بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 390


السلوك بعين الاعتبار ، لأن من الممكن أن يكون لبعض تلك الصفات والشروط اثر في السماح بذلك السلوك وعدم تحريمه . فإذا ضبطنا جميع الصفات والشروط ، التي كانت تكتنف ذلك السلوك الذي عاصر التشريع ، أمكننا أن نستكشف ، سكوت الشريعة عنه : سماحها بذلك السلوك متى ما وجد ضمن تلك الصفات والشروط التي ضبطناها .
نستطيع الآن في ضوء هذا الشرح أن نفهم : كيف يتسرب العنصر الذاتي إلى هذا الدليل ، متمثلاً في تجريد السلوك من ظروفه وشروطه .
وعملية التجريد هذه تتخذ شكلين : في بعض الأحيان يجد الممارس نفسه يعيش واقعاً عامراً بسلوك اقتصادي معين ، ويحس بوضوح هذا السلوك وأصالته وعمقه ، إلى درجة يتناسى العوامل التي ساعدت على إيجاده ، والظروف الموقتة التي مهدت له . فيخيل له أن هذا السلوك أصيل ، حادثة ، أو من الممكن أن يكون كذلك على أقل تقدير . ولنذكر لذلك على سبيل المثال : الإنتاج الرأسمالي في الأعمال والصناعات الاستخراجية . فإن الواقع اليوم يعض بهذا اللون من الإنتاج ، الذي يتمثل في عمل أجراء يستخرجون المواد المعدنية من ملح أو نفط ، ورأسمالي يدفع إليهم الأجور ، ويعتبر نفسه لأجل ذلك مالكاً للمادة المستخرجة . وعقد الإجارة ، - هذا الذي يقوم بين الرأسمالي والعمال - يبدو الآن طبيعياً في مضمونه ونتائجه الآنفة الذكر - أي تملك العامل للأجرة ، وتملك الرأسمالي للمادة - إلى اكتشاف الانسان للمعادن واستفادته منها ، ويؤمنون على أساس هذا التصور : بأن هذا النوع من الإجارة كان موجوداً في عصر التشريع . ومن الطبيعي أن ينتج عن كل : التفكير في الاستدلال على جواز هذه الإجارة ، وتملك الرأسمالي للمادة المستخرجة . . بدليل التقرير ، فيقال : إن سكوت الشريعة عن هذه الإجارة وعدم نهيها عنها دليل على سماح الإجارة ، وتملك الرأسمالية للمادة المستخرجة . . بدليل التقرير ، فيقال : إن سكوت الشريعة عن هذه الإجارة وعدم نهيها عنها دليل على سماح الإسلام بها .


صفحه 391


ولا نريد هنا أن نقول شيئاً عن هذه الإجارة ومقتضياتها من الناحية الفقهية ، ولا عن أقوال الفقهاء الذين يشكون فيها أو في مقتضياتها . . فإننا سوف ندرس الحكم الشرعي لهذه الإجارة ومقتضياتها بكل تفصيل في بحث مقبل[1]، ونستعرض جميع الأدلة التي يمكن الاستناد إليها في الموضوع إيجابياً أو سلبياً . . وإنما نريد هنا أن ندرس فقط الاستدلال على تلك الإجارة ومقتضياتها بدليل التقرير ، لنبرز شكلاً من تجريد السلوك عن شوطه وظروفه . فإن هؤلاء الذين يستدلون بدليل التقرير على صحة تلك الإجارة ومقتضياتها لم يعيشوا عصر التشريع ، ليتأكدوا من تداول هذا النوع من الإجارة في ذلك العصر ، وإنما شاهدوا تداولها في واقعهم المعاش ، وأدى رسوخها في النظام الاجتماعي السائد إلى الايمان بأنها ظاهرة مطلقة ، ممتدة تاريخياً إلى عصر التشريع . وهذا هو الذي نعنيه بتجريد السلوك من ظروفه وشروطه دون مبرر موضوعي ، وإلا فهل نملك دليلاً حقاً على أن هذا اللون من الإجارة كان موجوداً وشائعاً في عصر التشريع الإسلامي ؟ ! وهل يعلم هؤلاء الذين يؤكدون على وجوده في ذلك العصر : أن هذه الإجارة هي المظهر القانوني للإنتاج الرأسمالي ، الذي لم يوجد تاريخياً على نطاق واسع - خصوصاً في ميادين الصناعة - إلا متأخراً ؟ !
وليس معنى هذا الكلام : الجزم بنفي وجود الإنتاج الرأسمالي للمواد المعدنية في عصر التشريع ، أي العمل بأجرة في استخراجها ، ولا تقديم دليل على هذا النفي بل مجرد الشك في ذلك ، وأنه كيف تتأصل ظاهرة معينة وتبدو طبيعية حتى توحي باليقين بعمقها وقدمها ، لمجرد أنها راسخة في الواقع المعاش ، مع عدم توفر أدلة منطقية كاملة على قدمها تاريخياً ، وانفصالها عن ظروف مستجدة .
هذا هو الشكل الأول من عملية التجريد - تجريد السلوك المعاش عن ظروفه الواقعية - وتمديده تاريخياً إلى عصر التشريع .
وأما الشكل الآخر من عملية التجريد في دليل التقرير فهو ما يتفق عندما ندرس


[1]الأساس النظري للتوزيع على عناصر الإنتاج ص 549 من الكتاب .


صفحه 392


سلوكاً معاصراً لعهد التشريع حقاً ، ونستكشف سماح الإسلام به من سكوت التشريع عنه . فان الممارسة في هذه الحالة قد يقع في خطأ التجريد ، عندما يجرد ذلك السلوك المعاصر لعهد التشريع خصائصه ، ويعزله عن العوامل التي قد تكون دخيلة في السماح به ، ويعمم القول : بأن هذا السلوك جائز وصحيح إسلامياً في كل حال . مع أن من الضروري لكي يكن الاستدلال بدليل التقرير موضوعياً : أن ندخل في حسابنا كل حالة من المحتمل تأثيرها في موقف الإسلام من ذلك السلوك . فحين تتغير بعض تلك الحالات والظروف يصبح الاستدلال بدليل التقرير عقيماًً ، فإن قيل كل مثلاً : إن شرب الفقاع في الإسلام جائز ، بدليل أن فلاناً - حين مرض على عهد النبي صلى الله عليه وآله - شرب الفقاع ، ولم ينه النبي ( ص ) عن ذلك . . كان لك أن تقول : ان دليل التقرير هذا وحده يكفي دليلاً على سماح الإسلام بشرب الفقاع لكل فرد ، ولو كان سليماً ، لأن من الممكن أن تكون بعض الأمراض مجوزة لشربه بصورة استثنائية . فمن الخطأ إذن أن نعزل السلوك المعاصر لعهد التشريع عن ظروفه وخصائصه ، ونعمم حكم ذلك السلوك بدون مبرر لكل سلوك مشابه ، وإن اختلف في الخصائص التي قد يختلف الحكم بسببها . بل يجب أن نأخذ بعين الاعتبار جميع الحالات الفردية والأوضاع الاجتماعية ، التي تكتنف السلوك المعاصر لعهد التشريع .
د - اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص :
ونقصد باتخاذ موقف معين النص : الاتجاه النفسي للباحث ، فإن للاتجاه أثره الكبير على عملية فهم النصوص . ولكي تتضح فكرة الموقف ، نفترض شخصين يمارسان دراسة النصوص ، يتجه أحدهما نفسياً إلى اكتشاف الجانب الاجتماعي وما يتصل بالدولة من أحكام الإسلام ومفاهيمه ، بينما ينجذب الآخر لاتجاه نفسي نحو الأحكام التي تتصل بالسلوك الخاص للأفراد . فإن هذين الشخصين بالرغم من أنهما يباشران نصوصاً واحدة ، سوف يختلفان في المكاسب التي يخرجان بها من دراستهما لتلك النصوص ، فيحصل كل منهما على مكاسب أكبر فيما يتصل


صفحه 393


باتجاهه النفسي وموقفه الخاص ، وقد تنطمس أمام عينيه معالم الجانب الإسلامي الذي لم يتجه اليه نفسياً .
وهذا الموقف النفسي الذي تفرضه ذاتية الممارس لا موضوعية البحث ، لا يقتصر تأثيره على إخفاء بعض معالم التشريع ، بل قد يؤدي أحياناً إلى التضليل في فهم النص التشريعي ، والخطأ في استنباط الحكم الشرعي منه ، وذلك حينما يريد الممارس أن يفرض على النص موقفه الذاتي الذي اتخذه بصورة مسبقة ، فلا يوفق حينئذ إلى تفسيره بشكل موضوعي صحيح .
والأمثلة على هذا من الفقه عديدة . وقد يكون نهي النبي عن : منع فضل الماء ، والكلأ . . أوضح مثال من النصوص على مدى تأثر عملية الاستنباط من النص ، بالموقف النفسي للممارس . فقد جاء في الرواية : أن النبي قضى بين أهل المدينة في النخل : لا يمنع نفع بئر . وقضى بين أهل البادية : أنه لا يمنع فضل ماء ولا يباع فضل كلأ[1]. وهذا النهي من النبي عن منع فضل الماء والكلأ ، يمكن أن يكون تعبيراً عن حكم شرعي عام ، ثابت في كل زمان ومكان ، كالنهي عن الميسر والخمر . كما يمكن أيضاً ان يعبر عن اجراء معين ، اتخذه النبي بوصفه ولي الأمر المسؤول عن رعاية مصالح المسلمين ، في حدود ولايته وصلاحياته ، فلا يكون حكماً شرعياً عاماً ، بل يرتبط بظروفه ومصالحه التي يقدّرها ولي الأمر .
وموضوعية البحث في هذا النص النبوي تفرض على الباحث استيعاب كلا هذين التقديرين ، وتعيين أحدهما على ضوء صيغة النص وما يناظره من نصوص .
وأما أولئك الذي يتخذون موقفاً نفسياً تجاه النص بصورة مسبقة ، فهم يفترون منذ البدء أن يجدوا في كل نص حكماً شرعياً عاماً ، وينظرون دائماً إلى النبي من خلال النصوص بوصفه أداة لتبليغ الأحكام العامة ، ويهملون دورة الإيجابي بوصفه ولي الأمر . فيفسرون النص الآنف الذكر على أساس انه حكم شرعي عام[2].


[1]راجع الوسائل ج 17 ، ص 333 ، الحديث / 32241 .
[2]ويفرعون على هذا ان النهي ليس نهي تحريم ، وإنما هو نهي كراهة ، لأنهم يستبعدون أن يكون منع المالك لفضل ماله حراماً شرعاً ، في كل زمان ومكان .


صفحه 394


وهذا الموقف الخاص في تفسير النص لم ينبع من النص نفسه ، وإنما نتج من اعتياد ذهني على صورة خاصة عن النبي ، وطريقة تفكير معينة فيه ، درج عليها الممارس ، واعتاد خلالها أن ينظر اليه دائماً ، باعتباره مبلغاً ، وانطمست أمام عينيه شخصيته الأخرى بوصفه حاكماً ، وانطمست بالتالي ما تعبر به هذا الشخصية عن نفسها في النصوص المختلفة .
ضرورة الذاتية أحياناً :
ويجب أن نشير إلى المجال الوحيد ، الذي سمح به للجانب الذاتي ، لدى محاولة تكوين الفكرة العامة المحددة عن الاقتصاد الإسلامي ، وهو مجال اختيار الصورة التي يراد أخذها عن الاقتصاد في الإسلام ، من بين مجموع الصور التي تمثل مختلف الاجتهادات الفقهية المشروعة ، فقد مر بنا أن اكتشاف المذهب الاقتصادي يتم خلال عملية اجتهاد في فهم النصوص وتنسيقها ، والتوفيق بين مدلولاتها في إطراد واحد ، وعرفنا أن الاجتهاد يختلف ويتنوع ، تبعاً لاختلاف المجتهدين في طريقة فهمهم للنصوص ، وعلاجهم للتناقضات التي قد تبدو بين بعضها والبعض الآخر ، وفي القواعد والمناهج العامة للتفكير الفقهي التي يتبنونها . كما عرفنا أيضاً أن الاجتهاد يتمتع بصفة شرعية وطابع إسلامي ما دام يمارس وظيفته ، ويرسم الصورة ويحدد معالمها ضمن إطار الكتاب والسنة ، ووفقاً للشروط العامة التي لا يجوز اجتيازها .
وينتج عن ذلك كله ازدياد ذخيرتنا بالنسبة إلى الاقتصاد الإسلامي ، ووجود صور عديدة له ، كلها شرعي وكلها إسلامي . ومن الممكن حينئذ أن نتخير في كل مجال أقوى العناصر التي نجدها في تلك الصورة ، وأقدرها على معالجة مشاكل الحياة وتحقيق الأهداف العليا للإسلام . وهذا مجال اختيار ذاتي يملك الباحث فيه حيرته ورأيه ، ويتحرر عن وصفه مكتشفاً فحسب ، وإن كانت هذه الذاتية لا تعدو أن


صفحه 395


تكون اختياراً ، وليست إبداعاً ، فهي تحرر في نطاق الاجتهادات المختلفة ، وليست تحرراً كاملاً .
وقد مارس هذا الكتاب في بحوث سابقة ، وسيمارس في بحوث مقبلة هذا المجال الذاتي ، كما ألمعنا إلى ذلك في المقدمة[1]. فليس كل ما يعرض من أحكام في هذا الكتاب ، وتبنى ويستدل عليه ، نتيجة لاجتهاد المؤلف شخصياً . بل قد يعرض في بعض النقاط لما لا يتفق مع اجتهاده ، ما دام يعبر عن وجهة نظر اجتهادية أخرى ، تحمل الطابع الإسلامي والصفة الشرعية .
وأود أن أؤكد بهذه المناسبة على : أن ممارسة هذا المجال الذاتي ، ومنح الممارس حقاً في الاختيار ضمن الإطار العام للاجتهاد في الشريعة . . قد يكون أحياناً شرطاً ضرورياً من الناحية الفنية لعملية الاكتشاف التي يحاولها هذا الكتاب ، وليس أمراً جائزاً فحسب ، أو لونا من الترف والتكاسل عن تحمّل أعباء ومشاق الاجتهاد في أحكام الشريعة . فإن من المستحيل في بعض الحالات اكتشاف النظرية الإسلامية والقواعد المذهبية في الاقتصاد ، شاملة كاملة منسجمة مع بناءها العلوي وتفصيلاته التشريعية وتفريعاتها الفقهية إلا على أساس المجال الذاتي للاختيار .
وأنا أقول هذا نتيجة لتجربة شخصية عشتها في فترة إعداد هذا الكتاب ، ولعل من الضروري أن أجليها هنا لأبرز إحدى المشاكل التي يعانيها البحث في الاقتصاد الإسلامي غالباً ، وطريقة تغلّب هذا الكتاب عليها بممارسة المجال الذاتي الآنف الذكر الذي منح لنفسه حق ممارسته .
فمن المتفق عليه بين المسلمين اليوم : أن القليل من أحكام الشريعة الإسلامية هو الذي لا يزال يحتفظ بوضوحه وضرورته وصفته القطعية ، بالرغم من هذه القرون المتطاولة التي تفصلنا عن عصر التشريع . وقد لا تتجاوز الفئة التي تتمتع بصفة قطعية من أحكام الشريعة ، الخمسة في المئة من مجموع الأحكام التي نجدها في الكتب الفقهية .


[1]كلمة المؤلف ص 49 .


صفحه 396


والسبب في ذلك واضح ، لأن أحكام الشريعة تؤخذ من الكتاب والسنة ، أي من النص التشريعي ، ونحن بطبيعة الحال نعتمد في صحة كل نص على نقل أحد الرواة والمحدثين - باستثناء النصوص القرآنية ومجموعة قليلة من نصوص السنة التي ثبتت بالتواتر واليقين - ومهما حاولنا أن ندقق في الراوي ووثاقته وأمانة الرواة إلا تاريخياً ، لا بشكل مباشر ، وما دام الراوي الأمين قد يخطئ ويقدم الينا النص محرّفاً ، خصوصاً في الحالات التي لا يصل الينا النص فيها إلا بعد أن يطوف بعدة رواة ، ينقله كل واحد منهم إلى الآخر ، حتى يصل الينا في نهاية الشوط . وحتى لو تأكدنا أحياناً من صحة النص ، وصدوره من النبي أو الإمام ، فإننا لن نفهمه إلا كما نعيشه الآن ، ولن نستطيع استيعاب جوّه وشروطه ، واستبطان بيئته التي كان من الممكن أن تلقى عليه ضوءاً . ولدى عرض النص على سائر النصوص التشريعية للتوفيق بينه وبينها ، قد نخطئ أيضاً في طريقة التوفيق ، فنقدم هذا النص على ذاك ، مع أن الآخر أصح في الواقع ، بل قد يكون للنص استثناء في نص آخر ولم يصل الينا الاستثناء ، أو لم نلتفت اليه خلال ممارستنا للنصوص ، فنأخذ بالنص الأول مغفلين استثناءه الذي يفسره ويخصصه .
فالاجتهاد إذن عملية معقدة ، تواجه الشكوك من كل جانب ومهما كانت نتيجته راجحة في رأي المجتهد ، فهو لا يجزم بصحتها في الواقع ، ما دام يحمل خطأه في استنتاجها ، إما لعدم صحة النص في الواقع وان بدا له صحيحاً ، أو لخطأ في فهمه ، أو في طريقة التوفيق بينه وبين سائر النصوص ، أو لعدم استيعابه نصوصاً أخرى ذات دلالة في الموضوع ذهل عنها الممارس أو عاثت بها القرون .
وهذا لا عيني طبيعة الحال إلغاء عملية الاجتهاد أو عدم جوازها ، فإن الإسلام - بالرغم من الشكوك التي تكتنف هذه العملية - قد سمح بها ، وحدد للمجتهد المدى الذي يجوز له أن يعتمد فيه على الظن ، ضمن قواعد تشرح عادة في علم أصول الفقه ، وليس على المجتهد إثم إذا اعتمد ظنه في الحدود المسموح بها ، سواء أخطأ أو أصاب .


صفحه 397


وعلى هذا الضوء يصبح من المعقول ومن المحتمل : أن توجد لدى كل مجتهد مجموعة من الأخطاء والمخالفات لواقع التشريع الإسلامي ، وإن كان معذوراً فيها ويصبح من المعقول أيضاً : أن يكون واقع التشريع الإسلامي في مجموعة من المسائل التي يعالجها موزعاً هنا وهناك ، بنسب متفاوتة في آراء المجتهدين ، فيكون هذا المجتهد على خطأ في مسألة وصواب في أخرى ، ويكون الآخر على العكس .
وأمام هذا الواقع الذي شرحناه من عن عملية الاجتهاد والمجتهدين ، لا يملك الممارس لعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي ، إلا أن ينطلق في اكتشافه من أحكام ثبتت باجتهاد ظني معين ليجتازها إلى ما هو أعمق وأشمل ، إلى نظريات الإسلام في الاقتصاد ومذهبه الاقتصادي .
ولكن علينا أن نتساءل : هل من الضروري أن يعكس لنا اجتهاد كل واحد من المجتهدين - بما يضم من أحكام - مذهباً اقتصادياً كاملاً ، وأسساً موحدة منسجمة مع بناء تلك الأحكام وطبيعتها ؟ .
ونجيب على هذا السؤال بالنفي ، لأن الاجتهاد الذي يقوم على أساسه استنتاج تلك الأحكام معرض للخطأ ، وما دام كذلك فمن الجائز أن يضم اجتهاد المجتهد عصراً تشريعياً غريباً على واقع الإسلام ، قد أخطأ المجتهد في استنتاجه ، أو يفقد عنصراً تشريعياً إسلامياً لم يوفق المجتهد للظفر به في النصوص التي مارسها . وقد تصبح مجموعة الأحكام التي أدى إليها اجتهاده متناقضة في أسسها بسبب هذا أو ذاك ، ويتعذر عندئذ الوصول إلى رصيد نظري كامل يوحد بينها ، أو تفسير مذهبي شامل يضعها جميعاً في إطراد واحد .
ولهذا يجب أن نفرق بين واقع التشريع الإسلامي كما جاء به النبي ( ص ) ، وبين الصور الاجتهادية كما يرسمها مجتهد معين خلال ممارسته للنصوص . فنحن نؤمن بأن واقع التشريع الإسلامي في المجالات الاقتصادية ليس مرتجلاً ، ولا وليد نظرات متفاصلة ، ومنعزلة بعضها عن البعض ، بل إن التشريع الإسلامي في تلك المجالات يقوم على أساس موحد ، ورصيد مشترك من المفاهيم ، وينبع من نظريات الإسلام