كاملة ، ولا هي قابلة للقسمة حتى يحصل على دجاجة نظير جزء منها .
وكذلك أيضاً كانت عمليات المبادلة تواجه مشكله أخرى هي : صعوبة تقدير قيم الأشياء المعدة للمبادلة ، إذ لابد لقياس قيمة الشيء الواحد من مقارنته بباقي الأشياء الأخرى ، حتى تعرف قيمته بالنسبة إليها جميعاً .
لهذه الأسباب بدأت المجتمعات التي تعتمد على المبادلة تفكر في تعديل المقايضة بشكل يعالج تلك المشاكل ، فنشأت فكرة استعمال النقد بوصفه أداة للمبادلة على أساس النقد . فأصبح النقد وكيلاً عن السلعة التي كان يضطر المشتري إلى تقديمها للبائع في المقايضة . فبدلاً عن تكليف صاحب الحنطة - في مثالنا - بتقديم الفاكهة إلى صاحب القطن نظير القطن الذي يشتريه منه . . يصبح بإمكانه أن يبيع حنطته نظير نقد ، ثم يشتري بالنقد القطن الذي يرغب فيه ، وصاحب القطن بدوره يشتري الفاكهة التي يطلبها بما حصل عليه من نقود .
ووكالة النقد عن السلعة في عمليات التداول ، كفلت حل المشاكل التي نجمت عن المقايضة وتذليل صعوباتها .
فصعوبة التوافق بين حاجة المشتري وحاجة البائع زالت ، إذ لم يعد من الضروري للمشتري أن يقدم البائع السلعة التي يحتاجها ، وإنما يكفي أن يقدم له النقد الذي يمكّنه من شراء تلك السلعة من منتجيها بعد ذلك .
وصعوبة التوافق بين قيم الأشياء قد ذللت ، لأن قيمة كل سلعة أصبحت تقدر بالنسبة للنقود وهي قابلة للقسمة .
كما أصبح من الميسور تقدير الأشياء بسهولة ، لأنها تقدر كلها بالنسبة لسلعة واحدة ، وهي النقد بوصفه المقياس العام للقيمة .
وكل هذه التسهيلات نتجت من وكالة النقد عن السلعة في مجالات التداول .
وهذا هو الجانب المضئ المشرق من وكالة النقد عن السلعة ، الذي يشرح :
كيف تؤدي الوكالة وظيفتها الاجتماعية التي خلقت لأجلها ، وهي تيسير عمليات التداول ؟
ولكن هذه الوكالة لم تقف عند هذا الحد على مر الزمن ، بل أخذت تلعب دوراً خطيراً في الحياة الاقتصادية ، حتى تمخض ذلك عن صعاب ومشاكل لا تقلا عن مشاكل المقايضة وصعابها ، غير أن تلك مشاكل طبيعية ، وأما المشاكل الجديدة التي نتجت عن وكالة النقد فهي مشاكل إنسانية ، تعبر عن ألوان الظلم والاستغلال التي مهدت لها وكالة النقد عن السلعة في مجالات التداول .
ولكي نعرف ذلك ، يجب أن نلاحظ التطورات التي حصلت في عمليات المبادلة نتيجة لتبدل شكلها ، وقيامها على أساس النقد بدلاً عن قيامها على أساس المقايضة المباشرة .
ففي المبادلة القائمة على أساس المقايضة ، لم يكن يوجد حد فاصل بين البائع والمشتري ، فقد كان كل من المتعاقدين بائعاً ومشترياً في نفس الوقت ، لأنه يدفع سلعة إلى صاحبه ويتسلم نظيرها سلعة أيضاً . ولهذا كانت المقايضة تشبع بصورة مباشرة حاجة المتعاقدين معاً ، فيخرجان من عملية التداول وقد حصل كل منهما على السلعة التي يحتاجها في استهلاكه أو إنتاجه ، كالحنطة أو المحراث . وفي هذا الضوء نعرف : أن الشخص في عصر المقايضة لم يكن يتاح له أن يتقمص شخصية البائع ، دون أن يكون مشترياً في نفس الوقت ، فلا بيع بدون شراء . والبائع يدفع بإحدى يديه سلعته إلى المشتري بوصفه بائعاً ، ليستلم منه بيده الأخرى سلعة جديدة بوصفه مشترياً . والبيع والشراء مزدوجان في عملية واحدة .
وأما في المبادلات القائمة على أساس النقد فالأمر يختلف اختلافاً كبيراً ، لأن النقد يضع حداً فاصلاً بين البائع والمشتري ، فالبائع هو صاحب السلعة ، والمشتري هو الذي يبذل نقداً إزاء تلك السلعة . والبائع هو الذي يبيع حنطة ليحصل على قطن ، بينما كان يستطيع أن يبيع حنطة ويحصل على حاجته من القطن في مبادلة واحدة ، على أساس المقايضة . يصبح مضطراً الآن : إلى القيام بمبادلتين ليحصل على طلبته ، يقوم في
إحداهما بدور بائع فيبيع حنطته بنقد معين ، ويقوم في الأخرى بدور المشتري فيشتري قطناً بذلك النقد ، وهذا يعني فصل البيع عن الشراء ، بينما كانا مزدوجين في المقايضة . وفصل البيع عن الشراء في عمليات المبادلة القائمة على أساس النقد ، فسح المجال لتأخير الشراء عن البيع . فالبائع لم يعد مضطراً لكي يبيع حنطته أن يشتري من الآخر ما ينتجه من القطن ، بل يمكنه أن يبيع حنطته نظير نقد معين ويحتفظ بالنقد لنفسه ، ويؤجل شراء القطن إلى وقت آخر .
وهذه الفرصة الجديدة التي وجدها البائعون بخدمتهم - فرصة تأخير الشراء عن البيع - غيرت الطابع العام للبيوع والمبادلات . فبينما كان البيع في عصر المقايضة ، يستهدف منه دائماً شراء سلعة من السلع التي يحتاجها البائع ، أصبح للبيع في عصر النقد هدف جديد . فالبائع يتخلص من سلعته في المبادلة لا ليظفر بسلعة أخرى ، بل ليحصل على مزيد من النقد بوصفه الوكيل العام عن السلع ، الذي يجعل بإمكانه شراء أي سلعة شاء في كل حين . . وهكذا تحول البيع للشراء إلى البيع لامتصاص النقود . ونشأت عن ذلك ظاهرة اكتناز المال وتجميده مجسداًً في تلك النقود . لأن النقد - ونعني بوجه خاص النقود المعدنية والورقية - يمتاز على سائر السلع فإن مر الزمن ، وقد يتطلب الاحتفاظ بها وبجدتها إلى نفقات عديدة ، ومن ناحية أخرى : قد لا يتيسر لمالك تلك السلعة المكتنزة الظفر بما يطلبه المكتنز من سلع أخرى في وقت الحاجة ، فلا يكون في اكتنازها ضمان الحصول على شتى الطلبات في كل حين .
وعلى العكس من ذلك كله النقد ، فإن قابل للبقاء والادخار ، ولا يكلف اكتنازه شيئا من النفقات ، كما أنه بوصفه الوكيل العام عن السلع يضمن للمكتنز قدرته على شراء أي سلعة شاء ، في كل وقت .
وهكذا توفرت دواعي الاكتناز لدى المجتمعات التي بدأت المبادلة فيها تقوم على أساس النقود ، وعلى أساس النقود الذهبية والفضية بوجه خاص
ونجم عن ذلك : أن تخلت المبادلة عن وظيفتها الصالحة في الحياة الاقتصادية ، كواسطة بين الإنتاج والاستهلاك ، وأصبحت واسطة بين الإنتاج والادخار . فالبائع ينتج ويبيع ويبادل منتوجه بنقد ليدخر هذا النقد ويضمه إلى ثروته المكتنزة ، والمشتري يقدم النقد إلى البائع ليحصل على السلعة التي يبعها ، ثم لا يتمكن هو بعد ذلك أن يبيع منتوجه بدوره ، لأن البائع اكتنز النقد وسحبه من مجال التداول .
ونتج عن ذلك أيضاً اختلال كبير في التوازن بين كمية العرض وكمية الطلب : ذلك أن العرض والطلب كانا يميلان إلى التساوي في عصر المقايضة ، لأن كل منتج كان ينتج لإشباع حاجاته واستبدال الفائض عن حاجته بسلع أخرى يحتاجها في حياته ، من غير النوع الذي ينتجه . فالمنتوج دائماً يوازي حاجته أي أن العرض دائماً يجد طلباً مساوياً له . وبذلك تتجه أثمان السوق إلى درجتها الطبيعية ، التي تعبر عن القيم الحقيقية للسلع وأهميتها الواقعية في حياة المستهلكين وبعد أن بدأ عصر النقد وسيطر النقد على التجارة ، واتجه الإنتاج والبيع اتجاهاً جديداً حتى أصبح الإنتاج والبيع لأجل اكتناز النقد وتنمية الملك لا لأجل إشباع الحاجة . عند ذلك يختل طبعاً التوازن بين العرض والطلب ، وتلعب دواعي الاحتكار دورها الخطير في تعميق هذا التناقض بين العرض والطلب ، حتى أن المحتكر قد يخلق طلباً كاذباً فيشتري كل أفراد السلعة من السوق لا لحاجته إليها بل ليرفع ثمنها ، أو يعرض السلعة بأثمان دون كلفتها ، بقصد إلجاء المنتجين والبائعين الآخرين إلى الانسحاب من ميدان التنافس وإعلان الإفلاس . . وهكذا تتخذ الأثمان وضعاً غير طبيعي ، ويصبح السوق تحت سيطرة الاحتكار ، ويتهاوى آلاف البائعين والمنتجين الصغار كل حين ، بين أيدي المحتكرين الكبار الذين سيطروا على السوق .
ثم ماذا بعد ذلك ؟ ! ليس بعد ذلك لا ان نرى الأقوياء في الحقل الاقتصادي ، يغتنم هذه الفرص التي أتاحها لهم النقد ، فيتجهون نحو الاكتناز بكل قواهم ، نحو البيع لأجل الادخار ، فيظلون ينتجون ويبيعون ليسحبوا النقد
المتداول في المجتمع إلى كنوزهم ، ويمتصون بالتدريج ، ويعطلوا وظيفة المبادلة كواسطة بين الإنتاج والاستهلاك ، ويضطروا الكثرة الكاثرة إلى مهاوي البؤس والفقر ، وبالتالي يتوقف الاستهلاك ، نظراً إلى حركة الإنتاج ، لأن انعدام القدرة الشرائية عند المستهلكين أو انخفاضها يجرد الإنتاج من أرباحه ، ويعم الكساد شُعب الحياة الاقتصادية كلها .
ولا تقف مشاكل النقد عند هذه الحد ، بل إن النقد قد أدى إلى مشكلة قد تكون أخطر من المشاكل التي عرضناها . فلم يقتصر النقد على أن يكون أداة اكتناز ، بل أصبح أداة تنمية للمال عن طريق الفائدة التي يتقاضاها الدائنون من مدينيهم ، أو يتقاضاها أصحاب الأموال من المصارف الرأسمالية التي يودعون أموالهم فيها . . وهكذا أصبح الاكتناز في البيئة الرأسمالية سبباً لتنمية الثروة بدلاً عن الإنتاج ، وانسحبت بذلك رؤوس أموال كثيرة على مشروع من مشاريع الإنتاج والتجارة ، إلا إذ اطمأن إلى أن الربح الذي يدرّه المشروع عادة أكثر من الفائدة التي يمكن أن يحصل عليها عن طريق اقراض ماله ، أو إيداعه في المصارف .
وأخذت الأموال على أساس الفائدة الربوية تتسرب إلى الصيارفة منذ بداية العصر الرأسمالي ، حيث أخذ هؤلاء يجذبون الكميات المكتنزة من النقد عند مختلف الأفراد ، عن طريق إغرائهم بالفائدة السنوية التي يتقاضاها زبائن المصرف عن أموالهم التي يودعونها فيه ، فتجمعت تلك الكميات المختلفة في كنوز الصيارفة بدلاً عن استخدامها في الإنتاج المثمر ، وقامت على أساس هذا التجمع المصارف والبيوت المالية الكبيرة التي امتلكت زمام الثروة في البلاد ، وقضت على أي مظهر من مظاهر التوازن في الحياة الاقتصادية .
هذا عرض سريع لمشاكل التداول أو المبادلة ، وهو يوضح بجلاء أن هذه المشاكل قد نبعت كلها من النقد وسوء استخدامه في مجال التداول إذ اتخذ أداة اكتناز وبالتالي أداة تنمية للملك .
وقد يلقي هذا ضوءاً على ما جاء في الحديث عن رسول الله ( ص ) أنه قال : ( الدنانير والدراهم البيض مهلكاكم كما أهلكا من كان قبلكم )[1].
وعلى أي حال فقد عالج الإسلام هذه المشاكل النابعة من النقد ، واستطاع أن يعيد إلى التداول وضعه الطبيعي ودوره الوسيط بين الإنتاج والاستهلاك .
وتتلخص النقاط الرئيسية في الموقف الإسلامي من مشاكل التداول فيما يلي :
أولاً : منع الإسلام من اكتناز النقد ، وذلك عن طريق فرض ضريبة الزكاة على النقد المجمد بصورة تتكرر في كل عام ، حتى تستوعب النقد المكتنز كله تقريباً إذا طال اكتنازه عدة سنين[2]. ولهذا يعتبر القرآن اكتناز الذهب والفضة جريمة يعاقب عليها بالنار . لأن الاكتناز يعني بطبيعة الحال التخلف عن أداء الضريبة الواجبة شرعاً ، لأن هذه الضريبة لدى أدائها لا تفسح مجالاً أمام النقد للتجمع والاكتناز ، فلا غرو إذا هدد القرآن الذين يكنزون الذهب والفضة وتوعدهم بالنار قائلاً : { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ }[3].
وعن هذا الطريق ضمن الإسلام بقاء المال في مجالات الإنتاج والتبادل والاستهلاك ، وحال دون تسلله إلى صناديق الاكتناز والادخار .
وثانياً : حرم الإسلام الربا تحريماً قاطعاً لا هوادة فيه[4]، وبذلك قضي على الفائدة ونتائجها الخطيرة في مجال التوزيع ، وما تؤدي اليه من إخلال بالتوازن الاقتصادي
[1]الأصول من الكافي ج 2 ، ص 316 ، باب : حب الدنيا ، الحديث 6 ، مع اختلاف في العبارة .
[2]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 2 ، ص 30 .
[3]التوبة / 34 و 35 .
[4]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 3 ، ص 438 .
العام ، وانتزع من النقد دوره بوصفه أداة تنمية للملك مستقلة بذاتها ، ورده إلى دوره الطبيعي الذي يباشره بوصفه وكيلاً عاماً عن السلع ، وأداة لقياس قيمتها وتسهيلا تداولها .
وقد يظن كثير ممن عاش التجربة الرأسمالية وألف ألوانها وأشكالها : أن القضاء على الفائدة يعني القضاء على البنوك والمصارف ، وتعطيل أجهزة الحياة الاقتصادية وشل كل أعصابها وأوردتها التي تمونها تلك البنوك والمصارف . ولكن هذا الظن إنما ينشأ عند هؤلاء نتيجة للجهل بواقع الدور الذي تؤديه البنوك والمصارف في الحياة الاقتصادية ، وبواقع الصورة الإسلامية للتنظيم الاقتصادي الكفيل بعلاج سائر المشاكل التي تنجم عن القضاء على الفائدة ، وهذا ما سندرسه بتفصيل في بحث مقبل[1].
وثالثاً : أعطى لولي الأمر صلاحيات تجعل له الحق في الرقابة الكاملة على سير التداول والإشراف على الأسواق ، للحيلولة دون أي تصرف يؤدي إلى الضرر وزعزعة الحياة الاقتصادية ، أو يمهد للتحكم الفردي غير المشروع في السوق وفي مجال التداول[2].
وسوف نشرح هذه النقاط وندرسها بصورة موسعة في البحوث المقبلة من الكتاب ، التي نعرض فيها لتفاصيل الاقتصاد الإسلامي .
[1]القانون العام لمكافأة المصادر المادية للإنتاج ص 571 من الكتاب .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 15 ، ص 422 ، وإيصال الطالب ج 10 ، ص 397 .
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >