بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 394


وهذا الموقف الخاص في تفسير النص لم ينبع من النص نفسه ، وإنما نتج من اعتياد ذهني على صورة خاصة عن النبي ، وطريقة تفكير معينة فيه ، درج عليها الممارس ، واعتاد خلالها أن ينظر اليه دائماً ، باعتباره مبلغاً ، وانطمست أمام عينيه شخصيته الأخرى بوصفه حاكماً ، وانطمست بالتالي ما تعبر به هذا الشخصية عن نفسها في النصوص المختلفة .
ضرورة الذاتية أحياناً :
ويجب أن نشير إلى المجال الوحيد ، الذي سمح به للجانب الذاتي ، لدى محاولة تكوين الفكرة العامة المحددة عن الاقتصاد الإسلامي ، وهو مجال اختيار الصورة التي يراد أخذها عن الاقتصاد في الإسلام ، من بين مجموع الصور التي تمثل مختلف الاجتهادات الفقهية المشروعة ، فقد مر بنا أن اكتشاف المذهب الاقتصادي يتم خلال عملية اجتهاد في فهم النصوص وتنسيقها ، والتوفيق بين مدلولاتها في إطراد واحد ، وعرفنا أن الاجتهاد يختلف ويتنوع ، تبعاً لاختلاف المجتهدين في طريقة فهمهم للنصوص ، وعلاجهم للتناقضات التي قد تبدو بين بعضها والبعض الآخر ، وفي القواعد والمناهج العامة للتفكير الفقهي التي يتبنونها . كما عرفنا أيضاً أن الاجتهاد يتمتع بصفة شرعية وطابع إسلامي ما دام يمارس وظيفته ، ويرسم الصورة ويحدد معالمها ضمن إطار الكتاب والسنة ، ووفقاً للشروط العامة التي لا يجوز اجتيازها .
وينتج عن ذلك كله ازدياد ذخيرتنا بالنسبة إلى الاقتصاد الإسلامي ، ووجود صور عديدة له ، كلها شرعي وكلها إسلامي . ومن الممكن حينئذ أن نتخير في كل مجال أقوى العناصر التي نجدها في تلك الصورة ، وأقدرها على معالجة مشاكل الحياة وتحقيق الأهداف العليا للإسلام . وهذا مجال اختيار ذاتي يملك الباحث فيه حيرته ورأيه ، ويتحرر عن وصفه مكتشفاً فحسب ، وإن كانت هذه الذاتية لا تعدو أن


صفحه 395


تكون اختياراً ، وليست إبداعاً ، فهي تحرر في نطاق الاجتهادات المختلفة ، وليست تحرراً كاملاً .
وقد مارس هذا الكتاب في بحوث سابقة ، وسيمارس في بحوث مقبلة هذا المجال الذاتي ، كما ألمعنا إلى ذلك في المقدمة[1]. فليس كل ما يعرض من أحكام في هذا الكتاب ، وتبنى ويستدل عليه ، نتيجة لاجتهاد المؤلف شخصياً . بل قد يعرض في بعض النقاط لما لا يتفق مع اجتهاده ، ما دام يعبر عن وجهة نظر اجتهادية أخرى ، تحمل الطابع الإسلامي والصفة الشرعية .
وأود أن أؤكد بهذه المناسبة على : أن ممارسة هذا المجال الذاتي ، ومنح الممارس حقاً في الاختيار ضمن الإطار العام للاجتهاد في الشريعة . . قد يكون أحياناً شرطاً ضرورياً من الناحية الفنية لعملية الاكتشاف التي يحاولها هذا الكتاب ، وليس أمراً جائزاً فحسب ، أو لونا من الترف والتكاسل عن تحمّل أعباء ومشاق الاجتهاد في أحكام الشريعة . فإن من المستحيل في بعض الحالات اكتشاف النظرية الإسلامية والقواعد المذهبية في الاقتصاد ، شاملة كاملة منسجمة مع بناءها العلوي وتفصيلاته التشريعية وتفريعاتها الفقهية إلا على أساس المجال الذاتي للاختيار .
وأنا أقول هذا نتيجة لتجربة شخصية عشتها في فترة إعداد هذا الكتاب ، ولعل من الضروري أن أجليها هنا لأبرز إحدى المشاكل التي يعانيها البحث في الاقتصاد الإسلامي غالباً ، وطريقة تغلّب هذا الكتاب عليها بممارسة المجال الذاتي الآنف الذكر الذي منح لنفسه حق ممارسته .
فمن المتفق عليه بين المسلمين اليوم : أن القليل من أحكام الشريعة الإسلامية هو الذي لا يزال يحتفظ بوضوحه وضرورته وصفته القطعية ، بالرغم من هذه القرون المتطاولة التي تفصلنا عن عصر التشريع . وقد لا تتجاوز الفئة التي تتمتع بصفة قطعية من أحكام الشريعة ، الخمسة في المئة من مجموع الأحكام التي نجدها في الكتب الفقهية .


[1]كلمة المؤلف ص 49 .


صفحه 396


والسبب في ذلك واضح ، لأن أحكام الشريعة تؤخذ من الكتاب والسنة ، أي من النص التشريعي ، ونحن بطبيعة الحال نعتمد في صحة كل نص على نقل أحد الرواة والمحدثين - باستثناء النصوص القرآنية ومجموعة قليلة من نصوص السنة التي ثبتت بالتواتر واليقين - ومهما حاولنا أن ندقق في الراوي ووثاقته وأمانة الرواة إلا تاريخياً ، لا بشكل مباشر ، وما دام الراوي الأمين قد يخطئ ويقدم الينا النص محرّفاً ، خصوصاً في الحالات التي لا يصل الينا النص فيها إلا بعد أن يطوف بعدة رواة ، ينقله كل واحد منهم إلى الآخر ، حتى يصل الينا في نهاية الشوط . وحتى لو تأكدنا أحياناً من صحة النص ، وصدوره من النبي أو الإمام ، فإننا لن نفهمه إلا كما نعيشه الآن ، ولن نستطيع استيعاب جوّه وشروطه ، واستبطان بيئته التي كان من الممكن أن تلقى عليه ضوءاً . ولدى عرض النص على سائر النصوص التشريعية للتوفيق بينه وبينها ، قد نخطئ أيضاً في طريقة التوفيق ، فنقدم هذا النص على ذاك ، مع أن الآخر أصح في الواقع ، بل قد يكون للنص استثناء في نص آخر ولم يصل الينا الاستثناء ، أو لم نلتفت اليه خلال ممارستنا للنصوص ، فنأخذ بالنص الأول مغفلين استثناءه الذي يفسره ويخصصه .
فالاجتهاد إذن عملية معقدة ، تواجه الشكوك من كل جانب ومهما كانت نتيجته راجحة في رأي المجتهد ، فهو لا يجزم بصحتها في الواقع ، ما دام يحمل خطأه في استنتاجها ، إما لعدم صحة النص في الواقع وان بدا له صحيحاً ، أو لخطأ في فهمه ، أو في طريقة التوفيق بينه وبين سائر النصوص ، أو لعدم استيعابه نصوصاً أخرى ذات دلالة في الموضوع ذهل عنها الممارس أو عاثت بها القرون .
وهذا لا عيني طبيعة الحال إلغاء عملية الاجتهاد أو عدم جوازها ، فإن الإسلام - بالرغم من الشكوك التي تكتنف هذه العملية - قد سمح بها ، وحدد للمجتهد المدى الذي يجوز له أن يعتمد فيه على الظن ، ضمن قواعد تشرح عادة في علم أصول الفقه ، وليس على المجتهد إثم إذا اعتمد ظنه في الحدود المسموح بها ، سواء أخطأ أو أصاب .


صفحه 397


وعلى هذا الضوء يصبح من المعقول ومن المحتمل : أن توجد لدى كل مجتهد مجموعة من الأخطاء والمخالفات لواقع التشريع الإسلامي ، وإن كان معذوراً فيها ويصبح من المعقول أيضاً : أن يكون واقع التشريع الإسلامي في مجموعة من المسائل التي يعالجها موزعاً هنا وهناك ، بنسب متفاوتة في آراء المجتهدين ، فيكون هذا المجتهد على خطأ في مسألة وصواب في أخرى ، ويكون الآخر على العكس .
وأمام هذا الواقع الذي شرحناه من عن عملية الاجتهاد والمجتهدين ، لا يملك الممارس لعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي ، إلا أن ينطلق في اكتشافه من أحكام ثبتت باجتهاد ظني معين ليجتازها إلى ما هو أعمق وأشمل ، إلى نظريات الإسلام في الاقتصاد ومذهبه الاقتصادي .
ولكن علينا أن نتساءل : هل من الضروري أن يعكس لنا اجتهاد كل واحد من المجتهدين - بما يضم من أحكام - مذهباً اقتصادياً كاملاً ، وأسساً موحدة منسجمة مع بناء تلك الأحكام وطبيعتها ؟ .
ونجيب على هذا السؤال بالنفي ، لأن الاجتهاد الذي يقوم على أساسه استنتاج تلك الأحكام معرض للخطأ ، وما دام كذلك فمن الجائز أن يضم اجتهاد المجتهد عصراً تشريعياً غريباً على واقع الإسلام ، قد أخطأ المجتهد في استنتاجه ، أو يفقد عنصراً تشريعياً إسلامياً لم يوفق المجتهد للظفر به في النصوص التي مارسها . وقد تصبح مجموعة الأحكام التي أدى إليها اجتهاده متناقضة في أسسها بسبب هذا أو ذاك ، ويتعذر عندئذ الوصول إلى رصيد نظري كامل يوحد بينها ، أو تفسير مذهبي شامل يضعها جميعاً في إطراد واحد .
ولهذا يجب أن نفرق بين واقع التشريع الإسلامي كما جاء به النبي ( ص ) ، وبين الصور الاجتهادية كما يرسمها مجتهد معين خلال ممارسته للنصوص . فنحن نؤمن بأن واقع التشريع الإسلامي في المجالات الاقتصادية ليس مرتجلاً ، ولا وليد نظرات متفاصلة ، ومنعزلة بعضها عن البعض ، بل إن التشريع الإسلامي في تلك المجالات يقوم على أساس موحد ، ورصيد مشترك من المفاهيم ، وينبع من نظريات الإسلام


صفحه 398


وعمومياته في شؤون الحياة الاقتصادية .
وإيماننا بهذا هو الذي جعلنا نعتبر الأحكام بناءً علوياً ، يجب تجاوزه إلى ما هو أعمق وأشمل ، وتخطيه إلى الأسس التي يقوم عليها هذا البناء العلوي وينسجم معها ، ويعبّر عن عمومياتها في كل تفصيلاته وتفريعاته ، دون تناقض أو نشاز . ولولا الإيمان بأن أحكام الشريعة تقوم على أسس موحدة ، لما كان هناك مبرر لممارسة عملية اكتشاف للمذهب ، من وراء الأحكام التفصيلية في الشريعة .
كل هذا صحيح بالنسبة إلى واقع التشريع الإسلامي . وأما بالنسبة إلى هذا الاجتهاد أو ذاك من اجتهادات المجتهدين ، فليس من الضروري أن تعكس الأحكام التي يضعها ذلك الاجتهاد مذهباً اقتصادياً كاملاً ، وأساساً نظرياً شاملاً ، ما دام من الممكن فيها أن تضم عنصراً غريباً أو تفقد عنصراً أصيلاً بسبب خطأ المجتهد .
وقد يؤدي خطأ واحد في مجموعة تلك الأحكام إلى قلب الحقائق في عملية الاكتشاف رأساً على عقب ، وبالتالي إلى استحالة الوصول إلى المذهب الاقتصادي عن طريق تلك الأحكام .
ولهذا قد يواجه الممارس لعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي محنة هي محنة التناقض بين وصفه مكتشفاً للمذهب ، ووصفه مجتهداً في استنباط الأحكام . وذلك فيما إذا اقترضنا : أن المجموعة من الأحكام التي أدى إليها اجتهاده الخاص ، غير قادرة على الكشف عن المذهب الاقتصادي ، فالممارس في هذه الحالة بوصفه مجتهداً في استنباط تلك الأحكام ، مدفوع بطبيعة اجتهاده إلى اختيار تلك الأحكام التي أدى إليها اجتهاده ، لينطلق منها في اكتشافه للمذهب الاقتصادي . ولكنه بوصفه مكتشفاًً للمذهب ، يجب عليه أن يختار مجموعة متسقة من الأحكام ، منسجمة في اتجاهاتها ومدلولاتها النظرية ، ليستطيع أن يكتشف على أساسها المذهب . وهو حين لا يجد نفسه مضطراً إلى اختيار نقطة انطلاق أخرى ، مناسبة لعملية الاكتشاف . ولنجسد المشكلة بصورة أوضح في المثال التالي :


صفحه 399


مجتهد رأى أن النصوص تربط ملكية الثروات الطبيعية الخام بالعمل ، وتنفي تملكها بأي طريقة أخرى سوى العمل ، ووجد لهذه النصوص استثناءً واحداً في نص يقرر يقرر في بعض المجالات : التملك بطريقة أخرى غير العمل .
إن هذا المجتهد سوف تبدوا له نتائج النصوص ومعطياتها - حسب اجتهاده - قلقة غير متسقة . ومصدر هذا القلق وعدم الاتساق : النص الاستثنائي ، إذ لولاه لاستطاع أن يكتشف على أساس مجموع النصوص الأخرى ان الملكية في الإسلام تقوم على أساس العمل . فماذا يصنع هذا المجتهد ، وبم يتغلب على التناقض بين موقفيه الاجتهادي والاكتشافي ؟ .
إن المجتهد الذي يواجه هذا التناقض يحتمل عادة تفسيرين لذلك القلق وعدم الاتساق بين الأحكام التي أدى إليها اجتهاده .
أحدهما : أن بعض النصوص التي مارسها غير صحيحة ، كالنص الاستثنائي في الفرضية التي افترضناها مثلاً ، بالرغم من توفر الشروط التي أمر الإسلام باتباع كل نص تتوفر فيه . وعدم صحة بعض النصوص أدى إلى دخول عنصر تشريعي غريب في المجموعة التي يضمها اجتهاده من أحكام ، وأدى بالتالي إلى تنافر تلك الأحكام على الصعيد النظري وفي عملية الاكتشاف .
والتفسير الآخر : أن هذا التنافر المحسوس بين عناصر المجموعة سطحي ، وليس له واقع : وإنما نتج إحساس الممارس به عن عدم قدرته على الاهتداء إلى سر الوحدة بين تلك العناصر ، وتفسيرها النظري المشترك .
وهنا يختلف موقف الممارس بوصفه مجتهداً يستنبط الأحكام ، عن موقفه بوصفه مكتشفاً للمذهب الاقتصادي فهو باعتباره مجتهداً يستنبط الأحكام لا يمكنه أن يتخلى في عمله الخاص عن الأحكام التي أدى إليها اجتهاده ، وإن بدت له متنافرة على الصعيد النظري ، ما دام يحتمل أن يكون مرد هذا التنافر إلى عجزه عن استكناه أسرارها وأسسها المذهبية . ولكن تمسكه بتلك الأحكام لا يعني قطعيتها ، بل هي نتائج ظنية ، ما دامت تقوم على أساس الاجتهاد الظني الذي يبرر الأخذ بها ،


صفحه 400


بالرغم من احتمال الخطأ .
وأما حين يريد هذا الفقيه أن يتخطى فقه الأحكام إلى فقه النظريات ، ويمارس عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام . . فإن طبيعة العملية تفرض عليه نوع الأحكام التي يجب أن ينطلق منها ، وتحتم أن تكون نقطة الانطلاق مجموعة متسقة ومنسجمة من الأحكام ، فإن استطاع أن يجد هذه المجموعة فيما يضمه اجتهاده الشخصي من أحكام ، وينطلق منها في عملية الاكتشاف لفهم الأسس العامة للأمة للاقتصاد الإسلامي ، دون أن يمنى بتناقض أو تنافر بين عناصر تلك المجموعة . . فهي فرصة ثمينة تتحد فيها شخصية الممارس بوصفه فقيهاً يستنبط الأحكام ، مع شخصيته بوصفه مكتشفاً للنظريات .
وأما إذا لم يسعد بهذه الفرصة ، ولم يسعفه اجتهاده بنقطة الانطلاق المناسبة . . فإن هذا لن يؤثر على تصميمه في العملية ، ولا على إيمانه : بأن واقع التشريع الإسلامي يمكن أن يفسر تفسيراً نظرياً متسقاً شاملاً . والسبيل الوحيد الذي يتحتم على الممارس سلوكه في هذه الحالة ، أن يستعين بالأحكام التي أدت إليها اجتهادات غيره من المجتهدين لأن في كل اجتهاد مجموعة من الأحكام ، تختلف إلى حد كبير عن المجاميع التي تشتمل عليها الاجتهادات الأخرى .
وليس من المنطقي أن نترقب اكتشاف مذهب اقتصادي وراء كل مجموعة من تلك المجاميع ، وإنما نؤمن بمذهب اقتصادي واحد ، تقوم على أساسه أحكام الشريعة الموجودة ، ضمن تلك المجاميع ، ففي حالة التنافر بين عناصر المجموعة الواحدة ، التي يتبناها اجتهاد الممارس . يتعين عليه في عملية الاكتشاف أن يزيل العناصر القلقة ، التي تؤدي إلى التناقض على الصعيد النظري ، ويستبدلها بنتائج وأحكام في اجتهادات أخرى ، أكثر انسجاماً وتسهيلاً لعملية الاكتشاف ، ويكوّن مجموعة ملفقة من اجتهادات عديدة يتوفر فيها الانسجام ، لينطلق منها ويخرج في النهاية باكتشاف الرصيد النظري لتلك المجموعة الملفقة من الأحكام الشرعية .
وأقل ما يقال في تلك المجموعة : أنها صورة ، من الممكن أن تكون صادقة كل


صفحه 401


الصدق في تصوير واقع التشريع الإسلامي . وليس إمكان صدقها أبعد من إمكان صدق أي صورة أخرى من الصورة الكثيرة ، التي يزخر بها الصعيد الفقهي الاجتهادي ، وهي بعد ذلك تحمل مبرراتها الشرعية لأنها تعبّر عن اجتهادات إسلامية مشروعة ، تدور كلها في فلك الكتاب والسنة . ولأجل ذلك يصبح بالإمكان للمجتمع الإسلامي أن يختارها في مجال التطبيق ، من بين الصور الاجتهادية الكثيرة للشريعة ، التي يجب عليه أن يختار واحدة منها .
وهذا كل ما يمكن إنجازه في عملية الاكتشاف للاقتصاد الإسلامي ، عندما يعجز الاجتهاد الشخصي للممارس عن تكوين النقطة المناسبة للانطلاق بل إن هذا هو كل ما نحتاج اليه تقريباً بهذا الصدد . وماذا نحتاج بعد أن نكتشف مذهباً اقتصادياً ، يتمتع بإمكان الصدق والدقة في التصوير ، بدرجة لا تقل عن حظ أي صورة اجتهادية أخرى ، وتتوفر فيها مبررات النسب الإسلامي ، باعتبار انتسابها إلى مجتهدين أكفاء ، وتحمل من الإسلام رخصة التطبيق في الحياة الإسلامية ؟ ! .
خداع الواقع التطبيقي :
قد دخل المذهب الاقتصادي في الإسلام حياة المجتمع بوصفه النظام السائد في عصر النبوة ، وعاش على صعيد التطبيق مجسداً في واقع العلاقات الاقتصادية ، التي كانت قائمة بين أفراد المجتمع الإسلامي يومذاك . ولأجل هذا يصبح من الممكن - خلال عملية اكتشاف الاقتصاد الإسلامي - أن ندرسه ونبحث عنه على الصعيد التطبيقي ، كما ندرسه ونبحث عنه على الصعيد النظري . فإن التطبيق يحدد ملامح الاقتصاد الإسلامي وخصائصه ، كما تحددها نصوص النظرية في مجالات التشريع .
ولكن النصوص التشريعية للنظرية أقدر على تصوير المذهب من الواقع التطبيقي ، لأن التطبيق نص تشريعي في ظرف معين قد لا يستطيع أن يعكس المضمون الضخم لذلك النص ، ولا أن يصور مغزاه الاجتماعي كاملاً ، فيختلف إلهام التطبيق