1 - الضمان الاجتماعي فرض الإسلام على الدولة ضمان معيشة أفراد المجتمع الإسلامي ضماناً كاملاً . وهي عادة تقوم بهذه المهمة على مرحلتين : ففي المرحلة الأولى تهئ الدولة للفرد وسائل العمل ، وفرصة المساهمة الكريمة في النشاط الاقتصادي المثمر ، ليعيش على أساس عمله وجهده . فإذا كان الفرد عاجزاً عن العمل وكسب معيشته بنفسه كسباً كاملاً ، أو كانت الدولة في ظرف استثنائي لا يمكنها منحه فرصة العمل ، جاء دور المرحل الثانية ، التي تمارس فيها الدولة تطبيق مبدأ الضمان ، عن طريق تهيئة المال الكافي ، لسد حاجات الفرد ، وتوفير حد خاص من المعيشة له .
ومبدأ الضمان الاجتماعي هذا يرتكز في المذهب الاقتصادي للإسلام على أساسين ، ويستمد مبرراته المذهبية منهما :
أحدهما : التكافل العام . والآخر : حق الجماعة في موارد الدولة العامة . ولكل من الأساسين حدوده ومقتضياته ، في تحديد نوع الحاجات التي يجب أن يضمن إشباعها ، وتعيين الحد الأدنى من المعيشة التي يوفرها مبدأ الضمان الاجتماعي للافراد .
( 1 ) لاحظ جواهر الكلام ج 38 ، ص 55 ، والوسائل ج 6 ، ص 363 ، الحديث 12626 ، وص 365 الحديث 12631 . ( 2 ) لاحظ جواهر الكلام ج 36 ، ص 432 ، والميزان ج 4 ، ص 171 .
فالأساس الأول للضمان لا يقتضي أكثر من ضمان إشباع الحاجات الحياتية والملحّة للفرد ، بينما يزيد الأساس الثاني على ذلك ، ويفرض إشباعاً أوسع ومستوى أرفع من الحياة .
والدولة يجب أن تمارس الضمان الاجتماعي في حدود امكاناتها على مستوى كل من الأساسين .
ولكي نحدد فكرة الضمان في الإسلام يجب أن نشرح هذين الأساسين ومقتضياتهما وأدلتهما الشرعية .
الأساس الأول للضمان الاجتماعي :
فالأساس الأول للضمان الاجتماعي : هو التكافل العام . والتكافل العام هو المبدأ الذي يفرض فيه الإسلام على المسلمين كفاية ، كفالة بعضهم لبعض ويجعل من هذه الكفالة فريضة على المسلم في حدود ظروفه وإمكاناته ، يجب عليه أن يؤديها على أي حال كما يؤدي سائر فرائضه .
والضمان الاجتماعي الذي تمارسه الدولة على أساس هذا المبدأ للتكافل العام بين المسلمين ، يعبر في الحقيقة عن دور الدولة في إلزام رعاياها بامتثال ما يكلفون به شرعاً ، ورعايتها لتطبيق المسلمين أحكام الإسلام على أنفسهم . فهي بوصفها الأمنية على تطبق أحكام الإسلام ، والقادرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مسؤولية عن أمانتها ، ومخوّلة حق إكراه كل فرد على أداة واجباته الشرعية ، وامتثال التكاليف التي كلفه الله بها . فكما يكون لها حق إكراه المسلمين على الخروج إلى الجهاد لدى وجوبه عليهم ، كذلك لها حق إكراههم على القيام بواجباتهم في كفالة العاجزين ، إذا امتنعوا عن القيام بها . وبموجب هذا الحق يتاح لها أن تضمن حياة العاجزين وكالة عن المسلمين ، وتفرض عليهم في حدود صلاحياتها مد هذا الضمان بالقدر الكافي من المال ، الذي يجعلهم قد أدوا الفريضة وامتثلوا أمر الله تعالى[1].
[1]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 200 و 253 ، وتحف العقول ص 462 .
ولأجل أن نعرف حدود الضمان الاجتماعي ، الذي تمارسه الدولة على أساس مبدأ التكافل ، ونوع الحاجات التي يضمن إشباعها . . يجب أن نستعرض بعض النصوص التشريعية التي أشارت إلى مبدأ التكافل ، لنحدد في ضوئها القدر الواجب من الكفالة على المسلمين ، وبالتالي حدود الضمان الذي تمارسه الدولة على هذا الأساس .
فقد جاء في الحديث الصحيح عن سماعة : ( ( أنه سال الإمام جعفر بن محمد عن قوم عندهم فضل ، وبإخوانهم حاجة شديدة ، فردّ الزكاة أيسعهم أن يشبعوا ويجوع اخوانهم ؟ . فإن الزمان شديد ، فردّ الإمام عليه قائلاً : إن المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يخذله ، ولا يحرمه ، فيحق على المسلمين الاجتهاد فيه والتواصل والتعاون عليه ، والمواساة لأهل الحاجة ) )[1].
وفي حديث آخر : أن الإمام جعفر قال : ( ( أيما مؤمن منع مؤمناً شيئاً مما يحتاج اليه ، وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره ، أقامه الله يوم القيامة مسوداً وجهه ، مزرقة عيناه ، مغلولة يداه إلى عنقه ، فيقال : هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ، ثم يؤمر به إلى النار ) )[2]. وواضح أن الأمر به إلى النار يدل على : أن المؤمن يجب عليه إشباع حاجة أخيه المؤمن ، في حدود قدرته ، لأن الشخص لا يدخل النار إذا ترك شيئاً لا يجب عليه .
والحاجة في هذا الحديث وإن جاءت مطلقة ولكن المقصود منها هو الحاجة الشديدة التي ورد الحديث الأول بشأنها ، لأن غير الحاجات الشديدة لا يجب على المسلمين كفالتها وضمان إشباعها إجماعاً .
وينتج عن ذلك : أن الكفالة هي في حدود الحاجات الشديدة . فالمسلمون إذا كان لديهم فضل عن مؤونتهم ، فلا يسعهم - على حد تعبير النص في الحديث الأول - أن يتركوا أخاهم في حاجة شديدة ، بل يجب عليهم إشباع
[1]الوسائل ج 11 ص 597 ، الحديث 21827 .
[2]الوسائل ج 11 ، ص 559 ، الباب 39 ، الحديث 21833 .
تلك الحاجة وسدها[1].
وقد ربط الإسلام بين هذا الكفالة ومبدأ الأخوة العامة بين المسلمين ليدلل على أنها ليست ضريبة التفوق في الدخل فحسب ، وإنما هي التعبير العملي عن الأخوة العامة ، سيراً منه على طريقته في إعطاء الأحكام إطاراً خلقياً يتفق مع مفاهيمه وقيمه ، فحق الانسان في كفالة الآخر له مستمد في مفهوم الإسلام من أخوته له ، واندراجه معه في الأسر البشرية الصالحة . والدولة تمارس في حدود صلاحياتها حماية هذا الحق وضمانه . والحاجات التي يضمن هذا الحق إشباعها هي الحاجات الشديدة . وشدة الحاجة تعني كون الحاجة حياتية ، وعسر الحياة بدون إشباعها .
وهكذا نعرف : أن الضمان الاجتماعي ، الذي يقوم على أساس التكافل يتحدد - وفقاً له - بحدود الحاجات الحياتية للافراد ، التي يعسر عليهم الحياة بدون إشباعها[2].
الأساس الثاني للضمان الاجتماعي :
ولكن الدولة لا تستمد مبررات الضمان الاجتماعي الذي تمارسه من مبدأ التكافل العام فحسب ، بل قد يمكن ابراز أساس آخر للضمان الاجتماعي كما عرفنا سابقاً ، وهو حق الجماعة في مصادر الثروة . على أساس هذا الحق تكون الدولة مسؤولة بصورة مباشرة عن ضمان معيشة المعوزين والعاجزين ، بقطع النظر عن الكفالة الواجبة على أفراد المسلمين أنفسهم[3].
وسوف نتحدث أولاً عن هذه المسؤولية المباشرة للضمان وحدودها وفقاً لنصوصها التشريعية ، ثم عن الأساس النظري الذي ترتكز عليه فكرة هذا الضمان . وهو حق الجماعة في ثروات الطبيعة .
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 36 ، ص 432 .
[2]لاحظ أصول من الكافي ، ج 2 ، ص 169 .
[3]لاحظ الميزان ج 4 ، ص 171 .
أما عن المسؤولية المباشرة للضمان : فإن حدود هذا المسؤولية تختلف عن حدود الضمان ، الذي تمارسه الدولة على أساس مبدأ التكافل العام . فإن هذه المسؤولية لا تفرض على الدولة ضمان الفرد في حدود حاجته الحياتية فحسب ، بل تفرض عليها ان تضمن للفرد مستوى الكفاية من المعيشة الذي يحياه افراد المجتمع الإسلامي ، لأن ضمان الدولة هنا ضمان إعالة . وإعالة الفرد هي القيام بمعيشته وإمداده بكفايته . والكفاية من المفاهيم المرنة ، التي يتسع مضمونها كلما ازدادت الحياة العامة في المجتمع الإسلامي يسراً ورخاء . وعلى هذا الأساس يجب على الدولة أن تشبع الحاجات الأساسية لفرد ، من غذاء ومسكن ولباس ، وان يكون إشباعها غير الحاجات الأساسية من ساير الحاجات ، التي تدخل في مفهوم المجتمع الإسلام عن الكفاية تبعاً لمدى ارتفاع مستوى المعيشة فيه .
والنصوص التشريعية التي تدل على المسؤولية المباشرة للدولة في الضمان الاجتماعي ، واضحة كل الوضوح ، في التأكيد على هذه المسؤولية ، وعلى ان الضمان هنا ضمان إعالة ، أي ضمان مستوى الكفاية من المعيشة .
ففي الحديث عن الإمام جعفر : ( ( أن رسول الله ( ص ) كان يقول في خطبته : مَنْ ترك ضياعه فعليَّ ضياعه ومن تركَ ديناً فَعَليَّ دينُه ، ومَن ترك ماله فأكله ) )[1].
وفي حديث آخر أن الإمام موسى بن جعفر قال : - محدداً ما للإمام وما عليه - : ( ( أنه وارث من لا وارث له ، ويعول من لا حيلة له ) )[2].
وفي خبر موسى بن بكر : ان الإمام موسى قال له : ( ( من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله ، كان كالمجاهد في سبيل الله ، فإن غلب عليه ، فليستدن على الله وعلى رسوله ما يقوت به عياله . فإن مات ولم يقضه كان
[1]الوسائل ج 12 ، ص 92 ، الحديث 23796 .
[2]الوسائل ج 6 ، ص 365 ، الحديث 12631 .
على الإمام قضاؤه . فإن لم يقضه ، كان عليه وزره . ان الله عز وجل يقول : ( ( إما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها . . . ) )[1]الخ ، فهو فقير مسكين مغرم ) )[2][3].
وجاء في كتاب الإمام علي إلى واليه على مصر : ( ( ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين ، وأهل البؤس والزمنى فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً : واحتفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم ، واجعل لهم قسماً من بيت مالك ، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد . فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى ، وكل قد استرعيت حقه ، فلا يشغلنك عنهم بطر ، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم فلا تشخص همك عنهم ، ولا تصعّر خدك لهم .
وتفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ، ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع ، فليرفع إليك أمورهم ، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه . فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم . وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه اليه . وتعهد أهل اليتم ، وذوي الرقة في السن ممن
[1]التوبة / 60 .
[2]الفروع من الكافي ج 5 ، ص 93 ، والوسائل ج 12 ص 11 ، الحديث 21872 .
[3]واستشهاد الإمام بهذه الآية الكريمة ، لا يعني حصر مسؤولية ولي الأمر في الإعالة والانفاق بمورد معين من بيت المال ، وهو الزكاة ، وذلك لأن الآية لا تختص بالزكاة ، وإنما هي قرر حكماً عاماً في الصدقة بجميع أقسامها ، فتشمل المال الذي تدفعه الدولة إلى العاجز والمعوز لأنه ضرب من الصدقة أيضاً . أضف إلى هذا : ان ولي الأمر لا يجب عليه بسط الزكاة ، وتقسيمها على الأصناف الثمانية المذكورة في الآية ، بل يجوز له انفاقها على بعض تلك الأصناف ( * ) ، مع أن النص في حديث موسى بن بكر يؤكد : أن ولي الأمر إذا لم يقض دين الرجل ، وليس هذا إلا لمسؤولية خاصة للدولة في الضمان .
لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه ) )[1].
فهذه النصوص تقرر بكل وضوح مبدأ الضمان الاجتماعي ، وتشرح المسؤولية المباشرة للدولة في إعالة الفرد وتوفير حد الكفاية له .
هذا هو مبدأ الضمان الاجتماعي ، الذي تعتبر الدولة مسؤولة بصورة مباشرة عن تطبيقه ، وممارسته في المجتمع الإسلامي .
وأما الأساس النظري الذي ترتكز فكرة الضمان في هذا المبدأ عليه ، فمن الممكن أن يكون إيمان الإسلام بحق الجماعة كلها في موارد الثروة ، لأن هذه الموارد الطبيعية قد خلقت للجماعة كافة ، لا لفئة دون فئة ( خلق لكم ما في الأرض جميعاً )[2]وهذا الحق يعين أن كل فرد من الجماعة لا الحق في الانتفاع بثروات الطبيعة والعيش الكريم منها . فمن كان من الجماعة قادراً على العمل في حد القطاعات العامة والخاصة ، كان من وظيفة الدولة أن تهئ له فرصة العمل في حدود صلاحيتها . ومن لم تتح له فرصة العمل ، أو كان عاجزاً عنه . . فعلى الدولة أن تضمن حقه في الاستفادة من ثروات الطبيعة ، بتوفير مستوى الكفاية من العيش الكريم .
فالمسؤولية المباشرة للدولة في الضمان ، ترتكز على أساس الحق العام للجماعة في الاستفادة من ثروات الطبيعة ، وثبوت هذا الحق للعاجزين عن العمل من أفراد الجماعة .
وأما الطريقة التي اتخذها المذهب لتمكين الدولة من ضمان هذا الحق وحمايته للجماعة كلها بما تضم من العاجزين . . فهي إيجاد بعض القطاعات العامة في الاقتصاد الإسلامي ، التي تتكون من موارد الملكية العامة ، وملكية الدولة ، لكي تكون هذه القطاعات - إلى صف فريضة الزكاة - ضماناً لحق الضعفاء من أفراد الجماعة[3]،
[1]نهج البلاغة ص 438 ، الرسالة 53 .
[2]البقرة / 29 .
[3]لاحظ الأصول من الكافي ج 1 ، ص 405 ، وتفسير القمي ج 1 ، ص 278 ، وج 2 ، ص 276 ، وجواهر الكلام ج 38 ، ص 55 و 61 .