بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 644


لتصور الإسلام للعدالة الاجتماعية كما يقرره مبدأ تدخل الدولة الذي سوف ندرسه بتفصيل في بحث مقبل[1].
وهكذا نعرف أن تطور الإنتاج ونموه ، قد يفرض على ولي الأمر التدخل في توجيه الإنتاج ، والتحديد من مجالات تطبيق القواعد العامة للتوزيع ، دون أن يمس جوهر القواعد نفسها .
وهذا يعني أن مبدأ تدخل الدولة الذي يسمح لها بتوجيه التطبيق ، هو القاعدة التي ضمن بها الإسلام صلاحية قواعده العامة في التوزيع ، وانسجامها مع تصوراته للعدالة الاجتماعية في كل زمان ومكان[2].


[1]ص 685 من الكتاب .
[2]لاحظ الأصول من الكافي ج 1 ، ص 405 ، وعلل الشرائع ج 1 ، ص 253 ، وتحف العقول ص 357 ، وإيصال الطالب ج 7 ، ص 180 .


صفحه 645


الصلة بين الإنتاج والتداول الإنتاج كما نعرف هو : عملية تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الانسان ( 1 ) .
والتداول بمعناه المادي : نقل الأشياء من مكان إلى آخر ، وبمعناه القانوني - وهو الذي نقصده بهذا البحث - يعبر عن : مجموع عمليات التجارة التي تتم عن طريق عقود المقايضة ، من بيع ونحوه .
( 1 ) وبالتعبير التقليدي في الاقتصاد هو : خلق منفعة جديدة :
وإنما آثرنا التعبير الأول في تعريف الإنتاج ، لأن الذين يعرفونه بالصيغة الثانية ، يقعون في تعميم غير مقصود ، لأنهم يفسرون المنفعة بأنها صفة في الشيء ، تجعله صالحاً لإشباع أي حاجة كانت . ويقولون : إن هذه الصفة ليست صفة ذاتية أو موضوعية في الشيء ، وإنما تتولد عن مجرد الرغبة فيه ، ولو كانت الرغبة تقوم على خطأ في تقدير لا موقف ، كالرغبة في عقاقير نتيجة لاعتقاد خاطئ بأثرها في الوقاية من الوباء .
وتعريف الإنتاج والمنفعة بهذا الشكل ، يدرج في الإنتاج : عمل الفرد في إقناع الجمهور بفائدة مادة معينة في الوقاية أو العلاج لأن هذا العمل يخلق منفعة جديدة ويؤدي إلى تمتع تلك المادة بصفة إشباع لرغبة عامة ، بالرغم من أن الفرد لم يمارس المدة في أي نشاط اقتصادي .
وهذا هو التعميم الذي يمنى به التعريف التقليدي . ولهذا قلنا : ان الإنتاج هو تطوير الطبيعة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الانسان . وبهذا يتوقف اكتساب العمل طابع الإنتاج على خلقه المنفعة وممارسته للطبيعة بلون من الألوان .


صفحه 646


ومن الواضح : أن التداول بمعناه المادي نوع من عمليات الإنتاج . لأن نقل الثروة من مكان إلى مكان يخلق في كثير من الأحيان منفعة جديدة ويعتبر تطويراً للمادة إلى شكل أفضل بالنسبة إلى حاجات الانسان ، سواء كان النقل عمودياً - كما في الصناعات الاستخراجية ، التي يمارس الإنتاج فيها عملية نقل المواد الأولية من أعماق الأرض إلى سطحها - أو أفقياً كما في نقل السلع المنتجة إلى الأماكن القريبة من المستهلكين ، واعدادها في متناول أيديهم ، فإن نقلهم بهذا الشكل نوع من التطوير إلى شكل أفضل ، بالنسبة إلى حاجات الانسان .
وأما التداول بمعناه القانوني ، ونقل الحقوق أو الملكية من فرد لآخر ، كما نشاهد في عمليات التجارة ، فهو بوصفه عملية قانونية لابد أن يكتسب مفهومه ، وتحدد علاقته بالإنتاج على أساس مذهبي .
ولهذا يمكننا أن ندرس رأس الإسلام في الصلة بين الإنتاج والتداول وطبيعة العلاقة التي يقيمها بينهما في مخططه المذهبي العام .
ومفهوم الإسلام عن التداول وصلته بالإنتاج مذهبياً لا يساهم في تصور مذهبي شمل فحسب ، بل يلعب أيضاً دوراً مهماً في وضع السياسة العامة في مجال التداول وملء الفراغ الذي تركه الإسلام للدولة لكي تملأ حسب الظروف .
مفهوم الإسلام عن التداول :
والذي يبدو من دراسة نصوص المفاهيم والأحكام ، واتجاهها التشريعي العام : ان التداول في نظر الإسلام من حيث المبدأ شعبة من الإنتاج ، ولا ينبغي أن ينفصل عن مجاله العام .
وهذا المفهوم الإسلام ، الذي سوف نلمحه في عدة نصوص وأحكام يتفق تماماً مع قصة التداول تاريخياً ونشوئه ، والحاجات الموضوعية التي ولدته .
فان التداول في أكبر الظن لم يكن موجوداً على نطاق واسع في المجتمعات التي كان كل فرد فيها يكتفي عادة بما ينتجه مباشرة ، في إشباع حاجاته البسيطة .


صفحه 647


لأن الانسان الذي يعيش هذا الاكتفاء الذاتي لا يشعر بحاجة غالباً ، إلى الحصول على منتجات فرد آخر ليمارس مع ذلك الفرد لوناً من ألوان التداول والتبادل . وإنما نشأ التداول في حياة الانسان نتيجة لتقسيم العمل ، الذي أصبح كل فرد بموجبه يمارس فرعاً خاصاً من فروع الإنتاج ، وينتج في ذلك الفرع كمية أكبر من حاجته ويحصل على سائر السلع التي يحتاجها من منتجي تلك السلع عن طريق التبدل ، وإعطائهم حاجتهم من منتوجه لقاء الحصول على منتوجاتهم فان تنوع الحاجات وكثرتها فرض تقسيم العمل بهذا الشكل وبالتالي أدى إلى انتشار التداول ووجوده في حياة الانسان على نطاق واسع .
فمنتج الحنطة مثلا يقتصر على إنتاجها . ويسد حاجته من الصوف بحل كمية من الحنطة الفائضة عن الحاجة . إلى منتج الصوف الذي يحتاج بدوره إلى حنطة ، فيدفع اليه حاجته من الحنطة ويتسلم منه مقابل ذلك الكمية التي يريدها من الصوف .
ونلاحظ في هذا الصورة : ان منتج الحنطة التقى بالمستهلك مباشرة ، كما أن الراعي بوصفه منتجاً للصوف اتصل في عملية التداول بالمستهلك للصوف ، دون وسيط فالمستهلك - وفقاً لهذه الصورة - : هو دائماً منتج باعتبار آخر .
وتطور التداول بعد ذلك ، فوجد الوسيط بين المنتج والمستهلك ، وأصبح منتج الصوف لا يبيع الصوف مباشرة لمنتج الحنطة في مثالنا السابق بل أخذ شخص ثالث يقوم بدور الوساطة بينهما ، فيشتري الكميات المنتجة من الصوف ، لا لاستهلاكها في حاجته الخاصة ، لإعدادها وجعلها في متناول أيدي المستهلكين . فبدلا عن أن يتصل منتج الحنطة بمنتج الصوف ابتداءً ، أصبح يلتقي بهذا الوسيط الذي أعد الصوف في السوق وهيأه للبيع ، ويتفق معه على الشراء . ومن هنا نشأت عمليات التجارة ، وأصبح الوسيط يوفر كثيراً من الوقت والجهد على المنتجين والمستهلكين .
وفي هذا الضوء نعرف : ان التداول أو نقل الملكية في كلا الدورين - دور التقاء


صفحه 648


المنتجين مباشرة ودور الوسيط التاجر - كان يسبقه عمل من أعمال الإنتاج ، ممن ينقل ملكية المال إلى غيره ويحصل على ثمنه . ففي الدور الأول : كان منتج الصوف يمارس بنفسه عملية إنتاج الصوف ، ثم يبيعه وينقل ملكيته إلى آخر بعوض . وفي الدور الثاني : كان الوسيط يمارس عملية نقل الصوف إلى السوق ، والمحافظة عليه واعداده في متناول يد المستهلك متى أراد . وهذا لون من الإنتاج كما عرفنا قبل لحظات .
وهذا يعني أن الفوائد التي يجنيها البائع من نقل ملكية المال إلى غيره بعوض - وهي ما نسميه الآن بالأرباح - كانت نتيجة لعمل إنتاجي ، يمارسه البائع ، ولم تكن نتيجة لنفس عملية نقل الملكية .
ولكن سيطرة الدوافع الأنانية على التجارة أدت إلى تطويرها ، وانحرافها عن وضعها الطبيعي ، الذي كان ناتجاً ، حاجة موضوعية سليمة ، وبخاصة في عصر الرأسمالية الحديثة ونتج عن ذلك انفصال التداول في كثير من الأحيان عن الإنتاج ، وأصبح نقل الملكية عملية تقصد لذاتها ، دون أن يسبقها أي عمل إنتاجي من الناقل وتمارس لأجل الحصول على فوائد وأرباح . فبينما كانت التجارة مصدراً لهذه الفوائد والأرباح ، بوصفها شعبة من الإنتاج ، أصبحت مصدراً لذلك لمجرد كونها عملية قانونية لنقل الملكية . ولهذا نجد في تجارة الرأسمالية : أن العمليات القانونية لنقل الملكية قد تتعدد على مال واحد ، تبعاً لتعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك ، لا لشيء ، إلا لكي يحصل أكبر عدد ممكن من التجار الرأسماليين على أرباح تلك العمليات ومكاسبها .
ومن الطبيعي يرفض الإسلام هذه الانجراف الرأسمالي في عمليات التداول ، لأنه يتعارض مع مفهومه عن المبادلة نظرته إليها بوصفها جزءاً من الإنتاج كما قلنا آنفاً . ولهذا هو يعالج قضايا التداول وينظّمها دائماً في ضوء نظريته الخاصة اليه ، ويتجه إلى عدم فصل التداول تشريعياً ، في التنظيمات القانونية لعقود المقايضة . . عن الإنتاج فصلا حاسماً .


صفحه 649


النصوص المذهبية للمفهوم :
ومن اليسير الآن - بعد أن اتضحت معالم المفهوم الإسلامي عن التداول[1]- أن نلمح هذا المفهوم في النصوص المذهبية للإسلام ، وفي مجموعة من الأحكام والتشريعات التي يضمها البناء العلوي للشريعة .
فمن النصوص المذهبية التي تعكس هذا المفهوم ، وتحدد النظرية الإسلامية إلى التداول ، ما جاء في كتاب علي عليه السلام إلى واليه على مصر ، مالك الأشتر ، وهو يضع له برنامج العمل ، ويحدد له مفاهيم الإسلام ( ( ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً . المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه . فإنهم مواد المنافع ، وأسباب المرافق ، وجلابها من المباعد والمطارح ، في برّك وبحرك وسهلك وجبلك ، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترون عليها ) )[2].
وواضح من هذا النص أن فئة التجار جعلت في صف واحد مع ذوي الصناعات ، أي المنتجين ، وأطلق عليهم جميعاً أنهم مواد المنافع ، فالتاجر يخلق منفعة كما يخلق الصانع وعقب ذلك بشرح المنافع التي يخلقها التجار ، والعمليات التي يمارسونها في جلب المال من المباعد والمطارح ، ومن حيث لا يلتئم الناس لمواضعها ، ولا يجترئون عليها .
فالتجارة في نظر الإسلام - إذن - نوع من الإنتاج والعمل المثمر . ومكاسبها إنما هي في الأصل نتيجة لذلك ، لا للعملية في نطاقها القانوني فحسب .
وهذا المفهوم الإسلامي عن التداول ليس مجرد تصور نظري فحسب ، وإنما يعبر عن اتجاه عملي عام لأنه يقدم الأساس الذي تملأ الدولة على ضوئه الفراغ المتروك لها في حدود صلاحياتها ، كما ألمعنا إلى ذلك سابقاً .


[1]قد يكون من الأفضل أن نعبر عن هذا اللون من المفاهيم بكلمة : اتجاه إسلامي ، تمييزاً لها عن الأحكام الإسلامية .
[2]نهج البلاغة ص 438 ، الرسالة 53 .


صفحه 650


الاتجاه التشريعي الذي يعكس المفهوم :
وأما الأحكام والتشريعات التي تعكس المفهوم الإسلامي في التداول ، فيمكننا أن نجدها في عدد من النصوص التشريعية ، والآراء الفقهية كما يلي :
1 - في رأس عدد من الفقهاء كالعماني والصدوق والشهيد الثاني والشافعي وغيرهم : إن التاجر إذا اشترى حنطة مثلا ولم يقبضها لا يسمح له أن يربح فيها عن طريق بيعها بثمن أكبر ، وإنما يجوز له ذلك بعد قبضتها ( 1 ) مع أن عملية النقل القانونية تتم في الفقه الإسلامي بنفس العقد ، ولا تتوقف على أي عمل إيجابي بعده . فالتاجر يملك الحنطة بعد العقد وإن لم يقبضها ، ولكنه بالرغم من ذلك يسمح له بالاتجار بها ، والحصول على ربح ما لم يقبض المال ، حرصاً على ربط الأرباح التجارية بعمل ، وإخراج التجارة عن كونها مجرد عمل قانوني يدر ربحاً .
وفي عدة نصوص تشريعية ما يشير إلى هذا الرأس - ففي خبر علي بن جعفر : ( ( أنه سأل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام : عن الرجل يشتري الطعام ، أيصلح بيعه قبل أن يقبضه ؟ قال ( ع ) : إذا ربح لم يصلح حتى يقبض ، وإن كان توليه - أي باعه بنفس الثمن الذي اشتراه به بدون ربح - فلا بأس ) ) ( 2 ) .
وقال العلامة الحلي في التذكرة : ( منع جماعة من عملائنا بيع ما لم يقبض في سائر المبيعات ( 3 ) .
وقال الإمام الشافعي : ( وبهذا نأخذ فمن ابتاع شيئاً كائناً ما كان فليس له أن يبيعه حتى يقبضه ) ( 4 ) .
( 1 ) لاحظ المقنع للصدوق ، ص 31 من الجوامع الفقهية ، والروضة في شرح اللمعة ج 3 ، ص 528 ، والأم ج 3 ، ص 69 ، والوسائل ج 12 ، ص 387 ، ومختلف الشيعة ج 2 ، ص 115


صفحه 651


وإلى ذلك ذهب الفقهاء الأحناف أيضاً[1].
2 - في رأي الإسكافي ، والعماني ، والقاضي ، وابن زهرة ، والحلبي ، وابن حمزة ومالك ، وكثير من الفقهاء : أن التاجر إذا ابتاع مالاً مؤجلاً بثمن يدفعه فعلاً ، فليس له حين حلول الأجل أن يبيع ما اشتراه - قبل قبضه - بثمن أكبر[2]فإذا اشتريت حنطة من الزارع ، واتفقت معه على أن يسلك المبلغ بعد شهر ، ودفعت له الثمن فعلا ، فلا يجوز لك بعد مرور شهر أن تبيع تلك الحنطة بزيادة قبل أن تقبضها ، تستغل عملية النقل القانوني في سبيل الحصول على ربح جديد ، وانما لك أن تبيع المال بنفس الثمن الذي اشتريته به .
وقد كتب ابن قدامة يقول : ( أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافاً )[3].
وقد استند أصحاب هذا الرأي إلى عدة روايات ففي الحديث : ان أمير المؤمنين علي عليه السلام قال : من اشترى طعاماً أو علفاً إلى أجل ، فإن لم يجد شرطه وأخذ ورقاً ، فلا يأخذ إلى رأس ماله لا يظلمون ولا يظلمون ) )[4]. وفي حديث آخر : ( ( عن يعقوب بن شعيب أنه سأل الإمام الصادق ( ع ) : عن الرجل يسلف في الحنطة والتمر بمائة درهم ، فيأتي صاحبه حين يحل له الذي له ، فيقول : والله ما عندي إلى نصف الذي لك ، فخذ مني إن شئت بنصف الذي لك حنطة وبنصفه ورقاً ، - أي نقداً - . فقال : لا باس إذا أخذ منه الورق كما أعطاه - أي بقدر مائة درهم ) )[5][6].


[1]الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ، ج 2 ، ص 233 ، شرح القدير ج 5 ، ص 492 ، والمبسوط للسرخسي ، ج 12 ، ص 163 .
[2]الوسائل ج 12 ، ص 389 ، الحديث 23159 .
[3]المغني ج 4 ، ص 341 .
[4]الوسائل ج 13 ، ص 72 ، الحديث 23733 .
[5]المصدر السابق ، الحديث 23734 .
[6]هذه النصوص إنما تدل على الحكم المقصود ، إذا كانت تستهدف بالنهي الوارد فيها ، منع المشتري عن بيع ما اشتراه سلفاً قبل قبضه وبعد حلول أجله بثمن أكبر . وأما إذا كانت النصوص تريد بيان ما للمشتري المطالبة به ، إذا فسخ العقد استناداً إلى حقه في الخيار ، نتيجة لعدم تسليم البائع له السلعة في الوقت المحدد ، فيكون معنى النهي فيها أن المشتري إذا لم يتسلم السلعة التي اشتراها سلفاً في الوقت المحدد ، وفسخ العقد ، فليس له إلا استرجاع نفس الثمن الذي سلمه للبائع سابقاً . وعلى هذا التقدير لا تبقى في النصوص دلالة على النهي عن البيع بثمن أكبر قبل القبض .