بازدياد مجموع الثروة الكلية في المجتمع .
والمشكلة الاقتصادية ترتبط في التفكير الرأسمالي بندرة الإنتاج ، وعدم سخاء البيعة ، وأحجامها عن تلبية كل الطلبات . ولأجل هذا كان علاج المشكلة مرتبطاً بتنمية الإنتاج ، واستغلال قوة الطبيعة وكنوزها إلى أبعد حد ، بالقضاء على مقاومتها ومضاعفة إخضاعها للانسان .
وللإسلام موقفه المختلف في كل ذلك .
فلا نمو الثروة بشكل منفصل عن التوزيع وعلى أساس الثروة الكلية .
ولا المشكلة الاقتصادية تنبع من ندرة الإنتاج ، ليكن علاجها الأساسي بتنمية مجموع الثروة الكلية .
وفيما يلي تفصيل الموقف الإسلامي .
1 - مفهوم الإسلام عن الثروة :
ففيما يتصل بالنظر إلى الثروة كهدف أصيل يمكننا أن نحدد نظرة الإسلام إلى الثروة في ضوء النصوص التي عالجت هذه الناحية وحاولت أن تشرح المفهوم الإسلامي للثروة .
وهذه النصوص يمكن تصنيفها إلى فئتين . وقد يجد الدارس لأول وهلة تناقضاً بينهما في معطياتهما الفكرية عن الثروة وأهدافها ودورها ، ولكن عملية التركيب بين تلك المعطيات تحل التناقض ، وتبلور المفهوم الكامل للإسلام عن تنمية الثروة بكلا حديه .
ففي إحدى الفئتين تندرج النصوص التالية :
( أ ) قال رسول الله ( ص ) : نعم العون على تقوى الله الغنى[1].
[1]الوسائل ج 12 ، ص 49 ، الحديث 2204 .
( ب ) وعن الإمام الصادق ( ع ) إن نعم العون على الآخرة الدنيا[1].
( ج ) وعن الإمام الباقر ( ع ) إن نعم العون الدنيا على طلب الآخرة[2].
( د ) وعن الرسول ( ص ) : اللهم بارك لنا في الخبز ، ولا تفرق بيننا وبينه ، ولو لا الخبز ما صلّينا ، ولا صمنا ولا أدينا فرائض ربنا[3].
( ه - ) وعن الصادق ( ع ) : لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال ، يكف به وجهه ، ويقضي به دينه ، ويصل به رحمه[4].
( و ) وقال رجل للصادق ( ع ) : والله إنا لنطلب الدنيا ونحب أن نؤتاها فقال له : تحب أن تصنع بها ماذا ؟ فقال أعود بها على نفسي وعيالي وأصل بها وأتصدق بها وأحج واعتمر فقال له الإمام : ليس هذا طلب الدنيا هذا طلب الآخرة[5].
( ز ) وفي الحديث : ليس منا من ترك دنيا لآخرته أو آخرته لدنياه[6].
وتضم الفئة الثانية النصوص الآتية .
أ - عن الرسول ( ص ) : من أحب دنياه أضر بآخرته[7].
ب - وعن الصادق ( ع ) : رأس كل خطيئة حب الدنيا[8].
ج - وعن الصادق أيضاً : أبعد ما يكون العبد من الله إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه[9].
[1]الوسائل ج 12 ، ص 16 ، الحديث 21895 .
[2]المصدر السابق ، الحديث 21898 .
[3]المصدر السابق ، الحديث 21899 .
[4]الوسائل ج 12 ، ص 19 ، الحديث 21905 .
[5]المصدر السابق ، الحديث 218907 .
[6]الوسائل ج 12 ، ص 49 ، الحديث 22022 .
[7]الوسائل ج 11 ، ص 309 ، الحديث 20825 .
[8]الأصول من الكافي ج 2 ن ص 315 ، الحديث 1 .
[9]الوسائل ج 11 ، ص 318 ، الحديث 20854 .
د - وعن أمير المؤمنين علي ( ع ) : أن من أعون الاخلاق على الدين الزهد في الدنيا[1].
ومن اليسير لكل أحد أن يلاحظ التفاوت بين الفئتين ، فالدنيا والثروة والغنى نعم العون على الآخرة في الفئة الأولى ، بينما هي رأس كل خطيئة في الفئة الثانية .
ولكن هذا التناقض يمكن حله بعملية تركيب ، فالثروة وتنميتها نعم العون على الآخرة وهي رأس كل خطيئة لأنها ذات حدين . وإطارها النفسي هو الذي يبرز هذا الحد أو ذاك . فالثروة في رأس الإسلام وتنميتها هدف من الأهداف المهمة ولكنه هدف طريق لا هدف غاية فليس الثروة وإنما هي وسيلة يؤدي بها الإنسان الإسلامي دور لخلافة ، ويستخدمها في سبيل تنمية جميع الطاقات الإسلامية دور الخلافة ، ويستخدمها في مجالاتها المعنوية والمادية فتنمية الثروة والإنتاج لتحقيق الهدف الأساسي من خلافة الانسان في الأرض هي نعم العون على الآخرة ، ولا خير فيمن لا يسعى إليها ، وليس من المسلمين بوصفهم حملة رسالة في الحياة من تركها وأهملها . واما تنمية الثروة والإنتاج لأجل الثروة بذاتها ، وبوصفها المجال الأساسي الذي يمارس الانسان في حياته ويغرق فيه ، فهي رأس كل خطيئة ، وهي التي تبعد الانسان عن ربه ، ويجب الزهد فيها .
فالإسلام يريد من الانسان الإسلامي أن ينمي الثروة ليسطر عليها ، وينتفع بها في تنمية وجوده ككل ، لا لتسيطر عليه الثروة ، وتستلم منه زمام القيادة ، وتمحو من أمامه الأهداف الكبرى[2].
فالثروة وأساليب تنميتها التي تحجب الانسان الإسلامي عن ربه ، وتنسيه أشواقه الروحية ، وتعطل رسالته الكبرى في إقامة العدل على هذا الكوكب ، وتشده إلى الأرض لا يقرها الإسلام . والثروة وأساليب التنمية التي تؤكد صلة الانسان الإسلامي
[1]الوسائل ج 11 ، ص 311 ، الحديث 20830 .
[2]لاحظ الوسائل ج 12 ، ص 16 و 19 .
بربه المنعم عليه ، وتهئ له عبادته في يسر ورخاء ، وتفسح المجال أمام كل مواهبه وطاقته للنمو والتكامل ، وتساعد على تحقيق مثله في العدالة والأخوة والكرامة هي الهدف الذي يضعه الإسلام أمام الانسان الإسلامي ، ويدفعه نحوه .
2 - ربط تنمية الإنتاج بالتوزيع :
وفيما يتصل بالفكرة الرأسمالية عن إنماء الإنتاج التي تنظر إلى عملية تنمية الثروة بصورة منفصلة عن نوع توزيعها فان الإسلام يرفض هذه النظرة ويربط تنمية الثروة كهدف بالتوزيع ومدى ما يحقق نمو الثروة لأفراد الأمة من يسر ورخاء ، لأن تنمية الثروة في مفهوم الإسلام هدف طريق لا هداف غاية كما عرفنا في الفقرة السابقة ، فما لم تساهم عمليات التنمية في إشاعة اليسر والرخاء بين الافراد ، وتوفر لهم الشروط التي تمكنهم من الانطلاق في مواهبهم الخيّرة وتحقيق رسالتهم ، فلن تؤدي تنمية الثروة دورها الصالح في حياة الانسان .
ولهذا نجد أن كتاب الإمام علي ( ع ) إلى حاكم مصر - الذي حدد فيه الإمام لواليه البرنامج الإسلامي الذي يجب عليه تطبقه - حين أراد أن يتحدث عن تنمية الثروة بوصفها هدفاً من أهداف مجتمع المتقين - على حد تعبير الكتاب - لم يصور تكديساً هائلا لثروة ، وإنما صورة اليسر والرخاء يعم حياة الأفراد جميعاً في مجتمع المتقين . وهذا تأكيد على أن تنمية الثروة ليست هدفاً إلا بمقدار ما تنعكس في حياة الناس ومعيشتهم . وأما حين تنمو الثروة بشكل منفصل عن حياة الناس ، ويكون الجمهور في خدمة هذه التنمية لا التنمية في خدمة الجمهور ، فسوف تكتسب الثروة نوعاً من الصنمية ، وتصبح هدف غاية لا هدف طريق ، ويصدق عليها قول النبي ( ص ) وهو يعبر عن هذا اللون من الثروة ويحذر من أخطارها : إن الدنانير الصفر والدراهم البيض مهلكاكم كما أهلكا من كان قبلكم[1].
وعلى هذا الأساس فالإسلام حين يضع تنمية الإنتاج هدفاً للمجتمع يجعل
[1]الأصول من الكافي ج 2 ص 316 ، الحديث 6 ، مع اختلاف .
نصب عينيه ارتباط هذه التنمية باليسر والرخاء العام . ولهذا يرفض من أساليب التنمية ما يتعارض مع ذلك ، ويضر بالناس بدلاً عن تيسير الحياة لهم .
ويمكننا أن نقدر على هذا الضوء أن الإسلام لو كان قد استلم زمام القيادة بدلاً عن الرأسمالية في عصر ولادة الآلة البخارية ، لما سمح باستعمال الآلة الجديدة ، التي ضاعفت الإنتاج بقدر ما أطاحت بالآلاف من الصناع اليدويين ، إلا بعد أن يتغلب على المشاكل والاضرار التي تجلبها الآلة لهؤلاء ، لأن التنمية التي تحققها الآلة قبل التغلب على تلك المشاكل والاضرار سوف لن تكون هدف طريق بل هدف غاية .
3 - تصور الإسلام للمشكلة الاقتصادية :
وأخيراً فان الإسلام يرى أن المشكلة الاقتصادية القائمة على أساس تصور واقعي للأمور لم تنشأ من ندرة موارد الإنتاج وبخل الطبيعة .
صحيح ان موارد الإنتاج في الطبيعة محدودة ، وحاجات البشر كثيرة ومتنوعة .
وحقاً ان مجتمعنا أسطورياً يتمتع بموارد غير محدودة وافرة وفرة الهواء يظل سليماً من المشاكل الاقتصادية ، ولا يوجد فيه فقير ، لأن كل فرد فيه قادر على إشباع جميع رغباته في هذا الفردوس .
ولكن هذا لا يعني ان المشكلة الاقتصادية التي تعانيها البشرية في الواقع نابعة من عدم وجود هذا الفردوس . بل ليست محاولة تفسيرها على هذا الأساس إلا لوناً من التهرب عن مواجهة الوجه الواقعي للمشكلة القابل للحل بإبراز وجهها الأسطوري الذي لا يمكن حله بحال من الأحوال ، ليكون ذلك مبرراً للاعتراف بحتمية المشكلة وحصر علاجها النسبي في تنمية الإنتاج بوصفها عملية مقصودة بذاتها ، وبالتالي يؤدي ذلك إلى وضع النظام الاقتصادي في إطار المشكلة - بدلاً عن اكتشاف النظام الذي يقضي عليها كما صنعت الرأسمالية حين أبرزت الوجه الأسطوري للمشكلة ، فخيل هلا أن الطبيعة ما دامت بخيلة أو عاجزة عن إشباع حاجات الانسان جميعاً فمن الطبيعي أن تتصادم هذه الحاجات وتتعارض ، وعندئذ
لابد من وضع نظام اقتصادي ينسق تلك الحاجات ويحدد ما يجب إشباعه منها .
إن الإسلام لا يقر ذلك كله ، وينظر إلى المشكلة من ناحيتها الواقعية القابلة للحل كما نجد ذلك في قوله تعالى :
{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ، وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ، وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ ، وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ، وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا . إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }[1].
فان هذه الآيات بعد أن استعرضت مصادر الثروة التي أنعم الله تعالى بها على الانسان أكدت أنها كافية لإشباع الانسان وتحقيق سؤله { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } فالمشكلة الواقعية لم تنشأ عن بخل الطبيعة ، أو عجزها عن تلبية حاجات الانسان . وإنما نشأت من الانسان نفسه كما تقرره الآية الأخيرة ( إن الانسان لظلوم كفار ) . فظلم الانسان في توزيع الثروة وكفرانه للنعمة بعدم استغلال جميع المصادر التي تفضل الله بها عليه استغلالاً تاماً هما السببان المزدوجان للمشكلة التي يعيشها الانسان البائس منذ أبعد عصور التاريخ[2]. وبمجرد تفسير المشكلة على أساس انساني يصبح بالامكان التغلب عليها ، والقضاء على الظلم وكفران النعمة بإيجاد علاقات توزيع عادلة ، وتعبئة كل القوة المادية لاستثمار الطبيعة ، واستكشاف كل كنوزها[3].
[1]إبراهيم / 32 - 34 .
[2]لاحظ الوسائل ج 6 ، ص 4 وج 11 ، ص 249 و 539 .
[3]راجع ص 314 من الكتاب .
الصلة بين الإنتاج والتوزيع هل توجد صلة بين أشكال الإنتاج وعلاقات التوزيع ؟ .
هذا هو السؤال الذي يختلف في الإجابة عليه الإسلام والماركسية ، اختلافاً أساسياً على الصعيد المذهبي للاقتصاد .
فالماركسية تؤكد وجود هذه الصلة ، وتؤمن بأن كل شكل من أشكال الإنتاج يفرض وفقاً لقانون التطور - نوعاً خاصاً من التوزيع وهو النوع الذي ينسجم مع ذلك الشكل من الإنتاج ، ويواكب نموه وتطوره . وإذا اتخذ الإنتاج شكلاً جديداً لا يتفق في حركته مع علاقات التوزيع ، التي فرضها الشكل السابق . . تحتم على علاقات جديدة في التوزيع ، تلائم الشكل السائد من الإنتاج ، وتساعده على النمو والتحرك . وهكذا ترى الماركسية : أن نظام التوزيع يتبع دائما شكل الإنتاج ، ويتكيف وفقاً لحاجاته . وهذه التبعية قانون طبيعي صارم للتاريخ ، لا يمكن تبديله أو تعديله . فالقضية الأساسية في حياة الإنسان هي أن ينتج ، وأن يسير الإنتاج وينموا باطراد . أما كيف يوزع الناتج ؟ . ومن هم الذين يمنحون حق ملكية الوسائل المنتجة ؟ وهل يتم التوزيع على أساس ملكية الرقيق ؟ . . أو الملكية الإقطاعية ، أو الملكية البرجوازية أو ملكية البروليتاريا . ؟ فكل هذا تقرره مصلحة الإنتاج نفسه . فالإنتاج يتخذ في كل مرحلة تاريخية الأسلوب الموقت من التوزيع الذي يمكنه من النمو في إطاره .
وقد درسنا هذه النظرية الماركسية بإسهاب ، في الكتاب الأول من اقتصادنا ، واستطعنا أن نخرج من دراستنا بنتائج معاكسة للنظرية ، تدينها فلسفياً وعلمياً ، وتبرهن على عجزها عن تفسير التاريخ[1]. كما عرفنا في بعض البحوث السابقة موقف الإسلام من هذه النظرية ، ورفضه تبعية التوزيع لشكل الإنتاج[2].
توجيه الإنتاج لضمان عدالة التوزيع :
والإسلام حين ينكر تبعية التوزيع لأشكال الإنتاج ، وتكيفه تبعاً لها بقوة القانون الطبيعي للتاريخ ، كما تزعم الماركسية ، لا يقطع الصلة بالمرة بين التوزيع وشكل الإنتاج . ولكن الصلة في رأس الإسلام بين التوزيع والإنتاج ليست علاقة تبعية موفقاً لقانون طبيعي ، وإنما هي صلة يفرضها المذهب ، ويحدد فيها الإنتاج لحساب التوزيع ، بدلاً عن تكييف التوزيع طبقاً لحاجات الإنتاج ، كما تقرره النظرية الماركسية .
وتقوم الفكرة في هذه الصلة على أساس النقاط التالية :
أولاً : إن الاقتصاد الإسلامي يعتبر قواعد التوزيع التي جاء بها ثابتة وصالحة في كل زمان ومكان[3]، لا يختلف في ذلك عصر الكهرباء والذرة عن عصر البخار ، ولا عصر البخار عن عصر الطاحونة الهوائية والعمل اليدوي .
فعلى كل هذه العصور مثلا - تصح القاعد القائلة : إن من حق العام أن يقطف ثمار عمله .
وثانياً : إن عمليات الإنتاج التي يمارسها الفرد ، تعتبر مرحلة تطبيق لتلك القواعد العامة في التوزيع[4]. فإحياء الأرض الميتة ، واستنباط عين الماء واقتطاع الخشب ، واستخراج المعادن ، كلها عمليات إنتاج . وهي في نفس الوقت تؤدي إلى تطبيق القواعد العامة للتوزيع على الثروات المنتجة . فمجال الإنتاج إذن هو ظرف تطبيق قواعد التوزيع .
[1]راجع ص 53 - 238 من الكتاب .
[2]راجع ص 321 - 330 من الكتاب .
[3]جواهر الكلام ج 36 ، ص 202 و 203 وسفينة البحار ج 1 ، ص 299 .
[4]لاحظ جواهر الكلام ج 36 ، ص 209 و 222 .