من شأن العمل فيها أن يمنح العامل حقاً أو لوناً من الاختصاص بها ، وهي الموات في العرف الفقهي . فلا يجوز اقطاع المرافق الطبيعة التي لا يتولد فيها عن العمل أي حق أو اختصاص كما نص على ذلك الشيخ الطوسي في ( المبسوط ) ، ممثلاً لهذا النوع من المرافق : بالمواضع الواسعة في الطرقات[1]. فان المنع عن اقطاع هذا النوع من المرافق وتحديد فان المنع عن اقطاع هذا النوع من المرافق وتحديد الاقطاع بالموات خاصة ، يدل بكل وضوح على الحقيقة التي تبيناها ويثبت : أن وظيفة الاقطاع من الناحية التشريعية ، ليست إلا اعطاء حق العمل في مصدر طبيعي معين لغرض خاص بوصفه أسلوباً من أساليب تقسيم العمل على المصادر الطبيعية التي هي بحاجة إلى احياء وعمل . واما حق الفرد في نفس المصدر الطبيعي ، فيقوم على أساس العمل لا الاقطاع .
فإذا كان المصدر الطبيعي من المرافق التي ليست بحاجة إلى احياء وعمل ، ولا يؤدي فيها العمل إلى حق خاص للعامل فلا يجوز الاقطاع[2]، لأن الاقطاع بالنسبة إلى هذه المرافق ، مظهراً من مظاهر احتكار الطبيعة واستغلالها ، وهذا لا يتفق مع المفهوم الإسلامي للإقطاع ، ووظيفته الأصيلة ولهذا منعت منه الشريعة ، وحددت الاقطاع الجائز بذلك النوع من المصادر الطبيعية ، التي هي بحاجة إلى علم .
الاقطاع في الأرض الخراجية :
بقي شيء آخر ، قد يطلق عليه اسم : ( الاقطاع ) في العرف الفقهي ، وليس هو إقطاعاً في الحقيقة ، وإنما هو تسديد لأجرة على خدمة .
وموضع هذا الاقطاع هو الأرض الخارجية ، التي تعتبر ملكاً للأمة ، إذ قد يتفق للحاكم أن يمنح فرداً شيئاً من الأرض الخراجية ، ويسمح له بالسيطرة على خراجها .
[1]لاحظ المبسوط ج 3 ، ص 276 .
[2]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 102 .
وهذا التصرف من الحاكم ، وإن عبر في مدلوله التاريخي أحياناً ، وبدون حق ، عن عملية تمليك سافرة لرقبة الأرض ، ولكنه في مدلوله الفقهي وحدوده المشروعة ، لا يعني شيئاً من ذلك وإنما يعتبر أسلوباً في تسديد الأجور والمكافات ، التي تلتزم الدولة بدفعها إلى الأفراد نظير ما يقدمون من أعمال وخدمات عامة .
ولكي نعرف ذلك ، يجب أن نستذكر أن الخراج - وهو المال الذي تتقاضاه الدولة من المزارعين - يعتبر ملكاً للأمة ، تبعاً لملكية الأرض نفسها[1]. ولهذا يجب على الدولة أن تصرف أموال الخراج في المصالح العامة للأمة ، كما نص على ذلك الفقهاء ، ممثلين لتلك المصالح بمؤنة الولاة والقضاة ، وبناء المساجد والقناطر ، وغير ذلك لأن الولاة والقضاة يقدمون خدمة للأمة ، فيجب أن تقوم الأمة بمؤنتهم ، كما أن المساجد والقناطر من المرافق العامة ، التي ترتبط بحياة الناس جميعاً ، فيجوز إنشاؤها من أموال الأمة وحقوقها في الخراج .
وواضح أن قيام الدولة بمؤنة الوالي والقاضي أو مكافأة أي فرد قدم خدمة عامة لمجموع الأمة ، قد يكون باعطاء الدولة له من بين المال مباشرة ، وقد يكون أيضاً بالسماح له بالحصول مباشرة على ريع بعض أملاك الأمة . والدولة تتبع عادة الأسلوب الثاني ، إذا كانت لا تتمتع بإدارة مركزية قوية .
ففي المجتمع الإسلامي قد تسدد أجور ونفقات الافراد ، الذين يقدمون خدمات عامة للأمة ، بصورة نقدية ، كما قد يتفق - تبعاً لظروف الإدارة في الدولة الإسلامية - أن تسدد تلك الأجور والنفقات ، عن طريق منح الدولة لفرد الحق في السيطرة على خراج أرض محدودة من أراضي الأمة ، وأخذه من المزارعين مباشرة ، باعتباره أجرة لفرد على الخدمة التي يقدمها للأمة ، فيطلق على هذا اسم : ( الاقطاع ) . ولكنه ليس إقطاعاً في الحقيقة ، وإنما هو تكليف للفرد بأن يتقاضى أجره من خراج مساحة معينة من الأرض ، يحصل عليه عن طريق الاتصال بالمزارع .
فالفرد المقطع يملك الخراج ، بوصفه أجرة على خدمة عامة قدمها للأمة ،
[1]لاحظ المبسوط ج 2 ، ص 34 .
ولا يملك الأرض ، ولا يوجد له أي حق أصيل في رقبتها ولا في منافعها ، ولا تخرج بذلك الأرض عن كونها ملكاً للمسلمين ، ولا عن وصفها أرضاً خراجية كما نص على ذلك المحقق الفقيه السيد محمد بحر العلوم في ( بلغته ) . وهو يحدد هذا النوع من الإقطاع - أي إقطاع الأرض الخراجية - فقد كتب يقول : ( ( إن هذا الاقطاع لا يخرج الأرض عن كونا خارجية ، لأن معناه كون خراجها للفرد المقطع ، لا خروجها عن الخراجية ) )[1].
الحمى في الإسلام ( الحمى ) مفهوم قديم عند العرب ، يعبر عن المساحات الشاسعة من موات الأرض ، يحتكرها الافراد والأقوياء لأنفسهم ، ولا يسمحون للآخرين بالاستفادة منها ، ويعتبرونها وكل ما تضم من طاقات وثروات ، ملكاً خالصاً لهم ، بسبب استيلائهم عليها ، وقدراتهم على منع الآخرين من الانتفاع بها . وقد جاء في كتاب الجواهر للمحقق النجفي : ( ( أن هؤلاء كان من عادة أحدهم في الجاهلية ، إذا انتجع بلداً مخصباً ، أن يستعوي كلباً على جبل أو سهل ، ثم يعلن تملكه لمجموع المساحة التي امتد إليها صوت الكلب من سار الجهات ، وحمايته لها من الآخرين ، ولذلك يطلق عليها اسم : ( الحمى )[2].
وقال الشافعي في كتابه - بعد أن نقل بسنده عن الصعب أن رسول الله ( ص ) قال لا حمى إلا لله ورسوله[3]- ( كان الرجل العزيز من العرب إذا انتجع بلداً مخصباً أوفى بكلب على جبل إن كان به أو نشز إن لم يكن جبل ثم استعواه وأوقف له من يسمع منتهى صوته بالعواء فحيث بلغ صوته حماه من كل ناحية فيرعى مع العامة فيما سواه ويمنع هذا من غيره لضعفاء سائمته وما أراد قرنه معها
[1]بلغة الفقيه ج 1 ص 249 .
[2]جواهر الكلام ج 38 ، ص 62 .
[3]مختصر سنن أبي داود ج 4 ، ص 270 ، الحديث 2958 .
فيرعى معها فترى أن قول رسول الله ( ص ) ولا حمى إلا لله ورسوله لا حمى على هذا المعنى الخاص وأن قوله لله كل محمي وغيره ورسوله إن رسول الله ( ص ) إنما كان يحمي لصلاح عامة المسلمين لا لما يحمي له غيره من حاجة نفسه )[1].
ومن الطبيعي أن ينكر الإسلام الحمى ، لأن الحق الخاص فيه يقوم على أساس السيطرة ، لا على أساس العمل . ولهذا لا يسمح بذلك لأحد من المسلمين وجاء النص يؤكد شجب هذا الأسلوب من التملك والاحتكار للمصادر الطبيعية ، ويقول ( ( لا حمى إلا لله ولرسوله ) ) . وورد في بعض الروايات ( ( أن شخصاً سأل الإمام الصادق عليه السلام عن الرجل المسلم ، تكون له الضيعة ، فيها جبل مما يباع ، يأتيه أخوه المسلم ، وله غنم ، قد احتاج إلى جبل ، يحل له أن يبيعه الجبل ، كما يبيع من غيره ، أو يمنعه من إن طلبه بغير ثمن ، أو يمنعه من إن طلبه بغير ثمن ، وكيف حاله فيه وما يأخذ ؟ فقال : لا يجوز له بيع جبله من أخيه ) )[2].
فمجرد وقوع مصدر طبيعي في سيطرة فرد ، لا يعتبر في الإسلام سبباً لإيجاد حق للفرد في ذلك المصدر . والحمى الوحيد الذي سمح به الإسلام ، هو حمى الرسول ، فقد حمى النبي صلى الله علية وآله بعض المواضع من موات الأرض ، لمصالح عامة ، كالبقيع إذ خصصه لإبل الصدقة ، ونعم الجزية ، وخيل المجاهدين[3].
[1]الام ج 4 ص 47 .
[2]الوسائل ج 12 ص 276 الحديث 22774
[3]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 61 ، 62 .
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
المياه الطبيعية مصادر المياه الطبيعية على قسمين : أحدهما المصدر المكشوفة التي أعدها الله للانسان على سطح الأرض ، كالبحار والأنهار ، والعيون الطبيعية . والآخر المصادر المكنوزة في أعماق الطبيعة ، التي يتوقف وصول الإنسان إليها على جهد وعمل ، كمياه الآبار التي يحفرها الإنسان ليصل إلى ينابيع الماء .
فالقسم الأول - من المياه يعتبر من المشتركات العامة بين الناس[1]، والمشتركات هي الثروات الطبيعية التي لا يأذن الإسلام لفرد خاص بتملكها بصفة الاشتراك والعموم ، فالبحر أو النهر الطبيعي من الماء لا يملكه أحد ملكية خاصة ، ويباح للجميع الانتفاع به ، وعلى هذا الأساس نعرف أن المصادر الطبيعية المكشوفة للمياه تخضع لمبدأ الملكية العامة[2]. وإذا حاز الشخص منها كمية في أي ظرف مهما كان نوعه ، ملك الكمية التي حازها ، فلو اغترف من النهر باناء ، أو سحب منه بآلة ، أو حفر حفيرة بشكل مشروع ، وأوصلها بالنهر . أصبح الماء الذي غرقه الاناء ، أو سحبته
[1]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 184 وجواهر الكلام ج 38 ، ص 124 .
[2]وهناك رأي فقهي مشهور ، بستثني من تلك المصادر ما كان نابعا في ارض تختص بفرد خاص راجع بهذا الصدد الملحق رقم 7 .
الآلة أو اجتذبته الحفيرة ملكاً بالحيازة ، وبدون الحيازة والعمل لا يملك من الماء شيئاً[1]، كما أكد على ذلك الشيخ الطوسي في المبسوط ، إذ قال : ان المباح من ماء البحر والنهر الكبير ، مثل دجلة والفرات ، ومثل العيون النابعة في موات السهل والجبل ، فكل هذا مباح ، ولكل واحد أن يستعمل منه ما أراد وكيف شاء بلا خلاف ، لخبر ابن عباس المتقدم عن رسول الله ( ص ) : ( ( إن الناس شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ ) )[2]وإن زاد هذا الماء فدخل إلى أملاك الناس واجتمع فيها لم يملكوه[3].
فالعمل إذن هو : أساس تملك ما يسيطر عليه الشخص من مياه تلك المصادر ، وأما دخول شيء من تلك المياه في سيطرة الشخص ، بتسرب الماء من النهر إلى منطقته دون عمل منه ، فلا يبرر تملكه له ، بل يبقى الماء على إباحته العامة ، ما لم يبذل علم في حيازته .
وأما القسم الثاني من المصادر الطبيعية للماء ، وهو ما كان مكنوزاً ومستتراً في باطن الأرض ، فلا يختص به أحد ما لم يعمل للوصول اليه ، والحفر لأجل كشفه ، فإذا كشفه إنسان بالعمل والحفر ، أصبح له حق في العين المكتشفة ، يجيز له الاستفادة منها ، ويمنع الآخرين من مزاحمته[4]، لأنه هو الذي خلق بعمله فرصة الانتفاع بتلك العين ، فيمن حقه أن ينتفع الاستفادة منها ، ولذلك يصبح أولى بالعين من غيره ، ويملك ما يتحدد من مائها لأنه لون من ألوان الحيازة ، ولكنه لا يملك نفس العين الموجودة في أعماق الطبيعة قبل علمه[5]، ولذا كان يجب عليه ، إذا أشبع
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 124 .
[2]المستدرك ج 17 ، ص 114 ، الحديث 20914 .
[3]المبسوط ج 3 ، ص 282 .
[4]لاحظ الروضة في شرح اللمعة ج 7 ، ص 187 .
[5]راجع الملحق رقم 8 .
حاجته من الماء بذلت الزائد للآخرين ، ولا يجوز له أن يطالبهم بمال عوضاً عن شربهم وسقي حيواناتهم[1]، لأن المدة لا تزال من المشتركات العامة ، وإنما حصل للمكتشف بعمله حق الأولوية بها ، فإذا أشبع حاجته ، كان للآخرين الانتفاع بها ، فقد جاء في حديث أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام أن رسول الله ( ص ) نهى عن النطاف ، والأربعاء ، وقال : لاتبعه ، ولكن أعره جارك ، أو أخاك والأربعاء أن يسني مسناة فيحمل الماء فيسقي به الأرض ثم يستغني عنه . والنطاف أن يكون له الشرب فيستغني عنه فيقول : لا تبعه أعره أخاك أو جارك[2]. وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً أنه قال : ( النطاف شرب الماء ليس لك إذا استغنيت عنه أن تبيعه جارك تدعه له ، والأربعاء المسناة تكون بين القوم فيستغني عنها صاحبها ، قال : يدعها لجاره ، ولا يبيعها إياه )[3].
والشيخ الطوسي في المبسوط يقرر أيضاً ما ذكرناه ، فيوضح : أن علاقة الفرد بعين الماء علاقة حق لا ملك ، بالرغم أنه يملك فر رأيه البئر ، أي الحفرة التي حفرها وتوصل عن طريقها إلى الماء : فقد قال : ( ( إن في كل موضع قلنا أنه يملك البئر ، فإنه أحق من مائها بقدر حاجته لشربه ، وشرب ماشيته ، وسقي زرعه فإذا فضل بعد ذلك شيء ، وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج اليه لشربه ، وشرب ماشيته . . فأما الماء الذي حازه وجمعه في حبه ، أو جرته ، أو كوزه ، أو بركته ، أو بئره - أي حفرة غير ذات مادة - أو مصنعه ، أو غير ذلك ، فإنه لا يجب عليه بذل شيء منه وإن كان فضلاً عن حاجته ، بلا خلاف لأنه لا مادة له ) )[4].
[1]لاحظ المبسوط ج 3 ن ص 281 .
[2]الوسائل ج 17 ، ص 333 ، الحديث 32240 .
[3]الوسائل ج 12 ، ص 278 ، الحديث 22780 . راجع أيضا الملحق رقم 9 .
[4]المبسوط ج 3 ، ص 281 .