بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 321


علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج يمارس الناس في حياتهم الاجتماعية عمليتين مختلفتين : إحداهما عملية الإنتاج ، والأخرى : عملية التوزيع ، فهم من ناحية يخوضون معركة مع الطبيعة في سبيل إخضاعها لرغباتهم ويتسلحون في هذه المعركة بما تسمح به خبرتهم من أدوات الإنتاج ، ومن ناحية أخرى يقيم هؤلاء الناس بينهم علاقات معينة ، تحدد صلة الأفراد بعضهم ببعض في مختلف شؤون الحياة ، وهذه العلاقات هي التي نطلق عليها اسم : النظام الاجتماعي ، وتندرج فيها علاقات التوزيع للثروة التي ينتجها المجتمع . فالأفراد في عملية الإنتاج يحصلون على مكاسبهم من الطبيعة ، وفي النظام الاجتماعي الذي يحدد العلاقات بينهم يتقاسمون تلك المكاسب .
وبدهي أن عملية الإنتاج في تطور وتحول أساسي دائم ، وفقاً لنمو العلم وعمقه فبينما كان يستخدم الإنسان في إنتاجه المحراث ، أصبح يستخدم الكهرباء والذرة ، كما أن النظام الاجتماعي الذي يحدد علاقات الناس بعضهم ببعض - بما فيها علاقات التوزيع - هو الآخر أيضاً لم يتخذ صيغة ثابتة في تاريخ الإنسان ، بل اتخذ في تاريخ الإنسان ، بل اتخذ ألواناً مختلفة باختلاف الظروف وتغيرها .
والسؤال الأساسي بهذا الصدد : ما هي الصلة بين تطور أشكال الإنتاج وتطور العلاقات الاجتماعية بما فيها علاقات التوزيع ( النظام الاجتماعي ) ؟
وتعتبر هذه النقطة مركز الاختلاف الرئيسي بين الاقتصاد الماركسي والاقتصاد


صفحه 322


الإسلامي ، ومن النقاط المهمة للخلاف بين الماركسية والإسلام بوجه عام .
فالاقتصاد الماركسي يرى : أن كل تطور في عمليات الإنتاج وأشكاله ، يواكبه تطور حتمي في العلاقات الاجتماعية عامة وعلاقات التوزيع خاصة ، فلا يمكن أن يتغير شكل الإنتاج وتظل العلاقات الاجتماعية محتفظة بشكلها القديم ، كما لا يمكن أيضاً أن تسبق العلاقات الاجتماعية شكل الإنتاج في تطورها . وتستخلص الماركسية من ذلك : أن من المستحيل أن يحتفظ نظام اجتماعي واحد بوجوده على مر الزمن ، أو أن يصلح للحياة الإنسانية في مراحل متعددة من الإنتاج ، لأن أشكال الإنتاج تتطور خلال التجربة البشرية دائماً وتتطور وفقاً لها العلاقات الاجتماعية فالنظام الذي يصلح لمجتمع الكهرباء والذرة غير النظام الذي كان يصلح لمجتمع الصناعة اليدوية ، ما دام شكل الإنتاج مختلفاً في المجتمعين . وعلى هذا الأساس تقدم الماركسية المذهب الاشتراكي ، باعتباره العلاج الضروري للمشكلة الاجتماعية في مرحلة تاريخية معينة ، وفقاً لمقتضيات الشكل الجديد للإنتاج في تلك المرحلة .
وأما الإسلام فهو يرفض هذه الصلة الحتمية المزعومة ، بين تطور الإنتاج وتطور النظام الاجتماعي ، ويرى أن للإنسان حقلين : يمارس في أحدهما عمله مع الطبيعة ، فيحاول بمختلف وسائله أن يستثمرها ويسخرها لإشباع حاجاته ، ويمارس في الآخر علاقاته مع الأفراد الآخرين في شتى مجالات الحياة الاجتماعية . وأشكال الإنتاج هي حصيلة الحقل الأول ، والأنظمة الاجتماعية هي حصيلة الحقل الثاني . وكل من الحقلين - بوجوده التاريخي - تعرّض لتطورات كثيرة في شكل الإنتاج أو في النظام الاجتماعي ، ولكن الإسلام لا يرى ذلك الترابط المحتوم بين تطورات أشكال الإنتاج وتطورات النظم الاجتماعية . ولأجل ذلك فهو يعتقد أن بالإمكان أن يحتفظ نظام اجتماعي واحد ، بكيانه وصلاحيته على مر الزمن مهما اختلفت أشكال الإنتاج[1].
وعلى أساس هذا المبدأ ( مبدأ الفصل بين النظام الاجتماعي وأشكال الإنتاج ) ، يقدم الإسلام نظامه الاجتماعي بما فيه مذهبه الاقتصادي ، بوصفه نظاماً إجتماعياً


[1]لاحظ الميزان ج 4 ، ص 120 .


صفحه 323


صلاحاً للأمة في كل مراحل إنتاجها ، وقادراً على إسعادها حين تمتلك سر الذرة ، كما كان يسعدها يوم كانت تفلح الأرض بيدها .
ومرد هذا الاختلاف الأساسي بين الماركسية والإسلام في نظرتهما نحو النظام الاجتماعي ، إلى اختلافهما - بوجه عام - في تفسير الحياة الاجتماعية التي يتكفل النظام الاجتماعي بتنظيمها وضبطها . فالحياة الاجتماعية للانسان وليدة القوى المنتجة في رأي الماركسية ، لأن قوى الإنتاج هي القاعدة الأساسية والعامل الأول في تاريخ الإنسان كله ، فإذا تغير شكل القوى المنتجة كان طبيعياً أن يتغير تبعاً لذلك شكل الحياة الاجتماعية ، الذي يعبر عنه النظام الاجتماعي السائد ، ويولد نظام جديد يساير الشكل الجديد للإنتاج .
وفي دراستنا السابقة للمادية التاريخية ، ونقدنا الموسع لمفاهيمها عن التاريخ ما يغنينا عن التعليق في هذا المجال ، فقد برهنا بكل وضوح على أن القوى المنتجة ليست هي العامل الأساسي في التاريخ .
وأما في ضوء الإسلام ، فليست الحياة الاجتماعية بأشكالها نابعة من الأشكال المتنوعة للإنتاج ، وإنما هي نابعة من حاجات الانسان نفسه ، لأن الإنسان هو القوة المحركة للتاريخ لا وسائل الإنتاج ، وفيه نجد ينابيع الحياة الاجتماعية . فقد خلق الانسان مفطوراً على حب ذاته والسعي وراء حاجاته ، وبالتالي استخدام كل ما حوله في سبيل ذلك ، وكان من الطبيعي أن يجد الانسان نفسه مضطراً إلى استخدام الانسان الآخر في هذا السبيل أيضاً ، لأنه لا يتمكن من إشباع حاجاته إلا عن طريق التعاون مع الأفراد الآخرين ، فنشأت العلاقات الاجتماعية على أساس تلك الحاجات ، واتسعت تلك العلاقات ونمت باتساع تلك الحاجات ونموها ، خلال التجربة الحياتية الطويلة للانسان . فالحياة الاجتماعية إذن وليدة الحاجات الانسانية ، والنظام الاجتماعي هو الشكل الذي ينظم الحياة الاجتماعية وفقاً لتلك الحاجات الإنسانية .
ونحن إذا درسنا الحاجات الانسانية ، وجدنا أن فيها جانباً رئيسياً ثابتاً على مر


صفحه 324


الزمن ، وفيها جوانب تستجد وتتطور طبقاً للظروف والأحوال . فهذا الثبات الذي نجده في تركيب الانسان العضوي وقواه العامة ، وما أودع فيه من أجهزة للتغذية والتوليد وإمكانات للادراك والاحساس ، يعني حتماً اشتراك الانسانية كلها في خصائص وحاجات وصفات عامة ، الأمر الذي اشتراك الانسانية كلها في خصائص وحاجات وصفات عامة ، الأمر الذي جعلها أمة واحدة في خطاب الله لأنبيائه : ( إن هذا أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فاعبدون )[1]. ومن ناحية أخرى نجد أن عدداً كبيراً من الحاجات يدخل في نطاق الحياة الانسانية بالتدريج ، وينمو من خلال تجارب الحياة وزيادة الخبرة بملابساتها ، وخصائصها . فالحاجات الرئيسية ثابتة إذن ، والحاجات الثانوية تستجد وتتطور وفقاً لنمو الخبرة بالحياة وتعقداتها .
وإذا عرفنا إلى جانب ذلك : أن الحياة الاجتماعية نابعة من الحاجات الانسانية ، وان النظام الاجتماعي هو الشكل الذي ينظم الحياة الاجتماعية وفقاً لتلك الحاجات كما سبق . . إذا عرفنا ذلك كله ، خرجنا بنتيجة وهي : أن النظام الاجتماعي الصالح للانسانية ليس من الضروري لكي يواكب نمو الحياة الاجتماعية - أن يتطور ويتغير بصورة عامة ، كما أنه ليس من المعقول أن يصوغ كليات الحياة وتفاصيلها في صيغ ثابتة ، بل يجب أن يكون في النظام الاجتماعي جانب رئيسي ثابت ، وجوانب مفتوحة للتطور والتغيير ، ما دام الأساس للحياة الاجتماعية ( الحاجات الانسانية ) يحتوي على جوانب ثابتة وجوانب متغيرة فتنعكس كل من جوانبه الثابتة والمتطورة في النظام الاجتماعي الصالح[2].
وهذا هو الواقع في النظام الاجتماعي للإسلام تماماً ، فهو يشتمل على جانب رئيسي ثابت يتصل بمعالجة الحاجات الأساسية الثابتة في حياة الانسان كحاجته إلى الضمان المعيشي والتوالد والأمن ، وما إليها من الحاجات التي عولجت في أحكام توزيع الثروة ، وأحكام الزواج والطلاق ، وأحكام الحدود والقصاص ، ونحوها من الأحكام المقررة في الكتاب والسنة .


[1]الأنبياء / 92 .
[2]لاحظ الميزان ج 4 ، ص 120 و 121 .


صفحه 325


ويشتمل النظام الاجتماعي في الإسلام أيضاً على جوانب مفتوحة للتغير وفقاً للمصالح والحاجات المستجدة ، وهي الجوانب التي سمح فيها الإسلام لولي الأمر أن يجتهد فيها وفقاً للمصلحة والحاجة ، على ضوء الجانب الثابت من النظام . كما زود الجانب الثابت من النظام بقواعد تشريعية ثابتة في صيغها القانونية غير أنه تتكيف في تطبقها بالظروف والملابسات وبذلك تحدد من ثباتها وذلك كقاعدة نفي الضرر في الإسلام ونفي الحرج في الدين .
وهكذا - وخلافاً للماركسية القائلة : بتبعية علاقات التوزيع ، وبالتالي النظام الاجتماعي كله لأشكال الإنتاج - نستطيع ، أن نقرر : انفصال علاقات التوزيع عن شكل الإنتاج . فمن الممكن لنظام اجتماعي واحد أن يقدم للمجتمع الانساني علاقات توزيع صالحة له ، في مختلف ظروف الإنتاج وأشكاله ، وليس كل نوع من علاقات التوزيع مرهوناً بشكل معين من أشكال الإنتاج ، لا يسبقه ولا يتأخر عنه كما ترى الماركسية .
وعلى هذا الأساس يختلف الإسلام والماركسية في نظرتهما إلى أنظمة التوزيع الأخرى التي طبقت في التاريخ ، وحكمهما في حق تلك الأنظمة . فالماركسية تدرس كل نظام للتوزيع من خلال ظروف الإنتاج السائدة في المجتمع ، فتحكم بأنه نظام صلاح إذا كان يواكب نمو القوى المنتجة ، وبأنه نظام فاسد تجب الثورة عليه إذا كان عقبة في طريقها الصاعد . ولهذا نجد أن الماركسية تبارك الرق على أبعد مدى وبأفظع صورة ، في المجتمع الذي يعيش على الإنتاج اليدوي للانسان ، لأن مثل هذا المجتمع لا يمكن أن يدفع إلى مضاعفة النشاط المنتج ، إلا إذا رفعت السياط على رؤوس الكثرة الكاثرة من أفراده ، وأجبروا على العمل تحت وقع السياط ووخز الخناجر ، فمن يباشر عملية الارهاب الهائل ويمسك السوط بيده ، هو الرجل التقدمي والطليعة الثورية في ذلك المجتمع ، لأنه الساهر دون وعي على تحقيق إرادة التاريخ .


صفحه 326


وأما ذاك الفرد الآخر الذي يستنكف عن الاشتراك في عملية الاسترقاق ، ويترك هذه الفرصة الذهبية . . فهو جدير بكل النعوت التي يطلقها الاشتراكيون اليوم على الرأسمالي ، لأنه رجل يعارض عملية التقدم البشري .
وأما الإسلام فهو يحكم على كل نظام في ضوء صلته بالحاجات الإنسانية المتنوعة ، التي يحب على النظام تكييف الحياة تكيفاً يضمن إشباعها ، بوصفها الأساس لنشوء الحياة الاجتماعية . ولا يعتبر هذا الشكل أو ذاك من أشكال الإنتاج ، مبرراً لقيام نظام اجتماعي وعلاقات توزيع لا تكفل إشباع تلك الحاجات ، لأنه ينكر تلك الصلة الحتمية المزعومة بين أشكال الإنتاج والنظم الاجتماعية .
والإسلام حين ينكر هذه الصلة لا يقرر ذلك نظرياً فحسب ، بل هو يقدم الدليل العلمي على ذلك من وجوده التاريخي . فقد سجل الإسلام في تجربته الواقعية للحياة نصراً فكرياً وبرهاناً حياً ، على كذب تلك الصلة المزعومة بين النظام الاجتماعي وأشكال الإنتاج ، ودلل على أن الإنسانية تستطيع أن تكيف وجودها الاجتماعي تكييفاً انقلابياً جديداً ، بينما يظل أسلوب في الإنتاج كما هو دونما تغيير .
فإن الواقع الإسلام الذي عاشته الإنسانية لحظة قصيرة من عمر الزمن المجيد ، وأحدث فيها أروع تطوير شهدته الأسرة البشرية . . لم يكن هذا الواقع الانقلابي الذي خلق أمة ، وأقام حضارة ، وعدّل من سير التاريخ . . وليد أسلوب جديد في الإنتاج ، أو تغيير في أشكاله وقواه . ولم يكن من الممكن في منطق التفسير الاشتراكي للتاريخ - الذي يربط النظام الاجتماعي بوسائل الإنتاج - أن يوجد هذا الانقلاب الشامل ، الذي تدفق إلى كل جوانب الحياة دون أن يسبقه أي تحول أساسي في ظروف الإنتاج .
وهكذا تحدى الواقع الإسلامي منطق الماركسية التاريخي ، في كل حساباتها وفي كل شيء ، نعم في كل شيء ، فقد تحداها في فكرة المساواة ، لأن الماركسية ترى أن فكرة المساواة من نتاج المجتمع الصناعي ، الذي يتفتح عن الطبقة التي تحمل لواء المساواة وهي البورجوازية ، وليس من الممكن في رأيها حمل هذا اللواء قبل أن


صفحه 327


يبلغ التطور التاريخي هذه المرحلة الصناعية . ويقف الإسلام من هذا المنطق - الذي يرد كل وعي وفكرة إلى تطور الإنتاج - هازئاً ، لأنه استطاع أن يرفع لواء المساواة ، وأن يفجر في الانسانية وعياً صحيحاً وإدراكاً شاملاً ، واستطاع أيضاً أن يعكس جوهرها في واقع العلاقات الاجتماعية ، بدرجة لم تصل إليها البورجوازية . استطاع أن يقوم بذلك كله قبل أن يأذن الله بظهور الطبقة البورجوازية ، وقبل أن توجد شروطها المادية بعشرة قرون . . فقد نادى بالمساواة يوم لم تكن قد وجدت الآلة فقال : ( كلكم لآدم وآدم من تراب )[1]. و ( الناس سواسية كأسنان المشط )[2]. ( لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى )[3].
فهل استوحى المجتمع الإسلامي هذه المساواة من وسائل الإنتاج البورجوازي ، التي لم تظهر إلا بعد ذلك بألف سنة ؟ ! أو استوحاها من وسائل الزراعة والتجارة البدائية التي كان المجتمع الحجازي يعيش عليها ، وهي وسائل كانت توجد بدرجة أكثر نمواً وأعظم تطوراً في مجتمعات عربية وعالمية أخرى ؟ ! فلماذا أوحت إلى المجتمع الحجازي بفكرة المساواة ، وجندته للقيام بأروع دور تاريخي في سبيل تحقيق هذه الفكرة ، ولم تصنع ، نظير ذلك مع المجتمعات العربية في اليمن أو الحيرة أو الشام ؟ !
وتحدى الإسلام أيضاً حسابات المادية التاريخية مرة أخرى ، فبشر بمجتمع عالمي يجمع الانسانية كلها على صعيد واحد ، وعمل جاهداً في سبيل تحقيق هذه الفكرة ، في بيئة كانت تضج بالصراع القبلي ، وتزخر بآلاف المجتمعات العشائرية المتناقضة ، فقفز بتلك الوحدات إلى وحدة إنسانية كبرى ، وتسامى بالمسلمين من فكرة المجتمع القبلي الذي تحده حدود الدم والقرابة والجوار ، إلى فكرة المجتمع القبلي الذي لا يحده شيء من تلك الحدود ، وإنما تحده القاعدة الفكرية للإسلام . فأي أداة إنتاج حوّلت أولئك الذين كانت تضيق عقولهم عن فكرة المجتمع القومي ، فجعلتهم أئمة المجتمع العالمي والدعاة إليه في فترة قصير ؟ ! .


[1]تحف العقول ص 33 .
[2]تحف العقول ص 387 . ولكن فيه لفظة سواء بدل سواسية .
[3]كنزل العمال ج 3 ، ص 699 ، حديث 8502 .


صفحه 328


وتحدى الإسلام المنطق التاريخي المزعوم مرة ثالثة ، فيما أقام من علاقات التوزيع ، التي لم يكن من الممكن في حساب الاقتصاد الاشتراكي ، أن تقوم في مجتمع قبل أن يبلغ درجة من المرحلة الصناعية والآلية في الإنتاج . فقلص من دائرة الملكية الخاصة ، وضيق من مجالها ، وهذّب من مفهومها ، ووضع لها الحدود والقيود ، وفرض عليها كفالة الفقراء ، ووضع إلى جانبها الضمانات الكافية لحفظ التوازن والعدالة في التوزيع[1]، وسبق بذلك الشروط المادية - في رأي الماركسية - لهذا النوع من العلاقات . فبينما يقول القرن الثامن عشر : ( لا يجهلن سوى الأبله أن الطبقات الدنيا يجب ، تظل فقيرة ، وإلا فإنها لن تكون مجتهدة )[2]. ويقول القرن التاسع عشر : ( ليس للذي يولد في عالم تم امتلاكه حق في الغذاء إذا ما تعذر عليه الظفر بوسائل عيشه عن طريق عمله أو أهله ، فهو طفيلي على المجتمع لا لزوم لوجوده ، إذ ليس له على خوان الطبيعة مكان ، والطبيعة تأمره بالذهاب ولا تتوانى في تنفيذ أمرها هذا )[3]، بينما يقول العالم هذا حتى بعد مجيء الإسلام بقرون ، يقول الإسلام - على ما جاء في الحديث - معلناً مبدأ الضمان الاجتماعي . ( من ترك ضياعاً فعلي ضياعه ، ومن ترك ديناً فعلي دينه )[4]، ويعلن الاقتصاد الإسلامي بوضوح : أن الفقر والحرمان ليس نابعاً من الطبيعة نفسها ، وإنما هو نتيجة سوء التوزيع والانحراف عن العلاقات الصالحة التي يجب أن تربط الأغنياء بالفقراء ، فيقول[5]- على ما جاء في الحديث : ( ما جاع فقير إلا بما متع غني )[6].
إن هذا الوعي الإسلامي لقضايا العدالة الاجتماعية في التوزيع ، الذي لم يوجد نظيره حتى في مجتمعات أرقى من المجتمع الإسلامي في شروطه المادية ، لا يمكن


[1]لاحظ الوسائل ج 6 ، ص 10 ، الباب 3 ، وص 178 ، الباب 24 ، وجواهر الكلام ج 22 ، ص 9 .
[2]النص لأحد كتاب القرن الثامن عشر ، وهو أثر يونج . من المؤلف
[3]النص لمالتس الذي عاش في بداية القرن التاسع عشر . من المؤلف
[4]الوسائل ج 13 ، ص 92 ، الحديث 23796 .
[5]لاحظ الوسائل ج 6 ، ص 3 و 4 وج 11 ، ص 521 ، والميزان ج 13 ، ص 60 - 62 .
[6]نهج البلاغة ص 533 ، الحكمة 328 . وفي بعض النسخ : بما منع .