع الإنساني - من وجهة رأي الإسلام - من ناحية أخرى .


[1]لاحظ الوسائل ج 11 ، ص 407 و 521 و 599 .


صفحه 314