بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 620


والاستثمار ، ودفع إلى توظيف أكبر قدر ممكن من قوى الطبيعة وثرواتها للإنتاج وخدمة الإنسان في مجالات الانتفاع والاستثمار ، واعتبر الإسلام فكرة التعطيل أو إهمال بعض مصادر الطبيعة أو ثرواتها ، لوناً من الجحود وكفراناً بالنعمة ، التي أنعم الله تعالى بها على عباده[1].
قال الله تعالى { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . . . }[2].
وقال يشجب أسطورة تحريم بعض الثروات الحيوانية : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ، وأكثرهم لا يعقلون ) )[3].
وقال وهو يهيب بالانسان إلى استثمار مختلف المجالات { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا ، فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }[4].
وفضل الإسلام الانفاق الإنتاجي ، على الانفاق الاستهلاكي ، حرصاً منه على تنمية الإنتاج ، وزيادة الثروة كما جاء في النصوص المنقولة عن النبي ( ص ) والأئمة ، التي تنهى عن بيع العقار والدار ، وتبديد ثمن ذلك في الاستهلاك[5].
ب - وسائل الإسلام من الناحية التشريعية :
وأما من الناحية التشريعية ، فقد جاءت تشريعات الإسلام في كثير من الحقول ، تتفق مع مبدأ تنمية الإنتاج الذي يؤمن به الاقتصاد الإسلامي ، وتساعد على تطبقه .
وفيما يلي نستعرض شيئاً من تلك التشريعات والاحكام :


[1]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 22 و 59 و 112 .
[2]الأعراف / 32 .
[3]المائدة / 103 .
[4]الملك / 15 .
[5]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 44 ، الباب 24 .


صفحه 621


1 - حكم الإسلام بانتزاع الأرض من صاحبها ، إذا عطلها وأهملها حتى خربت ، وامتنع عن إعمارها ، وعلى هذا الأساس يستولي ولي الأمر في هذه الحالة على الأرض ، ويستثمرها بالأسلوب الذي يختاره[1]، لأن الأرض لا يجوز أن يعطل دورها الايجابي في الإنتاج ، بل يجب أن تظل دائماً عاملاً قوياً يساهم في رخاء الانسان ، ويسر الحياة ، فإذا حال الحق الخاص دون قيامها بهذا الدور ، الغي هذا الحق وكيفت بالشكل الذي يتيح لها الإنتاج[2].
2 - منع الإسلام عن الحمى وهو : السيطرة على مساحة الأرض العامرة وحمايتها بالقوة دون ممارسة عمل في احيائها واستثمارها ، وربط الحق في الأرض بعملية الاحياء وما إليها دون أعمال القوة التي لا شأن لها في الإنتاج وفي استثمار الأرض لصالح الانسان[3][4].
3 - لم يعط الإسلام للأفراد الذين يبدأون عملية احياء المصادر الطبيعية الحق في تجميد تلك المصادر وتعطيل العمل لاحيائها ، ولم يسمح لهم بالاحتفاظ بها في حالة توقفهم عن مؤاصلة العمل في هذا السبيل[5]. لأن استمرار سيطرتهم عليها في هذه الحالة يؤدي إلى حرمان الإنتاج من طاقات تلك المصادر وامكاناتها .
ولهذا كلف ولي الأمر في الإسلام بانتزاع المصادر من أصحابها ، إذا أوقفوا أعمالهم في احيائها ، ولم يمكن إغراؤهم بمواصلة العمل فيها .
4 - لم يسمح الإسلام لولي الأمر باقطاع الفرد شيئاً من مصادر الطبيعة إلا بالقدر الذي يتمكن الفرد من استثماره والعمل فيه[6][7]، لأن اقطاع ما يزيد على


[1]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، 22 .
[2]لاحظ البناء العلوي لنظرية توزيع ما قبل الإنتاج .
[3]المصدر السابق .
[4]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 63 .
[5]لاحظ جواهر الكلام ج 38 ن ص 59 .
[6]لاحظ البناء العلوي لنظرية توزيع ما قبل الإنتاج .
[7]لاحظ التذكرة ج 2 ، ص 404 ، كتاب إحياء الموات ، الفصل الأول ، المطلب الثاني المسألة السادسة .


صفحه 622


قدرته يبدد ثروات الطبيعة وإمكاناتها الإنتاجية .
5 - حرم الإسلام الكسب بدون عمل ، عن طريق استئجار الفرد أرضاً بأجرة وإيجارها بأجرة أكبر للحصول على التفاوت بين الأجرتين ما يشابه ذلك من الفروض التي تحدثنا عنها سابقاً[1].
ومن الواضح أن إلغاء دور هذا الوسيط بين مالك الأرض والفلاح المباشر لزراعتها ، يوفر على الإنتاج ، لأن هذا الوسيط لا يقوم بأي دور إيجابي للإنتاج ، وإنما يعيش على حساب الإنتاج بدون خدمة يقدمها اليه .
6 - حرام الإسلام الفائدة ، وألغى رأس المال الربوي[2]، وبذلك ضمن تحول رأس المال هذا في المجتمع الإسلامي إلى رأس مال منتج يساهم في المشاريع الصناعية والتجارية .
وهذا التحول يحقق مكسبين للإنتاج :
أحدهما القضاء على التناقض المرير بين مصالح التجارة ، والصناعة ، ومصالح رأس المال الربوي ، فإن الرأسماليين في المجتمعات التي تؤمن بالفائدة ، ينتظرون دائماً فرصتهم الذهبية حين تشتد حاجة رجال الأعمال في التجارة والصناعة إلى المال ، ويزيد طلبهم عليه لكي يرفعوا سعر الفائدة ويمسكوا بأموالهم طلباً لأعلى سعر ممكن لها .
وأما حين ينخفض الطلب على الكمال من رجال الاعمال وتقل حاجاتهم اليه ، ويهبط تبعاً لذلك سعر الفائدة ، فسوف نجد الرأسماليين وهم يعرضون أموالهم بكل سخاء وبأزهد الأجور ، ومن الواضح أن الغاء الفائدة يضع حداً لهذا التناقض ، الذي تعيشه طبقة المرابين ، وطبقة التجار في المجتمع الرأسمالي ، لأن إلغاء الفائدة سوف يؤدي بطبيعة الحال إلى تحويل الرأسماليين الذي كانوا يقرضون أموالهم بفائدة ، إلى مضاربين يساهمون في مشاريع صناعية ، وتجارية ، على أساس الاشتراك


[1]لاحظ النهاية للطوسي ، ص 445 ، والمقنعة للمفيد ، ص 640 وجواهر الكلام ج 27 ، ص 222 .
[2]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 423 ، وجواهر الكلام ج 26 ، ص 337 .


صفحه 623


في الأرباح ، وبذلك يتحد الموقف ويصبح رأس المال في خدمة التجارة والصناعية يلبي حاجاتها ويواكب نشاطها .
والمكسب الآخر للإنتاج ، هو أن تلك الأموال التي حولت إلى ميادين الصناعة والتجارة ، سوف تستخدم بعزم وطمأنينة في مشاريع ضخمة وأعمال طويلة الأمد ، لأن صاحب المال سوف لن يبقى أمامه بعد إلغاء الفائدة إلا امل الربح ، وهو يحركه نحو اقتحام تلك المشاريع الضخمة المغرية بأرباحها ونتائجها خلافاً لحاله في مجتمع يسطر عليه نظام الفائدة ، فإنه يفضل أقراض المال بفائدة على توظيفه في تلك المشاريع ، لأن الفائدة مضمونة على أي حال وسوف يفضل أيضاً أن يقرض المال لأجل قصير ، ويتحاشى الاقراض لمدة طويلة لئلا يفوته شيء من سعر الفائدة ، إذا ارتفع في المستقبل البعيد سعرها وبذلك سوف يضطر المقترضون ما دام أجل الوفاء قريباً إلى استخدام أموالهم في مشاريع قصيرة الأمد ، ليكون في إمكانهم إعادة المبلغ في الوقت المحدد مع الفائدة المتفق عليها إلى الرأسمالي الدائن وعلاوة على هذا فان رجال الأعمال في ظل نظام الفائدة ، سوف لن يقدموا على اقتراض المال من الرأسماليين وتوظيفه في مشروع تجاري أو صناعي ، ما لم ترهن الظروف على أن بإمكانهم الحصول على ربح يزيد عن الفائدة التي يتقاضاها الرأسمالي ، وهذا يعيقهم عن ممارسة كثير من ألوان النشاط في كثير من الظروف ، كما يجمد المال في جيوب الرأسماليين ويحرمه من المساهمة في الحقل الاقتصادي ، ولا يسمح له بأي لون من ألوان الإنفاق الإنتاجي أو الاستهلاكي ، الأمر الذي يؤدي إلى عدم إمكان تصريف كل المنتجات ، وكساد السوق ، وظهور الأزمات وتزلزل الحياة الاقتصادية ، وأما عند إلغاء الفائدة ، وتحول الرأسماليين المرابين إلى تجار مساهمين مباشرة في مختلف المشاريع التجارية والصناعية ، فإنهم سوف يجدون من مصلحتهم الاكتفاء بقدر أقل من الربح لأنهم لن يضطروا إلى تسلم جزء منه باسم فوائد ، وسوف يجودون من مصلحته أيضاً توضيف الفائض عن حاجتهم من الأرباح في مشاريع


صفحه 624


الإنتاج والتجارة ، وبذلك يتم انفاق الناتج كله انفاقاً استهلاكياً وإنتاجياً ، بدلاً من تجميد جزء منه في جيوب المرابين بالرغم من انفاقه .
7 - حرم الإسلام بعض الأعمال العقيمة من الناحية الإنتاجية ، كالمقامرة والسحر والشعوذة ، ولم يسمح بالاكتساب عن طريق أعمال من هذا القبيل ، بأخذ أجرة على القيام بها[1]{ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل }[2].
فان هذه الأعمال تبديد لأصحابها هدر لتلك الأموال التي كان بالامكان تحويلها إلى عامل تنمية وإنتاج . ونظرة شاملة في التاريخ والواقع المعاش ، يكشف لنا عن مدى التبذير الذي ينتج عن هذا النوع من الأعمال والاكتساب بها ، وفداحة الخسارة التي يمنى بها الإنتاج ، وكل الأهداف الصالحة ، بسبب تبديد تلك الطاقات والجهود والأموال .
8 - منع الإسلام من اكتناز النقود ، وسحبها عن مجال التداول وتجميدها ، وذلك عن طريق فرض ضريبة على ما يكتنز من النقود الذهبية والفضية ، التي كانت الدولة الإسلامية تجري على أساسها ، وهي : ضريبة الزكاة التي تستنفذ المال المدخر على مر الزمن لأنها تتكرر في كل عام[3]وتقطع كل مرة ربع العشر من المال المدخر ، ولا تتركه الضريبة حتى تنخفض به إلى عشرين ديناراً . ولأجل هذا تعتبر الزكاة مصادرة تدريجية للمال الذي يكنز ويجمد عن العمل ، وبالقضاء على الاكتناز هذا ، تندفع جميع الأموال إلى حقول النشاط الاقتصادي وتمارس دوراً إيجابياً في الحياة الاقتصادية ، وبذلك يكسب الإنتاج كثيراً من تلك الأموال التي كانت تؤثر بطبيعتها ، لولا ضريبة المال المكتنز ، أن تختفي في جيوب أصحابها بدلا عن المساهمة في المشاريع الصناعية والزراعية وما إليها .


[1]لاحظ المكاسب للأنصاري ، ج 2 ، ص 29 وج 4 ، ص 91 وجواهر الكلام ج 22 ، ص 25 و 75 و 94 و 110 .
[2]البقرة / 188 .
[3]لاحظ تحف العقول ص 398 ، والوسائل ج 6 ، ص 92 ، والميزان ج 9 ، ص 263 .


صفحه 625


والواقع أن منع الإسلام من اكتناز النقود ليس مجرد ظاهرة عرضية في التشريع الإسلامي ، بل إنه يعبر عن أحد أوجه الخلاف الخطير بين المذهب الإسلامي والمذهب الرأسمالي ، ويعكس الطريقة التي استطاع الإسلام بها أن يتخلص من مشاكل الرأسمالية الناجمة عن شذوذ الدور الرأسمالي للنقد الذي يؤدي إلى أخطر المضاعفات ، ويهدد حركة الإنتاج ويعصف بالمجتمع الرأسمالي باستمرار .
ولكي يتضح لا خلاف الخطير بين المذهبين ، في هذه النقطة ، يجب أن نميز بين الدور الأصيل للنقد والدور الطارئ الذي يمارسه في ظل الرأسمالية ، وندرك اختلاف هذين الدورين في نتائجهما وآثارهما على حركة الإنتاج وغيرها .
فالنقد بطبيعته أداة للتبادل ، وقد استخدمه الإنسان في المبادلة تفادياً من مشاكل المقايضة ، التي كانت تتولد عن مبادلة المنتجات بشكل مباشر . فقد وجد المنتجون الأوائل بعد تقسيم العمل ، وإقامة حياتهم على أساس المبادلة ، ان من الصعب عليهم تبادل منتوجاتهم مباشرة ، لأن منتج الحنطة ، إذا احتاج في حياته إلى صوف ، فلا يستطيع الحصول عليه من منتج الصوف في مقابل الحنطة ، إلا إذا كان صاحب الصوف بدوره محتاجاً إلى حنطة . والراعي إذا أراد الحصول على حاجته اليومية من الحنطة ، فسوف لن يقدر على ذلك عن طريق المقايضة ، لأن الغنم الذي يرعاه تزيد قيمته على قيمة ذلك . وإضافة إلى هذا فان المبادلة المباشرة للمنتجات ، كانت تواجه صعوبة تقدير قيم الأشياء المعدة للمبادلة . إذ كان لا بد لمعرفة قيمة السلعة من مقارنتها بجميع السلع الأخرى ، حتى تعرف قيمتها بالنسبة إليها جميعاً[1]فكان اختراع النقد علاجاً لهذه المشاكل كلها إذ قام بدور المقياس العام للقيمة من ناحية ، وأصبح أداة للمبادلة من ناحية أخرى ، فهو من الناحية الأولى يستخدم كمحدد لقيم الأشياء ، فبمقارنة سائر السلع بالسلعة التي أنتجت لتكون نقداً تحدد قيمتها . ومن الناحية الثانية يستعمل النقد وسيلة للتداول ، فبعد أن كان التداول يقوم على أساس المقايضة ، وبيع


[1]راجع ص 349 من الكتاب .


صفحه 626


حنطة بصوف ، جاءت النقود فحوّلت عملية البيع هذه إلى عمليتين وهما البيع والشراء ، فصاحب الحنطة يبيع الحنطة بمئة درهم ، ثم يمارس عملية أخرى ، فيشتري بهذا النقد حاجته من الصوف . وبهذا قامت مبادلتان مقام المبادلة المباشرة بين المنتجات ، وزالت بسبب ذلك كل الصعوبات التي كانت تنجم عن نظام المقايضة .
وهكذا نعرف أن الدور الأصيل الذي وجد النقد ليمارسه ، هو دور المقياس العام للقيمة ، والأداة العامة في التداول .
ولكن النقد بعد ذلك لم يقتصر على أداة دوره ، وممارسة وظيفته في التغلب على تلك الصعاب والمشاكل بصلة ، وهو دور الاكتناز والادخار . وذلك أن دخول النقد في مجال التداول ، حوّل العملية الواحدة - بيع الحنطة بصوف - إلى عمليتين ، وأصبح منتج الحنطة يبيع منتوجه ثم يشتري الصوف ، بعد أن كان يبيع الحنطة ويشتري الصوف في مبادلة واحدة وهذا الفصل بين عمليتين بيع الحنطة وشراء الصوف ، أتاح لبائع الحنطة أن يؤجل شراء الصوف ، بل جعل في ميسورة أن يبيع الحنطة لا لشيء إلا لرغبته في تحويل الحنطة إلى نقد ، والاحتفاظ بالنقد إلى وقت الحاجة . فنشأ عن ذلك دور النقد بوصفه أداة لاكتناز المال وادخاره .
وقد لعب هذا الدور الطارئ للنقد كأداة للاكتناز ، أخطر لعبة في ظل الرأسمالية التي شجعت الادخار ، جعلت من الفائدة أكبر قوة للاغراء بذلك ، فأدى هذا إلى اختلال التوازن بين الطلب الكلي والعرض الكلي لمجموع السلع الإنتاجية والاستهلاكية ، بينما كان هذا التوازن مضموناً في عهد المقايضة التي تقوم على أساس المبادلة المباشرة بين المنتجات ، لأن المنتج في تلك العهود لم يكن ينتج إلى ليستهلك ما ينتجه ، أو يستبدله بسلعة أخرى يستهلكها ، فالسلعة التي تنتج تضمن دائماً طلباً بقدرها فيتساوى الإنتاج والاستهلاك ، أو العرض الكلي مع مجموع الطلب . وأما في عصر النقد ، بعد انفصال علمية الشراء عن البيع ، فليس من الضروري للمنتج أن يكون لديه طلب يساوي السعلة التي تنتجها ، إذ قد ينتج بقصد أن يبيع


صفحه 627


ويحصل على نقد ليضيفه إلى ما ادخره من نقود ، لا ليشتري به سلعة من منتج آخر فيوجد في هذه الحال عرض لا يقابله طلب ، ويختل لأجل ذلك التوازن بين العرض والطلب العام ، ويتعمق هذا الاختلال بقدر ما تبرز إرادة الاكتناز وتتسع ظاهرة الادخار لدى المنتجين والبائعين ، ونتيجة لذلك يظل جزء كبير من الثروة المنتجة دون تصريف ، وتعاني السوق الرأسمالية مشكلة تصريفها وأزمة تكدسها ، وتتعرض حركة الإنتاج وبالتالي الحياة الاقتصادية عموماً لأشد الأخطار .
وقد ظلت الرأسمالية ردحاً من الزمن لا تدرك حقيقة هذه المشاكل التي تنجم عن دور الاكتناز الذي يمارسه النقد انسياقاً منها مع نظرية التصريف ، التي تقول : إن الشخص عندما يريد بيع سلعة معنية لا يرغب في النقود لذاتها بل للحصول على سلعة أخرى تشبع حاجاته ، وهذا يعني أن إنتاج أية سلعة يخلق طلباً مماثلاً على سلعة أخرى ، فيتساوى العرض والطلب دائماً .
فالنظرية تفترض أن بائع السلعة يستهدف دائماً من ذلك الحصول على سلعة أخرى ، مع أن هذا الافتراض إنما يصح في عصر المقايضة الذي تزدوج فيه عملية الشراء وعملية البيع ، ولا يصدف على عصر النقد الذي يتيح لتاجر أن يبيع السلعة بقصد الحصول على المزيد من النقد وادخاره واكتنازه ، لأجل توظيفه بعد ذلك في علميات القرض بفائدة .
وفي ضوء هذه المعلومات عن النقود ودورها الأصيل ودورها الطارئ ونتائجهما ، نستطيع ان ندرك الاختلاف الجوهري بين الإسلام والرأسمالية . فبينما تقر الرأسمالية استعمال النقد أداة للاكتناز ، وتشجع عليه بتشريع نظام الفائدة ، يحاربه الإسلام بفرض ضريبة على النقد المكتنز ، ويحث على إنفاق المال في المجالات الاستهلاكية والإنتاجية ، حتى جاء في الحديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق : ( إن الله إنما أعطاكم هذه الفضول من الأموال ، لتوجهوها حيث وجهها الله ، ولم يعطكموها لتكتنزوها )[1].


[1]الفروع من الكافي ج 4 ، ص 32 ، الحديث 5 .