وهي الأرض التي هجم عليها لفتحها ، فلم يسلم أهلها ، ولا قاوموا الدعوة بشكل مسح ، وإنما ظلوا على دينهم ، ورضوا أن يعيشوا في كنف الدولة الإسلامية مسالمين . فالأرض تصبح أرض صلح في العرف الفقهي ، ويجب تطبيق ما تم عليه الصلح بشأنها ، فإذا كان عقد الصلح ينص على أن الأرض لأهلها ، فهي على هذا الأساس ، تعتبر ملكاً لهم ، وليس لمجموع الأمة حق فيها ، وإذا تم الصلح على تملك الأمة للأرض ملكية عامة وجب التقيد بذلك ، وخضعت الأرض لمبدأ الملكية العامة ، وفرض عليها الخراج .
ولا يجوز الخروج عن مقررات عقد الصلح . فقد جاء في كتاب الأموال عن رسول الله ( ص ) ، ( ( أنكم لعلكم تقاتلون قوماً فيتقونكم بأموالهم ، دون أنفسهم وأبناءهم ، ويصالحونكم على صلح ، فلا تأخذوا منهم فوق ذك ، فإنه لا يحل لكم ) ) . وورد في سنن أبي داود عن النبي ( ص ) ( ( ألا من ظلم معاهداً أو نقصه ، أو كلفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه ، فأنا حجيجه يوم القيامة ) ) .
وأما موات أرض الصلح ، فالقاعدة فيها هي ملكية الدولة ، كموات الأراضي المفتوحة ، وموات الأراضي المسلمة بالدعوة . وكذلك أيضاً الغابات من أراضي الصلح مما إليها من الأراضي العامرة طبيعياً ، ما لم يكن قد أدرجها النبي صلى الله عليه وآله في عقد الصلح ، فتطبق عليها حينئذ مقتضيات العقد .
( 1 ) لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 149 .
( 2 ) الأموال ص 157 ، الحديث 388 .
( 3 ) مختصر سنن أبي داود ج 4 ، ص 255 ، الحديث 2929 و 2930 .
( 4 ) لاحظ جواهر الكلام ج 21 ، ص 171 .
4 - أراضي أخرى للدولة وتوجد أنواع أخرى من الأرض تخضع لمبدأ ملكية الدولة ، كالأراضي التي سلمها أهلها للدولة الإسلامية ، دون هجوم من المسلمين ، تسمياً ابتدائياً . فان هذه الأراضي من الأنفال التي تختص بها الدولة ، أو النبي ( ص ) والإمام بتعبير آخر[1]، كما قرّره القرآن الكريم في قوله تعالى : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[2]. وقد نص الماوردي على أن هذه الأراضي التي يتم انجلاء الكفار عنها خوفاً تصير بالاستيلاء عليها وقفاً[3]وهذا يعني دخولها في نطاق الملكية العامة .
ومن أراضي الدولة أيضاً الأرض التي باد أهلها وانقرضوا[4]، كما جاء في حديث حماد ، عيسى عن الإمام موسى بن جعفر ( ع ) : ( ( إن للإمام الأنفال ، والأنفال ، كل أرض باد أهلها . . ) )[5].
وكذلك أيضاً الأراضي المستجدة في دار الإسلام ، كما إذا ظهرت جزيرة في البحر أو النهر ، مثلاً ، فإنها تندرج في نطاق ملكية الدولة ، تطبيقاً للقاعدة الفقهية القائلة ، أن كل أرض لا رب لها هي للإمام[6]. وذكر الخرشي في شرحه على المختصر الجليل أن الأرض إذا كانت غير مملوكة لأحد كالفيافي أو مما انجلى عنها أهلها فحكمها أنها للإمام اتفاقاً قال البعض يريد أهل المذهب ما أتجلى منها أهلها الكفار وأما المسلمون فلا يسقط ملكهم عن أراضيهم بانجلائهم[7].
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 16 ، ص 116 .
[2]الحشر / 6 .
[3]لاحظ الأحكام السلطانية ج 2 ، ص 137 .
[4]لاحظ جواهر الكلام ج 16 ، ص 116 .
[5]الوسائل ج 6 ، ص 365 ، الحديث 12631 .
[6]لاحظ جواهر الكلام ج 16 ، ص 116 .
[7]لاحظ مواهب الجليل ج 2 ، ص 334 .
الحد من السلطة الخاصة على الأرض يمكننا أن نستخلص من التفصيلات السابقة ، أن اختصاص الفرد بالأرض والحق الشخصي فيها ينشأ من أحد أسباب ثلاثة .
1 - احياء الفرد لشيء من أراضي الدولة .
2 - إسلام أهل البلاد ، واستجابتهم للدعوة طوعاً .
3 - دخول الأرض في دار الإسلام ، بعقد صلح ينص على منح الأرض للمصالحين .
ويختلف السبب الأول عن الأخيرين ، في نوع العلاقة الخاصة التي تنجم عنه . فالسبب الأول وهو إحياء الفرد لشيء من أراضي الدولة ، لا يدرج الأرض في نطاق الملكية الخاصة ، ولا ينزع عنها طابع ملكية الدولة ولا يمنع الإمام من فرض الخراج والأجرة على الأرض . وإنما ينتج من مزاحمته ، كما مر بنا سابقاً . وأما السببان الأخيران ، فإنهما يمنحان الفرد المسلم أو المصالح ملكية الأرض ، فتصبح بذلك مندرجة في نطاق الملكية الخاصة .
والاختصاص الشخصي للفرد بالأرض - سواء كان على مستوى حق أو على مستوى ملكية - ، ليس اختصاصاً مطلقاً من الناحية الزمنية ، بل هو اختصاص وتفويض محدود بقيام الفرد بمسؤوليته تجاه الأرض ، فإذا أخل بمسؤوليته ، بالصورة التي سوف توضحها الروايات الآتية . سقط حقه في الأرض ، ولم يجز له احتكارها وتحجيرها ، ومنع الآخرين من حقه في الأرض ، ولم يجز له احتكارها وتحجيرها ، ومنع الآخرين من إعمارها واستثمارها . وبذلك اتخذ المفهوم القائل بأن الملكية وظيفة اجتماعية يمارسها الفرد . . أقوى تعبير في مجال الأرض وحقوق الأفراد فيها .
والدليل على ذلك من الشريعة عدة نصوص تشريعية : فقد جاء في حديث أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الإمام على بن موسى الرضا ( ع ) ، قال : ( ( من أسلم طوعاً تركت أرضه في يده وأخذ منه العشر ، مما سقت السماء والأنهار ، ونصف العشر مما كان . . . ، فيما عمروه منها ، وما لم يعمر منها أخذه الإمام فقبله من
يعمره ، وكان للمسلمين ، وعلى المتقبلين في حصصهم العشر أو نصف العشر ) )[1].
وورد في صحيح معاوية بن وهب : أن الإمام جعفر ( ع ) قال ( ( أيما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها ، وكرى أنهارها وعمرها ، فإن عليه فيها الصدقة ( الزكاة ) . فإن كانت لرجل قبله ، فغاب عنه وتركها فأخربها ، ثم جاء بعد يطلبها ، فإن الأرض لله ولمن عمرها ) )[2].
وفي صحيح الكابلي ، جاء النص عن أمير المؤمنين علي ( ع ) ، ( ( بأن من أحيى أرضاً ميتة من المسلمين فليعمرها ، وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي ، وله ما أكل منها . فإن تركها أو أخربها ، فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها ، فهو أحق بها من الذي تركها ، فليؤد خراجها إلى الإمام ) )[3][4].
ففي ضوء هذه النصوص نعرف ، أن حق الفرد في الأرض الذي يخوله منع غيره من استثمارها ، يزول بخراب الأرض وإهماله لها ، وامتناعه عن عمارتها ، فلا يجوز له بعد إهمال الأرض على هذه الشكل ، أن يمنع غيره من السيطرة عليها واستثمارها ما دام مهملاً لها .
[1]الوسائل ج 11 ، ص 120 ، الحديث 20205 .
[2]الوسائل ج 17 ، ص 328 ، الحديث 32229 .
[3]المصدر السابق ، الحديث 32230 ، مع اختلاف .
[4]ولا يمكن أن يعارض صحيحا الكابلي ومعاوية بن وهب ، برواية الحلبي عن الإمام الصادق ( ع ) : ( ( أنه سأله عن الرجل يأتي الأرض الخربة ، فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها - ويزرعها ، ما عليه قال : الصدقة : فان كان يعرف صاحبها . قال : فليؤد اليه حقه ) ) . وذلك ، لأن الجواب في رواية الحلبي ، لم يفرض فيه إلا مجرد كون الأرض خربة قد زال عمرانها ، هذا العنوان أعم من كون الخراب مستنداً إلى اهمال صاحب الأرض وامتناعه عن القيام بحقها . وحيث ان صحيحة معاوية بن وهب أخذ في موضوعها ، ان صاحب الأرض السابق ترك الأرض وأخربها ، فهي أخص مطلقاً من رواية الحلبي . ومقتضى التخصيص : أن علاقة صاحب الأرض بأرضه تزول بخراب الأرض وامتناعه عن احيائها .
ولا فرق في ذلك ، بين الفرد الذي مارس إحياء الأرض وغيره ممن حصل على الأرض بأسباب أخرى ، فإنه لا يسمح له باحتكار الأرض بعد خرابها وإهمالها ، مهما كان السبب في حصوله عليها .
فإذا كانت الأرض من أراضي الدولة ( الإمام ) ، وأهملها الشخص الذي عمرها حتى أخربها ، عادت بعد خرابها حرة طليقة ، تطبق عليها نفس الأحكام التي تطبق على سائر الأراضي الميتة التي تملكها الدولة فيفسح المجال لإحيائها من جديد ، ويترتب على إحيائها نفس الأحكام التي تترتب على إحيائها الأول .
وللشهيد الثاني رحمه الله نص يوضح هذا المعنى في المسالك إذ كتب يقول : ( ( إن هذه الأرض - أي الأرض التي أحياها الفرد ثم خربت - أصلها مباح فإذا تركت عادت إلى ما كانت عليه ، وصارت مباحة ، وإن العلة في تملك هذه الأرض ، الاحياء والعمارة ، فإذا زالت العلة زال المعلول ) )[1].
ويريد بذلك ، أن الحق الذي يحصل عليه الفرد في الأرض إنما هو نتيجة للاحياء ومعلول له ، فيبقى حقه ما دامت العلة باقية والأرض عامرة ، فإذا زالت معالم الحياة عن الأرض سقط حقه ، لزوال العلة[2].
[1]المسالك ج 2 ، 288 .
[2]ويلاحظ لدى مقارنة هذا النص الفقهي بالنصوص التشريعية التي مرت بنا في رواية معاوية بن وهب ورواية الكابلي ، أن النص للشهيد واضح كل الوضوح في انقطاع صلة الفرد بالأرض نهائياً ، إذا خربت وزال عمرانها ، لأن العلة إذا زالت زال المعلول . وأما النصوص التشريعية السابقة ، فهي تسمح عند خراب الأرض واهمال صاحبها لها باحيائها من أي فرد آخر ، وتمنحه الأرض بدلا عن صاحبه السابق ، ولكنها لا تدل على انقطاع صلة صاحب الأرض بأرضه انقطاعاً نهائياً ، بسبب خرابها ، فمن الممكن في حدود المعطى التشريعي لهذه النصوص ، ان يفترض لصاحب الأرض حق فيها ، وعلاقة بها حتى بعد خرابها ، بدرجة يجعل له حق السبق إلى تجديد احيائها ، إذا نافسه غيره على ذلك ، ويستمر هذا الحق ما لم يسبقه شخص آخر إلى احياء الأرض ، فان أحياها فرد آخر فعلا ، حال اهمال صاحبها الأول ، انقطعت صلة الأرض بصاحبها القديم . فعلى أساس النص الفقهي للشهيد ، يزول حق الفرد في الأرض لدى خرابها بصورة كاملة . وعلى أساس النصوص الأخرى ، يمكن أن نفترض بقاء علاقة الفرد الأول بأرضه ، وحقه فيها بعد الخراب بدرجة ما وزوال حق الاحتكار فقط أي حق مع الآخرين عن استثمار الأرض والانتفاع بها . وينعكس الفرق علمياً بين هاتين الفرضيتين ، فما إذا أهمل الفرد أرضه وخربت ، ثم مات قبل احياء فرد آخر لها ، فإن الانطلاق مع رأي الشهيد ، يؤدي إلى القول بعدم انتقال الأرض إلى الورثة ، لأن صاحبها انقطعت صلته بها نهائياً بعد خرابها ، فلا معنى لاندراجها في تركته التي تورث . وأما على الأساس الثاني ، فالأرض تورث بمعنى أن الورثة يتمتعون بنفس الدرجة من الحق ، التي بقيت للميت بعد خراب الأرض . وسوف تتجه بحوث الكتاب المقبلة إلى تبني رأي الشهيد الثاني .
قد ذكر المحقق الثاني في ( جامع المقاصد ) ، أن : زوال اختصاص المحيي بالأرض بعد خرابها ، وجواز أخذ الغير لها ، واختصاصه بها ، هو المشهور بين الأصحاب والرأي الفقهي السائد في كلماتهم[1][2]. وقال الإمام مالك ( ولو أن رجلاً أحيا أرضاً مواتاً ثم أهملها بعد حتى تهدمت آبارها وهلكت أشجارها وطال زمانها حتى عفت بحال ما وصفت لك وصارت إلى حالها الأول ثم أحياها آخر بعده كانت لمن أحياها بمنزلة الذي أحياها أول مرة[3].
وقال بعض فقهاء الأحناف بهذا أيضاً معللين بأن الأول ملك استغلال الأرض لا رقبتها فإذا تركها كان ثاني أحق بها[4].
وإذا كانت الأرض التي أهملها صاحبها ، مندرجة في نطاق الملكية لها ، لا تحول دون سقوط حقه فيها ، بإهمالها والامتناع عن القيام بحقها ، كما عرفنا . وتعود
[1]راجع جامع المقاصد ج 7 ، ص 17 .
[2]ولا فرق في سقوط الاختصاص بسبب الخراب والاهمال ، بين أن يكن المهمل نفسه المحيي للأرض أو شخصاً آخر ، انتقلت اليه الأرض من المحيي ، لإطلاق الدليل بالنحو الذي تقدم . وقد مال إلى ذلك المحققان الفقيهان صاحب الكفاية وصاحب المفاتيح .
[3]المدونة الكبرى 15 / 195 .
[4]راجع فتح القدير ج 9 ، ص 4 .
- في رأي ابن البراج وابن حمزة وغيرهما - ملكاً للمسلمين وتدخل في نطاق الملكية العامة[1].
وهكذا نعرف ، أن الاختصاص بالأرض - حقاً أو ملكاً - محدود بإنجاز الفرد لوظيفته الاجتماعية في الأرض . فإذا أهملها وامتنع عن إعمارها حتى خربت ، انقطعت صلته بها ، وتحررت الأرض من قيوده . وعادت ملكاً طليقاً للدولة ، إن كانت مواتاً بطبيعتها ، وأصبحت ملكاً عاماً للمسلمين ، إن كان الفرد الذي أهملها وسقط حقه فيها قد ملكها بسبب شرعي ، كما في الأراضي التي أسلم عليها أهلها طوعاً[2].
[1]راجع المهذب لابن البراج ، ج 1 ، ص 182 والوسيلة لابن حمزة ص 681 ، ومسالك الإفهام ج 2 ، ص 288 .
[2]لاحظ التحرير ج 2 ، ص 130 ، ومسالك الإفهام ج 2 ، ص 288 .
نظرة الإسلام العامة إلى الأرض في ضوء الأحكام المتنوعة التي شرعها الإسلام للأرض ، ووقفنا على تفصيلاتها يمكننا أن نستخلص النظرة العامة للإسلام إلى الأرض ، ومصيرها في ظل الإسلام ، الذي يمارس النبي ( ص ) تطبيقه أو خليفته الشرعي ، وسوف نحدد الآن النظرة العامة للإسلام إلى الأرض . فإذا استعرضنا بعد ذلك أحكام الإسلام ، التي تتصل بسائر ثروات الطبيعة ، ومصادر الإنتاج الأساسية ، عدنا إلى هذه النظرة الإسلامية العامة عن الأرض ، لنضعها في موضعها من نظرة أشمل وأوسع ، تشكل الأساس والقاعدة المذهبية لتوزيع ما قبل الإنتاج .
ولكي نستطيع تجلية الموقف ، وفحص المضمون الاقتصادي للنظرة الإسلامية في الأرض ، وعزله عن سائر العوامل والاعتبارات الأخرى ، ذات الصفة السياسية التي سنأتي على ذكرها بعد ذلك . لكي يتأتى لنا ذلك كله ، يحسن بنا أن ننطلق - في تحديد نظرة الإسلام العامة - من فرضية تساعدنا على إبراز المضمون الاقتصادي للنظرية ، مستقلاً عن الاعتبارات السياسية .
فلنفترض ، أن جماعة من المسلمين قرت أن تستوطن منطقة من الأرض كانت لا تزال غير مستثمرة ، فأنشأت في تلك المنطقة مجتمعاً إسلامياً وأقامت علاقاتها على أساس الإسلام ، ولنتصور أن الحاكم الشرعي ، النبي ( ص ) أو ( الخليفة ) يقوم بتنظيم تلك العلاقات ، وتجسيد الإسلام في ذلك المجتمع بكل خصائصه ومقوماته الفكرية والحضارية والتشريعية . فماذا سوف يكون موقف الحاكم والمجتمع من الأرض ؟ ، وكيف تنظم ملكيتها ؟ .