بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 311


{ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه }[1]{ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }[2]{ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }[3].
هذه صور رائعة يقدمها الدين في نصوص القرآن ليربط بين الدوافع الذاتية وسبل الخير في الحياة ويطور من مصلحة الفرد تطويراً يجعله يؤمن بأن مصالحه الخاصة والمصالح الحقيقية العامة للانسانية التي يحددها الإسلام مترابطتان .
فالدين إذن هو صاحب الدور الأساسي في حل المشكلة الاجتماعية ، عن طريق تجنيد الدافع الذاتي لحساب المصلحة العامة .
وبهذا نعرف أن الدين حاجة فطرية للانسانية ، لأن الفطرة ما دامت هي أساس الدوافع الذاتية التي نبعت منها المشكلة فلابد أن تكون قد جهزت بإمكانات لحل المشكلة أيضاً ، لئلا يشذ الانسان عن سائر الكائنات التي زودت فطرتها جميعاً بالإمكانات التي تسوق كل كائن إلى كماله الخاص . وليست تلك الامكانات التي تملكها الفكرة الانسانية لحل المشكلة إلا غريزة التدين والاستعداد الطبيعي لربط الحياة بالدين وصوغها في إطاره العام .
فللفطرة الانسانية إذن جانبان : فهي من ناحية تملي على الانسان دوافعه الذاتية . التي تنبع منها المشكلة الاجتماعية الكبرى في حياة الانسان ( مشكلة التناقض بين


[1]الزلزلة / 6 .
[2]آل عمران / 169 .
[3]التوبة / 120 و 121 .


صفحه 312


تلك الدوافع والمصالح الحقيقية العامة للمجتمع الانساني ) .
وهي من ناحية أخرى تزود الانسان بإمكانية حل المشكلة عن طريق الميل الطبيعي إلى التدين ، وتحكيم الدين في الحياة بالشكل الذي يوفق بين المصالح العامة والدوافع الذاتية . وبهذا أتمت الفطرة وظيفتها في هداية الانسان إلى كماله . فلو بقت تثير المشكلة ولا تموت الطبيعة الانسانية بحلها ، لكان معنى هذا أن الكائن الانساني يبقى قيد المشكلة ، عاجزاً عن حلها ، مسوقاً بحكم فطرته إلى شرورها ومضاعفاتها وهذا ما قرره الإسلام بكل وضوح في قوله تعالى :
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } .[1]فإن هذه الآية الكريمة تقرر :
أولاً : إن الدين من شؤون الفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها جميعاً ، ولا تبديل لخلق الله .
وثانياً : إن هذا الدين الذي فطرت الإنسانية عليه ليس هو إلا الدين الحنيف ، أي دين التوحيد الخالص ، لأن دين التوحيد هو وحده الذي يمكن أن يؤدي وظيفة الدين الكبر ، ويوجد البشرية على مقياس عملي وتنظيم اجتماعي ، تحفظ فيه المصالح الاجتماعية . وأما أديان الشرك أو الأرباب المتفرقة على حد تعبير القرآن ، فهي في الحقيقة نتيجة للمشكلة فلا يمكن أن تكون علاجاً لها ، لأنها كما قال يوسف لصاحبي السجن { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ }[2]يعني بذلك أنها وليدة الدوافع الذاتية ، التي أملت على الناس أديان الشرك طبقاً لمصالحهم الشخصيّة المختلفة ، لتصرّف بذلك ميلهم الطبيعي إلى الدين الحنيف تصريحاً غير طبيعي ، وتحول بينهم وبين الاستجابة الصحيحة لميلهم الديني الأصيل .


[1]الروم : 30 .
[2]يوسف / 40 .


صفحه 313


وثالثاً : إن الدين الحنيف الذي فطرت الانسانية عليه يتميز بكونه ديناً قيماً على الحياة ( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم ) ، قادراً على التحكم فيها وصياغتها في إطاره العام . وأما الدين الذي لا يتولى إمامة الحياة وتوجيهها ، فهو لا يستطيع أن يستجيب استجابة كاملة للحاجة الفطرية في الانسان ، إلا الدين ، ولا يمكنه أن يعالج المشكلة الأساسية في حياة الإنسان .
ونخلص من ذلك إلى عدة مفاهيم للإسلام عن الدين والحياة .
فالمشكلة الأساسية في حياة الانسان نابعة من الفطرة .
لأنها مشكلة الدوافع الذاتية في اختلافاتها وتناقضاتها مع المصالح العامة . والفطرة في نفس الوقت تمون الانسانية بالعلاج .
وليس هذا العلاج إلا الدين الحنيف القيّم ، لأنه وحده القادر على التوفيق بين الدوافع الذاتية ، وتوحيد مصالحها ومقاييسها العملية .
فلابد للحياة الاجتماعية إذن من دين حنيف قيم .
ولابد للتنظيم الاجتماعي في مختلف شعب الحياة أن يوضع في إطار ذلك الدين ، القادر على التجاوب مع الفطرة ومعالجة المشكلة الأساسي في حياة الانسان .
وفي هذا الضوء نعرف أن الاقتصاد الإسلامي بوصفه جزءاً من تنظيم اجتماعي شامل للحياة ، يجب أن يندرج ضمن الإطار العام لذلك التنظيم ، وهو الدين ، فالدين هو الإطار العام لاقتصادنا المذهبي[1].
ووظيفة الدين - بوصفه إطاراً للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي في الإسلام - أن يوفق بين الدوافع الذاتية والمصالح الخاصة من ناحية ، والمصالح الحقيقية العامة للمجتمع الإنساني - من وجهة رأي الإسلام - من ناحية أخرى .


[1]لاحظ الوسائل ج 11 ، ص 407 و 521 و 599 .


صفحه 314

صفحه 315


الإقتصَاد الإسلامي ليسَ علماً يشكل كل واحد من مذاهب الاقتصاد التي عرضناها جزءاً من مذهب كامل يتناول مختلف شعب الحياة ومناحيها . فالاقتصاد الإسلامي جزء من المذهب الإسلامي الشامل لشتى فروع الحياة ، والاقتصاد الرأسمالي جزء من الديمقراطية الرأسمالية التي تستوعب بنظرتها التنظيمية المجتمع كله ، كما أن الاقتصاد الماركسي جزء أيضاً من المذهب الماركسي الذي يبلور الحياة الاجتماعية كلها في إطاره الخاص .
وتختلف هذه المذاهب في بذورها الفكرية الأساسية ، وجذورها الرئيسية التي تستمد منها روحها وكيانها ، وتبعاً لذلك تختلف في طابعها الخاص .
فالاقتصاد الماركسي يحمل في رأي الماركسية طابعاً علمياً ، لأنه يعتبر في عقيدة أنصاره نتيجة محتومة للقوانين الطبيعية التي تهيمن على التاريخ وتتصرف فيه ، وعلى العكس من ذلك المذهب الرأسمالي ، فإنه لم يضعه أصحابه - كما مر معنا في بحث سابق - كنتيجة ضرورية لطبيعة التاريخ وقوانينه ، وإنما عبروا به عن الصورة الاجتماعية . التي تتفق مع القيم العملية والمثل التي يعتنقونها .
وأما المذهب الإسلامي فهو لا يزعم لنفسه الطابع العلمي ، كالمذهب الماركسي ، كما أنه ليس مجرداً عن أساس عقائدي معين ونظرة رئيسية إلى الحياة والكون ،


صفحه 316


كالرأسمالية[1].
ونحن حين نقول عن الاقتصاد الإسلامي أنه ليس علماً نعني أن الإسلام دين يتكفل الدعوة إلى تنظيم الحياة الاقتصادية كما يعالج سائر نواحي الحياة وليس علماً اقتصادياً على طراز علم الاقتصاد السياسي ، وبمعنى آخر : هو ثورة لقلب الواقع الفاسد وتحويله إلى واقع سليم ، وليس تفسيراً موضوعياً للواقع . فهو حينما يضع مبدأ الملكية المزدوجة مثلاً ، لا يزعم بذلك أنه يفسر الواقع التاريخي لمرحلة معينة من حياة الانسانية ، أو يعكس نتائج القوانين الطبيعة للتاريخ ، كما تزعم الماركسية حين تبشر بمبدأ الملكية الاشتراكية ، بوصفه الحالة الحتمية لمرحلة معينة من التاريخ والتفسير الوحيد لها .
فالاقتصاد الإسلامي من هذه الناحية يشبه الاقتصاد الرأسمالي المذهبي ، في كونه عملية تغيير الواقع لا عملية تفسير له . فالوظيفة المذهبية تجاه الاقتصاد الإسلام يهي : الكشف عن الصورة الكاملة للحياة الاقتصادية وفقاً للتشريع الإسلامي ، ودرس الأفكار والمفاهيم العامة التي تشع من وراء تلك الصورة كفكرة انفصال شكل التوزيع عن نوعية الإنتاج ، وما إليها من أفكار .
وأما الوظيفة العلمية تجاه الاقتصاد الإسلامي فيأتي دورها بعد ذلك ، لتكشف عن مجرى الحياة الواقعي وقوانينه ، ضمن مجتمع إسلامي يطبق فيه مذهب الإسلام تطبيقاً كاملاً . فالباحث العلمي يأخذ الاقتصاد المذهبي في الإسلام قاعدة ثابتة للمجتمع ، الذي يحاول تفسيره وربط الأحداث فيه بعضها ببعض . فهو في هذا تنظير الاقتصاد السياسي لعلماء الاقتصاد الرأسماليين ، الذين فرغوا من وضع خطوطهم المذهبية ، ثم بدأوا يفسرون الواقع ضمن تلك الخطوط ، ويدرسون طبيعة القوانين التي تتحكم في الواقع ضمن تلك الخطوط ، ويدرسون طبيعة القوانين التي تتحكم في المجتمع الذي تطبق عليه ، فنتج عن دراستهم هذه علم الاقتصاد السياسي .


[1]راجع في درس الفرق بين المذهب الإسلامي والمذهب الرأسمالي من هذه الناحية : كتاب فلسفتنا : التمهيد .


صفحه 317


وهكذا يمكن أن يتكون للاقتصاد الإسلامي علم - بعد أن يدرس دراسة مذهبية شاملة . من خلال دراسة الواقع في هذا الإطار - والسؤال هو : متى وكيف يمكن وضع علم الاقتصاد الإسلامي ، كما وضع الرأسماليون علم الاقتصاد السياسي ، أو بتعبير آخر علم الاقتصاد الذي يفسر أحداث المجتمع الرأسمالي ؟ ؟ .
والجواب على هذا السؤال : أن التفسير العلمي لأحداث الحياة الاقتصادية يرتكز على أمرين :
الأول : جميع الأحداث الاقتصادية من التجربة الواقعية للحياة وتنظيمها تنظيماً علمياً يكشف عن القوانين التي تتحكم بها في مجال تلك الحياة ، وشروطها الخاصة .
الثاني : البدء في البحث العلمي من مسلّمات معينة تفترض افتراضاً ، ويستنتج في ضوئها الاتجاه الاقتصادي ومجرى الأحداث . أما التفسير العلمي على الأساس الأول ، فهو يتوقف على تجسيد المذهب في كيان واقعي قائم ، ليتاح للباحث أن يسجل أحداث هذا الواقع ، وستخلص ظواهرها وقوانينها العامة . وهذا ما ظفر به الاقتصاديون الرأسماليون ، حين عاشوا في مجتمع يؤمن بالرأسمالية ويطبقها ، فأتيح لهم أن يضعوا نظرياتهم على أساس تجارب الواقع الاجتماعي التي عاشوها . ولكن شيئاً كهذا لا يتاح للاقتصاديين الإسلاميين ، ما دام الاقتصاد الإسلامي بعيداً عن مسرح الحياة ، فهم لا يملكون من حياتهم اليوم تجارب عن الاقتصاد الإسلامي خلال التطبيق ، ليدركوا في ضوئها طبيعة القوانين التي تتحكم في حياة تقوم على أساس الإسلام .
وأما التفسير العلمي على الأساس الثاني فمن الممكن استخدامه في سبيل توضيح بعض الحقائق التي تتميز بها الحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي ، بالانطلاق من نقاط مذهبية معينة ، واستنتاج آثارها في محال التطبيق المفترض ، ووضع نظيرات عامة عن الجانب الاقتصاد في المجتمع الإسلامي على ضوء تلك النقاط المذهبية .


صفحه 318


فمثلاً يمكن للباحث الإسلامي القول : بأن مصالح التجارة متفقة في المجتمع الإسلامي مع مصالح الماليين وأصحاب المصارف ، لأن المصرف في المجتمع الإسلام يقوم على أساس المضاربة لا على أساس الربا ، فهو يتجر بأموال زبائنه ويوزع الأرباح بينه وبينهم بنسبة مئوية معينة من الربح ، وفي النهاية يتوقف مصيره المالي على مدى الربح التجاري الذي يجنيه . لا على الفائدة التي يقتطعها من الديون . فهذه الظاهرة - ظاهرة الاتفاق بين مصالح المصارف ومصالح التجارة - هي بطبيعتها ظاهرة موضوعية ، ينطلق الباحث إلى استنتاجها من نقطة هي : إلغاء النظام الربوي للمصارف في المجتمع الإسلامي .
ويمكن للباحث أيضاً بالانطلاق من نقطة كهذه أن يقرر ظاهرة موضوعية أخرى وهي : تجاه المجتمع الإسلامي من عامل رئيسي للأزمات التي تمنى بها الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي ، فإن دورات الإنتاج والاستهلاك في مجتمع قائم على أساس الربا ، يعرقلها هذا الجزء الكبير من الثروة الأهلية الذي يدخر طمعاً بالفائدة الربوية ، ويسحب بذلك من مجالات الإنتاج والاستهلاك ، الأمر الذي يؤدي إلى كساد قسم كبير من الإنتاج الاجتماعي ، للبضائع الرأسمالية والبضائع الاستهلاكية . فحين يقوم المجتمع على أساس الاقتصاد الإسلامي ، ويحرم فيه الربا تحريماً تاماً ، كما يمنعه عن الاكتناز بالنهي عنه ، أو يفرض ضريبة عليه ، فسوف ينتج عن ذلك إقبال الناس جميعاً على إنفاق ثرواتهم .
ففي هذه التفسيرات نفترض واقعاً اجتماعياً قائماً على أسس معنية ، ونأخذ بتفسير هذا الواقع المفترض واستكشاف خصائصه العامة ، في ضوء تلك الأسس .
ولكن هذه التفسيرات لا تكوّن لنا بدقة المفهوم العلمي الشامل ، للحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي ، ما لم تجمع مواد الدراسة العلمية من تجارب الواقع المحسوس . فكثيراً ما تقع مفارقات بين الحياة الواقعية للنظام ، وبين التفسيرات التي تقدم لهذه الحياة على أساس الافتراض ، كما اتفق للاقتصاديين الرأسماليين الذين