يمارسها فواصل تاريخية وواقعية كبيرة وحين تكون تلك النصوص بصدد علاج قضايا يعيش الممارس واقعاً مخالفاً كل المخالفة لطريقة النصوص في علاج تلك القضايا ، كالنصوص التشريعية والمفهومية المرتبطة بالجوانب الاجتماعية من حياة الإنسان . ولأجل هذا كان خطر الذاتية على عملية اكتشاف الاقتصاد الإسلامي أشد من خطرها على عملية الاجتهاد في أحكام أخرى فردية : كالحكم بطهارة بول الطائر ، أو حرمة البكاء في الصلاة ، أو وجوب التوبة على العاصي .
ولأجل تعاظم خطر الذاتية على العملية التي يمارسها ، كان لزاماً علينا كشف هذه النقطة بوضوح ، وتحديد منابع هذا الخطر وبهذا الصدد يمكننا أن نذكر الأسباب الأربعة التالية بوصفها أهم المنابع لخطر الذاتية :
أ - تبرير الواقع ب - دمج النص ضمن إطار خاص .
ج - تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه .
د - اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص أ - تبرير الواقع :
إن عملية تبرير الواقع هي : المحاول التي يندفع فيها الممارس - بقصد أو بدون قصد - إلى تطوير النصوص ، وفهمها فهماً خاصاً يبرر الواقع الفاسد الذي يعيشه الممارس ، ويعتبره ضرورة واقعة لا مناص عنها نظير ما قام به بعض المفكرين المسلمين ، ممن استسلم للواقع الاجتماعي الذي يعيشه ، وحاول أن يخضع النص للواقع ، بدلاً عن التفكير في تغيير الواقع على أساس النص ، فتأول أدلة حرمة الربا والفائدة وخرج من ذلك بنتيجة تواكب الواقع الفاسد ، وهي : أن الإسلام يسمح بالفائدة إذا لم تكن أضعافاً مضاعفة ، وإنما ينهى عنها إذا بلغت مبلغاً فاحشاً ، يتعدى الحدود المعقولة كما في الآية الكريمة : ( ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً
مضاعفة ، واتقوا الله لعلكم تفلحون ) )[1]. والحدود المعقولة هي : الحدود التي ألفها هذا المتأول من واقعه في حياته ومجتمعه . وقد منعه واقعه عن إدراك غرض هذه الآية الكريمة ، التي لم تكن تستهدف السماح بالفائدة التي لا تضاعف القرض ، وإنما كانت تريد لفت نظر المرابين إلى النتائج الفظيعة التي قد يسفر عنها ونمو رأس المال الربوي نمواً شاذاً باستمرار يواكبه تزايد بؤس المدين وانهياره في النهاية .
ولو أراد هذا المتأول أن يعيش القرآن خالصاً ، وبعيداً عن إيحاءات الواقع المعاش وإغرائه ، لقرأ قوله تعالى : ( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )[2]ويفهم : أن المسألة ليست مسألة حرب مع نوع خاص من الربا الجاهلي ، الذي يضاعف الدين أضعافاً مضاعفة ، وإنما هي مسألة مذهب اقتصادي له نظرته الخاصة إلى رأس المال ، التي تحدد له مبررات نموه ، وتشجب كل زيادة له منفصلة عن تلك المبررات ، مهما كانت ضئيلة ، كما يقرره إلزام الدائن بالاكتفاء برأس ماله ، لا يظلم ولا يُظلم .
ب - دمج النص ضمن إطار خاص :
وأما عملية دمج النص ضمن إطار معين فهي : دراسة النص في إطار فكري غير إسلامي . وهذا الإطار قد يكون منبثقاً عن الواقع المعاش ، وقد لا يكون . فيحاول الممارس أن يفهم النص ضمن ذلك الإطار المعين ، فإذا وجده لا ينسجم مع إطاره ، أو لا تصطدم به على أقل تقدير .
وقد رأينا سابقاً كيف أهملت نصوص تحد من سلطة المالك ، وتسمح أحياناً بانتزاع الأرض منه ، وفضل عليها غيرها ، لمجرد أن تلك النصوص لا تتفق مع الإطار الفكري ، الذي يشع بتقديس الملكية الخاصة بدرجة بجعلها فوق سائر الاعتبارات .
[1]آل عمران / 130 .
[2]البقرة / 279 .
وقد كتب فقيه - معلقاً على النص القائل : بأن الأرض إذا لم يعمرها صاحبها أخذها منه ولي الأمر واستثمرها لحساب الأمة : ( ( إن الأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية ، فإنها تخالف الأصول والأدلة العقلية ) )[1]. وهو يعني بالأدلة العقلية : الأفكار التي تؤكد قدسية الملكية . بالرغم من أن قدسية الملكية ودرجة هذه القدسية يجب أن تؤخذ من الشريعة ، وأما حين تقرر بشكل مسبق ، وبصورة تتيح لها أن تتحكم في فهم النص التشريعي . . فهذا هو معنى الاستنباط في إطار فكري مستعار ، وإلا فأي دليل عقلي على قدسية الملكية الخاصة إلا علاقة اجتماعية بين الفرد والمال ؟ ! . والعلاقة الاجتماعية افتراض واعتبار ، يشرعه المجتمع أو أي مشرع آخر لتحقيق غرض معين ، فهو لا يدخل في نطاق البحث العقلي المجرد ، ولا العقلي التجريبي .
وكثيراً ما نجد بعض الممارسين يستدل في مثل هذا المجال على حرمة انتزاع المال من المالك : بأن قبيح عقلاً . . وهو استدلال عقيم ، لأن الغصب هو انتزاع المال بدون حق . والشريعة هي التي تحدد ما إذا كان هذا الانتزاع بحق أم لا ، فيجب أن نأخذ منها ذلك ، دون أن نفرض عليها فكرة سابقة . فإذا قرت : أن الانتزاع بغير حق ، كان غصباً ، وإذا فرضت لشخص حقاً في الانتزاع لم يكن الانتزاع غصباً ، وبالتالي لم يكن قبيحاً .
وكتب فقيه آخر يستدل على تشريع الملكية الخاصة في الأرض : ( ( إن الحاجة تدعو إلى ذلك ، وتشتد الضرورة اليه ، لأن الانسان ليس كالبهائم ، بل هو مدني بالطبع ، لا بد له من مسكن يأوي إليه ، وموضع يختص به ، فلو لم يشرع لزم الحرج العظيم ، بل تكليف ما لا يطاق ) )[2].
وكلنا نعترف طبعاً : بوجود الملكية الخاصة في الإسلام ، وفي الأرض بوجه خاص أيضاً ولكن الشيء الذي لا نقرّه هو : أن يستمد الحكم في الشرعية الإسلامية من
[1]السرائر ج 1 ، ص 477 .
[2]مفتاح الكرامة ج 7 ، ص 3 .
الرسوخ التاريخي لفكرة الملكية ، كما اتفق لهذا الفقيه الذي لم تمتد أبعاده الفكرية ، وتصوراته عن الماضي والحاضر والمستقبل . خارج نطاق التاريخ الذي عاشته الملكية الخاصة ، فكان يجحد وراء كل اختصاص في تاريخ حياة الإنسان ، شبح الملكية الخاصة ، يبرره ويفسره ، حتى لم يعد يستطيع أن يميز بين الواقع والشبح ، فأخذ يعتقد أن الإنسان ما دام بحاجة إلى الاختصاص بمسكن يأوي اليه ، - على حد تعبيره - فهو بحاجة إذن إلى أن يتملكه ملكية خاصة ، ليختص به ويأوي اليه . ولو استطاع هذا الممارس أن يميز بين سكنى الانسان مسكناً خاصاً وبين تملكه لذلك المسكن ملكية خاصة ، لما خدعه بالتشابك التاريخي بني الأمرين ، ولأمكنه أن يدرك بوضوح : أن تكليف ما لا يطاق إما هو في منع الانسان من اتخاذ مسكن خاص ، لا في عدم منحه الملكية الخاصة لذلك المسكن . فالطلاب في مدينة جامعية ، أو الأفراد في مجتمع اشتراكي . . يأوي كل منهم إلى مسكن خاص دون أن يتملكه ملكية خاصة .
وهكذا نجد أن فقيهنا هذا اتخذ - بدون قصد - من الجلال التاريخي للملكية الخاصة ، وما يوحي به من أفكار عن ضرورتها للانسانية . . إطاراً لتفكيره الفقهي .
ومن الإطارات الفكرية التي تلعب دوراً فعالاً في عملية فهم النص : الإطار اللغوي ، كما إذا كانت الكلمة الأساسية في النص لفظاً مشحوناً بالتاريخ أي ممتداً ومتطوراً عبر الزمن . . فمن الطبيعي أن يبادر الممارس بصورة عفوية إلى فهم الكلمة ، كما تدل عليه في واقعها ، لا في تاريخها البعيد . وقد يكون هذا المدلول حديثاً في عمر الكلمة ، ونتاجاً لغوياً لمذهب جديد ، أو حضارة ناشئة . ولأجل ذلك يجب عند تحديد معنى النص الانتباه الشديد إلى عدم الاندماج في إطار لغوي حادث ، لم يعش مع النص منذ ولادته .
وقد يتفق أن تساهم عملية الاشراط الاجتماعي للملكية في تضليل الممارس
للنص عن الفهم الصحيح . فالكلمة حتى إذا كانت محفظة بمعناها الأصيل على مر الزمن ، قد تصبح خلال ملابسات اجتماعية معينة بين مدلولها فكر خاص أو سلوك معين - مشروطة بذلك الفكر أو السلوك ، حتى ليطغى أحياناً مدلولها السيكولوجي - على أساس عملية الاشراط التي ينتجها وضع اجتماعي معين - على مدلولها اللغوي الأصيل ، أو يندمج على أقل تقدير ، المعطى اللغوي للكلمة بالمعطي الشرطي النفسي ، الذي هو في الحقيقة نتيجة وضع اجتماعي يعيشه الممارس ، أكثر من كونه نتيجة للكلمة ذاتها .
وخذ إليك مثلاً كلمة : ( الاشتراكية ) فقد أشرطت هذه الكلمة خلال مذاهب اجتماعية حديثة عاشها الانسان المعاصر . . بكتلة من الأفكار والقيم والسلوك ، وأصبحت هذه الكتلة تشكل إلى حد ما جزءاً مهماً من مدلولها الاجتماعي اليوم ، وإن لم تكن على الصعيد اللغوي المجرد تحمل شيئاً من هذا الكتلة . ويناظرها كلمة : ( الرعية ) التي حمّلها تاريخ الاقطاع تبعة كبيرة ، وأشرطها بسلوك الإقطاعي صاحب الأرض مع الأقنان الذين يزرعون له أرضه . فإذا جئنا إلى نصوص تشتمل على كلمة الاشتراكية ، أو كلمة الرعية كالنص القائل : الناس شركاء في الماء والنار والكلأ . والنص القائل : إن للوالي على الرعية حقاً . . نواجه خطر الاستجابة للاشتراط الاجتماعي في تلك الكلمات ، وإعطائها المعنى الاجتماعي الذي عاشته بعيداً عن جو النص ، بدلاً عن إعطاءها المعنى للغوي الذي ترمز اليه .
ج - تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه :
تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه ، هو عملية تمديد للدليل دون مبرر موضوعي .
وهذه العملية كثيراً ما ترتكب في نوع خاض من الأدلة الشرعية وهو ما يطلق عليه فقهياً اسم : ( التقريب ) ونظراً إلى أن هذا النوع من الأدلة له اثر كبير على عملية الاجتهاد في الأحكام والمفاهيم ، التي تتصل بالمذهب الاقتصادي . . فمن الضروري أن
نبرز الخطر الذي يتهدد هذا الدليل نتيجة لتجريده عن ظروفه وشروطه .
ولنشرح أولاً معنى ( التقرير ) : إن التقرير مظهر من مظاهر السنّة الشريفة ، ونعني به سكوت النبي ( ص ) أو الإمام عن عمل معين يقع على مرأى منه ومسمع ، سكوتاً يكشف عن سماحه به وجوازه في الإسلام .
وللتقرير على قسمين : لأنه تارة : يكون تقريراً لعمل معين ، يقوم به فرد خاص ، كما إذا شرب أحد الفقاع أمام النبي ( ص ) ، فسكت عنه ، فإن هذا السكوت يكشف عن جواز شربه في الإسلام . وأخرى : يكون تقريراً لعمل عام ، يتكرر صدوره من الناس في حياتهم الاعتيادية ، كما إذا عرفنا من عادة الناس في عهد التشريع الإسلامي قيام الأفراد باستخراج الثروات المعدنية ، وتملكها بسبب استخراجها ، فإن سكون الشريعة عن هذه العادة وعدم معارضتها . . يعتبر تقريراً منها ودليلاً على سماح الإسلام للفرد باستخراج المادة الطبيعية وتملكها . وهذا ما يطلق عليه في البحث الفقهي اسم : العرف العام أو ( السيرة العقلائية ) . ومرده في الحقيقة إلى اكتشاف موافقة الشريعة ، إذ لو لم تكن الشريعة موافقة على ذلك السلوك الذي عاصرته ، لنهت عنه . فعدم النهي دليل الموافقة .
ويتوقف هذا الاستدلال من الناحية الفقهية على عد أمور :
فأولاً : يجب التأكد من وجود ذلك السلوك تاريخياً في عصر التشريع ، إذ لو كان السلوك متأخراً زمنياً عن عصر التشريع ، لم يكن سكوت الشرعية عنه دليلاً على رضاها به ، وإنما يستكشف الرضا من السكوت ، إذا عاش السلوك عصر التشريع .
وثانياً : يجب التأكد من عدم صدور النهي من الشريعة عن ذلك السلوك ولا يكفي عدم العلم بصدوره ، فما لم يجزم الباحث بعدم صدور النهي ليس من حقه أن يستكشف سماح الإسلام بذلك السلوك ، ما دام من المحتمل أن تكون الشريعة قد نهت عنه .
وثالثاً : يجب أخذ جميع الصفات والشروط الموضوعية المتوفرة في ذلك
السلوك بعين الاعتبار ، لأن من الممكن أن يكون لبعض تلك الصفات والشروط اثر في السماح بذلك السلوك وعدم تحريمه . فإذا ضبطنا جميع الصفات والشروط ، التي كانت تكتنف ذلك السلوك الذي عاصر التشريع ، أمكننا أن نستكشف ، سكوت الشريعة عنه : سماحها بذلك السلوك متى ما وجد ضمن تلك الصفات والشروط التي ضبطناها .
نستطيع الآن في ضوء هذا الشرح أن نفهم : كيف يتسرب العنصر الذاتي إلى هذا الدليل ، متمثلاً في تجريد السلوك من ظروفه وشروطه .
وعملية التجريد هذه تتخذ شكلين : في بعض الأحيان يجد الممارس نفسه يعيش واقعاً عامراً بسلوك اقتصادي معين ، ويحس بوضوح هذا السلوك وأصالته وعمقه ، إلى درجة يتناسى العوامل التي ساعدت على إيجاده ، والظروف الموقتة التي مهدت له . فيخيل له أن هذا السلوك أصيل ، حادثة ، أو من الممكن أن يكون كذلك على أقل تقدير . ولنذكر لذلك على سبيل المثال : الإنتاج الرأسمالي في الأعمال والصناعات الاستخراجية . فإن الواقع اليوم يعض بهذا اللون من الإنتاج ، الذي يتمثل في عمل أجراء يستخرجون المواد المعدنية من ملح أو نفط ، ورأسمالي يدفع إليهم الأجور ، ويعتبر نفسه لأجل ذلك مالكاً للمادة المستخرجة . وعقد الإجارة ، - هذا الذي يقوم بين الرأسمالي والعمال - يبدو الآن طبيعياً في مضمونه ونتائجه الآنفة الذكر - أي تملك العامل للأجرة ، وتملك الرأسمالي للمادة - إلى اكتشاف الانسان للمعادن واستفادته منها ، ويؤمنون على أساس هذا التصور : بأن هذا النوع من الإجارة كان موجوداً في عصر التشريع . ومن الطبيعي أن ينتج عن كل : التفكير في الاستدلال على جواز هذه الإجارة ، وتملك الرأسمالي للمادة المستخرجة . . بدليل التقرير ، فيقال : إن سكوت الشريعة عن هذه الإجارة وعدم نهيها عنها دليل على سماح الإجارة ، وتملك الرأسمالية للمادة المستخرجة . . بدليل التقرير ، فيقال : إن سكوت الشريعة عن هذه الإجارة وعدم نهيها عنها دليل على سماح الإسلام بها .
ولا نريد هنا أن نقول شيئاً عن هذه الإجارة ومقتضياتها من الناحية الفقهية ، ولا عن أقوال الفقهاء الذين يشكون فيها أو في مقتضياتها . . فإننا سوف ندرس الحكم الشرعي لهذه الإجارة ومقتضياتها بكل تفصيل في بحث مقبل[1]، ونستعرض جميع الأدلة التي يمكن الاستناد إليها في الموضوع إيجابياً أو سلبياً . . وإنما نريد هنا أن ندرس فقط الاستدلال على تلك الإجارة ومقتضياتها بدليل التقرير ، لنبرز شكلاً من تجريد السلوك عن شوطه وظروفه . فإن هؤلاء الذين يستدلون بدليل التقرير على صحة تلك الإجارة ومقتضياتها لم يعيشوا عصر التشريع ، ليتأكدوا من تداول هذا النوع من الإجارة في ذلك العصر ، وإنما شاهدوا تداولها في واقعهم المعاش ، وأدى رسوخها في النظام الاجتماعي السائد إلى الايمان بأنها ظاهرة مطلقة ، ممتدة تاريخياً إلى عصر التشريع . وهذا هو الذي نعنيه بتجريد السلوك من ظروفه وشروطه دون مبرر موضوعي ، وإلا فهل نملك دليلاً حقاً على أن هذا اللون من الإجارة كان موجوداً وشائعاً في عصر التشريع الإسلامي ؟ ! وهل يعلم هؤلاء الذين يؤكدون على وجوده في ذلك العصر : أن هذه الإجارة هي المظهر القانوني للإنتاج الرأسمالي ، الذي لم يوجد تاريخياً على نطاق واسع - خصوصاً في ميادين الصناعة - إلا متأخراً ؟ !
وليس معنى هذا الكلام : الجزم بنفي وجود الإنتاج الرأسمالي للمواد المعدنية في عصر التشريع ، أي العمل بأجرة في استخراجها ، ولا تقديم دليل على هذا النفي بل مجرد الشك في ذلك ، وأنه كيف تتأصل ظاهرة معينة وتبدو طبيعية حتى توحي باليقين بعمقها وقدمها ، لمجرد أنها راسخة في الواقع المعاش ، مع عدم توفر أدلة منطقية كاملة على قدمها تاريخياً ، وانفصالها عن ظروف مستجدة .
هذا هو الشكل الأول من عملية التجريد - تجريد السلوك المعاش عن ظروفه الواقعية - وتمديده تاريخياً إلى عصر التشريع .
وأما الشكل الآخر من عملية التجريد في دليل التقرير فهو ما يتفق عندما ندرس
[1]الأساس النظري للتوزيع على عناصر الإنتاج ص 549 من الكتاب .