بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 654


الرأسمالية على سؤال : لمن ننتج ؟ إن الإنتاج لأجل المستهلكين وحاجاتهم . ويتناسب طراداً وعكساً واتجاهاً مع هذه الحاجات .
نقد الموقف الرأسمالي :
هذه هي الصورة الظاهرة للإنتاج الرأسمالي ، أو هي الصورة المشرقة التي يحاول الرأسماليون ابراز الإنتاج الرأسمالي في إطارها الزاهي ، ليبرهنوا على التوافق والتلاقي في ظل النظام الرأسمالي بين خطي الإنتاج والطلب ، وحركتهما العامتين .
ولكن هذه الصورة ، بالرغم من صدقها جزئياً ، لا تستطيع ان تخفي التناقض الصارخ في ظل النظام الرأسمالي بين الإنتاج والطلب . فهي تشرح الترابط في تسلسل متعدد الحلقات بين الإنتاج والطلب ، ولكنها لا تحدد مدلول الطلب ، ولا تكشف عن مفهوم الرأسمالية عن هذا الطلب ، الذي يتحكم في إنتاج ويواجهه بواسطة رفع ثمن السلع .
والحقيقة أن الطلب في المفهوم الرأسمالي هو تعبير نقدي أكثر من كونه تعبيراً بشرياً عن حاجة من الحاجات ، لأنه لا يشمل إلا قسماً خاصاً من الطلب وهو ذلك الطلب الذي يؤدي إلى ارتفاع ثمن السلعة في السوق ، أي الطلب الذي يتمتع بالقوة الشرائية ، ويمتلك رصيداً نقدياً قادراً على إشباعه وأما تلك الطلبات المجردة عن تلك القوة النقدية ، التي لا تستطيع أن تغزو السوق الرأسمالية ولا تؤدي إلى رفع ثمن السلعة لعدم امتلاكها الثمن ، فنصيبها الإهمال مهما كانت ملحَّة وضرورية ، ومهما عمَّت واستوعبت ، لأن الطلب لابد أن يبرهن عليه الطالب بالنقد الذي يقدمه ، وما لم يقدم هذا البرهان فلا حق له في توجيه الإنتاج ، ولا كلمة له في الحياة الاقتصادية الرأسمالية وان نبع من صميم الواقع البشري وضروراته الملحة .
وبمجرد أن نعرف مفهوم الرأسمالية هذا عن الطب ، تتبدد فجأة كل تلك الأحلام الذهبية التي نسجها أنصار الاقتصاد الحر ، حول الإنتاج الرأسمالي وتكيفه وفقاً للحاجة والطلب ، لأن القوة الشرائية في المجتمع الرأسمالي تتوفر - بدرجات


صفحه 655


عالية - في القلة المحظوظة التي تسيطر على ثروات البلاد ، وتنخفض لدى غيرهم ، وتهبط هبوطاً كبيراً في مستوى القاعدة التي تتكون منها أكثرية المجتمع الرأسمالي ونتيجة هذا التفاوت الهائل في القوة الشرائية - من وجهة نظر المذهب الرأسمالي - أن تحتكر لأنها هي التي تغري أصحاب المشاريع ، وتسيل لعابهم بما تؤدي اليه من ارتفاع الأثمان وتحرم الطلبات الحياتية للجمهور من ذلك لعدم تمتعها بقوة شرائية مغرية .
ولما كانت الطلبات التي تتمتع بالقوة الشرائية الضخمة ، قادرة على جلب كل السلع الضرورية والكمالية ، وأدوات اللهو ووسائل الترف من السوق الرأسمالية ، بينما تعجز الطلبات الفقيرة حتى عن جلب السلع الضرورية بصورة كاملة ، فسوف يؤدي ذلك إلى تجنيد المشاريع الرأسمالية كل طاقاتها لإشباع تلك الطلبات المترفة ، والرغبات النهمة التي لا تكف عن التفنن في إشباع نهمها ، وتطلب الجديد تلو الجديد من أدوات البطر ووسائل المتعة واللذة ، وتبقى طلبات الكثرة الكاثرة من الناس على السلع الضرورية ومواد الحياة قائمة دون أن تلقى عناية من الإنتاج الرأسمالي ، اللهم إلا في الحدود التي توفر للكبار الأيدي العامة . وهكذا تمتلئ الأسواق الرأسمالية بألوان من سلع الترف والكماليات ، بينما تفقد أحياناً الكمية الكافية من السلع الضرورية التي تستطيع ان تشبع الجميع إشباعاً كاملاً .
هذه هي الرأسمالية في موقفها من الإنتاج ، والطريقة التي تعتمد عليها في تحديد حركته .
الموقف الإسلامي :
وأما الإسلام فيمكن تلخيص موقفه في النقاط التالية :
1 - يحتم الإسلام على الإنتاج الاجتماعي أن يوفر إشباع الحاجات الضرورية لجميع أفراد المجتمع ، بإنتاج كمية من السلع القادرة على إشباع تلك الحاجات الحياتية ، بدرجة من الكفاية التي تسمح لكل فرد بتناول حاجته الضرورية منها . وما


صفحه 656


لم يتوفر مستوى الكفاية والحد الأدنى من السلع الضرورية ، لا يجوز توجيه الطاقات القادرة على توفير ذلك إلى حقل آخر من حقول الإنتاج[1]. فالحاجة نفسها ذات دور إيجابي في حركة الإنتاج ، بقطع النظر عن القدرة الاقتصادية لهذه الحاجة ورصيدها النقدي .
2 - كما يحتم الإسلام أيضاً على الإنتاج الاجتماعي أن لا يؤدي إلى الإسراف ، لأن الإسراف محرم في الشريعة ، سواء حصل بتصرف شخصي من الفرد أو بتصرف عام من المجتمع خلال حركة الإنتاج[2]، فكما يحرم على الفرد أن يستعمل العطور الثمينة في غسل ساحة داره ، لأنه إسراف ، كذلك يحرم على المجتمع أو على منتجي العطور - بتعبير آخر - أن ينتجوا من العطور كمية تزيد على حاجة المجتمع وقدرته الاستهلاكية والتجارية ، لأن إنتاج الفائض لون من الإسراف ، وتبديد الأموال بدون مبرر .
3 - يسمح الإسلام للإمام بالتدخل في الإنتاج ، للمبررات الآتية[3]:
أولا : لكي تضمن الدولة الحد الأدنى من إنتاج السلع الضرورية ، والحد الأعلى الذي لا يجوز التجاوز عنده لأن من الواضح أن يسير مشاريع الإنتاج الخاصة ، وفقاً لإرادة أصحابها ، دون توجيه مركزي من قبل السلطة الشرعية يؤدي في عصور الإنتاج المعقد والضخم إلى تسيب الإنتاج الاجتماعي ، وتعرضه للإسراف والافراط من جانب ، وللتفريط بالحد الأدنى من جانب آخر . فلا بد لضمان سير الإنتاج الاجتماعي بين الحدين من الاشراف والتوجيه .
وثانياً : لأجل أن تملأ منطقة الفراغ حسب مقتضيات الظروف . فان منطقة الفراغ تضم جميع ألوان النشاط المباحة بطبيعتها فلولي الأمر أن يتدخل في هذه الألوان من النشاط ، ويحدد منها في ضوء الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي .


[1]لاحظ الوسائل ج 11 ، ص 597 .
[2]لاحظ الميزان ج 8 ، ص 93 و 94 .
[3]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 253 ، وتحف العقول ص 462 - 464 .


صفحه 657


وسوف نتحدث بتفصيل عن منطقة الفراغ هذه أن وحدوها ودورها في البحث المقبل . والذي نعنيه هنا أن الصلاحيات الممنوحة لولي الأمر في ملء منطقة الفراغ ، تجعل من حقه التدخل في حركة الإنتاج والاشراف عليها ، وتحديدها ضمن منطقة الفراغ المتروكة للدولة .
وثانياً : إن التشريع الإسلام بشأن توزيع الثروات الطبيعية الخام يفسح المجال بطبيعته للدولة لكي تتدخل ، وتهيمن على الحياة الاقتصادية كلها ، لأن تشريع الإسلام بهذا الشأن يجعل من المباشرة في العمل ، شرطاً أساسياً في تملك الثروة الطبيعية الخام ، واكتساب الحق الخاص فيها - على قول فقهي سبق في بعض الابنية العلوية - وهذا يعني بطبيعته عدم إمكان قيام الفرد ، مهما كانت إمكاناته بالمشاريع الكبرى في استثمار الطبيعة وثرواتها العامة ، ما دام لا يكتسب حقه فيها إلا بالمباشرة . فيتعين على إنتاج الثروات الطبيعية الخام والصناعات الإستخراجية ، أن تتم بتنظيم من السلطة الشرعية ، ليتاح عن طريقها إقامة مشاريع كبرى لاستثمار تلك الثروات ، ووضعها في خدمة المجتمع الإسلامي .
وإذا تمت للدولة الهيمنة على الصناعات الإستخراجية وإنتاج المواد الأولية الخام ، كان لها بالتالي السيطرة وبصورة غير مباشرة . . على مختلف فروع الإنتاج في الحياة الاقتصادية ، لأنها تتوقف غالباً على الصناعات الإستخراجية ، وإنتاج المواد الأولية ، فيمكن لولي الأمر أن يتدخل في مختلف تلك الفروع بصورة غير مباشرة ، عن طريق هيمنته على المرحلة الأولية والأساسية من الإنتاج ، أي إنتاج المواد الطبيعية .


صفحه 658


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 659


مسؤولية الدولة في الإقتصاد الإسلامي 1 - الضمان الاجتماعي 2 - التوازن الاجتماعي 3 - مبدأ تدخل الدولة


صفحه 660

صفحه 661


1 - الضمان الاجتماعي فرض الإسلام على الدولة ضمان معيشة أفراد المجتمع الإسلامي ضماناً كاملاً . وهي عادة تقوم بهذه المهمة على مرحلتين : ففي المرحلة الأولى تهئ الدولة للفرد وسائل العمل ، وفرصة المساهمة الكريمة في النشاط الاقتصادي المثمر ، ليعيش على أساس عمله وجهده . فإذا كان الفرد عاجزاً عن العمل وكسب معيشته بنفسه كسباً كاملاً ، أو كانت الدولة في ظرف استثنائي لا يمكنها منحه فرصة العمل ، جاء دور المرحل الثانية ، التي تمارس فيها الدولة تطبيق مبدأ الضمان ، عن طريق تهيئة المال الكافي ، لسد حاجات الفرد ، وتوفير حد خاص من المعيشة له .
ومبدأ الضمان الاجتماعي هذا يرتكز في المذهب الاقتصادي للإسلام على أساسين ، ويستمد مبرراته المذهبية منهما :
أحدهما : التكافل العام . والآخر : حق الجماعة في موارد الدولة العامة . ولكل من الأساسين حدوده ومقتضياته ، في تحديد نوع الحاجات التي يجب أن يضمن إشباعها ، وتعيين الحد الأدنى من المعيشة التي يوفرها مبدأ الضمان الاجتماعي للافراد .

( 1 ) لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 55 ، والوسائل ج 6 ، ص 363 ، الحديث 12626 ، وص 365 الحديث 12631 . ( 2 ) لاحظ جواهر الكلام ج 36 ، ص 432 ، والميزان ج 4 ، ص 171 .