بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 638


بربه المنعم عليه ، وتهئ له عبادته في يسر ورخاء ، وتفسح المجال أمام كل مواهبه وطاقته للنمو والتكامل ، وتساعد على تحقيق مثله في العدالة والأخوة والكرامة هي الهدف الذي يضعه الإسلام أمام الانسان الإسلامي ، ويدفعه نحوه .
2 - ربط تنمية الإنتاج بالتوزيع :
وفيما يتصل بالفكرة الرأسمالية عن إنماء الإنتاج التي تنظر إلى عملية تنمية الثروة بصورة منفصلة عن نوع توزيعها فان الإسلام يرفض هذه النظرة ويربط تنمية الثروة كهدف بالتوزيع ومدى ما يحقق نمو الثروة لأفراد الأمة من يسر ورخاء ، لأن تنمية الثروة في مفهوم الإسلام هدف طريق لا هداف غاية كما عرفنا في الفقرة السابقة ، فما لم تساهم عمليات التنمية في إشاعة اليسر والرخاء بين الافراد ، وتوفر لهم الشروط التي تمكنهم من الانطلاق في مواهبهم الخيّرة وتحقيق رسالتهم ، فلن تؤدي تنمية الثروة دورها الصالح في حياة الانسان .
ولهذا نجد أن كتاب الإمام علي ( ع ) إلى حاكم مصر - الذي حدد فيه الإمام لواليه البرنامج الإسلامي الذي يجب عليه تطبقه - حين أراد أن يتحدث عن تنمية الثروة بوصفها هدفاً من أهداف مجتمع المتقين - على حد تعبير الكتاب - لم يصور تكديساً هائلا لثروة ، وإنما صورة اليسر والرخاء يعم حياة الأفراد جميعاً في مجتمع المتقين . وهذا تأكيد على أن تنمية الثروة ليست هدفاً إلا بمقدار ما تنعكس في حياة الناس ومعيشتهم . وأما حين تنمو الثروة بشكل منفصل عن حياة الناس ، ويكون الجمهور في خدمة هذه التنمية لا التنمية في خدمة الجمهور ، فسوف تكتسب الثروة نوعاً من الصنمية ، وتصبح هدف غاية لا هدف طريق ، ويصدق عليها قول النبي ( ص ) وهو يعبر عن هذا اللون من الثروة ويحذر من أخطارها : إن الدنانير الصفر والدراهم البيض مهلكاكم كما أهلكا من كان قبلكم[1].
وعلى هذا الأساس فالإسلام حين يضع تنمية الإنتاج هدفاً للمجتمع يجعل


[1]الأصول من الكافي ج 2 ص 316 ، الحديث 6 ، مع اختلاف .


صفحه 639


نصب عينيه ارتباط هذه التنمية باليسر والرخاء العام . ولهذا يرفض من أساليب التنمية ما يتعارض مع ذلك ، ويضر بالناس بدلاً عن تيسير الحياة لهم .
ويمكننا أن نقدر على هذا الضوء أن الإسلام لو كان قد استلم زمام القيادة بدلاً عن الرأسمالية في عصر ولادة الآلة البخارية ، لما سمح باستعمال الآلة الجديدة ، التي ضاعفت الإنتاج بقدر ما أطاحت بالآلاف من الصناع اليدويين ، إلا بعد أن يتغلب على المشاكل والاضرار التي تجلبها الآلة لهؤلاء ، لأن التنمية التي تحققها الآلة قبل التغلب على تلك المشاكل والاضرار سوف لن تكون هدف طريق بل هدف غاية .
3 - تصور الإسلام للمشكلة الاقتصادية :
وأخيراً فان الإسلام يرى أن المشكلة الاقتصادية القائمة على أساس تصور واقعي للأمور لم تنشأ من ندرة موارد الإنتاج وبخل الطبيعة .
صحيح ان موارد الإنتاج في الطبيعة محدودة ، وحاجات البشر كثيرة ومتنوعة .
وحقاً ان مجتمعنا أسطورياً يتمتع بموارد غير محدودة وافرة وفرة الهواء يظل سليماً من المشاكل الاقتصادية ، ولا يوجد فيه فقير ، لأن كل فرد فيه قادر على إشباع جميع رغباته في هذا الفردوس .
ولكن هذا لا يعني ان المشكلة الاقتصادية التي تعانيها البشرية في الواقع نابعة من عدم وجود هذا الفردوس . بل ليست محاولة تفسيرها على هذا الأساس إلا لوناً من التهرب عن مواجهة الوجه الواقعي للمشكلة القابل للحل بإبراز وجهها الأسطوري الذي لا يمكن حله بحال من الأحوال ، ليكون ذلك مبرراً للاعتراف بحتمية المشكلة وحصر علاجها النسبي في تنمية الإنتاج بوصفها عملية مقصودة بذاتها ، وبالتالي يؤدي ذلك إلى وضع النظام الاقتصادي في إطار المشكلة - بدلاً عن اكتشاف النظام الذي يقضي عليها كما صنعت الرأسمالية حين أبرزت الوجه الأسطوري للمشكلة ، فخيل هلا أن الطبيعة ما دامت بخيلة أو عاجزة عن إشباع حاجات الانسان جميعاً فمن الطبيعي أن تتصادم هذه الحاجات وتتعارض ، وعندئذ


صفحه 640


لابد من وضع نظام اقتصادي ينسق تلك الحاجات ويحدد ما يجب إشباعه منها .
إن الإسلام لا يقر ذلك كله ، وينظر إلى المشكلة من ناحيتها الواقعية القابلة للحل كما نجد ذلك في قوله تعالى :
{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ، وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ، وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ ، وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ، وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا . إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }[1].
فان هذه الآيات بعد أن استعرضت مصادر الثروة التي أنعم الله تعالى بها على الانسان أكدت أنها كافية لإشباع الانسان وتحقيق سؤله { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } فالمشكلة الواقعية لم تنشأ عن بخل الطبيعة ، أو عجزها عن تلبية حاجات الانسان . وإنما نشأت من الانسان نفسه كما تقرره الآية الأخيرة ( إن الانسان لظلوم كفار ) . فظلم الانسان في توزيع الثروة وكفرانه للنعمة بعدم استغلال جميع المصادر التي تفضل الله بها عليه استغلالاً تاماً هما السببان المزدوجان للمشكلة التي يعيشها الانسان البائس منذ أبعد عصور التاريخ[2]. وبمجرد تفسير المشكلة على أساس انساني يصبح بالامكان التغلب عليها ، والقضاء على الظلم وكفران النعمة بإيجاد علاقات توزيع عادلة ، وتعبئة كل القوة المادية لاستثمار الطبيعة ، واستكشاف كل كنوزها[3].


[1]إبراهيم / 32 - 34 .
[2]لاحظ الوسائل ج 6 ، ص 4 وج 11 ، ص 249 و 539 .
[3]راجع ص 314 من الكتاب .


صفحه 641


الصلة بين الإنتاج والتوزيع هل توجد صلة بين أشكال الإنتاج وعلاقات التوزيع ؟ .
هذا هو السؤال الذي يختلف في الإجابة عليه الإسلام والماركسية ، اختلافاً أساسياً على الصعيد المذهبي للاقتصاد .
فالماركسية تؤكد وجود هذه الصلة ، وتؤمن بأن كل شكل من أشكال الإنتاج يفرض وفقاً لقانون التطور - نوعاً خاصاً من التوزيع وهو النوع الذي ينسجم مع ذلك الشكل من الإنتاج ، ويواكب نموه وتطوره . وإذا اتخذ الإنتاج شكلاً جديداً لا يتفق في حركته مع علاقات التوزيع ، التي فرضها الشكل السابق . . تحتم على علاقات جديدة في التوزيع ، تلائم الشكل السائد من الإنتاج ، وتساعده على النمو والتحرك . وهكذا ترى الماركسية : أن نظام التوزيع يتبع دائما شكل الإنتاج ، ويتكيف وفقاً لحاجاته . وهذه التبعية قانون طبيعي صارم للتاريخ ، لا يمكن تبديله أو تعديله . فالقضية الأساسية في حياة الإنسان هي أن ينتج ، وأن يسير الإنتاج وينموا باطراد . أما كيف يوزع الناتج ؟ . ومن هم الذين يمنحون حق ملكية الوسائل المنتجة ؟ وهل يتم التوزيع على أساس ملكية الرقيق ؟ . . أو الملكية الإقطاعية ، أو الملكية البرجوازية أو ملكية البروليتاريا . ؟ فكل هذا تقرره مصلحة الإنتاج نفسه . فالإنتاج يتخذ في كل مرحلة تاريخية الأسلوب الموقت من التوزيع الذي يمكنه من النمو في إطاره .


صفحه 642


وقد درسنا هذه النظرية الماركسية بإسهاب ، في الكتاب الأول من اقتصادنا ، واستطعنا أن نخرج من دراستنا بنتائج معاكسة للنظرية ، تدينها فلسفياً وعلمياً ، وتبرهن على عجزها عن تفسير التاريخ[1]. كما عرفنا في بعض البحوث السابقة موقف الإسلام من هذه النظرية ، ورفضه تبعية التوزيع لشكل الإنتاج[2].
توجيه الإنتاج لضمان عدالة التوزيع :
والإسلام حين ينكر تبعية التوزيع لأشكال الإنتاج ، وتكيفه تبعاً لها بقوة القانون الطبيعي للتاريخ ، كما تزعم الماركسية ، لا يقطع الصلة بالمرة بين التوزيع وشكل الإنتاج . ولكن الصلة في رأس الإسلام بين التوزيع والإنتاج ليست علاقة تبعية موفقاً لقانون طبيعي ، وإنما هي صلة يفرضها المذهب ، ويحدد فيها الإنتاج لحساب التوزيع ، بدلاً عن تكييف التوزيع طبقاً لحاجات الإنتاج ، كما تقرره النظرية الماركسية .
وتقوم الفكرة في هذه الصلة على أساس النقاط التالية :
أولاً : إن الاقتصاد الإسلامي يعتبر قواعد التوزيع التي جاء بها ثابتة وصالحة في كل زمان ومكان[3]، لا يختلف في ذلك عصر الكهرباء والذرة عن عصر البخار ، ولا عصر البخار عن عصر الطاحونة الهوائية والعمل اليدوي .
فعلى كل هذه العصور مثلا - تصح القاعد القائلة : إن من حق العام أن يقطف ثمار عمله .
وثانياً : إن عمليات الإنتاج التي يمارسها الفرد ، تعتبر مرحلة تطبيق لتلك القواعد العامة في التوزيع[4]. فإحياء الأرض الميتة ، واستنباط عين الماء واقتطاع الخشب ، واستخراج المعادن ، كلها عمليات إنتاج . وهي في نفس الوقت تؤدي إلى تطبيق القواعد العامة للتوزيع على الثروات المنتجة . فمجال الإنتاج إذن هو ظرف تطبيق قواعد التوزيع .


[1]راجع ص 53 - 238 من الكتاب .
[2]راجع ص 321 - 330 من الكتاب .
[3]جواهر الكلام ج 36 ، ص 202 و 203 وسفينة البحار ج 1 ، ص 299 .
[4]لاحظ جواهر الكلام ج 36 ، ص 209 و 222 .


صفحه 643


وثالثاً : إن الإنتاج إذا ارتفع مستواه ، وازدادت وسائله وإمكاناته . . نمت سيطرة الانسان على الطبيعة ، وأصبح ، بإمكان الفرد المجهز بقوى الإنتاج أن يمارس نشاطه في نطاق أوسع من المجالات التي كانت تتاح له قبل نمو الإنتاج وارتفاع مستواه[1].
وتعلية على هذه النقاط نعرف : إن تطور الإنتاج ونمو قواه ، يتيح للانسان أكثر فأكثر استغلال القواعد العامة للتوزيع في مرحلة التطبيق ، خلال عمليات الإنتاج التي يمارسها . وقد يبلغ هذا الاستغلال إلى درجة تشكل خطراً على التوازن العام ، ومثل العدالة الاجتماعية في الإسلام .
ولنأخذ مثالاً على ذلك من إحياء الأرض : فان الانسان في عصور العمل اليدوي ، لم يكن يستطيع أن يحيي مساحات شاسعة من الأرض ، لأن النظرية لا تأذن له باستخدام الأجراء في هذا السبيل ، وهو لا يمكنه بأدوات عصر ما قبل الآلة ان يباشر الاحياء إلا في حدود خاصة ، ولهذا لم يكن قي مقدوره أن يسيء استغلال القواعد العامة للتوزيع في مرحلة التطبيق ولا أن يمتلك مساحات خطيرة من الأرض ، وفقاً للقاعدة التي تمنح المحيي حقاً في الأرض التي أحياها . ولكن عصر الآلة يمد الفرد بالقدرة على إحياء تلك المساحات الخطيرة ، وإساءة استغلال القواعد العامة للتوزيع في مرحلة التطبيق ، فلا بد في هذه الحالة ، توجيه التطبيق الوجهة التي تتفق مع مثل العدالة الاجتماعية في الإسلام .
ومن هنا نشأت الصلة المذهبية في الإسلام ، بين الإنتاج والتوزيع ، ومردها في الحقيقة على فكرة التطبيق الموجه ، التي تحدد الإنتاج ، بوصفه عملية تطبق لقواعد التوزيع ، تحديداً يضمن عدالة التوزيع واتساقه مع مثل الإسلام وأهدافه .
وقد جسد الإسلام فكرة التطبيق الموجه التي تحدد الإنتاج لحساب التوزيع ، في إعطاء ولي الأمر الحق في التدخل للحد من تطبيق القاعدة والمنع عن الأعمال التي تؤدي إلى استغلال قواعد التوزيع استغلالاً سيئاً ، ففي مثال الأرض الذي قدمناه ، يملك ولي الأمر الحق في منع الفرد من ممارسة الاحياء ، إلا في حدود تعيين وفقاً


[1]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 253 .


صفحه 644


لتصور الإسلام للعدالة الاجتماعية كما يقرره مبدأ تدخل الدولة الذي سوف ندرسه بتفصيل في بحث مقبل[1].
وهكذا نعرف أن تطور الإنتاج ونموه ، قد يفرض على ولي الأمر التدخل في توجيه الإنتاج ، والتحديد من مجالات تطبيق القواعد العامة للتوزيع ، دون أن يمس جوهر القواعد نفسها .
وهذا يعني أن مبدأ تدخل الدولة الذي يسمح لها بتوجيه التطبيق ، هو القاعدة التي ضمن بها الإسلام صلاحية قواعده العامة في التوزيع ، وانسجامها مع تصوراته للعدالة الاجتماعية في كل زمان ومكان[2].


[1]ص 685 من الكتاب .
[2]لاحظ الأصول من الكافي ج 1 ، ص 405 ، وعلل الشرائع ج 1 ، ص 253 ، وتحف العقول ص 357 ، وإيصال الطالب ج 7 ، ص 180 .


صفحه 645


الصلة بين الإنتاج والتداول الإنتاج كما نعرف هو : عملية تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الانسان ( 1 ) .
والتداول بمعناه المادي : نقل الأشياء من مكان إلى آخر ، وبمعناه القانوني - وهو الذي نقصده بهذا البحث - يعبر عن : مجموع عمليات التجارة التي تتم عن طريق عقود المقايضة ، من بيع ونحوه .
( 1 ) وبالتعبير التقليدي في الاقتصاد هو : خلق منفعة جديدة :
وإنما آثرنا التعبير الأول في تعريف الإنتاج ، لأن الذين يعرفونه بالصيغة الثانية ، يقعون في تعميم غير مقصود ، لأنهم يفسرون المنفعة بأنها صفة في الشيء ، تجعله صالحاً لإشباع أي حاجة كانت . ويقولون : إن هذه الصفة ليست صفة ذاتية أو موضوعية في الشيء ، وإنما تتولد عن مجرد الرغبة فيه ، ولو كانت الرغبة تقوم على خطأ في تقدير لا موقف ، كالرغبة في عقاقير نتيجة لاعتقاد خاطئ بأثرها في الوقاية من الوباء .
وتعريف الإنتاج والمنفعة بهذا الشكل ، يدرج في الإنتاج : عمل الفرد في إقناع الجمهور بفائدة مادة معينة في الوقاية أو العلاج لأن هذا العمل يخلق منفعة جديدة ويؤدي إلى تمتع تلك المادة بصفة إشباع لرغبة عامة ، بالرغم من أن الفرد لم يمارس المدة في أي نشاط اقتصادي .
وهذا هو التعميم الذي يمنى به التعريف التقليدي . ولهذا قلنا : ان الإنتاج هو تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الانسان . وبهذا يتوقف اكتساب العمل طابع الإنتاج على خلقه المنفعة وممارسته للطبيعة بلون من الألوان .