بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 680


الذي يزحف ويترفع باستمرار ، تبعاً للتطورات المدنية في البلاد وزيادة الثروة الكلية . فإعطاء مفاهيم مرنة للفقر والغنى ، ووضع نظام الزكاة وما إليها على أساس هذه المفاهيم المرنة هو الكفيل بامكان استخدام الزكاة وغيرها لصالح التوازن الاجتماعي العام .
وليس غريباً إعطاء مفهوم مرن لمدلول تعلق به حكم شرعي ، كالفقر الذي ربطت به الزكاة . ولا يعني هذا تغير الحكم الشرعي ، بل هو حكم ثابت لمفهوم خاص ، والتغير إنما هو في واقع هذا المفهوم ، تبعاً للظروف .
ونظير هذا مفهوم الطب مثلاً ، فان الشرع حكم بوجوب تعلم الطب كفاية على المسلمين . وهذا الوجوب حكم ثابت ، تعلق بمفهوم خاص وهو ( الطب ) . ولكن ما هو مفهوم الطب ؟ وما يعني تعلم الطب ؟ . إن تعلم الطب هو دراسة المعلومات الخاصة ، التي تتوفر في ظروف ما عن الأمراض وطريقة علاجها . وهذه المعلومات الخاصة تنمو على مر الزمن ، تبعاً لتطور العلم . وتكامل التجربة . فما هي معلومات خاصة بالأمس ، لا تعتبر معلومات خاصة اليوم . ولا يكفي في طبيب اليوم أن يتقن ما كان يعرفه الأطباء الحاذقون في عصر النبوة ، ليكون ممثلاً الشرعي . وإذا كان طبيب اليوم غير طبيب عصر النبوة فمن المعقول أن يكون فقير اليوم في مفهوم الإسلام غير فقير عصر النبوة أيضاً .
2 - إيجاد قطاعات عامة :
ولم يكتف الإسلام بالضرائب التي شرعها لأجل إيجاد التوازن ، بل جعل الدولة مسؤولية عن الانفاق في القطاع العام لهذا الغرض . فقد جاء في الحدث عن الإمام موسى بن جعفر ( ع ) : أن على الوالي في حالة عدم كفاية الزكاة ، أن يمون الفقراء من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنون[1].
وكلمة : ( من عنده ) تدل على أن غير الزكاة من موارد بيت المال ، يتسع


[1]الأصول من الكافي ج 1 ، ص 541 .


صفحه 681


لاستخدامه في سبيل إيجاد التوازن ، بإناء الفقراء ، ورفع مستوى معيشتهم .
وقد شرح القرآن الكريم دور الفيء - الذي هو أحد موارد بيت المال - في إيجاد التوازن ، فقال : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ }[1].
وقد مر بنا : أن هذه الآية الكريمة تتحدث عن مصرف الفيء ، فتضع اليتامى والمساكين وابن السبيل ، إلى صف الله والرسول وذي القربى . وهذا يعني : أن الفيء معد للانفاق منه على الفقراء ، كما هو معد للانفاق منه على المصالح العامة المرتبطة بالله والرسول . وتدل الآية بوضوح على أن إعداد الفيء للانفاق منه على الفقراء ، يستهدف جعل المال متداولاً وموجوداً لدى جميع أفراد المجتمع ، ليحفظ بذلك التوازن الاجتماعي العام ، ولا يكون دولة بين الأغنياء خاصة .
والفئ في الأصل : ما يغنمه المسلمون من الكفار بدون قتال . وهو ملك للدولة ، أي للنبي والإمام باعتبار المنصب . ولذلك يعتبر الفيء نوعاً من الأنفال وهي الأموال التي جعلها الله ملكاً للمنصب الذي يمارسه النبي والإمام كالأراضي الموات أو المعادن على قول .
ويطلق الفيء في المصطلح التشريعي على الأنفال بصورة عامة ، بدليل ما جاء في حديث محمد بن مسلم عن الإمام الباقر ( ع ) أنه قال : ( ( الفيء والأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء ، وقوم صولحوا أو أعطوا بأيديهم وما كان من أرض حربة ، أو بطون أودية ، فهو كله من الفيء . . ) )[2]فان النص واضح في إطلاق اسم الفيء ، على غير ما يغنمه المسلمون من أنواع الأنفال . وفي ضوء هذا المصطلح التشريعي ، لا يختص الفيء حينئذ بالغنيمة المجردة عن القتال ، بل يصب تعبيراً عن جميع القطاع الذي يملكه منصب النبي والإمام[3].


[1]الحشر / 7 .
[2]الوسائل ج 6 ، ص 368 ، الحديث 12641 .
[3]ولابد أن ، يضاف إلى ذلك القول بإلغاء خصوصية المورد في الآية بالفهم العرفي .


صفحه 682


وعلى هذا الأساس نستطيع أن نستنج : أن الآية حددت حكم الأنفال بصورة عامة - تحت اسم : ألفيء . وبذلك نعرف أن الأنفال تستخدم في الشريعة لغرض حفظ التوازن ، وضمان تداول المال بين الجميع ، كما تستخدم للمصالح العامة[1].
3 - طبيعة التشريع الإسلامي :
والتوازن العام في المجتمع الإسلامي مدين بعد ذلك لمجموعة التشريعات الإسلامية في مختلف الحقول ، فإنها تساهم عند تطبيق الدولة لها ، في حماية التوازن .
ولا نستطيع أن نستوعب هنا مجموعة التشريعات ذات الصلة بمبدأ التوازن ، ونكشف عن أوجه الارتباط بينها وبينه . وإنما يكفي أن نشير هنا إلى محاربة الإسلام لاكتناز النقود ، وإلغائه للفائدة ، وتشريعة لأحكام الإرث وإعطاء الدولة صلاحيات ضمن منطقة الفراغ المتروكة لها في التشريع الإسلامي وإلغاء الاستثمار للثروات الطبيعية الخام ، إلى غير ذلك من الأحكام .
فالمنع عن اكتناز النقود وإلغاء الفائدة ، يقضي على دور المصارف الرأسمالية في إيجاد التناقض والاخلال بالتوازن الاجتماعي وينتزع منها قدرتها على اقتناص الجزء الكبير من ثروة البلاد الأمر الذي تمارسه تلك المصارف في البلاد الرأسمالية عن طريق تشجيع الناس على الادخار ، واغرائهم بالفائدة .
وينتج عن الموقف الإسلامي طبيعياً عدم قدرة رأس المال الفردي غالباً ، على التوسع في حقول الإنتاج والتجارة ، بالدرجة التي تصر التوازن ، لأن توسع الأفراد في مشاريع الإنتاج والتجارة ، إنما يعتمد في مجتمع كالمجتمع الرأسمالي على المصارف الرأسمالي ، التي تمد تلك المشاريع بحاجتها إلى المال ، أن تكدس في خزائنها النقد بشكل هائل ، ولا أن تمد المشاريع الفردية بالقروض . فتبقى النشاطات الخاصة على الصعيد


[1]لاحظ الوسائل ج 6 ، ص 364 ، وتفسير القمي ج 1 ، ص 278 وج 2 ، ص 176 .


صفحه 683


الاقتصادي في الحدود المعقولة التي تواكب التوازن العام . وتترك - طبيعياً - المشاريع الكبرى في الإنتاج إلى الملكيات العامة .
وتشريع أحكام الإرث ، الذي تقسم التركة بموجبه عالياً على عدد من الأقرباء الورثة . . يعتبر ضماناً آخر للتوازن ، لأنه يفتت الثروات باستمرار ويحول دون تكدسها عن طريق تقسيمها على الأقرباء ، وفقاً لما تقرره أحكام الميراث . ففي نهاية كل جيل تكون ثروات الأفراد الأغنياء قد قسمت غالباً على مجموعة أكبر عدداً منهم وقد يلغ المالكون الجدد للثروة المتروكة أضعاف ملاكها الأولين .
والصلاحيات الممنوحة للدول لملء منطقة الفراغ ، لها أثر كبير في حماية التوازن ، كما سنجد في البحث المقبل .
وكذلك الغاء الاستثمار الرأسمالي للثروات الطبيعية الخام ، يعبر عن وضع نقطة انطلاق للنشاط الاقتصادي ، تؤدي بطبيعتها إلى التوازن ، لأن استخدام الثروات الطبيعية هو نقطة الانطلاق الرئيسية في النشاط الاقتصادي .
فإذا وضعت المباشرة شرطاً أساسياً ، في تملك الثروات الخام من الطبيعة كما يرى بعض الفقهاء ، ومنع عن تسخير الآخرين في هذا السبيل . . . فقد حدد توزيع تلك الثروات بشكل يحقق التوازن ، ولم يسمح لنفر قليل بالاستيلاء عليها ، عن طريق تسخير الآخرين لخدمتهم في هذا المجال ، الأمر الذي يعصف بالتوازن ، يضع بذرة التناقض والاختلال منذ البداية .


صفحه 684


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 685


3 - مبدأ تدخّل الدولة تدخّل الدولة في الحياة الاقتصادية ، يعتبر من المبادئ المهمة في الإقتصاد الإسلامي ، التي تمنحه القوة والقدرة على الاستيعاب والشمول .
ولا يقتصر تدخل الدولة على مجرد تطبيق الاحكام الثابتة في الشريعة ، بل يمتد إلى ملء منطقة الفراغ من التشريع . فهي تحرص من ناحية على تطبق العناصر الثابتة من التشريع ، وتضع من ناحية أخرى العناصر المتحركة وفقاً للظروف .
ففي مجال التطبيق تتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية ، لضمان تطبق أحكام الإسلام ، التي تتصل بحياة الأفراد الاقتصادية . فتحول مثلا دون تعامل الناس بالربا ، أو السيطرة على الأرض بدون احياء ، كما تمارس الدولة نفسها تطبيق الاحكام التي ترتبط بها مباشرة ، فتحقق مثلاً الضمان الاجتماعي والتوازن العام في الحياة الاقتصادية بالطريقة التي سمح الإسلام باتباعها ، لتحقيق تلك المبادئ .
وفي المجال التشريعي تملاً الدولة منطقة الفراغ التي تركها التشريع الإسلامي للدولة ، لكي تملأها في ضوء الظروف المتطورة ، بالشكل الذي يضمن الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي ، ويحقق الصورة الإسلامية للعدالة الاجتماعية[1].


[1]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 253 والأصول من الكافي ج 1 ، ص 314 ، الحديث 14 ، والبحار ج 89 ، ص 196 ، وتحف العقول ص 347 ، والمكاسب للأنصاري ، ج 1 ، ص 25 .


صفحه 686


وقد أشرنا في مستهل هذه البحوث إلى منطقة الفراغ هذه ، وعرفنا أن من الضروري دراستها خلال علمية الاكتشاف لأن الموقف الإيجابي للدولة من هذه المنطقة ، بدخل ضمن الصورة التي نحاول اكتشافها ، بوصفه العنصر المتحرك في الصورة الذي يمنحها القدرة على أداء رسالتها ، ومواصلة حياتها على الصعيدين النظري والواقعي في مختلف العصور .
لماذا وضعت منطقة فراغ ؟
والفكرة الأساسية لمنطقة الفراغ هذه ، تقوم على أساس : أن الإسلام لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة الاقتصادية بوصفها علاجاً موقوتاً ، أو تنظيماً مرحلياً ، يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن إلى شكل آخر من اشكال التنظيم . وإنما يقدمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور . فكان لابد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب ، أن ينعكس تطور العصور فيها ، ضمن عنصر متحرك ، يمد الصورة بالقدرة على التكيف وفقاً لظروف مختلفة .
ولكي نستوعب تفصيلات هذه الفكرة يجب أن نحدد الجانب المتطور من حياة الانسان الاقتصادية ، ومدى تأثيره على الصورة التشريعية التي تنظم تلك الحياة .
فهناك في الحياة الاقتصادية علاقات الانسان بالطبيعة ، أو الثروة التي تتمثل في أساليب إنتاجه لها ، وسيطرته عليها وعلاقات الانسان بأخيه الانسان ، التي تنعكس في الحقوق والامتيازات التي يحصل عليها هذا أو ذاك .
والفارق بين هذين النوعين من العلاقات : أن الانسان يمارس النوع الأول من العلاقات ، سواء كان يعيش ضمن جماعة أم كلا منفصلا عنها ، فهو يشتبك على أي حال مع الطبيعة في علاقات معينة ، يحددها مستوى خبرته ومعرفته ، فيصطاد الطير ، ويزرع الأرض ، ويستخرج الفحم ، ويغزل الصوف بالأساليب التي يجيدها . فهذه العلاقات بطبيعتها لا يتوقف قيامها بين الطبيعة والانسان على وجوده ضمن جماعة ، وإنما أثر الجماعة على هذه العلاقات ، أنها تؤدي إلى تجميع خبرات وتجارب متعددة ،


صفحه 687


وتنمية الرصيد البشري لمعرفة الطبيعة ، وتوسعة حاجات الانسان ورغباته تبعاً لذلك .
وأما علاقات الانسان بالانسان ، التي تحددها الحقوق ، والامتيازات والواجبات ، فهي بطبيعتها تتوقف على وجود الانسان ضمن الجماعة . فما لم يكن الانسان كذلك ، لا يقدم على جعل حقوق له وواجبات عليه . فحق الانسان في الأرض التي أحياها ، وحرمانه من الكسب بدون عمل عن طريق الربا ، والزامه بإشباع حاجاته . . كل هذه العلاقات لا معنى لها إلا في ظل جماعة .
والإسلام - كما نتصوره - يميز بين هذين النوعين من العلاقات . فهو يرى أن علاقات الانسان بالطبيعة أو الثروة ، تتطور عبر الزمن - تبعاً للمشاكل المتجددة التي يواجهها الانسان باستمرار وتتابع ، خلال ممارسته للطبيعة ، والحلول المتنوعة التي يتغلب بها على تلك المشاكل . وكلما تطورت علاقاته بالطبيعة ازداد سيطرة عليها ، وقوة في وسائله وأساليبه[1].
وأما علاقات الانسان بأخيه ، فهي ليست متطورة بطبيعتها ، لأنها تعالج مشاكل ثابتة جوهرياً ، مهما اختلف إطارها ومظهرها . فكل جماعة تسيطر خلال علاقاتها بالطبيعة على ثروة ، تواجه مشكلة توزيعها ، وتحديد حقوق الأفراد والجماعة فيها ، سواء كان الإنتاج لدى الجماعة على مستوى البخار والكهرباء ، أم على مستوى الطاحونة اليدوية .
ولأجل ذلك يرى الإسلام : أن الصورة التشريعية التي ينظم بها تلك العلاقات ، وفقاً لتصوراته للعدالة . . قابلة للبقاء والثبات من الناحية النظرية لأنها تعالج مشاكل ثابتة . فالمبدأ التشريعي القائل - مثلاً - : إن الحق الخاص في المصادر الطبيعية يقوم على أساس العمل . يعالج مشكلة عامة يستوي فيها عصر المحراث البسيط وعصر الآلة المعقدة ، لأن طريقة توزيع المصادر الطبيعية على الأفراد ، مسألة قائمة في كلا العصرين .


[1]لاحظ الميزان ج 4 ، ص 121 .