بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 55


نظريات العامل الواحد والمادية التاريخية طريقة خاصة في تفسير التاريخ ، تتجه إلى تفسيره بعامل واحد وليس هذا الاتجاه في المادية التاريخية فريداً من نوعه ، فقد جنح جمهور من الكتاب والمفكرين ، إلى تفسير المجتمع والتاريخ بعامل واحد ، من العوامل المؤثرة في دنيا الإنسان ، إذ يعتبرونه المفتاح السحري الذي يفتح مغاليق الأسرار ، ويمتلك الموقف الرئيسي في عمليات التاريخ . ويفسرون العوامل الأخرى على أنها مؤثرات ثانوية ، تتبع العامل الرئيسي في وجودها وتطورها ، وفي تقلباتها واستمرارها .
فمن ألوان هذا الاتجاه إلى توحيد القوة المحركة للتاريخ في عامل واحد ، الرأي القائل : بالجنس كسبب في المضمار الاجتماعي فهو يؤكد أن الحضارات البشرية ، والمدنيات الاجتماعية ، تختلف بمقدار الثروة المدحورة في صميم الجنس ، ما ينطوي عليه من قوى الدفع والتحريك ، وطاقات الإبداع والبناء . فالجنس القوي النقي المحض ، هو مبعث كل مظاهر الحياة في المجتمعات الإنسانية ، منذ الأزل إلى العصر الحديث ، وقوام التركيب العضوي والنفسي في الإنسان وليس التأريخ إلا سلسلة مترابطة من ظواهر الكفاح بين الأجناس والدماء التي تخوض معركة الحياة في سبيل البقاء ، فيكتب فيها النصر للدم النقي القوي ، وتموت في خضم الشعوب الصغيرة ، وتمحل وتذوب ، بسبب ما تفقده من طاقات في جنسها ، وما تخسره من قابلية المقاومة النابعة من نقاء الدم .
ومن تفسيرات التاريخ بالعامل الواحد : المفهوم الجغرافي في للتأريخ ، الذي يعتبر العامل الجغرافي والطبيعي أساساً لتأريخ الأمم والشعوب ، فيختلف تأريخ الناس ، باختلاف ما يكتنفهم من العوامل الجغرافية والطبيعية ، لأنها هي التي تشق لهم طريق الحضارة الراقية ، وتوفر لهم أسباب المدنية ، وتفجرّ في عقولهم الأفكار البناءة أحياناً ، وتوصد في وجوههم الأبواب ، وتفرض عليهم السير في مؤخر القافلة البشرية أحياناً أخرى ، فالعامل الجغرافي هو الذي يكيف المجتمعات ، بما يتفق مع طبيعته ومتطلباته .


صفحه 56


وهناك تفسير ثالث بالعامل الواحد ، نادى به بعض علماء النفس قائلاً : إن الغريزة الجنسية ، هي السر الحقيقي الكامن وراء مختلف النشاطات الإنسانية ، التي يتألف منها التاريخ والمجتمع فليس حياة الإنسان إلا سلسلة من الاندفاعات الشعورية ، أو اللا شعورية عن تلك الغريزة .
وآخر هذه المحاولات ، التي جنحت إلى تفسير التأريخ والإنسان بعامل واحد ، هي المادية التأريخية التي بشر بها كارل ماركس ، مؤكداً فيها : ان العامل الاقتصادي ، هو العامل الرئيسي ، والرائد الأول للمجتمع في نشوئه وتطوره والطاقة الحلاقة لكل محتوياته الفكرية والمادية ، وليس شتى العوامل الأخرى ، إلا بنيات فوقية في الهيكل الاجتماعي للتأريخ ، فهي تتكيف وفقاً للعامل الرئيسي ، وتتغير بموجب قوته الدافعة ، التي يسير في ركبها التأريخ والمجتمع .
وكل هذه المحاولات لا تتفق مع الواقع ولا يقرّها الإسلام ، لأن كل واحد منها قد حاول أن يستوعب بعامل واحد ، تفسير الحياة الإنسانية كلها ، وأن يهب هذا العامل من أدوار التأريخ وفضول المجتمع ، ما ليس جديراً به لدى الحساب الشامل الدقيق .
والهدف الأساسي من بحثنا هذا ، هو : دراسة المادية التأريخية من تلك المحاولات وإنما استعرضناها جميعاً لأنها تشترك في التعبير عن اتجاه فكري في تفسير الإنسان المجتمعي بعامل واحد .
العامل الاقتصادي أو المادية التاريخية ولنكون الآن فكرة عامة عن المفهوم الماركسي للتأريخ ، الذي يتبنى العامل الاقتصادي ، بصفته المحرك الحقيقي لموكب البشرية في كل الميادين .
فالماركسية تعتقد أن الوضع الاقتصادي لكل مجتمع ، هو الذي يحدد أوضاعه الاجتماعية ، والسياسية ، والدينية ، والفكرية ، وما إليها من ظواهر الوجود الاجتماعي .


صفحه 57


والوضع الاقتصادي بدوره له سببه الخاص به ، ككل شيء في هذه الدنيا . وهذا السبب - السبب الرئيسي لمجموع التطور الاجتماعي ، وبالتالي لكل حركة تأريخية في حياة الإنسان - هو وضع القوة المنتجة ووسائل الإنتاج .
فوسائل الإنتاج هي القوة الكبرى ، التي تصنع تأريخ الناس وتطورهم وتنظمهم .
وهكذا تضع الماركسية يدها على رأس الخيط ، وتصل إلى تسلسلها الصاعد إلى السبب الأول ، في الحركة التأريخية بمجموعها .
وهنا يبدو سؤالان : ما هي وسائل الإنتاج ؟ . وكيف تنشأ عنها الحركة التأريخية ، والحياة الاجتماعية كلها ؟ .
وتجيب الماركسية على السؤال الأول : بأن وسائل الإنتاج هي الأدوات التي يستخدمها الناس في إنتاج حاجاتهم المادية ذلك أن الإنسان مضطر إلى الصراع مع الطبيعة في سبيل وجوده ، وهذا الصراع يتطلب وجود قوى وأدوات معينة ، يستعملها الإنسان في تذليل الطبيعة واستثمار خيراتها . وأول أداة استخدمها الإنسان في هذا المجال ، هي : يده وذراعه . ثم أخذت الأداة تظهر في حياته شيئاً فشيئاً ، فاستفاد من الحجر بصفته كتلة ذات ثقل خاص في ، القطع ، والطحن ، والطرق . واستطاع بعد مرحلة طويلة من التاريخ ، ان يثبت هذه الكتلة الحجرية على مقبض فنشأت المطرقة . وأصبحت اليد تستخدم في تكوين الأداة المنتجة ، لا في الإنتاج المباشر ، وصار الإنتاج يعتمد على أدوات منفصلة ، وأخذت هذه الفؤوس ، الحراب ، والسكاكين الحجرية ، ثم تمكن بعد ذلك أن يخترع القوس والسهم ويستعملها في الصيد . وهكذا تدرجت القوى المنتجة تدرجاً بطيئاً ، خلال آلاف السنين ، حتى وصلت إلى مرحلتها التاريخية الحاضرة ، التي أصبح فيها البخار ، والكهرباء ، والذرة ، هي الطاقات التي يعتمد عليها الإنتاج الحديث ، فهذه هي القوى المنتجة التي تصنع للانسان حاجاته المادية .


صفحه 58


وتجيب الماركسية على السؤال الثاني أيضاً : بأن الوسائل المنتجة تولد الحركة التاريخية ، طبقاً لتطوراتها وتناقضاتها . وتشرح ذلك قائلة إن القوى والوسائل ، لها شكل خاص من أشكال الإنتاج . فالإنتاج الذي يعتمد على الأدوات الحجرية البسيطة ، يختلف عن الإنتاج القائم على السهم ، والقوس ، وغيرهما ، من أدوات الصيد ، وإنتاج الصائد ، يختلف عن إنتاج الراعي أو المزارع ، وهكذا يصبح لكل مرحلة من تاريخ المجتمع البشري ، أسلوبه الخاص في الإنتاج ، وفقاً لنوعية القوى المنتجة ، ودرجة نموها وتطورها .
ولما كان الناس في نضالهم مع الطبيعة ، لاستثمارها في إنتاج الحاجات المادية ليسوا منفردين ، منعزلاً بعضهم عن بعض ، بل ينتجون في جماعات وبصفتهم أجزاء من مجتمع مترابط ، فالإنتاج دائماً ومهماً تكن الظروف إنتاج اجتماعي . ومن الطبيعي حينئذ ، أن يقيم الناس بينهم علاقات معينة ، بصفتهم مجموعة مترابطة خلال عملية الإنتاج .
وهذه العلاقات - علاقات الإنتاج - التي تقوم بين الناس ، بسبب خوضهم معركة موحدة ضد الطبيعة ، هي في الحقيقة علاقات الملكية ، التي تحدد الوضع الاقتصادي ، وطريقة توزيع الثروة المنتجة في المجتمع وبمعنى آخر : تحدد شكل الملكية - المشاعية ، أو العبودية ، أو الاقطاعية ، أو الرأسمالية ، أو الاشتراكية - ونوعية المالك ، وموقف كل فرد من الناتج الاجتماعي .
وتعتبر هذه العلاقات ( علاقات الإنتاج ، أو علاقات الملكية ) - من وجهة رأي الماركسية - الأساس الواقعي ، الذي يقوم عليه البناء العلوي للمجتمع كله فكل العلاقات السياسية ، والحقوقية ، والظواهر الفكرية ، والدينية مرتكزة على أساس علاقات الإنتاج ( علاقات الملكية ) . لأن علاقات الإنتاج ، هي التي تحدد شكل الملكية السائد في المجتمع ، والأسلوب الذي يتم بموجبه تقسيم الثروة على أفراده . وهذا بدوره ، هو الذي يحدد الوضع السياسي ، والحقوقي والفكري ، والديني ، بصورة عامة .


صفحه 59


ولكن إذا كانت كل الأوضاع الاجتماعية ، تنشأ وفقاً للوضع الاقتصادي وبتعبير آخر : تنشأ وفقاً لعلاقات الملكية ( علاقات الإنتاج ) ، فمن الضروري أن نتساءل عن علاقات الإنتاج هذه كيف تنشأ ؟ وما هو السبب الذي يكوّن ويكيف الوضع الاقتصادي للمجتمع ؟ .
وتجيب المادية التاريخية على ذلك : أن علاقات الإنتاج ( علاقات الملكية ) ، تتكون في المجتمع بصورة ضرورية ، وفقاً لشكل الإنتاج ، والدرجة المعينة التي تعيشها القوى المنتجة . فلكل درجة من نمو هذه القوى ، علاقات ملكية ووضع اقتصادي ، يطابق تلك الدرجة من نمو هذه القوى ، علاقات ملكية ووضع اقتصادي ، يطابق تلك الدرجة من تطورها . فالقوى المنتجة هي التي تنشئ الوضع الاقتصادي ، الذي تتطلبه وتفرضه على المجتمع ويتولد عن الوضع الاقتصادي ، وعلاقات الملكية عندئذ ، جميع الأوضاع الاجتماعية ، التي تطابق ذلك الوضع الاقتصادي وتتفق معه .
ويستمر الوجود الاجتماعي على هذه الحال ، حتى تبلغ قوى المجتمع المنتجة درجة جديدة من النمو والتطور فتدخل في تناقض مع الوضع الاقتصادي القائم لأن هذا الوضع ، إنما كان نتيجة للمرحلة أو الدرجة ، التي تخطتها قوى الإنتاج إلى مرحلة جديدة ، تتطلب وضعاً اقتصادياً جديداً ، وعلاقات ملكية من نمط آخر ، بعد أن أصبح الوضع الاقتصادي السابق ، معيقاً لها عن النمو . وهكذا يبدأ الصراع بين القوى المنتجة لوسائل الإنتاج ، في مرحلتها الجديدة من ناحية ، وعلاقات الملكية والأوضاع الاقتصادية ، التي خلفتها المرحلة السابقة لقوى الإنتاج من ناحية أخرى .
وهنا يأتي دور الطبقية في المادية التاريخية . فإن الصراع بين القوى المنتجة النامية ، وعلاقات الملكية القائمة ، ينعكس على الصعيد الاجتماعي دائماً ، في الصراع بين طبقتين : إحداهما : الطبقة الاجتماعية ، التي تتفق مصالحها مع نمو القوى المنتجة ، ومستلزماته الاجتماعية . والأخرى الطبقة الاجتماعية ، التي تتفق مصالحها مع علاقات الملكية القائمة ، وتتعارض منافعها مع متطلبات المد التطوري للقوى المنتجة . ففي المرحلة التاريخية الحاضرة - مثلا - يقوم التناقض بين نمو القوى المنتجة ، والعلاقات الرأسمالية في المجتمع . ويشب الصراع تبعاً لذلك ، بين الطبقة العاملة ، التي


صفحه 60


تقف إلى صف القوى المنتجة في نموها ، وترفض بإصرار ووعي طبقي علاقات الملكية الرأسمالية في الملكية ، وتستميت في الدفاع عنها .
وهكذا يجد التناقض ، بين قوى الإنتاج ، وعلاقات الملكية - دائماً - مدلوله الاجتماعي ، في التناقض الطبقي .
ففي كيان المجتمع - إذن تناقضان : الأول : التناقض بين نمو القوى المنتجة ، وعلاقات الملكية السائدة ، حين تصبح معيقة لها عن التكامل .
والثاني : التناقض الطبقي ، بين طبقة من المجتمع ، تخوض المعركة لحساب القوى المنتجة ، وطبقة أخرى ، تخوضها لحساب العلاقات القائمة . وهذا التناقض الأخير ، هو التعبير الاجتماعي والانعكاس المباشر ، للتناقض الأول .
ولما كانت وسائل الإنتاج ، هي القوى الرئيسية في دنيا التاريخ فمن الطبيعي أن تنتصر في صراعها ، مع علاقات الملكية ومخلفات المرحلة القديمة . فتقضي على الأوضاع الاقتصادية ، التي أصبحت في تناقض معها وتقيم علاقات وأوضاعاً اقتصادية تواكبها في نموها وتنسجم مع مرحلتها .
ومعنى ذلك بالتعبير الاجتماعي : أن الطبقة الاجتماعية التي كانت تقف في المعركة إلى صف القوى المنتجة ، هي التي يكتب لها النصر على الطبقة الأخرى التي كانت تناقضها ، وتحاول الاحتفاظ بعلاقات الملكية كما هي .
وحين تنتصر قوى الإنتاج على علاقات الملكية ، وبمعنى آخر : تفوز الطبقة الحليفة لوسائل الإنتاج ، على نقيضتها حينئذ تتحطم علاقات الملكية القديمة ، ويتغير الوجه الاقتصادي للمجتمع . من سياسة ، وأفكار ، بدوره ، يزعزع كل البناء العلوي الهائل للمجتمع ، من سياسة ، وأفكار ، وأديان ، وأخلاق لأن هذه الجوانب كلها ، كانت تقوم على أساس الوضع الاقتصادي . فإذا تبدل الأساس الاقتصادي ، تغير وجه المجتمع كله .
والمسألة لا تنتهي عند هذا الحد فان التناقض بين قوى الإنتاج ، وعلاقات الملكية ،


صفحه 61


أو التناقض بين الطبقتين الممثلتين لتلك القوى والعلاقات ، إن هذا التناقض وإن وجد حله الآتي ، في تغير اجتماع شامل ، غير أنه حل موقوت . لأن القوى المنتجة ، تواصل نموها وتطورها حتى تدخل مرة أخرى في تناقض ، مع علاقات الملكية والأوضاع الاقتصادية الجديدة . ويتمخض هذا التناقض ، عن ولادة طبقة اجتماعية جديدة تتفق مصالحها مع النمو الجديد في قوى الإنتاج ، ومتطلباته الاجتماعية . بينما تصبح الطبقة ، التي كانت حليفة لقوى الإنتاج ، خصماً لها منذ تلك اللحظة ، التي بدأت الوسائل المنتجة تتناقض مع مصالحها ، وما تحرص عليه من علاقات الملكية ، فتشتبك الطبقتان في معركة جديدة ، كمدلول اجتماعي للتناقض بين قوى الإنتاج ، وعلاقات الملكية . وينتهي هذا الصراع إلى نفس النتيجة . التي أدى إليها الصراع السابق . فتنتصر قوى الإنتاج على علاقات الملكية .
وبالتالي تنتصر الطبقة الحليفة لها ، ويتغير تبعاً لذلك الوضع الاقتصادي وكل الأوضاع الاجتماعية .
وهكذا ، فإن علاقات الملكية ، والأوضاع الاقتصادية ، تظل محتفظة بوجودها الاجتماعي ، ما دامت القوى المنتجة تتحرك ضمنها وتنمو ، فإذا أصبحت عقبة في هذا السبيل ، أخذت التناقضات تتجمع ، تجد حلها في انفجار ثوري ، تخرج منه وسائل الإنتاج منتصرة ، وقد حطمت العقبة من أمامها . وأنشأت وضعاً اقتصادياً جديداً ، لتعود بعد مدة من نموها ، إلى مصارعته من جديد ، طبقاً لقوانين الديالكتيك ، حتى يتحطم ويندفع التأريخ إلى مرحلة جديدة .
المادية التاريخية والصفة الواقعية وقد دأب الماركسيون ، على القول بأن المادية التأريخية ، هي الطريقة العلمية الوحيدة لإدراك الواقع الموضوعي ، التي قفزت بالتاريخ إلى مصاف العلوم البشرية الآخرة ، كما حاول بعض الكتاب الماركسيين باصرار ، اتهام المناوئين للمادية التاريخية ، والمعارضين لطريقتها ، في تفسير الإنسان المجتمعي : بأنهم أعداء علم التاريخ وأعداء الحقيقة الموضوعية ، التي تدرسها المادية التأريخية وتفسرها . ويبرر هؤلاء


صفحه 62


اتهامهم هذا . بأن المادية التاريخية تقوم على أمرين : أحدهما : الإيمان بوبجود الحقيقة الموضوعية ، والآخر : أن الأحداث التاريخية لم تخلق صدفة ، وإنما وجدت وفقاً لقوانين عامة يمكن دراستها وتفهمها . معارضة للمادية التأريخية ، مردها إلى المناقشة في هذين لأمرين .
وعلى هذا الأساس كتب بعض الماركسيين يقول :
( ( قد دأب أعداء المادية التاريخية ، أعداء علم التاريخ على أن يفسروا الاختلافات في إدراك الأحداث التاريخية ، على أنها دليل على عدم وجود حقيقة ثابتة ، ويؤكدون أننا قد نختلف في وصف حادث وقع قبل يوم ، فكيف بأحداث قد وقعت قبل قرون ؟ ! . ) )[1]وقد شاء الكاتب بهذا ، أن يفسر كل معارضة للمادية التاريخية ، على أساس أنها محاولة للتشكيل في الجانب الموضوعي للتاريخ ، وفي الحقائق الموضوعية للأحداث التاريخية . وهكذا يحتكر الكاتب ، الإيمان بالواقع الموضوعي ، لمفهومه التأريخي الخاص .
ولكن من حقنا أن نتساءل : هل أن عداء المادية التأريخية ، يعني حقاً التشكيك في وجود الحقيقة ، خارج شعور الباحث وإدراكه أو انكارها ؟ .
والواقع أننا لا نجد في هذه المزاعم . شيئاً جديداً على الصعيد التأريخي ، فقد استمعنا إلى هذا اللون من المزاعم قبل ذلك في الحقل الفلسفي ، حين تناولنا في ( فلسفتنا ) المفهوم الفلسفي للعالم . فان الماركسيين كانوا يصرون : أن المادية ، أو المفهوم المادي للعالم ، وهو وحده الاتجاه الواقعي ، في مضمار البحث الفلسفي . لأنه اتجاه قائم على أساس الإيمان بالواقع الموضوعي للمادة ، وليس للمسألة الفلسفية جواب إذ انحرف البحث عن الاتجاه المادي ، إلا المثالية . التي تكفر بالواقع الموضوعي ، وتنكر وجوده المادة . فالكون إما أن يفسر تفسيراً مثالياً لا مجال فيه لواقع موضوعي مستقل عن الوعي والشعور ، وإما أن يفسر بطريقة علمية ، على أساس


[1]الثقافة الجديدة العدد 11 السنة 7 ص 10 .