الفرد لرقبتها ، وإنما يمكن للفرد الحصول على حق خاص فيها ، عن طريق الاعمار والاستثمار ، كما مر في رأي الشيخ الطوسي . هذا الحق وإن كان لا يختلف عملياً في واقعنا المعاش عن الملكية ، ولكنه يختلف عنها نظرياً ، لأن الفرد ما دام لا يملك رقبة الأرض ، ولا ينتزعها من نطاق ملكية الإمام فللإمام أن يفرض عليه الخراج ، كما قرره الشيخ الطوسي وإن كنا غير مسؤولين فعلا عن هذا الخراج من الناحية العملية ، لأجل اخبار التحليل التي رفعته بصور استثنائية ، مع اعترافها به نظرياً .
فالشريعة على الصعيد النظري إذن لم تعترف بالملكية الخاصة لرقبة الأرض ، إلا في حدود احترامها للملكيات الثابتة في الأرض ، قبل دخولها في حوزة الإسلام طوعاً وصلحاً .
ويمكننا بسهولة أن نجد المبررات السياسية لهذا الاعتراف ، إذا ربطناه باعتبارات الدعوة ومصلحتها الرئيسية ، بدلاً عن ربطه بالمضمون الاقتصادي للنظرة الإسلامية . لأن أولئك الذين أسلموا على أراضيهم طوعاً ، أو دخلوا في حوزة الإسلام صلحاً ، كان من الضروري أن تترك المساحات التي عمروها في أيديهم ، وان لا يطالبوا بتقديمها إلى دولة الدعوة ، التي دخلوا في حوزة الإسلام صلحاً ، كان من الضروري أن تترك المساحات التي عمروها في أيديهم ، وأن لا يطالبوا بتقديمها إلى دولة الدعوة ، التي دخلوا فيها أو انضموا إلى سلطانها ، وإلا لشكّل ذلك عقبة كبيرة في وجه الدعوة وامتدادها في مختلف مراحلها .
وبالرغم من إعطاء الإسلام لهؤلاء حق الملكية الخاصة ، فإنه لم يمنحها بشكل مطلق ، وإنما حددها باستمرار هؤلاء الافراد في استثمار أراضيهم ، والعمل لإسهامها في الحياة الإسلامية ، وأما إذا أهملوا الأرض حتى خربت فان عدداً من الفقهاء كابن البراج وابن حمزة يرى أنها تعود عندئذ ملكاً للأمة[1].
نظرة الإسلام في ضوء جديد :
ويمكننا أن نتجاوز ما وصلنا اليه من استنتاجات حتى الآن عن نظرة الإسلام
[1]لاحظ المهذب لابن البراج ، ج 1 ، ص 182 والوسيلة لابن حمزة ، ص 681 .
التشريعية إلى الأرض لنضع هذه النظرة في إطار أكثر اتساقاً على ضوء بعض المواقف الفقهية الخاصة من النصوص ويتمثل ذلك في المحاولة التالية :
إننا لاحظنا قبل لحظات أن الأرض حينما ينظر إليها ضمن وضعها الطبيعي وبصورة مستقلة عن الاعتبارات السياسية تعتبر إسلامياً ملكياً للدولة لأنها إما ميتة بطبيعتها أو حية ، وكلا القسمين ملك للإمام . كما رأينا أن الفرد بممارسة الاحياء للأرض الميتة يكتسب حقاً خاصاً سيجعله أولى بها من الآخرين ما دامت حية ، وبممارسته للانتفاع بالأرض العامرة يكتسب حقاً يجعله أولى بالانتفاع بها ما دام مواصلاً لذلك .
والآن نريد أن نريد إذا كانت هناك تعديلات يجب إدخالها على هذه الصورة التشريعية وما هي حدود هذه التعديلات ، وذلك ضمن النقاط التالية :
أولاً : الأرض المفتوحة عنوة العامرة حين الفتح .
وقد تقدم أن هذه الأرض يحكم بأنه ملك عام للمسلمين ولهذا قلنا إنها تدخل في نطاق الملكية العامة للأمة لا في نطاق ملكية الدولة . ولكن يمكن ان نقول بهذا الصدد إن هذه الأرض إذا نظرنا إليها قبل الفتح نجد أنها أرض ميتة قد أحياها كافر فتكون رقبتها على ضوء ما تقدم ملكاً للإمام أو الدولة وللكافر المحيي لها أو لمن انتقلت اليه من المحيي حق الاحياء ، والروايات الواردة عن الأئمة ( عليهم السلام ) بشأن الأرض المفتوحة وأنها للمسلمين لا يفهم منها سوى أن ما كان للكافر من حق في الأرض ينتقل بالفتح إلى الأمة ويصبح حقاً عاماً ولا تدل على أن حق الإمام يسقط بالفتح لأن المسلمين إنما يغنمون من أعدائهم لا من إمامهم ، وعلى هذا فسوف تظل رقبة الأرض ملكاً للإمام ويتحول ما فيها من حق خاص إلى حق عام للأمة .
ثانياً : الأرض التي أسلم أهلها عليها طوعاً .
وقد تقدم أن هذه الأرض ملك خاص لأصحابها غير أن بالإمكان القول بأن الروايات الواردة لبيان حكم هذه الأرض كانت متجهة إلى الأمر بتركها في أيدي
أصحابها في مقابل ما يصنع بالأرض المفتوحة من تجريد أصحابها من حقوقهم فيها فما يترك لمن اسلم طوعاً هو نفس ما ينتزع من حق ممن قهر عنوة وهذا هو الحق الخاص دون ملكية رقبة الأرض . وبكلمة أخرى : أن الأرض قبل إسلام أهلها عليها طوعهاً كانت ملكاً لدولة بحكم دليل الأنفال وكان لصاحبها حق خاص فيها هو حق الاحياء والإسلام يحقن ماله من حقوق لا أنه يمنحه من الحقوق ما لم يكن له وعليه[1]فيظل محتفظاً بحق الاحياء مع بقاء الأرض ملكاً للدولة ، ولهذا وجدنا أنه إذا أخل بواجبه وأهمل الأرض ولم يعمرها كان على الإمام أن يبادر إلى الاستيلاء عليها واستثمارها لأن رقبتها لا تزال ضمن نطاق ملكية الدولة .
ثالثاً : الأرض التي صولح أهلها على أن تكون لهم .
وهنا في الحقيقة عقد تنقل الدولة بموجبه ملكية هذه الأرض إلى المصالحين في مقابل امتيازات معينة تكسبها كالجزية مثلاً ، وقد سبق أن الأراضي التي تملكها الدولة تعتبر من الأموال الخاصة للدولة التي يمكن لها أن تتصرف فيها بمعارضة ونحوها . ولكن عقد الصلح هذا عقد سياسي بطبيعته وليس عقد معوضة فهو لا يعني حقاً اسقاط ملكية الدولة أو النبي والإمام لرقبة الأرض ونقلها إليهم وإنما يعني رفع اليد عن أرضهم وتركها لهم في مقابل امتيازات معينة ، ووجوب الوفاء بهذا العقد يحتم على الإمام ألا يفرض عليهم أجرة في مقابل انتفاعهم بالأرض وهذا غير نقل ملكية الرقبة[2]، فالمصالحة على أن يتكون الأرض لهم تعني المدلول العملي لهذه العبارة ، لا المدلول التشريعي ، لأن المدلول العملي هو كل ما يهم الكفار المصالحين ، فهي نظير عقد الذمة الذي هو عقد سياسي تتنازل فيه الدولة عن جباية الزكاة والخمس من الذمي في مقابل إعطاء الجزية فان هذا لا يعني سقوط الزكاة عن الكافر من الوجهة التشريعية وإنما يعين الزام الدولة بأن لا تمارس جباية هذه الضريبة وإن كانت ثابتة تشريعاً .
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 16 ، ص 4 .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 21 ، ص 171 .
فإذا تم كل ما تقدم أمكن القول بأن الأرض كلها ملك الدولة أو المنصب الذي يمثله النبي أو الإمام ولا استثناء لذلك إطلاقاً وعلى هذا الضوء نفهم قول الإمام علي في رواية أبي خالد الكابلي عن محمد بن علي الباقر ( ع ) عنه ( ع ) : ( والأرض كلها لنا فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الأمام ) . . . ( 1 ) .
فالمبدأ في الأرض هو ملكية الدولة وإلى جانب هذا المبدأ يوجد حق الاحياء وهو الحق الذي يجعل المحيي أو من انتقلت اليه الأرض من المحيي أولى بالأرض من غيره وهذا الحق يكسبه الفرد إذا مارس الاحياء في حالة عدم منع الإمام منه سواء كان مسلماً أو كافراً ويكون حقاً خاصاً ( 2 ) غير أنه إذا كان كافراً واحتل المسلمون أرضه عنوة في حرب جهاد تحوّل هذا الحق الخاص إلى حق عام وأصبح قائماً بالأمة الإسلامية ككل .
وإذا لوحظ أن الأرض الخراجية لا يجوز للإمام اخراجها عن كونها خراجية ببيع رقبتها أو هبتها أمكن القول بأن هذا الحق العام وإن كان لا يقطع صلة الدولة برقبة الأرض وملكيتها لها ولكنه يحوّل الأرض من الأموال الخاصة للدولة إلى الأموال العامة لها التي لابد أن تستثمرها في المصالح المقررة لها مع الاحتفاظ بها ( 3 ) . وهذا ما يؤكده التعبير عن الأرض الخراجية بأنها موقوفة ولأجل ذلك سوف نعبر بالملكية العامة عن كل حالة من هذا القبيل تمييزاً لها عن حالات ملكية الدولة البحتة وهي حالات كون الرقبة ملكاً للدولة مع عدم وجود حق عام من هذا النوع .
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
الموَاد الأوليّة في الأرض تأتي المواد الأولية ، التي تحويها الطبقة اليابسة في الأرض ، والثروات المعدنية الموجودة فيها . . بعد الأرض مباشرة في الأهمية ، وخطورة الدور الذي تمارسه في حياة الإنسان الإنتاجية والاقتصادية ، لأن كل ما يتمتع به الإنسان في الحقيقة ، من سلع وطيبات مادية ، مردها في النهاية إلى الأرض ، وما تزخر به من مواد وثروات معدنية ، ولذلك كانت جل فروع الصناعة تعتمد وتتوقف على الصناعات الإستخراجية ، التي يمارس الإنسان فيها الحصول على تلك المواد والمعادن .
ويقسم الفقهاء عادة المعادن إلى قسمين : وهما المعادن الظاهرة ، والمعادن الباطنة .
فالمعادن الظاهرة هي : المواد التي لا تحتاج إلى مزيد عمل وتطوير لكي تبدو على حقيقتها ، ويتجلى جوهرها المعدني ، كالملح والنفط مثلاً . فنحن إذا نفذنا إلى آبار النفط ، فسوف نجد المعدن بوجهه الحقيقي ، ولن نحتاج إلى جهد في تحويله إلى نفط وإن كنا بحاجة إلى جهود كبيرة ، في الوصول إلى آبار النفط واكتشافها ، وفي تصفية النفط بعد ذلك .
فالمعدن الظاهر في العرف الفقهي ، ليس هو ما يبدو من معنى اللفظ لغة ، أي الظاهر الذي لا يحتاج إلى حفر ومؤنة في التوصل اليه ، بل هو كل معدن تكون طبيعته المعدنية بارزة ، سواء احتاج الإنسان إلى حفر وجهد كبير ، للوصول إلى آباره
وعيونه في أعماق الطبيعة ، أو وجده بيسر وسهولة على سطح الأرض[1].
وأما المعادن الباطنية فهي : كل معدن احتاج في إبراز خصائصه المعدنية إلى عمل وتطوير ، كالحديد والذهب[2]. فإن مناجم الحديد والذهب ، لا تحتوي على حديد أو ذهب ناجز ، ينتظر أن يصل الانسان إلى أعماقه ليأخذ منه ما شاء ، وإنما تضم تلك المناجم مواداً يجب أن يصل الانسان إلى أعماقه ليأخذ منه ما شاء ، وإنما تضم تلك المناجم مواداً يحجب أن ينفق عليها كثير من الجهد والعمل ، لكي تصبح حديداً وذهباً ، كما يفهمه بائعو الحديد والذهب .
فظهور المعدن وبطونه في المصطلح الفقهي ، يرتبطان بطبيعة المادة ودرجة انجاز الطبيعة لها ، لا بمكانها ووجودها قريباً من سطح الأرض ، أو في أعماقها وأغوارها .
وقد قال العلامة الحلي في التذكرة ، لإيضاح هذا المصطلح الفقهي الذي شرحناه : ( ( إن المراد بالظاهر : ما يبدو جوهرها من غير عمل ، وإنما السعي والعمل لتحصيله ، إما سهلاً أو متعباً ، ولا يفتقر إلى إظهار ، كالملح ، والنفط ، والقار ، والقطران ، والموميا ، والكبريت ، وأحجار الرحى ، والبرمة ، والكحل ، والياقوت ، ومقالع الطين ، وأشباهها[3]. المعالجة والمؤونة . عليها ، كمعادن الذهب ، والفضة ، والحديد ، والنحاس ، والرصاص . . الخ ) )[4].
المعادن الظاهرة :
أما المعادن الظاهرة - كالملح والنفط - فالرأي الفقهي السائد فيها هو : أنها من المشتركات العامة بين كل الناس . فلا يعترف الإسلام لأحد بالاختصاص بها
[1]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 187 ، وجواهر الكلام ج 38 ، ص 100 و 101 .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 110 .
[3]التذكرة ج 2 ، ص 403 ، الفصل الأول ، المطلب الثاني .
[4]المصدر السابق ، المسألة الثالثة . ( 5 ) لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 187 .
، وتملكها ملكية خاصة ، لأنها مندرجة عنده ضمن نطاق الملكية العامة ، وخاضعة لهذا المبدأ وإنما يسمح للأفراد بالحصول على قدر حاجتهم من تلك الثروة المعدنية ، دون أن يستأثروا بها ، أو يتملكوا ينابيعها الطبيعية .
وعلى هذا الأساس يصبح للدولة وحدها - أو للإمام بوصفه ولي أمر الناس ، الذين يملكون تلك الثروات الطبيعية ملكية عامة - أن يستثمرها بقدر ما توفره الشروط المادية للإنتاج والاستخراج ، من إمكانات ، ويضع ثمارها في خدمة الناس .
وأما المشاريع الخاصة التي يحتكر فيها الأفراد استثمار المعادن ، فتمنع منعاً باتاً . ولو مارست تلك المشاريع العمل والحفر ، للوصول إلى المعدن ، واكتشافه في أعماق الأرض . . لم يكن لها حق تملك المعدن ، وإخراجه عن نطاق الملكية العامة ، وإنما يسمح لكل مشروع فردي بالحصول على قدر حاجة الفرد الخاصة ، من تلك المادة المعدنية .
وقد قال العلامة الحلي في التذكرة - توضيحاً لهذا المبدأ التشريعي في المعادن الظاهرة ، بعد أن استعرض أمثلة كثيرة لها - : ( ( إن هذه المعادن لا يملكها أحد بالإحياء والعمارة ، وإن أراد بها ( النيل ) اجماعاً ) )[1]. ويعني ( بالنيل ) : الطبقة التي تحتوي على المعدن من الأرض . أي أن الفرد لا يسمح له بتملك تلك المعادن ، ولو حفر حتى وصل إلى آبار النفط ، أي إلى الطبقة المعدنية في أعماق الأرض .
وقال أيضاً في القواعد - عند الحديث عن المعادن الظاهرة - ما يلي : ( ( المعادن وهي قسمان : ظاهرة وباطنة . أما الظاهرة ، وهي التي لا تفتقر في الوصلة إليها إلى مؤونة ، كالملح والنفط ، والكبريت ، والقار ، والموميا ، والكحل والبرام ، والياقوت ، . . . إلا قرب اشتراك المسلمين فيها ، فحينئذ لا تملك بالإحياء ، ولا يختص بها المحجر ، ولا يجوز إقطاعها ، ولا يختص المقطع بها . والسابق إلى موضع منه لا يزعج قبل قضاء وطره . فان تسابق اثنان أقرع مع تعذر الجمع ، ويحتمل القسمة ، وتقديم الأحوج ) )[2].
[1]التذكرة ج 2 ، ص 403 ، كتاب إحياء الموت ، الفصل الأول المطلب الثاني .
[2]قواعد الأحكام ، ج 1 ، ص 222 .