ولهذه القاعدة مدلولها الإيجابي ومدلولها السلبي . فهي تقرر من ناحية إيجابية أن الكسب على أساس العمل المنفق جائز . وتقرر من ناحية سلبية الغاء الكسب الذي لا يقوم على أساس انفاق عمل في المشرع .
3 - الناحية الايجابية من القاعدة :
والناحية الايجابية تنعكس في أحكام الإجارة - فقرة ( 1 و 2 ) - فقد سمح للأجير الذي يستأجر للعمل في مشروع معين ، أن يحصل على أجرة مكافأة له على عمله المنفق في ذلك المشروع .
وسح لمن يملك أداة إنتاج أن يدفعها إلى فرد آخر لاستخدامها في مشروعه لقاء أجر معين يحصل عليه مالك الأداة من صاحب المشروع ، نظراً إلى أن الأداة تجسد عملاً مختزناً يتحلل ويتفتت خلال استخدامها في عملية الإنتاج ، فالمغزل مثلاً تجسيد لعمل معين جعل من قطعة الخشب الاعتيادية أداة للغزل . وهذا العمل المختزن فيه ينفق ويستهلك تدريجياً خلال عمليات الغزل ، فيكون لصاحب المغزل الحق في الحصول على كسب نتيجة لاستهلاك العمل المختزن في الأداة ، فالأجرة التي يحصل عليها مالك الأداة هي من نوع الأجرة التي يحصل عليها الأجير . ومرد الأجرتين معاً إلى كسب يقوم على أساس انفاق عمل خلال المشروع مع فارق في نوع العمل لأن العمل الذي ينفقه الأجير خلال المشروع عمل مباشر متصل به في لحظة انفاقه ، فهو ينجز وينفق في وقت واحد واما العمل الذي يستهلك وينفق خلال استخدام أداة الإنتاج فهو عمل منفصل عن صاحب الأداة ، قد تم إنجازه وإعداده سابقاً لكي ينفق ويستهلك بعد ذلك في عمليات الإنتاج . وبهذا نعرف أن العمل المنفق الذي اعتبرته النظرية مصدراً وحيداً للكسب ليس هو العمل المباشر فحسب بل يشمل العمل المختزن أيضاً ، فما دام هناك انفاق واستهلاك للعمل فمن حق صاحب العمل المنفق أن يحصل على المكافأة التي يتفق عليها مع صاحب المشروع ، سواء كان العمل الذي يستهلكه المشروع مباشراً أم منفصلاً .
وعلى أساس هذا التحديد للعمل المنفق الذي يضم كلا النوعين نستطيع أن نضيف إلى أدوات الإنتاج الدار التي سمح الإسلام لصاحبها بإيجارها والحصول على كسب نظير انتفاع الآخرين بها ، فان الدار هي الأخرى أيضاً مختزن لعمل سابق ناجز يستهلكه ويبدده الانتفاع بالدار ولو في مدى بعيد فيكون لصاحب الدار الحق في الحصول على مكافأة لقاء العمل المختزن في الدار الذي يستهلكه المستأجر خلال الانتفاع بها .
وكذلك أيضاً الأرض الزراعية التي يدفعها صاحبها إلى المزارع نظير أجرة ، فان صاحب الأرض ، يستمد حقه فيها من العمل الذي بذله عليها لاحيائها وتذليل تربتها واعدادها ، ويزول حقه حين يستهلك هذا العمل وتزول آثاره ، كما مر في نصوص : فقهية متقدمة ، فمن حقه ما دام له عمل مجسد وجهد مختزن في الأرض أن يتقاضى أجرة من المزارع لقاء انتفاعه بها واستثماره لها لأن استغلال المزارع للأرض يستهلك شيئاً من العمل الذي بذل فيها خلال عمليات الاحياء .
فالأجرة في الحدود المسموح بها في النظرية تقوم دائماً على أساس عمل لفرد يستهلكه آخر خلال مشروع فيدفع أجرة لصاحب الملك المستهلك في مقابل ذلك ، ولا فرق بين أجرة العمل وأجرة أدوات الإنتاج والعقار والأرض الزراعية في هذا الأساس ، وإن اختلفت طبيعة الصلة التي تربط صاحب الأجرة بالعمل ، فالعمل المأجور جهد مباشر يقوم الأجير بايجاده واستهلاكه لحساب صاحب المشروع خلال عملية الإنتاج ، وأما العمل المختزن في أداة الإنتاج مثلاً فهو جهد قد تم انفصاله عن العامل ، واختزانه في الأداة في زمان سابق ، ولهذا يباشر استهلاكه خلال المشرع شخص آخر غير العامل . فالأجرة التي يتسلمها الأجير هي أجرة على عمل آني حققه واستهلكه الأجير بنفسه . والأجرة التي يستلمها صاحب الأداة هي في الحقيقة أجرة على عمل سابق ، اختزنه صاحب الأداة في أداته ، واستهلكه صاحب المشروع في عمليته .
هذا هو المدلول الايجابي للقاعدة التي تفسر الكسب الناتج عن ملكية مصادر الإنتاج . وقد عرفنا أن هذا المدلول ينعكس في جميع المجالات التي يسمح فيها بالأجرة والكسب نتيجة لملكية المصادر المنتجة .
4 - الناحية السلبية من القاعدة :
وأما المدلول السلبي الذي يلغي كل كسب لا يبرره عمل منفق خلال العملية فهو واضح في النصوص والاحكام ، فقد سبق في النص التشريعي ( ح ) من الفقرة العاشرة أن الراعي إذا اشترى مرعى بخمسين درهماً ، فليس له أن يبيعه بأكثر من خمسين ، إلا أن يكون قد عمل في المرعى عملاً ، حفر بئراً أو شق نهراً أو تعنى فيه برضا أصحاب المرعى ، فلا بأس ببيعه بأكثر مما اشتراه ، لأنه قد عمل فيه عملا فبذلك يصلح له .
وهذا النص يقرر المدلول السلبي للقاعدة بوضوح ، لأنه يمنع الراعي من الحصول على كسب نتيجة لبيع المرعى أو إيجاره بثمن يزيد على ما دفعه إلى أصحاب المرعى الأولين أو إيجاره بثمن يزيد على ما دفعه بهذا الكسب أو الاجر ما لم يبذل جهداً يبرر حصوله عليه من حفر بئر أو شق نهر وما إليها من أعمال .
ويؤكد النص في النهاية أنه إذا عمل في المرعى عملا ، فهو يستمد مبرر كسبه والتفاوت الذي يحصل عليه من العمل الذي قدمه . ( لأنه قد عمل فيه عملا فبذلك يصلح له ) .
وكأن النص بهذا التعليل والربط بين الكسب والعمل أراد التأكيد على المدلول السلبي للقاعدة ، فبالعمل يصلح للراعي الحصول على كسب جديد في مرعاه ، ولا يصلح له ذلك بدون العمل . ومن الواضح أن هذا التعليل يعطي النص معنى القاعدة ، ولا يبقى مجرد حكم في قصة راعي ومرعى ، بل يمد مدلوله حتى يجعله أساساً عاملاً للكسب[1].
[1]فهو نظير قول القائل لا تتبع زيداً في فتواه إلا إذا كان مجتهداً فإذا كان مجتهداً جاز لك اتباع رأيه لأنه مجتهد فبسبب اجتهاده جاز لك اتباعه فان المفهوم عرفاً من هذا القول أن جواز اتباع الرأي مرتبط دائماً بالاجتهاد فكما لا يجوز اتباع رأس زيد إذا لم يكن مجتهداً كذلك لا يجوز اتباع رأي غيره في هذه الحالة وبكلمة أخرى أن العرف يلغي خصوصية مورد الحكم المعلل بقرينة التعليل ويجعل الربط بين الكسب والعمل أو بين الاتباع والاجتهاد قاعدة عامة .
فالكسب بموجب هذا النص لا يجوز بدن عمل مباشر ، كعمل الأجير أو منفصل مختزن ، كما في أدوات الإنتاج والعقارات ونحوها .
وتشع هذا الحقيقة نفسها في النص - ب - من الفقرة ( 10 ) إذ منع الشخص الذي يستأجر الأرض بألف درهم أن يؤآجرها بألفين من دون عمل يبذله فيها . وأردف المنع بالقاعدة التي تفسره ، والعلة العامة التي يقوم على أساسها المنع ، فقال : لأن هذا مضمون .
وبموجب هذا التعليل والتفسير ، الذي يرتفع بالحكم عن وصفه حكماً في واقعه إلى مستوى قاعدة عامة ، لا يسمح لأي فرد بأن يضمن لنفسه كسباً بدون عمل لأن العمل هو المبرر الأساسي للكسب في النظرية ( 1 ) .
فالمدلول السلبي للقاعدة تقرره النصوص مباشرة ، كما ترتبط به عدة أحكام من البناء العلوي المتقدم .
فمن تلك الاحكام منع المستأجر للأرض أو الدار أو أي أداة إنتاج عن إيجارها بأجرة أكبر مما كلفه استئجارها ما لم ينفق عليها عملا ، لأن ذلك يجعله يكسب التفاوت بدون علم منفق متصل أو منفصل . فإذا استأجر الشخص داراً بعشرة دنانير وآجرها بعشرين ، خرج من ذلك بعشر دنانير مكسباً خالصاً بدون عمل منفق فكان من الطبيعي الغاؤه على أساس القاعدة التي اكتشفناها .
ومن الاحكام التي ترتبط بالقاعدة أيضاً منع الأجير عن استئجار غيره لقيام بالمهمة التي استؤجر عليها بأجرة أقل مما حصل عليه كما مر في الفقرة ( 12 ) . فمن استؤجر لخياطة ثوب مثلا بعشرة دراهم لا يجوز له أن يستأجر شخصاً آخر لهذا المهمة نظير ثمانية دراهم ، لأن هذا يؤدي إلى احتفاظه بالتفاوت بين الأجرتين ، والحصول على درهمين بدون عمل ، فحرّمت الشريعة ذلك تطبيقاً بمدلولها السلبي ، الذي يرفض ألوان الكسب التي لا تقوم على أساس العلم . وإنما أجيز
( 1 ) راجع الملحق رقم 15 .
للخياط الذي استأجره صاحب الثوب أن يستأجره غيره بثمانية دراهم للقيام بالمهمة ويحافظ لنفسه بدرهمين في حالة واحدة وهي ما إذا كان قد مارس بنفسه جزءاً من العملية ، وأنجز مرحلة من الخياطة التي استؤجر عليها ، ليكون الظفر بدرهمين نتيجة لعمل منفق على الثوب .
وحكم ثالث نجده في البناء العلوي مرتبطاً أيضاً بالقاعدة ومدلولها السلبي ، وهو ما مر بنا في الفقرة السادسة من منع صاحب المال عن تضمين العامل في عقد المضاربة ، بمعنى أن التاجر إذا أراد أن يدفع رأس ماله التجاري - كنقود وسلعة - إلى عامل ليتجر به على أساس اشتراكهما في الأرباح فليس له أن يكلف العامل بتعويض عن الخسارة إذا اتفق وقوعها .
وتوضيح هذا المعنى أن صاحب المال في سلوكه مع العامل بين طريقتين :
أحدهما : أن يمنح ملكية المال التجاري للعامل بعوض محدد يدفعه العامل بعد انتهائه من العلمية التجارية ، وفي هذه الحالة يصبح العامل ضامناً للعوض المتفق عليه ، ومسؤولاً عن دفعه - مع توفر سائر الشروط الشرعية - سواء أسفر عمله التجاري عن ربح أم مني بخسارة ، لكن صاحب المال في هذه الحالة لا يشارك العامل في الأرباح ، وليس له حق إلا في العوض المتفق عليه ، لأن المال التجاري أصبح ملكاً للعامل ، فالربح كله يعود اليه لأنه هو الذي يملك المادة . ولهذا جاء في الحديث كما سبق في ف ( 12 ) أن من ضمن تاجراً - أي عاملاً يتجر بالمال - فليس له إلا رأس ماله .
والطريق الآخر هو أن يحتفظ صاحب المال لنفسه بملكية المال التجاري ويستخدم العامل للاتجار به على أساس اشتراكه في الربح . وفي هذه الحالة سيصبح لصاحب المال حق في الربح ، لأن المال ماله ، ولكن لا يجز له أن يكلف العامل في العقد بتعويض عن الخسارة . وهذا هو الحكم الذي أشرنا إلى ارتباطه بالقاعدة التي نمارس الآن اكتشافها من خلال البناء العلوي ، وذلك لأن الخسارة في التجارة لا تعني استهلاك العامل خلال العملية التجارية لعمل منفصل لصاحب المال كان قد اختزنه في ماله ، كما هي الحال بالنسبة إلى صاحب الدار أو أداة الإنتاج ، الذي يجوز
له السماح لك بالانتفاع بداره أو أدواته واعتبارك ضامنا لما تستهلكه منها خلال الانتفاع ، فأنت حين تنتفع بدار شخص آخر أو أداته فترة من الزمن سوف تستهلك منها شيئاً ، وبالتالي تستهلك قسطاً من العمل المختزن فيها ، فلصاحب الدار ، والأداة أن يطالبك بتعويض عما استهلكته ، ويكون هذا التعويض الذي يظفر به المالك منك قائماً على أساس عمل منفق . وأما حين تسلم من صاحب المال مئة دينار للاتجار بها على أساس اشتراكك في الربح ، فتشتري بها مئة قلم ، ثم تضطر لهبوط ثمن القلم أو قيمت لأي سبب من الأسباب إلى بيع الأقلام بتسعين ديناراً ، فأنت غير مسؤول عن هذه الخسارة ، ولا مكلف بدفع تعويض عن القدر الذي تفتت من المال ، لأن هذا التفتت ليس نتيجة لاستهلاكك شيئاً من المال ومن العمل المخزون فيه خلال العملية التجارية ، وإنما هو نتيجة لهبوط القيمة التبادلية للأقلام ، أو تنزل أسعارها في السوق ، فليس المسألة هنا مسألة عمل مختزن لشخص استهلكته وأنفقته خلال انتفاعك به لكي يجب عليك تعويضه عنهن ، بل العمل المختزن في المال التجاري لا يزال كما هو لم يتفتت ولم يستهلك ، وإنما نقصت قيمته ، أو انخفض سعره ، فليس لصاحب المال عليك أن تعوّضه ، إذ لو حصل على شيء منك نظير ذلك لكان كسباً بدون عمل منفق ، ولأدى إلى حصوله على كسب منك بدون أن تستهلك من عمله شيئاً خلال الانتفاع ، وهذا ما ترفضه القاعدة في مدلولها السلبي .
5 - ربط حرمة الربا بالناحية السلبية :
وكما يرتبط المنع عن فرض الضمان على العامل بالمدلول السلبي للقاعدة التي ندرسها ، كذلك يمكننا أن نعتبر أيضاً حرمة الربا لبنة من البناء العلوي الذي يرتكز على هذا المدلول السلبي للقاعدة ، بل ان حرمة الربا من أهم أجزاء ذلك البناء ، وقد مرت بنا حرمة الربا في فقرة ( 9 ) من البناء العلوي المتقدم التي شرحت لنا تحريم الإسلام كل لون من ألوان القرض بفائدة . والفائدة تعتبر في العرف الرأسمالي الذي يسمح لها أجرة رأس المال النقدي الذي يسلفه الرأسماليون
للمشاريع التجارية وغيرها لقاء أجر سنوي يحدد بنسبة مئوية من المال المسلف ، ويطلق على هذا الاجر اسم الفائدة . ولا يختلف في مفهومه القانوني كثيراً عن الأجر الذي يحصل عليه أصحاب العقارات أو أدوات الإنتاج نتيجة لإيجار تلك العقارات والأدوات . فكما يمكنك أن تستأجر داراً تسكنها برهة من الوقت ثم تدفعها إلى صاحبه مع أجرة معينة ، كذلك يسمح لك في العرف الذي يؤمن بالفائدة أن تقتصر كمية من النقد لتستخدمها في أغراض تجارية أو استهلاكية ثم تدفع نفس الكمية أو كمية مماثلة مع أجرة محددة إلى الشخص الذي استقرضت المال منه .
والإسلام بتحريمه لقروض الفائدة وسماحه بالكسب الناتج عن إيجار العقارات وأدوات الإنتاج كشف لنا عن فرق نظري بين رأس المال النقدي وبين أدوات الإنتاج والعقارات . وهذا الفرق يجب تفسيره في ضوء النظرية ، وعلى أساس القاعدة التي نمارس الآن اكتشافها ، لنعرف السبب الذي دعا المذهب الاقتصادي إلى إلغاء أجرة رأس المال أو بكلمة أخرى الغاء الكسب المضمون الناتج من ملكية رأس المال النقدي ، بينما يسمح بأجرة أدوات الإنتاج ويبيح الكسب المضمون الناتج عن ملكية هذه الأدوات . فلماذا جاز لمالك الأداة أن يجني من ورائها وعن طريق إيجارها كسباً مضموناً دون عناء ، ولم يجز للرأسمالي أن يجدني من وراء نقده وعن طريق إقراضه كسباً مضموناً دون عناء ؟ هذا السؤال الذي يتحتم علينا الجواب عنه فعلاً .
والحقيقة أن الجواب على هذا السؤال لا يتوقف على أكثر من الرجوع إلى القاعدة بصيغتها التي اكتشفناها وبمدلولها الايجابي والسلبي . فالكسب المضمون - الاجر - الناتج عن ملكية أدوات الإنتاج يندرج في المدلول الإيجابي للقاعدة لأن الأداة مختزن لعمل سابق سوف يكون للمستأجر الحق في استهلاك قسط منه خلال استخدام الأداة في عملية الإنتاج التي يباشرها . فالأجرة التي يدفعها إلى صاحب الأداة في الحقيقة هي أجرة على عمل سابق وبالتالي تعتبر كسباً يقوم على أساس عمل منفق ، فيجوز وفقاً للقاعدة في مدلولها الإيجابي . وأما الكسبي المضمون الناتج عن ملكية رأس المال النقدي - الفائدة - فليس ما يبرره نظرياً ، لأن
التاجر الذي يستقرض ألف دينار لمشروع تجاري بفائدة معينة سوف يدفع ألف دينار الوقت المحدد إلى الدائن دون أن يستهلك منها ذرة . وفي هذه الحال تصبح الفائدة كسباً غير مشروع لأنه لا يقوم على أساس أي عمل منفق فيندرج في المدلول السلبي للقاعدة .
وهكذا نعرف أن الفرق بين الفائدة على رأس المال النقدي وبين الأجرة على أدوات الإنتاج في التشريع الإسلامي ناتج عن اختلاف بين طبيعة الانتفاع برأس المال المسلف وطبيعة الانتفاع بأدوات الإنتاج المستأجرة .
فانتفاع المقترض برأس المال لا يؤدي بطبيعته إلى استهلاك شيء منه أو من العمل المتجسد فيه ، لأنه مسؤول بحكم عقد القرض عن دفع المبلغ في الوقت المحدد والنقد الذي يدفع وفاء القرض في قوة النقد المقترض ومن أي تفاوت .
وأما انتفاع المستأجر بالأداة التي استأجرها خلال عملية الإنتاج مثلاً فهو يؤدي إلى استهلاكها بدرجة ما ، واستهلاك العمل المجسد فيها ، ولأجل ذلك كان لصاحب الأداة أن يحصل على لكسب عن طريق إيجار الأداة بسبب العمل المنفق والجهد المستهلك خلال استخدام الأداة ، ولم يكن للرأسمالي أن يحصل على كسب من هذا القبيل لأنه يسترجع ماله كما هو بدون استهلاك .
ويمكننا أن نضيف إلى مجموعة الأحكام التي قدمناها للكشف عن الترابط بين البناء والنظرية حكماً آخر ، سبق أن تقدم في فقرة ( 9 ) ، وهو الحكم الذي يقضي بعدم السماح للعامل في عقد المضاربة بالانفاق مع عمل آخر على أن يقوم الأخر بالعمل لقاء نسبة مئوية من الأرباح أقل من النسبة التي حصل عليها العامل الأول . ومن الواضح أن المنع عن هذه العملية يتفق كل الاتفاق مع المدلول السلبي للقاعدة التي نمارس اكتشافها ، وهو رفض الكسب الذي لا يقوم على أساس العمل المنفق ، لأن العامل الأول حين ينجز العملية الآنفة الذكر سوف يحتفظ لنفسه بالتفاوت بين النسبتين المئويتين ، ويكون هذا التفاوت كسباً بدون عمل منفق ، فمن الطبيعي أن يلغى وفقاً للقاعدة العامة .