بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 358


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 359


المذهب الاقتصادي والإسلامي :
من الأفضل قبل كل شيء - ما دمنا نحاول دراسة مذهب اقتصادي معين - أن نتفق منذ البدء على المفهوم الذي نعنيه من كلمة ( المذهب ) بالضبط ، لنتبين في بداية الطريق معالم الهدف ونوعية المضمون ، الذي يجب على أي بحث في المذهب الاقتصادي ان يجليه ويحدده . فماذا تعنيه كلمة المذهب ؟ . وما هو الفارق بين المذهب الاقتصادي وعلم الإقتصاد ؟ . وما هي المجالات التي تعالج مذهبياً ؟ .
وعلى أساس الجواب على هذا الأسئلة ، الذي يحدد معالم المذهب الاقتصادي بشكل عام سوف نحدد طبيعة البحث الذي نمارسه في المذهب الاقتصادي الإسلامي .
وبهذا الصدد يجب أن نتذكر ما قلناه عن مفهومي المذهب والعلم في بحث سابق ( 1 ) ، فقد جاء فيه : أن المذهب الاقتصادي للمجتمع عبارة عن الطريقة التي يفضل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية وحل مشاكلها العملية ، وعلم الاقتصاد هو العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وأحداثها وظواهرها ، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكم فيا .


صفحه 360


وهذا القدر من التمييز بين المذهب والعلم وإن كان يشير إلى الفارق الجوهري بينهما ، ولكنه لم يعد يكفي في الوقت الذي نحاول أن نكتشف مذهباً اقتصادياً معيناً بالذات ، أو ان نكوّن عنه فكرة محددة . فقد استخدمنا ذلك التمييز الأساسي بين المذهب والعلم ، لنتيح للقارئ أن يعرف نوعية الاقتصاد الإسلامي الذي ندرسه ، ويدرك في ضوء ذلك التمييز أن الإقتصاد الإسلامي مذهب وليس علماً ، لأنه الطريقة التي يفضل الإسلام اتباعها في الحياة الاقتصادية ، وليس تفسيراً يشرح فيه الإسلام أحداث الحياة الاقتصادية وقوانينها .
ولتحقيق هذا الغرض والتأكيد على الطابع المذهبي للاقتصاد الإسلامي ، كان يكفي أن نقول عن المذهب : أنه طريقة ، وعن العلم : أنه تفسير ، لنعرف أن الاقتصاد الإسلامي مذهب لا علم .
حسناً ، ولكنا الآن يجب أن نعرف عن المذهب الاقتصادي أكثر من هذا ، لنستطيع أن نضبط في ضوء مفهومنا عنه المجالات التي يعمل فيها ، ثم نفحص كل ما يتصل من الإسلام بتلك المجالات .
ففي أي حقل يعمل المذهب الاقتصادي ؟ ، وإلى أي مدى يمتد ؟ ، وما هي الصفة العامة التي نجدها في كل فكر اقتصادي مذهبي ، لنجعل من تلك الصفة علامة فارقة للأفكار المذهبية في الإسلام ، التي نحاول جمعها وتنسيقها في إطراد واحد ؟
إن هذه الأسئلة تتطلب أن نعطي للمذهب المتميز عن العلم مفهوماً محدداً ، قادراً على الجواب عن كل هذه الأسئلة ، ولا يكفي بهذا الصدد القول : بأن المذهب مجرد طريقة .
إن هناك من يعتبر مجال المذهب مقتصراً على توزيع الثروة فحسب ، فلا علاقة للمذهب بالإنتاج ، لأن عملية إنتاج الحنطة أو النسيج مثلاً تتحكم فيها القوانين العلمية ، ومستوى المعرفة البشرية بعناصر الإنتاج وخصائصها وقواها ، ولا تختلف عملية إنتاج الحنطة أو النسيج باختلاف طبيعة المذهب الاقتصادي . فعلم الاقتصاد


صفحه 361


هو : علم قوانين الإنتاج . والمذهب الاقتصادي هو : فن توزيع الثروة . وكل بحث يتعلق بالإنتاج وتحسينه وإيجاد وسائله وتحسينها فهو من علم الاقتصاد ، وذو صفة عالمية لا تتفاوت فيه الأمم تبعاً لاختلاف مبادئها ومفاهيمها الاجتماعية ، ولا يختص به مبدأ دون مبدأ . وكل بحث يبين الثروة وتملكها والتصرف فيا فهو بحث مذهبي ، ومن النظام الاقتصادي وليس من علم الاقتصاد ولا يرتبط به ، وإنما يرتبط بإحدى وجهات النظر في الحياة التي تتبعناها المذاهب المختلفة من رأسمالية واشتراكية وإسلام .
وهذا الفصل بين العلم والمذهب - علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي - على أساس اختلاف المجال الذي يمارسه أحدهما عن مجال الآخر . ينطوي على خطأ كبير ، لأنه يؤدي إلى اعتبار الصفة المذهبية والصفة العلمية نتيجتين لنوعية المجال المدروس . فإذا كان البحث في الإنتاج فهو بحث علمي ، وإذا كان في التوزيع فهو بحث مذهبي . مع أن العلم والمذهب مختلفان في طريقة البحث وأهدافه ، لا في موضوعه ومجالاته . فالبحث المذهبي يظل مذهبياً ومحافظاً على طابعه ما دام يلتزم طريقته وأهدافه الخاصة ، ولو تناول الإنتاج نفسه . كما أن البحث العلمي لا يفقد طبيعته العملية إذا تكلم عن التوزيع ودرسه بالطريقة والأهداف التي تتناسب مع العلم .
ولأجل ذلك نجد أن فكرة التخطيط المركزي للإنتاج - التي تتيح للدولة الحق في وضع سياسة الإنتاج والإشراف عليه - هي إحدى النظريات . المذهبية المهمة ، التي تعتبر من مقومات بعض المذاهب أو الأنظمة الاشتراكية ، أو ذات الاتجاه الاشتراكي ، مع أننا نعلم أن التخطيط المركزي للإنتاج والسماح لهيئة عليا كالدولة بممارسة هذا التخطيط . لا يعني تملك تلك الهيئة لوسائل الإنتاج ، ولا يتصل بمسألة توزيع هذه الوسائل على الأفراد .
ففكرة التخطيط المركزي للإنتاج إذن فكرة مذهبية ، تتصف بالمذهب الاقتصادي ، وليست بحثاً علمياً بالرغم من أنها تعالج الإنتاج لا التوزيع .
وعلى العكس قد نجد كثيراً من الأفكار التي تعالج قضايا التوزيع تندرس في علم الاقتصاد ، بالرغم من صلتها بالتوزيع دون الإنتاج ف - ( ريكاردو ) حين كان يقرر مثلاً


صفحه 362


أن نصيب العمال من الثروة المنتجة ، الذي يتمثل فيها يتقاضونه من أجور ، لا يزيد بحال من الأحوال عن القدر الذي يتمثل فيما يتقاضونه من أجور ، لا يزيد بحال من الأحوال عن القدر الذي يتيح لهم معيشة الكفاف . . لم يكن يقصد بذلك أن يقرر شيئاً مذهبياً ولا أن يطلب من الحكومات فرضه نظاماً اقتصادياً للأجور ، كنظام الملكية الخاصة والحرية الاقتصادية ، وإنما كان يحاول أن يشرح الواقع الذي يعيشه العمال والنتيجة الحتمية لهذا الواقع ، بالرغم من عدم تبني الدولة لفرض حد أعلى من الأجور ، وإيمانها بالحرية الاقتصادية بوصفها دولة رأسمالية .
فالمذهب والعلم يدخلان في كل تلك المجالات ويدرسان الإنتاج والتوزيع معاً ، ولكن هذا يجب أن لا يؤدي بنا إلى عدم التمييز بينهما أو الخلط بين الطابع العلمي والمذهبي في البحث الاقتصادي ، الأمر الذي مني به بعض أولئك الذين يؤكدون على عدم وجود اقتصاد في الإسلام ، إذ لم يتح لهم أن يميزوا بشكل حاسم بين العلم والمذهب ، فظنوا أن القول بوجود اقتصاد إسلامي يستهدف ادعاء أن الإسلام سبق المفكرين الغربيين في الإبداع العلمي للاقتصاد السياسي ، وظنوا أيضاً أن القول بوجود اقتصاد إسلامي يعني أننا سوف نجد لدى الإسلام فكراً اقتصادياً ، وبحثا علمياً في قوانين الحياة الاقتصادية من إنتاج وتوزيع وغيرهما ، نظير ما نجد في بحوث ( آدم سميت ) و ( ريكاردو ) ومن إليهما من أقطاب الاقتصاد السياسي ، ولما كنا لا نجد في الإسلام بحوثاً من هذا القبيل ، فليس الاقتصاد الإسلامي إلا أسطورة وخيالاً مجنحاً .
ويمكن لهؤلاء أن يتنازلوا عن تأكيدهم على عدم وجود اقتصاد إسلامي إذا عرفوا بوضوح ، الفرق بين المذهب الاقتصادي وعلم الإقتصاد أو ما يسمى بالاقتصاد السياسي ، وعرفوا : أن الاقتصاد الإسلامي مذهب وليس علماً .
فالمذهب الاقتصادي يشمل كل قاعدة أساسية في الحياة الاقتصادية ، تتصل بفكرة : ( العدالة الاجتماعية ) .
والعلم يشمل كل نظرية تفسر واقعاً من الحياة الاقتصادية ، بصورة منفصلة عن فكرة مسبقة أو مثل أعلى للعدالة .


صفحه 363


ففكرة العدالة هي الحد الفاصل بين المذهب والعلم ، والعلامة الفارقة التي تمييز بها الأفكار المذهبية عن النظريات العلمية ، لأن فكرة العدالة نفسها ليست علمية ، ولا أمراً حسياً قابلاً للقياس والملاحظة ، أو خاضعاً للتجربة بالوسائل العلمية ، وإنما العدالة تقدير وتقويم خلقي . فأنت حين تريد أن تعرف مدى العدالة في نظام الملكية الخاصة ، أو تصدر حكماً على نظام الفائدة الذي تقوم على أساسه المصارف بأنه نظام عادل أو ظالم . . لا تلجأ إلى نفس الأساليب والمقاييس العلمية التي تستخدمها حينما تريد قياس حرارة الجو ، أو درجة الغليان في مائع معين ، لأن الحرارة والتبخر ظاهرتان قيم خلقية ومثل عليا ، خارجة عن حدود القياس المادي .
فالعدالة إذن ليست فكرة علمية بذاتها ، وهي لذلك حين تندمج بفكرة تدمغها بالطابع المذهبي وتميزها عن التفكير العلمي . فمبدأ الملكية الخاصة ، أو الحرية الاقتصادية ، أو إلغاء الفائدة أو تأميم وسائل الإنتاج . . كل ذلك يندرج في المذهب ، لأنه يرتبط بفكرة العدالة ، وأما قانون تناقص الغلة ، وقانون العرض والطلب ، أو القانون الحديدي للأجور . . فهي قوانين علمية ، لأنها ليست بصدد تقويم تلك الظواهر الاقتصادية . فقانون تناقض الغلة لا يحكم بأن هذا التناقص عادل أو ظالم ، وإنما يكشف عنه بوصفه حقيقة موضوعية ثابتة ، كما أن قانون العرض والطلب لا يبرر ارتفاع الثمن بسبب قلة العرض أو زيادة الطلب على أساس مفهوم معين عن العدالة ، وإنما يبرز الترابط موضوعياً بين الثمن وكمية العرض والطلب ، باعتباره ظاهرة من الظواهر الحتمية للسوق الرأسمالية ، وكذلك الأمر في قانون الأجور الحديدي ، فهو يشرح الواقع المحتوم للعمال الذي يجعلهم دائماً لا يحصلون في المجتمع الرأسمالي إلا على معيشة الكفاف ، بقطع النظر ما كانت ظالة نصيب العمال في التوزيع تتفق مع العدالة أو لا . فكل القوانين العملية لا ترتكز على فكرة العدالة ، وإنما ترتكز على استقراء الواقع وملاحظة مختلف ظواهره المتنوعة . وعلى العكس من ذلك القواعد المذهبية التي تجسد دائماً فكرة معينة للعدالة .


صفحه 364


وهذا الفصل الحاسم بين البحث المذهبي والبحث العلمي لا يمنع عن اتخاذ المذهب إطاراً للبحث العلمي في بعض الأحيان ، كما في قوانين العرض والطلب ، أو قانون الأجور الحديدي للعمال ، فإن أمثال هذه القوانين إنما تصدق علمياً وتنطبق على الواقع الذي تفسره . . في مجتمع رأسمالي يطبق الرأسمالية المذهبية ، فهي قوانين علمية ضمن إطار مذهبي معين ، وليست علمية ولا صحيحة ضمن إطار آخر ، كما أوضحنا ذلك بكل تفصيل في بحث سابق من هذا الكتاب[1].
وبمجرد أن نضع هذا الفصل الحاسم بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد ، نعرف أن القول بوجود مذهب اقتصادي في الإسلام لا يعني أن الإسلام يبحث في قوانين العرض والطلب ، ويحدد مدى تأثير زيادتهما أو انكماشهما على الثمن في السوق الحرة ، وإنما يبحث بدلاً عن ذلك في توفير الحرية للسوق ، فيدعو إلى توفيرها له وصيانتها ، أو إلى الإشراف على السوق والتحديد من حريته ، تبعاً للصورة التي يتبناها للعدالة .
وكذلك لا يبحث الإسلام في العلاقة وردود الفعل بين الفائدة والربح ، أو بين حركة رأس المال الربوي والتجارة ، ولا في العوامل التي تؤدي إلى زيادة الفائدة أو انخفاضها ، وإنما يقوّم نفس الفائدة والربح ، ويصدر حكمه على الاستثمار الربوي والتجاري ، بما يتفق مع مفاهيمه عن العدالة .
ولا يبحث الإسلام أيضاً في ظاهرة تناقض إنتاج الغلة وأسبابها ، وإنما يبحث عما إذا كان من الجائز ومن العدل أن يوضح الإنتاج تحت إشراف هيئة مركزية عليا .
نعرف من ذلك كله : أن وظيفة المذهب الاقتصادي هي وضع حلول لمشاكل الحياة الاقتصادية ، ترتبط بفكرته ومثله في العدالة . وإذا أضفنا إلى هذا الحقيقة : أن تعبيري ( الحلال ، والحرام ) في الإسلام تجسيدان للقيم والمثل التي يؤمن بها الإسلام ، فمن الطبيعي أن ننتهي من ذلك إلى اليقين بوجود اقتصاد مذهبي إسلامي ، لأن قصة


[1]القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات إطار مذهبي ص 251 - 256 من الكتاب .


صفحه 365


الحلال والحرام في الإسلام تمتد إلى جميع النشاطات الإنسانية ، وألوان السلوك : سلوك الحاكم والمحكوم ، وسلوك البائع والمشتري ، وسلوك المستأجر والأجير ، وسلوك العامل والمتعطل فكل وحدة من وحدات هذا السلوك هي إما حرام وإما حلال ، وبالتالي هي إما عدل وإما ظلم ، لأن الإسلام إن كان يشتمل على نص يمنع عن سلوك معين سلبي أو إيجابي فهذا السلوك حرام ، وإلا فهو حلال .
وإذا كانت كل ألوان النشاط في الحياة الاقتصادية خاضعة لقضية الحلال والحرام ، بما تعبر عنه هذا القضية من قيم ومثل ، فمن حق البحث في الإسلام أن يدعونا إلى التفكير في استخلاص وتحديد المذهب الاقتصادي ، الذي تعبر عنه قضية الحلال والحرام بقيمتها ومثلها ومفاهيمها .
العلاقات بين المذهب والقانون :
كما عرفنا أن المذهب الاقتصادي يختلف عن علم الاقتصاد ، كذلك يجب أن نعرف الفرق بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني أيضاً ، فإن المذهب هو : مجموعة من النظريات الأساسية التي تعالج مشاكل الحياة الاقتصادية ، والقانون المدني هو : التشريع الذي ينظم تفصيلات العلاقات المالية بين الأفراد وحقوقهم الشخصية والعينية . وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يعتبر المذهب الاقتصادي لمجتمع نفس قانونه المدني . فالرأسمالية مثلاً بوصفها المذهب الاقتصادي لدول كثيرة في العالم ليست هي نفس القوانين المدنية في تلك الدول ، ولذا قد تختلف دولتان رأسماليتان في تشريعاتهما القانونية ، تبعاً لاتجاهات رومانية وجرمانية - مثلاً - مختلف في التشريع بالرغم من وحدة المذهب الاقتصادي فيهما ، لأن تلك التشريعات القانونية ليست من المذهب الرأسمالي . فليس من الرأسمالية - باعتبارها مذهباً اقتصادياً - الأحكام التي ينظم بها القانون المدني في الدولة الرأسمالية عقود المقايضة من بيع وإيجار وقرض مثلاً . فلو قدمت هذه الأحكام باعتبارها المضمون الرأسمالي للمذهب ، كان ذلك ينطوي على التباس وخلط

( 1 ) الكتاب الأول من اقتصادنا - كلمة المؤلف ص 4 - 5 . ( 2 ) ( القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات اطار مذهبي ) ص 237 - 244 .