قيمتها . وعلى هذا الأساس نجد أن الاقتصاد السياسي يعتبر الإنتاج هو الموضوع الأول من مواضيع البحث ، فيدرس الإنتاج أولا ، ثم يتناول قضايا التوزيع .
وأما الإسلام فهو يعالج قضايا التوزيع على نطاق أرحب وباستيعاب أشمل ، لأنه لا يكتفي بمعالجة توزيع الثروة المنتجة ، ولا يتهرب من الجانب الأعمق للتوزيع ، أي توزيع الإنتاج ، كما صنعت الرأسمالية المذهبية ، إذ تركت مصادر الإنتاج يسيطر عليها الأقوى دائماً ، تحت شعار الحرية الاقتصادية ، التي تخدم الأقوى وتمهد له السبيل إلى احتكار الطبيعة ومرافقها بل إن الإسلام تدخّل تدخلاً إيجابياً في توزيع الطبيعة ، وما تضمه من مصادر إنتاج ، وقسمها إلى عدة أقسام ، لكل قسم طابعه المميز من الملكية الخاصة ، أو الملكية العامة ، وملكية الدولة ، أو الإباحة العامة . . ووضع لهذا التقسيم قواعده ، كما وضع إلى صف ذلك أيضاً القواعد التي يقوم على أساسها توزيع الثروة المنتجة ، وصمم التفصيلات في نطاق تلك القواعد .
ولهذا السبب تصبح نقطة الانطلاق ، أو المرحلة الأولى في الإقتصاد الإسلامي هي : التوزيع ، بدلاً من الإنتاج ، كما كان في الإقتصاد السياسي التقليدي لأن توزيع مصادر الإنتاج نفسها يسبق عملية الإنتاج ، وكل تنظيم يتصل بنفس عملية الإنتاج أو السلع المنتجة يصبح في الدرجة الثانية .
وسوف نبدأ الآن بتحديد موقف الإسلام من توزيع المصادر الأساسية ، توزيع الطبيعة بما تضمه من ثروات .
المصدر الأصيل للإنتاج :
وقبل أن نبدأ بالتفصيلات التي يتم توزيع المصادر الأساسية وفقاً لها ، يجب أن نحدد هذه المصادر .
ففي الاقتصاد السياسي يذكر عادة أن مصادر الإنتاج هي :
1 - الطبيعة .
2 - رأس المال .
3 - العمل ، ويضم التنظيم الذي يمارسه المنظم للمشروع .
غير أننا إذ نتحدث عن توزيع المصادر في الإسلام وأشكال ملكيتها . . لابد لنا أن نستبعد من مجال البحث المصدرين الأخيرين ، وهما : رأس المال ، والعمل .
أما رأس المال فهو في الحقيقة ثروة منتجة ، وليس مصدراً أساسياً للإنتاج ، لأنه يعبّر اقتصادياً عن كل ثروة تم إنجازها ، وتبلورت خلال عمل بشري لكي تساهم من جديد في إنتاج ثروة أخرى . فالآلة التي تنتج النسيج ليس ثروة طبيعية خالصة ، وإنما هي مادة طبيعية ، كيّفها العمل الإنساني خلال عملية إنتاج سابقة . ونحن إنما نبحث الآن في التفصيلات التي تنظم توزيع ما قبل الإنتاج ، أي توزيع الثروة التي منحها الله لمجتمع قبل أن يمارس نشاطاً اقتصادياً وعملاً إنتاجياً فيها . وما دام رأس المال وليد إنتاج سابق ، فسوف يندرج توزيعه في بحث توزيع الثروة المنتجة ، بما تضمه من سلع استهلاكية وإنتاجية .
وأما العمل فهو العنصر المعنوي من مصادر الإنتاج ، وليس ثروة مادية تدخل في نطاق الملكية الخاصة أو العامة .
وعلى هذا الأساس تكون الطبيعة وحدها من بين مصادر الإنتاج موضوع درسنا الآن ، لأنها تمثل العنصر المادي السابق على الإنتاج .
اختلاف المواقف المذهبية من توزيع الطبيعة :
والإسلام في علاجه لتوزيع الطبيعة ، يختلف عن الرأسمالية والماركسية في العموميات وفي التفاصيل .
فالرأسمالية تربط
ملكية مصادر الإنتاج ، ومصير توزيعها بأفراد المجتمع أنفسهم ، وما يبذله كل واحد منهم من طاقات وقوى - داخل نطاق الحرية الاقتصادية الموفرة للجميع - في سبيل الحصول على أكبر نصيب ممكن من تلك المصادر . . فتسمح لكل فرد بتملك ما ساعده الحظ وحالفة التوفيق على الظفر به ، ثروات الطبيعة ومرافقها .
وأما الماركسية فهي ترى تبعاً لطريقتها العامة في تفسير التاريخ : أن ملكية مصادر الإنتاج تتصل اتصالاًً مباشراً بشكل الإنتاج السائد ، فكل شكل من أشكال الإنتاج هو الذي يقرر - في مرحلته التاريخية - طريقة توزيع المصادر المادية للإنتاج ، ونوع الأفراد الذين يجب أن يملكوها . ويظل شكلاً جديداً فيضيق هذا الشكل الجديد ذرعاً بنظام التوزيع السابق ، ويتعثر به في طريق نموه وتطوره ، حتى يتمزق نظام التوزيع القديم ، بعد تناقض مرير مع شكل الإنتاج الحديث ، وينشأ توزيع جديد لمصادر الإنتاج ، يحقق لشكل الإنتاج الحديث الشروط الاجتماعية التي تساعده على النمو والتطور . فتوزيع مصادر الإنتاج يقوم دائماً على أساس خدمة الإنتاج نفسه ، ويتكيف وفقاً لمتطلبات نموه وارتقائه .
ففي مرحلة الإنتاج الزراعي من التاريخ ، كان شكل الإنتاج يحتم إقامة توزيع المصادر على أساس إقطاعي ، بينما تفرض المرحلة التاريخية للإنتاج الصناعي الآلي ، إعادة التوزيع من جديد على أساس امتلاك الطبقة الرأسمالية لكل مصادر الإنتاج ، وفي درجة معينة من نمو الإنتاج الآلي يصبح من المحتوم تبديل الطبقة الرأسمالية بالطبقة العاملة ، وإعادة التوزيع على هذا الأساس .
والإسلام لا يتفق في مفهومه عن توزيع ما قبل الإنتاج مع الرأسمالية ، ولا مع الماركسية ، فهو لا يؤمن بمفاهيم الرأسمالية عن الحرية الاقتصادية ، كما مر بنا في بحث ( مع الماركسية )[1]. وكذلك لا يقر الصلة الحتمية ، التي تضعها الماركسية بين ملكية المصادر وشكل الإنتاج السائد ، كما رأينا في بحث ( اقتصادنا في معالمه الرئيسية )[2]. وهو لذلك يحد من حرية تملك الأفراد لمصادر الإنتاج ، ويفصل توزيع تلك المصادر عن شكل الإنتاج ، لأن المسألة في نظر الإسلام ليست مسألة أداة إنتاج ، تتطلب نظاماً للتوزيع يلائم سيرها
[1]راجع ص 259 - 277 من الكتاب .
[2]راجع ص 321 - 330 من الكتاب .
ونموها ، لكي يتغير التوزيع كلما استجدت حاجة الإنتاج إلى تغيير ، وتوقف نموه على توزيع جديد ، وإنما هي مسألة انسان له حاجات وميول ، يجب إشباعها في إطار يحافظ على انسانيته وينميها . والانسان هو الإنسان ، بحاجاته العامة ميوله الأصيلة ، سواء كان يحرث الأرض بيديه ، أو يستخدم قوى البخار والكهرباء ، ولهذا يجب أن يتم توزيع المصادر الطبيعية للإنتاج بشكل يكفل إشباع تلك الحاجات والميول ، ضمن إطار إنساني يتيح للانسان أن ينمي وجوده وإنسانيته داخل الإطار العام .
فكل فرد - بوصفه إنساناً خاصاً - له حاجات لا بد من إشباعها ، وقد أتاح الإسلام للأفراد إشباعها عن طريق الملكية الخاصة ، التي أقرها ووضع لها أسبابها وشروطها .
وحين تقوم العلاقات بين الأفراد ، ويوجد المجتمع ، يكون لهذا المجتمع حاجاته العامة أيضاً . التي تشمل كل فرد بوصفه جزءاً من المركب الاجتماعي . وقد ضمن الإسلام للمجتمع إشباع هذه الحاجات ، عن طريق الملكية العامة لبعض مصادر الإنتاج .
وكثيراً ما لا يتمكن بعض الأفراد من إشباع حاجاتهم عن طريق الملكية الخاصة فيمنى هؤلاء بالحرمان ، ويختل التوازن العام ، وهنا يضع الإسلام الشكل الثالث للملكية ، ملكية الدولة ، ليقوم ولي الأمر بحفظ التوازن العام .
وهكذا يتم توزيع المصادر الطبيعية للإنتاج ، بتقسيم هذه المصادر إلى حقول الملكية الخاصة ، والملكية العامة ، وملكية الدولة .
مصادر الطبيعة للإنتاج :
ويمكننا تقسم المصادر الطبيعية للإنتاج في العالم الإسلامي إلى عدة أقسام[1]:
1 - الأرض : وهي أهم ثروات الطبيعة ، التي لا يكاد الانسان يستطيع بدونها أن
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 16 ، ص 132 .
يمارس أي لون من ألوان الإنتاج .
2 - المواد الأولية التي تحويها الطبقة اليابسة من الأرض ، كالفحم والكبريت والبترول والذهب والحديد ، ومختلف أنواع المعادن .
3 - المياه الطبيعة التي تعتبر شرطاً من شروط الحياة المادية للانسان ، وتلعب دوراً خطيراً في الإنتاج الزراعي والمواصلات .
4 - بقية الثروات الطبيعية ، وهي محتويات البحار والأنهار من الثروات التي تستخرج بالغوص أو غيره ، كاللئالئ والمرجان ، والثروات الطبيعية المنتشرة في الجو ، كالطيور والأوكسجين ، والقوى الطبيعية المنبثة في أرجاء الكون ، كقوة انحدار الشلالات من الماء التي يمكن تحويلها إلى سيال كهربائي ، ينتقل بواسطة الأسلاك إلى أي نقطة ، وغير ذلك من ذخائر الطبيعة وثروتها .
< فهرس الموضوعات > مصادر الطبيعة للإنتاج < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > * الأرض < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > 1 - الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح < / فهرس الموضوعات > الأرض طبقت الشريعة على الأرض التي تضمها دار الإسلام الأشكال الثلاثة للملكية ، فحكمت على قسم منها الملكية العامة ، وعلى قسم آخر بملكية الدولة ، وسمحت للملكية الخاصة بقسم ثالث .
وهي في تشريعاتها هذه تربط نوع ملكية الأرض بسبب دخولها في حوزة الإسلام ، والحالة التي كانت تسودها حين أصبحت أرضاً إسلامية . فملكية الأرض في العراق تختلف عن ملكية الأرض في أندونيسيا ، لأن العراق وأندونيسيا يختلفان في طريقة انضمامهما إلى دار الإسلام كما أن العراق نفسه مثلاً تختلف بعض أراضيه عن بعض في نوع الملكية ، تبعاً للحالة التي كانت تسود هذه الأرض وتلك ، عندما دشّن العراق حياته الإسلامية .
ولكي ندخل في التفصيلات ، نقسم الأرض الإسلامية إلى أقسام ، ونتحدث عن كل قسم منها ونوع الملكية فيه .
1 - الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح هي : كل أرض دخلت دار الإسلام نتيجة للجهاد المسلح في سبيل الدعوة ، كأراضي العراق ومصر وإيران وسورية وأجزاء كثيرة من العالم الإسلامي .
وهذه الأراضي ليست جميعاً سواء في حالتها لحظة الفتح الإسلامي ، فقد كان فيها العامر الذي تجسدت فيه جهود بشرية سابقة ، قد بذلت في سبيل استثمار الأرض للزراعة ، أو غيرها من المنافع البشرية . وكان فيها العامر طبيعياً ، دون تدخّل مباشر من الانسان ، كالغابات الغنية بأشجارها التي استمدت غناها من الطبيعة لا من إنسان يوم الفتح . كما كان فيها أيضاً الأرض المهملة ، التي لم يمتد إليها الاعمار البشري حتى عصر الفتح ، ولا الاعمار الطبيعي ، ولهذا تسمى ميتة في العرف الفقهي ، لأنها لا تنبض بالحياة ولا تزخر بأي نشاط .
فهذه أنواع ثلاثة للأرض ، مختلفة تبعاً لحالتها وقت دخولها في تاريخ الإسلام .
وقد حكم الإسلام على بعض هذه الأنواع بالملكية العامة ، وعلى بعضها الآخر بملكية الدولة ، كما سنرى .
أ - الأرض العامرة بشرياً وقت الفتح إذا كانت الأرض عامرة بشرياً وقت اندماجها في تاريخ الإسلام ، وداخلة في حيازة الانسان ونطاق استثماره . . فهي ملك عام للمسلمين جميعاً ، من وجد منهم ومن يوجد ، أي ان الأمة الإسلامية بامتدادها التاريخي هي التي تملك هذه الأرض ، دون أي امتياز لمسلم على آخر في هذه الملكية العامة . ولا يسمح للفرد بتملك رقبة الأرض ملكية خاصة .
وقد نقل المحقق النجفي في الجواهر - عن عدة مصادر فقهية كالغنية والخلاف والتذكرة - : ان فقهاء الامامية مجمعون على هذا الحكم ، ومتفقون على تطبيق مبدأ الملكية العامة على الأرض المعمورة حال الفتح[1]. كما نقل الماوردي عن الإمام مالك : القول بأن الأرض المفتوحة تكون وقفاً على المسلمين منذ فتحها ، بدون حاجة إلى إنشاء صيغة الوقف عليها من ولي الأمر . ولا يجوز تقسيمها بين الغانمين[2]. وهو تعبير آخر عن الملكية العامة للأمة .
[1]جواهر الكلام ج 21 ، ص 157 .
[2]الأحكام السلطانية ج 2 ، ص 137 .
أدلة الملكية العامة وظواهرها :
ونصوص الشريعية وتطبيقاتها واضحة في تقرير مبدأ الملكية العامة لهذا النوع من الأرض ، كما يظهر من الروايات التالية :
1 - في الحديث عن الحلبي قال : ( سئل الإمام جعفر بن محمد الصادق عن السواد ما منزلته فقال : هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ولمن لم يخلق بعد . فقلنا الشراء من الدهاقين . فقال : لا يصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين . فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها . قلنا فإن أخذها منه ؟ قال : يرد اليه رأس ماله وله ما أكل من غلتها بما عمل )[1].
2 - وفي حديث عن أبي الربيع الشامي عن الإمام جعفر الصادق قال : ( لا تشتروا من أرض السواد شيئاً إلا من كانت له ذمة فإنما هو فيء للمسلمين )[2]وأرض السواد في العرف السائد يومذاك هي : الجزء العامر من أراضي العراق التي فتحها المسلمون في حرب جهادية . وإنما أطلق المسلمون هذا الاسم على الأرض العراقية ، لأنهم حين خرجوا من أرضهم القاحلة في جزيرة العرب يحملون الدعوة إلى العالم . . ظهرت لهم خضرة الزرع والأشجار في أراضي العراق . فسموا خضرة العراق سواداً ، لأنهم كانوا يجمعون بين الخضرة والسواد في الاسم .
3 - وفي خبر حماد ان الإمام موسى بن جعفر قال : ( وليس لمن قاتل شيء من الأرضين ولا ما غلبوا عليه إلا ما احتوى عليه العسكر . . . والأرض التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوتة متروكة في يدي من يعمرها ويحييها ويقوم عليها على ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحق النصف والثلث والثلثين على قدر ما يكون لهم صالحاً ولا يضرهم ) ( 3 ) .
[1]الاستبصار ج 3 ، ص 109 ، الحديث 384 .
[2]الوسائل ج 12 ، ص 274 ، الحديث 22767 . 03 ) الفروع من الكافي ج 5 ، ص 44 .