بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 68


فهي ترى أن التناقض الطبقي في صميم المجتمع ، تعبير عن قانون التناقضات في الديالكتيك ، القائل : إن كل شيء يحتوي في أعماقه ، على تناقضات وأضداد . وتنظر إلى التطور الاجتماعي ، بوصفه حركة ديناميكية ، منبثقة عن التناقضات الداخلية ، طبقاً لقانون الحركة الديالكتيكية العام ، القائل : أن كل كائن يتطور ، لا بحركة ميكانيكية وقوة خارجية تدفعه من ورائه . بل بسبب التناقضات التي تنمو في صميمه وتنفجر . وتؤمن بتراكم التناقضات الطبقية ، شيئاً فشيئاً ، حتى تحين اللحظة المناسبة للتتفجر عن تحول شامل ، في بناء المجتمع ونظامه ، وفقاً للقانون الديالكتيكي ، القائل : إن التغيرات الكمية التدريجية ، تتحول إلى تغير كيفي ماديتها التاريخية - حقلاً خصباً ، لقوانين الديالكتيك العامة .
ولنقف لحظة لنتبين مدى التوفيق ، الذي أحرزته الماركسية في ديالكتيكها التاريخي ؟ . إن الماركسية استطاعت ، أن تجعل من طريقتها في التحليل التاريخي ، طريقة ديالكتيكية إلى حد ما . ولكنها تناقضت في النتائج التي انتهت إليها ، مع طبيعة الديالكتيك . وبهذا كانت ديالكتيكية في طريقتها ، ولم تكن كذلك في مضمونها النهائي ، ونتائجها الحاسمة ، كما سنرى .
أ - ديالكتيكية الطريقة :
لم تقتصر الماركسية على الطريقة الديالكتيكية ، في البحث التاريخي ، بل اتخذتها شعاراً لها في بحوثها التحليلية ، لكل مناحي الكون والحياة ، كما مر في ( فلسفتنا ) . غير أنها لم تنج بصورة نهائية ، من التذبذب بين تناقضات الديالكتيكية ، وقانون العلية ، فهي بوصفها ديالكتيكية ، تؤكد : أن النمو والتطور ينشأ عن التناقضات الداخلية فالتناقض الداخلي ، هو الكفيل بأن يفسر كل ظاهرة من ظواهر الكون ، دون الحاجة إلى قوة أو علة خارجية ، ومن ناحية أخرى تعترف : بعلاقة العلة والمعلول ، وتفسير هذه الظاهرات أو تلك بأسباب خارجية ،


صفحه 69


وليس بالتناقضات المخزونة في أعماقها . وهذا التذبذب ينعكس في تحليلها التاريخي أيضاً . فهي بينما تصر على وجود تناقضات جذرية ، في صميم كل ظاهرة اجتماعية : كفيلة بتطويرها وحركتها ، تقرر من ناحية أخرى . إن الصرح الاجتماعي الهائل ، يقوم كله على قاعدة واحدة ، وهي قوى الإنتاج ، وطريقته الخاصة ، وإن الأوضاع السياسية ، والاقتصادية ، والفكرية ، وغيرها . . ليست إلا بنى فوقية في ذلك الصرح ، وانعكاسات بشكل آخر لطريقة الإنتاج ، التي قام البناء عليها . فالعلاقة إذن بين هذه البنى المتنوعة الألوان ، وبين طريقة الإنتاج ، هي علاقة معلولة بعلة . ويعني هذا ، أن الظاهرات الاجتماعية الفوقية ، لم تنشأ بطريقة ديالكتيكية ، وفقاً للتناقضات الداخلية فيها ، وإنما وجدت بأسباب خارجة عن محتواها الداخلي ، وبتأثير القاعدة فيها . بل إنا نجد أكثر من هذا ، فإن التناقض الذي يطور المجتمع - في رأي الماركسية - ليس هو التناقض الطبقي بين علاقات الملكية القديمة وقوى الإنتاج الجديد . فهناك إذن شيئان مستقلان ، يقوم التناقض بينهما ، لا شيء واحد يحمل في صميمه نقضيه .
وكأن الماركسية أدركت موقفها هذا المتأرجح ، بين التناقضات الداخلية ، وقانون العلية ، وحاولت أن توفق بين الأمرين . فأعطت العلة والمعلول مفهوماً ديالكتيكياً ، ورفضت مفهومهما الميكانيكي ، وسمحت لنفسها على هذا الأساس ، أن تستعمل في تحليلها طريقة العلة والمعلول ، في إطارهما الديالكتيكي الخاص . فالماركسية ترفض السببية التي تسير على خط مستقيم ، والتي تظل فيها العلة خارجية بالنسبة إلى معلولها ، والمعلول سلبياً بالنسبة إلى علته . لأن هذه السببية تتعارض مع الديالكتيك ، مع عملية النمو والتكامل الذاتي في الطبيعة . إذ ان المعلول طبقاً لهذه السببية ، لا يمكن أن يجيء حينئذ أثرى من علته . وأكثر نمواً . لأن هذه الزيادة في الثراء والنمو ، تبقى دون تعليل . وأما المعلول الذي يولد من نقيضه ، فيتطور وينمو بحركة داخلية ، طبقاً لما يحتوي من تناقضات ، ليعود إلى النقيض الذي أولده ، فيتفاعل معه ، ويحقق عن


صفحه 70


طريقة الاندماج به ، مركباً جديداً ، أكثر اغتناء وثراءً ، من العلة والمعلول منفردين . فهذا هو ما تعنيه الماركسية بالعلة والمعلول ، لأن يتفق مع الديالكتيك ، ويعبر عن الثالوث الديالكتيكي : ( ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) )[1]. فالعلة هي الأطروحة ، والمعلول هو الطباق ، والمجموع المترابط منهما هو التركيب . والعلية هنا عملية نمو وتكامل ، عن طريق ولادة المعلول من العلة ، أي الطباق من الأطروحة . والمعلول في هذه العملية لا يولد سلبياً ، بل يولد مزوداً بتناقضاته الداخلية ، التي تنميه وتجعله يحتضن علته إليه ، في مركب أرقى وأكمل .
وقد استعملت الماركسية علاقات العلة والمعلول ، بمفهومها الديالكتيكي هذا في المجال التاريخي . فلم تشذ بصورة عامة عن الطريقة الديالكتيكية التي تتبناها ، وإنما فسرت المجتمع على أساس أن له قاعدة ، تقوم عليها ظواهر فوقية ، تنشأ عن تلك القاعدة ، وتنمو وتتفاعل مع القاعدة وتنتج عن التأثير المتبادل ، مراحل التطور الاجتماعي ، طبقاً لقصة الأطروحة والطباق والتركيب ( الإثبات ، والنفي ، ونفي النفي ) .
وينطبق هذا الوصف على الماركسية ، إذا استثنينا بعض الحالات ، التي سجلت فيها الماركسية فشلها في تفسير الحدث التاريخي ، بالطريقة الديالكتيكية فاضطرت إلى تفسير التطور الاجتماعي ، والأحداث التاريخية ، في تلك الحالات ، تفسيراً ميكانيكياً ، وإن لم تسمح لنفسها بالاعتراف بهذا الفشل . فلقد كتب أنجلز يقول :
( ( كان في إمكان المجتمعات البدائية القديمة ، التي ذكرناها آنفاً ، أن تظل باقية في الوجود لعدة آلاف من السنين ، كما هي الحال في الهند وبين السلفيين إلى يومنا هذا قبل أن يؤدي تعاملها مع العالم الخارجي ، إلى أن تنشأ في أوساطها اللا مساواة في الملكية ، التي ينجم عنها شروع هذه المجتمعات في التفكك ) )[2].


[1]لاحظ ( فلسفتنا ) ص 176 و 177 .
[2]ضد دوهرنك : ج 2 ص 8 .


صفحه 71


ب - تزييف الديالكتيك التاريخي :
ومن الضروري أن نشير بهذا الصدد ، إلى رأينا في الطريقة الديالكتيكية والسببية بمعناها الديالكتيكي ، وهو : أن هذه السببية القائمة على أساس التناقض ( الأطروحة ، والطباق ، والتركيب ) لا تستند إلى العلم ، ولا إلى التحليل الفلسفي ، ولا توجد تجربة واحدة في الحقل العلمي يمكن أن تبرهن على هذا اللون من السببية كما يرفضها البحث الفلسفي رفضاً تاماً . ولا نريد التوسع في درس هذه النقطة ، لأننا قمنا بدراسة مفصلة لذلك ، في نقدنا العام للديالكتيك . ( راجع فلسفتنا ) . وإنما يعنينا ونحن في المجال التاريخي ، أن نعرض نموذجاً للديالكتيك التاريخي ، إذ حاول أن يصطنع الديالكتيك ، في تفسير تطور المجتمع إلى رأسمالي ، ثم إلى الاشتراكية .
فكتب يقول - عن ملكية الصانع الخاصة لوسائل إنتاجه :
( ( إن الاستملاك الرأسمالي ، المطابق لنمو الإنتاج الرأسمالي . يشكّل النفي الأول لهذه الملكية الخاصة ، التي ليست إلا تابعاً للعمل المستقل الفردي . ولكن الإنتاج الرأسمالي ينسل هو ذاته ، نفيه بالحتمية ذاتها . التي تخضع لها تطورات الطبيعة . إنه نفي النفي . وهو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة ، بل ملكيته الفردية ، المؤسسة على مقتنيات ومكاسب العصر الرأسمالي ، وعلى التعاون والملكية المشتركة ، لجميع وسائل الإنتاج بما فيها الأرض ) )[1].
هل رأيتم كيف ينمو المعلول ، حتى يندمج مع علته في تركيب أغنى وأكمل ؟ . إن ملكية الصانع أو الحرفي الصغير ، لوسائل إنتاجه ، هي الأطروحة والعلة . وانتزاع الرأسمالي لتلك الوسائل منه ، وتملكه لا ، هو الطباق والمعلول . وحيث إن المعلول ينمو ويزدهر ، ويؤلف مع العلة تركيباً أكمل ، فإن الملكية الرأسمالية تتمخض عن


[1]( رأس المال ) ج 3 ، ق 2 ، ص 138 .


صفحه 72


الملكية الاشتراكية ، التي يعود فيها الحرفي مالكاً لوسائل إنتاجه ، بشكل أكثر كمالاً .
ومن حسن الحظ ، أنه لا يكفي أن يفترض الإنسان ، أطروحة وطباقاً وتركيباً ، في أحداث التاريخ والكون ، لكي يكون التاريخ والكون ديالكتيكياً . فإن هذا الديالكتيك ، الذي افترضه ماركس ، لا يعدو أن يكون لوناً من الجدل التجريدي في ذهنه ، وليس جدلاً أو ديالكتيكاً ( 2 ) للتاريخ . وإلا فمتى كانت ملكية الحرفي الخاصة ، لوسائل إنتاجه ، هي العلة لتملك الرأسمالي لها ؟ ‌ ! ليقال : إن النقيض ، ولد من نقيضة ، وإن الأطروحة أنشأت طباقاً .
إن ملكية الحرفين الخاصة ، لوسائل إنتاجهم ، لم تكن هي السبب في وجود الإنتاج الرأسمالي . وإنما وجد الإنتاج الرأسمالي ، نتيجة لتحول طبقة التجار - ضمن شروط معينة ، وبسبب تراكم ثرواتهم - إلى منتجين رأسماليين . وكانت ملكية الحرفيين ، لوسائل إنتاجهم ، بصورة مبعثرة ومتفرقة عقبة في وجه أولئك التجاريين ، الذين أصبحوا يمارسون الإنتاج الرأسمالي ، ويطمعون في السيطرة على مزيد من وسائل الإنتاج ، فاستطاعوا بنفوذهم ، أن يسحقوا في السيطرة على مزيد من وسائل الإنتاج ، فاستطاعوا بنفوذهم ، أن يسحقوا تلك العقبة ، وينتزعوا - بشكل أو آخر - وسائل الإنتاج ، من أيدي الحرفيين ، ليثبتوا بذلك أركان الإنتاج الرأسمالي ، ويوسعوا من مداه . فالإنتاج الرأسمالي وإن احتل مكان الإنتاج الفردي ، القائم على أساس ملكية الحرفي لوسائل إنتاجه ، ولكنه لم ينشأ عن ملكية الحرفي لأدوات إنتاجه ، كما ينشأ الطباق من الأطروحة ، وإنما نشأ من ظروف الطبقة التجارية ، وتراكم رأس المال عندها ، بدرجة جعلها تمارس الإنتاج الرأسمالي ، وبالتالي تسيطر على ممتلكات طبقة الحرفيين . وبكلمة واحدة : إن الشروط الخارجية - كالتجارة ، واستغلال المستعمرات ، واكتشاف المناجم - لو لم تمنح التجاريين ملكية ضخمة ، وقدرة على الإنتاج الرأسمالي ، وعلى تجريد الحرفيين أن تخلق نقيضها ، وتوجد الإنتاج الرأسمالي ، وتطور

( 1 ) الجدل والديالكتيك بمعنى واحد . ( من المؤلف )


صفحه 73


نفسها بالتالي إلى ملكية اشتراكية .
وهكذا لا نجد في المجال التاريخي - كما سنرى بصورة أكثر وضوحاً ، لدى دراستنا للمادية التاريخية ، في تفاصيلها ومراحلها - كما لم يوجد في المجال الكوني العام ، مثال واحد تنطبق عليه قوانين الديالكتيك ومفاهيمه عن السببية .
ج - النتيجة تناقض الطريقة :
ومن أقسى ما منيت به الماركسية ، في طريقتها الديالكتيكية ، أنها استعملت هذه الطريقة ، بشكل انتهى بها إلى نتائج غير ديالكتيكية ، ولأجل هذا قلنا - منذ البدء - : إن طريقة الماركسية في التحليل التاريخي ديالكتيكية ، ولكن مضمون الطريقة يناقض الديالكتيك . لأن الماركسية تقرر من ناحيتها ، أن التناقض الطبقي الذي يعكس تناقضات وسائل الإنتاج ، وعلاقات الملكية ، هو الأساس الرئيسي الوحيد ، للصراع في داخل المجتمع . وليست التناقضات الأخرى ، إلا نابعة منه . وتقرر في نفس الوقت ، أن القافلة البشرية سائرة - حتماً - في طريق محو الطبقية ، من المجتمع إلى الأبد . وذلك حين تدق أجراس النصر ، للطبقة العاملة ، ويولد المجتمع اللا طبقي ، وتدخل الإنسانية في الاشتراكية والشيوعية . فإذا كانت الطبقة وتناقضاتها ، ستزول في تلك المرحلة من حياة المجتمع ، فسوف ينقطع عنه المد التطوري وتنطفئ شعلة الحركة الأبدية ، وتحصل المعجزة التي تشل قوانين الديالكتيك عن العمل . وإلا فكيف تفسر الماركسية حركة الديالكتيك في المجتمع اللا طبقي ، ما دام التناقض الطبقي قد لاقى مصيره المحتوم ، وما دامت حركت الديالكتيك لا توجد إلا على أساس التناقض ؟ ! .
ولا يزال في متناول يدنا ، كلام ماركس الآنف الذكر ، الذي جعل ملكية الحرفي الخاصة أطروحة واعتبر أن الرأسمالية هي النفي الأول ( الطباق ) والاشتراكية هي نفي النفي ( التركيب ) . . . فبإمكاننا أن نسأل ماركس : هل سوف تكف قصة الأطروحة ، والطباق ، والركيب ، عن العمل ، بعد ذلك ، بالرغم من قوانين الديالكتيك العامة ؟ أو أنها ستستأنف ثالوثاً جديداً ؟ . وإذا كانت ستستمر ، فسوف


صفحه 74


تكون الملكية الاشتراكية هي الأطروحة . فما هو النقيض الذي ستلده وتنمو بالاندماج معه ؟ . يمكننا أن نفترض أن الملكية الشيوعية هي النقيض ، أو النفي الأول للاشتراكية ، ولكن ما هو نفي النفي ( التركيب ) ؟ . إن الديالكتيك سوف يبقى حائراً ، بإزاء تأكيد الماركسية ، على أن الشيوعية هي المرحلة العليا من التطور البشري .
في ضوء المادية التاريخية :
ولندرس الآن المادية التاريخية في ضوء جديد ، في ضوء المادية التاريخية ذاتها . وقد يبدو غريباً لأول وهلة ، أن تكون النظرية ، أداة للحكم على نفسها . غير أننا سنجد فيما يلي ، أن المادية التاريخية ، تكفي بمفردها للحكم على نفسها ، في مجال البحث العلمي .
إن المادية التاريخية لما كانت نظرية فلسفية عامة ، لتركيب المجتمع وتطوره ، فهي تعالج الأفكار والمعارف الإنسانية عامة ، بوصفها جزءاً من تركيب المجتمع الإنساني ، فتعطي رأيها في كيفية تكوّن المعرفة الإنسانية وتطورها ، كما تعطي رأيها في كيفية نشوء الأوضاع السياسة والدينية وغيرها . . . ولما كان الوضع الاقتصادي في رأي المادية التاريخية هو الأساس الواقعي للمجتمع بكل نواحيه ، فمن الطبيعي لها أن تفسر الأفكار والمعارف على أساسه ولذلك نجد المادية التاريخية ، تؤكد أن المعرفة الإنسانية ، ليست وليدة النشاط الوظيفي للدماغ فحسب ، وإنما يكمن سببها الأصيل ، في الوضع الاقتصادي . ففكر الإنسان ، انعكاس عقلي للأوضاع الاقتصادية ، والعلاقات الاجتماعية ، التي يعيشها وهو ينمو ويتطور ، طبقاً لتطور تلك الأوضاع والعلاقات .
وعلى هذا الأساس ، شيّدت الماركسية نظريتها في المعرفة ، وقالت بالنسبية التطورية ، وإن المعرفة ما دامت وليدة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية ، فهي ذات قيمة نسبية ، محدودة بتلك الظروف ، ومتطورة تبعاً لها . فلا توجد حقيقة مطلقة ، وإنما تتكشف الحقائق بشكل نسبي ، من خلال العلائق الاجتماعية ، وبالمقدار الذي تسمح به هذه العلائق .


صفحه 75


هذه هي النتيجة التي وصلت إليها المادية التاريخية في تحليل المجتمعات وهي النتيجة التي وصلت إليها المادية التاريخية في تحليل المجتمعات وهي النتيجة التي كان لابد لها أن تصل إليها ، وفقاً لطريقة فهمها للمجتمع والتاريخ .
وبالرغم من وصول الماركسية إلى هذه النتيجة ، في تحليلها الاجتماعي ، أبت أن تطبق هذه النتيجة على نظريتها التاريخية نفسها . فنادت بالمادية التاريخية التي لا تقبل التغيير والتعديل ، ولا يصيبها شيء من عطل أو عجز ، في المجرى للمعرفة البشرية كلها ، ولم تكلف الماركسية نفسها ، أن تتساءل . من أين نشا هذا المفهوم الماركسي ؟ أو أن تخضعه لنظريتها العامة في المعرفة . ولو كلفت الماركسية نفسها شيئاً من ذلك - كما يحتمه عليها الحساب العلمي - لإضطرت إلى القول : بأن المادية التاريخية ، بوصفها نظرية معينة ، قد انبثقت من خلال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية . فهي ككل نظرية أخرى ، نابعة من الظروف الموضوعية التي تعيشها .
وهكذا نجد ، كيف أن المادية التاريخية تحكم على نفسها ، من ناحية أنها تعتبر كل نظرية انعكاساً محدوداً للواقع الموضوعي الذي تعيشه . ولا تعدو هي بدورها أيضاً للواقع الموضوعي الذي تعيشه . ولا تعدو هي بدورها أيضاً ، أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهن إنساني ، عاش ظروفاً اجتماعية واقتصادية معينة . فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف ومتطورة تبعاً لتطورها ، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة الأبدية للتاريخ .
ونحن وإن كنا لا نؤمن بأن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ، هي السبب الوحيد لولادة النظريات والأفكار . ولكننا لا ننكر تأثيرها في تكوين كثير من الأفكار والنظريات ، ولنضرب لذلك مثلاً على مفاهيم المادية التاريخية ، وهو مفهوم ماركس الثوري للتاريخ فقد ظن ماركس ، ان إزالة المجتمع الرأسمالي ، أو أي مجتمع آخر ، لا يتم إلا باتصال ثوري ، بين طبقتيه الأساسيتين ، وهما طبقة البورجوازية ، وطبقة البروليتاريا . وعلى هذا الأساس اعتبر الثورة من أعم القوانين ، التي تسيطر على التاريخ البشري كله ، وجاء الماركسيون بعد ذلك . فبدلا عن محاولة استكشاف