بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 64


والقوى الرئيسية التي تعمل في المجتمع .
فهل هي القوى المنتجة ؟ ، أو الأفكار ؟ ، أو الدم ؟ أو الأوضاع الطبيعية ؟ ، أو كل هذه الأسباب مجتمعة ؟ . والجواب على هذا السؤال - أياً كان اتجاهه - لا يخرج عن كونه تفسيراً للتأريخ ، قائماً على أساس الإيمان بحقيقة الأحداث التأريخية وتتابعها وفقاً لمبدأ العلية .
وفيما يلي سنتناول المادية التأريخية ، بصفتها طريقة عامة في فهم التاريخ وتفسيره وندرسها :
أولاً : على ضوء الأسس الفلسفية والمنطقية ، التي يتكون منها مفهوم الماركسية العام عن الكون .
وثانياً : بما هي نظرية عامة تحاول استيعاب التأريخ الإنساني .
وثالثاً : بتفاصيلها ، التي تحدد مراحل التأريخ البشري ، والقفزات الاجتماعية على رأس كل مرحلة .


صفحه 65


< فهرس الموضوعات > 2 - النظرية على ضوء الأسس الفلسفية < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > في ضوء المادية الفلسفية < / فهرس الموضوعات > النظرية على ضوء الأسس الفلسفية في ضوء المادية الفلسفية تؤمن الماركسية ، بأن التفسير المادي للتأريخ ، من أهم مزايا المادية الحديثة . إذ لا يمكن بدونه ، اعطاء التأريخ تفسيراً صحيحاً ، يتجاوب مع المادي صادقاً - في رأي الماركسية - على الوجود ، بصورة عامة ، فيجب أن يصدق بالنسبة إلى التاريخ ، لأن التأريخ ليس إلا جانباً من جوانب الوجود العام .
وعلى هذا الأساس ، تعيب الماركسية على مادية القرن الثامن العشر ، موفقها من تفسير التأريخ ، لأن مادية القرن الثامن عشر الميكانيكية ، لم توفق إلى هذا الكشف المادي الجبار ، في الحقل التاريخي ، بل كانت مثالية في مفاهيمها عن التاريخ ، بالرغم من اعتناقها المادية في المجال الكوني العام . ولماذا كانت في مفهومها التاريخي مثالية ؟ . كانت كذلك - في رأي الماركسية - لأنها آمنت بالأفكار والمحتويات الروحية للإنسان . ومنحتها دوراً رئيسياً في التاريخ ، ولم تستطع خلال العلاقات الاجتماعية ، التي كانت تعيشها ، أن تتخطى هذه العوامل المثالية . إلى السبب الأعمق ، إلى القوى المادية ، الكامنة في وسائل الإنتاج . فلم تصل لأجل هذا ، إلى العلة المادية للتاريخ ، ولم يحالفها التوفيق في وضع تصميم علمي ، لمادية تاريخية ، تتجاوب مع المادية الكونية . وإنما ظلت تتعلق بالتفسيرات المثالية السطحية ، التي تدرس السطح التاريخي


صفحه 66


ولا ينفذ إلى الأعماق . قال أنجلز :
( ( وبالنسبة الينا نجد في ميدان التاريخ ، أن المادية القديمة ، لا تصدق مع ذاتها ، لأنها تعتبر القوى المثالية المحركة في التاريخ عللا نهائية ، وذلك بدلاً من البحث عما وراءها أي البحث عن القوى المحركة الفعلية ، الكامنة وراء هذه القوى المثالية فحسب ، بل في عدم مواصلة البحث وراء هذه القوى ، حتى يمكن إزاحة الستار عن العلل المحركة ) )[1].
وأنا لا أريد في مجال بحثي هذا أن أتناول المادية الفلسفية ، لأن ذلك ما قمت به في الحلقة الأولى ( فلسفتنا ) . وإنما أقصد أن أدرس هذا الربط ، الذي تزعمه الماركسية ، أو بعض كتّابها ، بين المادية الفلسفية ، والمادية التأريخية ، بطرح السؤال التالي : هل من الضروري ، على أساس المادية الفلسفية ، أن نفسر التاريخ كما تفسره الماركسية ، ونشد عجلته منذ فجر الحياة إلى الأبد ، بوسائل الإنتاج ؟ .
ولدى الجواب على هذا السؤال ، يجب أن نميز بوضوح ، المفهوم الفلسفي للمادية ، عن مفهومها التاريخي عند الماركسية . فإن التباس أحد المفهومين بالآخر ، هو الذي أدى إلى التأكيد الآنف الذكر : على الارتباط بينهما ، وعلى أن كل فلسفة مادية لا تتبنى تفكير ماركس للتاريخ فهي لا تستطيع أن تقف على قدميها ، في ميدان البحث التاريخي ، ولا أن تتحرر من المثالية ، في مفاهيمها التاريخية ، تحرراً نهائياً .
والحقيقة هي : أن المادية بمفهومها الفلسفي ، تعني أن المادية بظواهرها المتنوعة ، هي الواقع الوحيد ، الذي يشمل كل ظواهر العالم ، وألوان الوجود فيه . وليست الروحيات ، وكل ما يدخل في نطاقها ، من أفكار ، ومشاعر ، وتجريدات ، إلا نتاجاً مادياً ، وحصيلة للمادة في درجات خاصة ، من تطورها ونموها . فالفكر مهما بدا رفيعاً وعالياً عن مستوى المادة فهو لا يبدو في منظار المادية الفلسفية ، إلا نتاجاً للنشاط الوظيفي للدماغ . ولا يوجد واقع خارج حدود المادة ، ووجوهها المختلفة ،


[1]التفسير الاشتراكي للتاريخ : ص 57 .


صفحه 67


وليست هي بحاجة إلى أي معنى لا مادي .
فأفكار الإنسان ومحتوياته الروحية ، والطبيعية التي يمارسها على أساس هذا المفهوم الفلسفي ، ليست كلها إلا أوجهاً مختلفة للمادة ، وتطوراتها ونشاطاتها .
هذه هي المادية الفلسفية ، ونظرتها العامة إلى الإنسان والكون . ولا يختلف في حساب هذه النظرة الفلسفية ، أن يكون الإنسان نتاجاً للشروط المادية ، والقوى المنتجة ، أو أن تكون شروط الإنتاج وقواه ، نتاجاً للإنسان . فما دام الإنسان ، وأفكاره . والطبيعة ، وقواها المنتجة ، كلها ضمن حدود المادة - كما تزعم المادية الفلسفية - فلا يضيرها من ناحية فلسفية أن يبدأ التفسير التاريخي ، بأي حلقة من الحلقات ، فيعتبرها الحلقة الأولى في التسلسل الاجتماعي . فكما يصح أن نبدأ بالأداة المنتجة ، فنسبغ عليها صفة الألوهية للتاريخ ، ونعتبرها السبب الأعلى ، لكل التيارات التاريخية . كذلك يمكن - من وجهة النظر المادية الفلسفية - أن نبدأ بالإنسانية ، بصفتها نقطة الابتداء في تفسير التاريخ فكلاهما في حساب المادية الفلسفية سواء .
وبهذا يتضح أن الاتجاه المادي في الفلسفة ، الذي يفسر الإنسان والطبيعة تفسيراً مادياً ، لا يحتم مفهوم الماركسية عن التاريخ ، ولا يفرض النزول بالإنسان ، إلى درجة ثانوية في السلم التاريخي ، واعتباره عجينة رخوة تكيفها أدوات الإنتاج كما تشاء .
فالمسألة التاريخية إذن ، يجب أن تدرس بصورة مستقلة ، عن المسألة الفلسفية للكون .
في ضوء قوانين الديالكتيك :
إن قوانين الديالكتيك ، هي القوانين التي تفسر كل تطور وصيرورة ، بالصراع بين الأضداد ، في المحتوى الداخل للأشياء . فكل شيء يحمل في صميمه جرثومة نقيضة ، ويخوض المعركة مع النقيض ، ويتطور طبقاً لظروف الصراع[1].
والماركسية تتجه في مفهومها الخاص ، إلى تطبيق قوانين الديالكتيك هذه ، على الصعيد الاجتماعي ، واستعمال الطريقة الديالكتيكية ، في تحليل الأحداث التاريخية ،


[1]لاحظ ( فلسفتنا ) : ص 174 - 242 .


صفحه 68


فهي ترى أن التناقض الطبقي في صميم المجتمع ، تعبير عن قانون التناقضات في الديالكتيك ، القائل : إن كل شيء يحتوي في أعماقه ، على تناقضات وأضداد . وتنظر إلى التطور الاجتماعي ، بوصفه حركة ديناميكية ، منبثقة عن التناقضات الداخلية ، طبقاً لقانون الحركة الديالكتيكية العام ، القائل : أن كل كائن يتطور ، لا بحركة ميكانيكية وقوة خارجية تدفعه من ورائه . بل بسبب التناقضات التي تنمو في صميمه وتنفجر . وتؤمن بتراكم التناقضات الطبقية ، شيئاً فشيئاً ، حتى تحين اللحظة المناسبة للتتفجر عن تحول شامل ، في بناء المجتمع ونظامه ، وفقاً للقانون الديالكتيكي ، القائل : إن التغيرات الكمية التدريجية ، تتحول إلى تغير كيفي ماديتها التاريخية - حقلاً خصباً ، لقوانين الديالكتيك العامة .
ولنقف لحظة لنتبين مدى التوفيق ، الذي أحرزته الماركسية في ديالكتيكها التاريخي ؟ . إن الماركسية استطاعت ، أن تجعل من طريقتها في التحليل التاريخي ، طريقة ديالكتيكية إلى حد ما . ولكنها تناقضت في النتائج التي انتهت إليها ، مع طبيعة الديالكتيك . وبهذا كانت ديالكتيكية في طريقتها ، ولم تكن كذلك في مضمونها النهائي ، ونتائجها الحاسمة ، كما سنرى .
أ - ديالكتيكية الطريقة :
لم تقتصر الماركسية على الطريقة الديالكتيكية ، في البحث التاريخي ، بل اتخذتها شعاراً لها في بحوثها التحليلية ، لكل مناحي الكون والحياة ، كما مر في ( فلسفتنا ) . غير أنها لم تنج بصورة نهائية ، من التذبذب بين تناقضات الديالكتيكية ، وقانون العلية ، فهي بوصفها ديالكتيكية ، تؤكد : أن النمو والتطور ينشأ عن التناقضات الداخلية فالتناقض الداخلي ، هو الكفيل بأن يفسر كل ظاهرة من ظواهر الكون ، دون الحاجة إلى قوة أو علة خارجية ، ومن ناحية أخرى تعترف : بعلاقة العلة والمعلول ، وتفسير هذه الظاهرات أو تلك بأسباب خارجية ،


صفحه 69


وليس بالتناقضات المخزونة في أعماقها . وهذا التذبذب ينعكس في تحليلها التاريخي أيضاً . فهي بينما تصر على وجود تناقضات جذرية ، في صميم كل ظاهرة اجتماعية : كفيلة بتطويرها وحركتها ، تقرر من ناحية أخرى . إن الصرح الاجتماعي الهائل ، يقوم كله على قاعدة واحدة ، وهي قوى الإنتاج ، وطريقته الخاصة ، وإن الأوضاع السياسية ، والاقتصادية ، والفكرية ، وغيرها . . ليست إلا بنى فوقية في ذلك الصرح ، وانعكاسات بشكل آخر لطريقة الإنتاج ، التي قام البناء عليها . فالعلاقة إذن بين هذه البنى المتنوعة الألوان ، وبين طريقة الإنتاج ، هي علاقة معلولة بعلة . ويعني هذا ، أن الظاهرات الاجتماعية الفوقية ، لم تنشأ بطريقة ديالكتيكية ، وفقاً للتناقضات الداخلية فيها ، وإنما وجدت بأسباب خارجة عن محتواها الداخلي ، وبتأثير القاعدة فيها . بل إنا نجد أكثر من هذا ، فإن التناقض الذي يطور المجتمع - في رأي الماركسية - ليس هو التناقض الطبقي بين علاقات الملكية القديمة وقوى الإنتاج الجديد . فهناك إذن شيئان مستقلان ، يقوم التناقض بينهما ، لا شيء واحد يحمل في صميمه نقضيه .
وكأن الماركسية أدركت موقفها هذا المتأرجح ، بين التناقضات الداخلية ، وقانون العلية ، وحاولت أن توفق بين الأمرين . فأعطت العلة والمعلول مفهوماً ديالكتيكياً ، ورفضت مفهومهما الميكانيكي ، وسمحت لنفسها على هذا الأساس ، أن تستعمل في تحليلها طريقة العلة والمعلول ، في إطارهما الديالكتيكي الخاص . فالماركسية ترفض السببية التي تسير على خط مستقيم ، والتي تظل فيها العلة خارجية بالنسبة إلى معلولها ، والمعلول سلبياً بالنسبة إلى علته . لأن هذه السببية تتعارض مع الديالكتيك ، مع عملية النمو والتكامل الذاتي في الطبيعة . إذ ان المعلول طبقاً لهذه السببية ، لا يمكن أن يجيء حينئذ أثرى من علته . وأكثر نمواً . لأن هذه الزيادة في الثراء والنمو ، تبقى دون تعليل . وأما المعلول الذي يولد من نقيضه ، فيتطور وينمو بحركة داخلية ، طبقاً لما يحتوي من تناقضات ، ليعود إلى النقيض الذي أولده ، فيتفاعل معه ، ويحقق عن


صفحه 70


طريقة الاندماج به ، مركباً جديداً ، أكثر اغتناء وثراءً ، من العلة والمعلول منفردين . فهذا هو ما تعنيه الماركسية بالعلة والمعلول ، لأن يتفق مع الديالكتيك ، ويعبر عن الثالوث الديالكتيكي : ( ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) )[1]. فالعلة هي الأطروحة ، والمعلول هو الطباق ، والمجموع المترابط منهما هو التركيب . والعلية هنا عملية نمو وتكامل ، عن طريق ولادة المعلول من العلة ، أي الطباق من الأطروحة . والمعلول في هذه العملية لا يولد سلبياً ، بل يولد مزوداً بتناقضاته الداخلية ، التي تنميه وتجعله يحتضن علته إليه ، في مركب أرقى وأكمل .
وقد استعملت الماركسية علاقات العلة والمعلول ، بمفهومها الديالكتيكي هذا في المجال التاريخي . فلم تشذ بصورة عامة عن الطريقة الديالكتيكية التي تتبناها ، وإنما فسرت المجتمع على أساس أن له قاعدة ، تقوم عليها ظواهر فوقية ، تنشأ عن تلك القاعدة ، وتنمو وتتفاعل مع القاعدة وتنتج عن التأثير المتبادل ، مراحل التطور الاجتماعي ، طبقاً لقصة الأطروحة والطباق والتركيب ( الإثبات ، والنفي ، ونفي النفي ) .
وينطبق هذا الوصف على الماركسية ، إذا استثنينا بعض الحالات ، التي سجلت فيها الماركسية فشلها في تفسير الحدث التاريخي ، بالطريقة الديالكتيكية فاضطرت إلى تفسير التطور الاجتماعي ، والأحداث التاريخية ، في تلك الحالات ، تفسيراً ميكانيكياً ، وإن لم تسمح لنفسها بالاعتراف بهذا الفشل . فلقد كتب أنجلز يقول :
( ( كان في إمكان المجتمعات البدائية القديمة ، التي ذكرناها آنفاً ، أن تظل باقية في الوجود لعدة آلاف من السنين ، كما هي الحال في الهند وبين السلفيين إلى يومنا هذا قبل أن يؤدي تعاملها مع العالم الخارجي ، إلى أن تنشأ في أوساطها اللا مساواة في الملكية ، التي ينجم عنها شروع هذه المجتمعات في التفكك ) )[2].


[1]لاحظ ( فلسفتنا ) ص 176 و 177 .
[2]ضد دوهرنك : ج 2 ص 8 .


صفحه 71


ب - تزييف الديالكتيك التاريخي :
ومن الضروري أن نشير بهذا الصدد ، إلى رأينا في الطريقة الديالكتيكية والسببية بمعناها الديالكتيكي ، وهو : أن هذه السببية القائمة على أساس التناقض ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) لا تستند إلى العلم ، ولا إلى التحليل الفلسفي ، ولا توجد تجربة واحدة في الحقل العلمي يمكن أن تبرهن على هذا اللون من السببية كما يرفضها البحث الفلسفي رفضاً تاماً . ولا نريد التوسع في درس هذه النقطة ، لأننا قمنا بدراسة مفصلة لذلك ، في نقدنا العام للديالكتيك . ( راجع فلسفتنا ) . وإنما يعنينا ونحن في المجال التاريخي ، أن نعرض نموذجاً للديالكتيك التاريخي ، إذ حاول أن يصطنع الديالكتيك ، في تفسير تطور المجتمع إلى رأسمالي ، ثم إلى الاشتراكية .
فكتب يقول - عن ملكية الصانع الخاصة لوسائل إنتاجه :
( ( إن الاستملاك الرأسمالي ، المطابق لنمو الإنتاج الرأسمالي . يشكّل النفي الأول لهذه الملكية الخاصة ، التي ليست إلا تابعاً للعمل المستقل الفردي . ولكن الإنتاج الرأسمالي ينسل هو ذاته ، نفيه بالحتمية ذاتها . التي تخضع لها تطورات الطبيعة . إنه نفي النفي . وهو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة ، بل ملكيته الفردية ، المؤسسة على مقتنيات ومكاسب العصر الرأسمالي ، وعلى التعاون والملكية المشتركة ، لجميع وسائل الإنتاج بما فيها الأرض ) )[1].
هل رأيتم كيف ينمو المعلول ، حتى يندمج مع علته في تركيب أغنى وأكمل ؟ . إن ملكية الصانع أو الحرفي الصغير ، لوسائل إنتاجه ، هي الأطروحة والعلة . وانتزاع الرأسمالي لتلك الوسائل منه ، وتملكه لا ، هو الطباق والمعلول . وحيث إن المعلول ينمو ويزدهر ، ويؤلف مع العلة تركيباً أكمل ، فإن الملكية الرأسمالية تتمخض عن


[1]( رأس المال ) ج 3 ، ق 2 ، ص 138 .