3 - مبدأ تدخّل الدولة تدخّل الدولة في الحياة الاقتصادية ، يعتبر من المبادئ المهمة في الإقتصاد الإسلامي ، التي تمنحه القوة والقدرة على الاستيعاب والشمول .
ولا يقتصر تدخل الدولة على مجرد تطبيق الاحكام الثابتة في الشريعة ، بل يمتد إلى ملء منطقة الفراغ من التشريع . فهي تحرص من ناحية على تطبق العناصر الثابتة من التشريع ، وتضع من ناحية أخرى العناصر المتحركة وفقاً للظروف .
ففي مجال التطبيق تتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية ، لضمان تطبق أحكام الإسلام ، التي تتصل بحياة الأفراد الاقتصادية . فتحول مثلا دون تعامل الناس بالربا ، أو السيطرة على الأرض بدون احياء ، كما تمارس الدولة نفسها تطبيق الاحكام التي ترتبط بها مباشرة ، فتحقق مثلاً الضمان الاجتماعي والتوازن العام في الحياة الاقتصادية بالطريقة التي سمح الإسلام باتباعها ، لتحقيق تلك المبادئ .
وفي المجال التشريعي تملاً الدولة منطقة الفراغ التي تركها التشريع الإسلامي للدولة ، لكي تملأها في ضوء الظروف المتطورة ، بالشكل الذي يضمن الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي ، ويحقق الصورة الإسلامية للعدالة الاجتماعية[1].
[1]لاحظ علل الشرائع ج 1 ، ص 253 والأصول من الكافي ج 1 ، ص 314 ، الحديث 14 ، والبحار ج 89 ، ص 196 ، وتحف العقول ص 347 ، والمكاسب للأنصاري ، ج 1 ، ص 25 .
وقد أشرنا في مستهل هذه البحوث إلى منطقة الفراغ هذه ، وعرفنا أن من الضروري دراستها خلال علمية الاكتشاف لأن الموقف الإيجابي للدولة من هذه المنطقة ، بدخل ضمن الصورة التي نحاول اكتشافها ، بوصفه العنصر المتحرك في الصورة الذي يمنحها القدرة على أداء رسالتها ، ومواصلة حياتها على الصعيدين النظري والواقعي في مختلف العصور .
لماذا وضعت منطقة فراغ ؟
والفكرة الأساسية لمنطقة الفراغ هذه ، تقوم على أساس : أن الإسلام لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة الاقتصادية بوصفها علاجاً موقوتاً ، أو تنظيماً مرحلياً ، يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن إلى شكل آخر من اشكال التنظيم . وإنما يقدمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور . فكان لابد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب ، أن ينعكس تطور العصور فيها ، ضمن عنصر متحرك ، يمد الصورة بالقدرة على التكيف وفقاً لظروف مختلفة .
ولكي نستوعب تفصيلات هذه الفكرة يجب أن نحدد الجانب المتطور من حياة الانسان الاقتصادية ، ومدى تأثيره على الصورة التشريعية التي تنظم تلك الحياة .
فهناك في الحياة الاقتصادية علاقات الانسان بالطبيعة ، أو الثروة التي تتمثل في أساليب إنتاجه لها ، وسيطرته عليها وعلاقات الانسان بأخيه الانسان ، التي تنعكس في الحقوق والامتيازات التي يحصل عليها هذا أو ذاك .
والفارق بين هذين النوعين من العلاقات : أن الانسان يمارس النوع الأول من العلاقات ، سواء كان يعيش ضمن جماعة أم كلا منفصلا عنها ، فهو يشتبك على أي حال مع الطبيعة في علاقات معينة ، يحددها مستوى خبرته ومعرفته ، فيصطاد الطير ، ويزرع الأرض ، ويستخرج الفحم ، ويغزل الصوف بالأساليب التي يجيدها . فهذه العلاقات بطبيعتها لا يتوقف قيامها بين الطبيعة والانسان على وجوده ضمن جماعة ، وإنما أثر الجماعة على هذه العلاقات ، أنها تؤدي إلى تجميع خبرات وتجارب متعددة ،
وتنمية الرصيد البشري لمعرفة الطبيعة ، وتوسعة حاجات الانسان ورغباته تبعاً لذلك .
وأما علاقات الانسان بالانسان ، التي تحددها الحقوق ، والامتيازات والواجبات ، فهي بطبيعتها تتوقف على وجود الانسان ضمن الجماعة . فما لم يكن الانسان كذلك ، لا يقدم على جعل حقوق له وواجبات عليه . فحق الانسان في الأرض التي أحياها ، وحرمانه من الكسب بدون عمل عن طريق الربا ، والزامه بإشباع حاجاته . . كل هذه العلاقات لا معنى لها إلا في ظل جماعة .
والإسلام - كما نتصوره - يميز بين هذين النوعين من العلاقات . فهو يرى أن علاقات الانسان بالطبيعة أو الثروة ، تتطور عبر الزمن - تبعاً للمشاكل المتجددة التي يواجهها الانسان باستمرار وتتابع ، خلال ممارسته للطبيعة ، والحلول المتنوعة التي يتغلب بها على تلك المشاكل . وكلما تطورت علاقاته بالطبيعة ازداد سيطرة عليها ، وقوة في وسائله وأساليبه[1].
وأما علاقات الانسان بأخيه ، فهي ليست متطورة بطبيعتها ، لأنها تعالج مشاكل ثابتة جوهرياً ، مهما اختلف إطارها ومظهرها . فكل جماعة تسيطر خلال علاقاتها بالطبيعة على ثروة ، تواجه مشكلة توزيعها ، وتحديد حقوق الأفراد والجماعة فيها ، سواء كان الإنتاج لدى الجماعة على مستوى البخار والكهرباء ، أم على مستوى الطاحونة اليدوية .
ولأجل ذلك يرى الإسلام : أن الصورة التشريعية التي ينظم بها تلك العلاقات ، وفقاً لتصوراته للعدالة . . قابلة للبقاء والثبات من الناحية النظرية لأنها تعالج مشاكل ثابتة . فالمبدأ التشريعي القائل - مثلاً - : إن الحق الخاص في المصادر الطبيعية يقوم على أساس العمل . يعالج مشكلة عامة يستوي فيها عصر المحراث البسيط وعصر الآلة المعقدة ، لأن طريقة توزيع المصادر الطبيعية على الأفراد ، مسألة قائمة في كلا العصرين .
[1]لاحظ الميزان ج 4 ، ص 121 .
والإسلام في هذا يخالف الماركسية ، التي تعتقد أن علاقات الانسان بأخيه ، تتطور تبعاً لتطور علاقاته بالطبيعة ، وتربط شكل التوزيع بطريقة الإنتاج ، وترفض امكان بحث مشاكل الجماعة ، إلا في إطار علاقتها بالطبيعة ، كما مر بنا عرضه ونقده في بحوث الكتاب الأول من اقتصادنا .
ومن الطبيعي - على هذا الأساس - أن يقدم الإسلام مبادئه النظرية والتشريعية ، بوصفها قادرة على تنظيم علاقات الانسان في عصور مختلفة .
ولكن هذا لا يعني جاز إهمال الجانب المتطور ، وهو علاقات الانسان بالطبيعة وإخراج تأثير هذا الجانب من الحساب فان تطور قدرة الانسان على الطبيعة ، ونمو سيطرته على ثرواتها ، يطور وينمي باستمرار خطر الانسان على الجماعة ، ويضع في خدمته باستمرار امكانات جديدة للتوسع ، ولتهديد الصورة المتبناة للعدالة الاجتماعية .
فالمبدأ التشريعي القائل مثلا : ان من عمل في أرض ، وأنفق عليها جهداً حتى أحياها ، فهو أحق بها من غيره . . يعتبر في نظر الإسلام عادلاً ، لأن من الظلم أن يساوى بين العامل الذي أنفق على الأرض جهده ، وغيره ممن لم يعمل فيها شيئاً . ولكن هذا المبدأ بتطور قدرة الانسان على الطبيعة ونموها ، يصبح من الممكن استغلاله . ففي عصر كان يقوم احياء الأرض فيه على الأساليب القديمة ، لم يكن يتاح للفرد أن يباشر عمليات الاحياء إلا في مساحات صغيرة . وأما بعد أن تنمو قدرة الانسان ، وتتوفر لديه وسائل السيطرة على الطبيعة ، فيصبح بإمكان أفراد قلائل ممن تواتيهم ويسيطروا عليها ، الأمر الذي يزعزع العدالة الاجتماعية ومصالح الجماعة . فكان لا بد للصورة التشريعية من منطقة فراغ ، يمكن ملؤها حسب الظروف . فيسمح بالاحياء سماحاً عاماً في العصر الأول ويمنع الأفراد في العصر الثاني - منعاً تكليفياً - عن ممارسة الاحياء ، إلا في حدود تتناسب مع أهداف الاقتصاد الإسلامي وتصوراته عن العدالة .
< فهرس الموضوعات > منطقة الفراغ ليست نقصاً < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الدليل التشريعي < / فهرس الموضوعات > وعلى هذا الأساس وضع الإسلام منطقة الفراغ في الصورة التشريعية التي نظم بها الحياة الاقتصادية ، لتعكس العنصر المتحرك وتواكب تطور العلاقات بين الانسان والطبيعة ، وتدرأ الأخطار التي قد تنجم عن هذا التطور المتنامي على مر الزمن .
منطقة الفراغ ليست نقصاً :
ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية ، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث . بل تعبر عن استيعاب الصورة . وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة ، لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعين نقصاً أو اهمالاً ، وإنما حددت للمنطقة أحكامها يمنح كل حادثة صفتها التشريعية الأصيلة ، مع اعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية ، حسب الظروف . فاحياء الفرد للأرض مثلا عملية مباحة تشريعياً بطبيعتها ، ولولي الأمر حق المنع عن ممارستها ، وفقاً لمقتضيات الظروف .
الدليل التشريعي :
والدليل على إعطاء ولي الأمر صلاحيات كهذه ، لملء منطقة الفراغ ، هو النص القرآني الكريم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ }[1].
وحدد منطقة الفراغ التي لها صلاحيات أولي الأمر ، تضم في ضوء هذا النص الكريم كل فعل مباح تشريعاً بطبيعته فأي نشاط وعمل لم يرد نص تشريعي يدل على حرمته أو وجوبه . . يسمح لولي الأمر باعطائه صفة ثانوية ، بالمنع عنه أو الأمر به . فإذا منع الإمام عن فعل مباح بطبيعته ، أصبح حراماً ، وإذا أمر به ، أصبح واجباً . وأما الأفعال التي ثبت تشريعياً تحريمها بشكل عام ، كالربا مثلاً ، فليس من حق ولي الأمر ، الأمر بها . كما أن الفعل الذي حكمت الشريعة بوجوبه ، كانفاق الزوج على
[1]النساء / 69 .
زوجته ، لا يمكن لولي الأمر المنع عنه ، لأن طاعة أولي الأمر مفروضة في الحدود التي لا تتعارض مع طاعة الله وأحكامه العامة . فألوان النشاط المباحة بطبيعتها في الحياة الاقتصادية هي التي تشكّل منطقة الفراغ[1].
نماذج :
وفي النصوص المأثورة نماذج عديدة ، لاستعمال ولي الأمر صلاحياته في حدود منطقة الفراغ . وهذه النماذج تلقي ضوءاً على طبيعة المنطقة ، وأهمية دورها الايجابي في تنظيم الحياة الاقتصادية . ولهذا نستعرض فيما يلي قيماً من تلك النماذج ، مدعماً بالنصوص :
أ - جاء في النصوص : أن النبي نهى عن منع فضل الماء والكلأ . فعن الإمام الصادق أنه قال : ( ( قضى رسول الله بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع فضل ماء وكلاء ) )[2].
وهذا النهي نهي تحريم كما يقتضيه لفظ النهي عرفاً . وإذا جمعنا إلى ذلك رأي جمهور الفقهاء القائل : بأن منع الانسان غيره من فضل ما يملكه من ماء وكلاء ، ليس من المحرمات الأصيلة في الشريعة ، كمنع الزوجة نفقتها وشرب الخمر . . أمكننا أن نستنتج : أن النهي من النبي صد عنه ، بوصفه ولي الأمر .
فهو ممارسة لصلاحياته في ملء منطقة الفراغ حسب مقتضيات الظروف لأن مجتمع المدينة كان بحاجة شديدة إلى إنماء الثروة الزراعية والحيوانية ، فألزمت الدولة الأفراد ببذل ما يفضل من مائهم وكلأهم للآخرين ، تشجيعاً للثروات الزراعية والحيوانية .
وهكذا نرى أن بذل فضل الماء والكلاء فعل مباح بطبيعته وقد ألزمت به الدولة إلزاماً تكليفياً ، تحقيقاً لمصلحة واجبة .
[1]لاحظ الأصول من الكافي ج 1 ، ص 390 و 405 ، وعلل الشرائع ج 1 ، ص 253 ، وإيصال الطالب ج 7 ، ص 168 و 204 .
[2]الفروع من الكافي ج 5 ، ص 294 ، مع اختلاف .
ب - ورد عن النبي ( ص ) النهي عن بيع الثمرة قبل نضجها[1]. ففي الحديث عن الصادق ( ع ) : أنه سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض ، فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها ؟ فقال : ( ( قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله ( ص ) ، فكانوا يذكرون ذلك فلما رآهم لا يدعون الخصومة ، نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ، ولم يحرّمه ، ولكنه فعل ذلك من أجل خصومتهم ) )[2]. وفي حديث آخر : أن رسول الله أحل ذلك فاختلفوا . فقال : لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها[3].
فبيع الثمرة قبل بدو صلاحها عملية مباحة بطبيعتها وقد أباحتها الشريعة الإسلامية بصورة عامة . ولكن النبي نهى عن هذا البيع بوصفه ولي الأمر ، دفعاً لما يسفر عنه من مفاسد وتناقضات .
ج - ونقل الترمذي عن رافع بن خديج أنه قال : نهانا رسول الله ( ص ) عن أمر كان لنا نافعاً ، إذا كانت لأحدنا أرض أن يعطيها ببعض خراجها أو بدراهم ، وقال : إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها[4].
ونحن حين نجمع بين قصة هذا النهي ، واتفاق الفقهاء على عدم حرمة كراء الأرض في الشريعة بصورة عامة ، ونضيف إلى ذلك نصوصاً كثيرة واردة عن الصحابة ، تدل على جواز إجارة الأرض . . نخرج بتفسير معين النص الوارد في خبر رافع بن خديج وهو أن النهي كان صادراً من النبي بوصفه ولي الأمر وليس حكماً شرعياً عاماً .
فإجارة الأرض بوصفها عملاً من الأعمال المباحة بطبيعتها ، يمكن للنبي المنع عنها باعتباره ولي الأمر منعاً تكليفياً ، وفقاً لمقتضيات الموقف .
د - جاءت في عهد الإمام عليه السلام إلى مالك الأشتر أوامر مؤكدة بتحديد الأسعار ، وفقاً لمقتضيات العدالة . قد تحدث الإمام إلى واليه عن التجار ،
[1]لاحظ وسائل ج 13 ، ص 6 ، الحديث 23522 و 23523 .
[2]الوسائل ج 13 ج 3 ، الحديث 23510 .
[3]الوسائل ج 13 ، ص 3 ، الحديث 23512 ، مع اختلاف .
[4]سنن النسائي ج 7 ، ص 33 ، ومختصر سنن أبي داود ج 5 ، ص 62 ، الحديث 3254 .
وأوصاه بهم ، ثم عقب ذلك قائلاً : ( ( واعمل - مع ذلك - أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً ، وشحاً قبيحاً ، واحتكاراً للمنافع ، وتحكماً في البياعات . وذلك باب مضرة للعامة ، وعيب على الولاة . فامنع من الاحتكار فان رسول الله ( ص ) منع منه . وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين في البائع والمبتاع ) )[1].
ومن الواضح فقهياً : أن البائع يباح له البيع بأي سعر أحب ، ولا تمنع الشريعة منعاً عاماً عن بيع المالك للسلعة بسعر مجحف . فأمر الإمام بتحديد السعر ، ومنع الاتجار عن البيع بثمن أكبر . . صادر منه بوصفه ولي الأمر . فهو استعمال لصلاحياته في ملء منطقة الفراغ ، وفقاً لمقتضيات العدالة الاجتماعية التي يتبناها الإسلام[2].
[1]نهج البلاغة ص 438 ، الرسالة 53 .
[2]لاحظ الحدائق الناضرة ج 20 ، ص 80 ، والوسائل ج 12 ، ص 311 .