زوجته ، لا يمكن لولي الأمر المنع عنه ، لأن طاعة أولي الأمر مفروضة في الحدود التي لا تتعارض مع طاعة الله وأحكامه العامة . فألوان النشاط المباحة بطبيعتها في الحياة الاقتصادية هي التي تشكّل منطقة الفراغ[1].
نماذج :
وفي النصوص المأثورة نماذج عديدة ، لاستعمال ولي الأمر صلاحياته في حدود منطقة الفراغ . وهذه النماذج تلقي ضوءاً على طبيعة المنطقة ، وأهمية دورها الايجابي في تنظيم الحياة الاقتصادية . ولهذا نستعرض فيما يلي قيماً من تلك النماذج ، مدعماً بالنصوص :
أ - جاء في النصوص : أن النبي نهى عن منع فضل الماء والكلأ . فعن الإمام الصادق أنه قال : ( ( قضى رسول الله بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع فضل ماء وكلاء ) )[2].
وهذا النهي نهي تحريم كما يقتضيه لفظ النهي عرفاً . وإذا جمعنا إلى ذلك رأي جمهور الفقهاء القائل : بأن منع الانسان غيره من فضل ما يملكه من ماء وكلاء ، ليس من المحرمات الأصيلة في الشريعة ، كمنع الزوجة نفقتها وشرب الخمر . . أمكننا أن نستنتج : أن النهي من النبي صد عنه ، بوصفه ولي الأمر .
فهو ممارسة لصلاحياته في ملء منطقة الفراغ حسب مقتضيات الظروف لأن مجتمع المدينة كان بحاجة شديدة إلى إنماء الثروة الزراعية والحيوانية ، فألزمت الدولة الأفراد ببذل ما يفضل من مائهم وكلأهم للآخرين ، تشجيعاً للثروات الزراعية والحيوانية .
وهكذا نرى أن بذل فضل الماء والكلاء فعل مباح بطبيعته وقد ألزمت به الدولة إلزاماً تكليفياً ، تحقيقاً لمصلحة واجبة .
[1]لاحظ الأصول من الكافي ج 1 ، ص 390 و 405 ، وعلل الشرائع ج 1 ، ص 253 ، وإيصال الطالب ج 7 ، ص 168 و 204 .
[2]الفروع من الكافي ج 5 ، ص 294 ، مع اختلاف .
ب - ورد عن النبي ( ص ) النهي عن بيع الثمرة قبل نضجها[1]. ففي الحديث عن الصادق ( ع ) : أنه سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض ، فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها ؟ فقال : ( ( قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله ( ص ) ، فكانوا يذكرون ذلك فلما رآهم لا يدعون الخصومة ، نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ، ولم يحرّمه ، ولكنه فعل ذلك من أجل خصومتهم ) )[2]. وفي حديث آخر : أن رسول الله أحل ذلك فاختلفوا . فقال : لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها[3].
فبيع الثمرة قبل بدو صلاحها عملية مباحة بطبيعتها وقد أباحتها الشريعة الإسلامية بصورة عامة . ولكن النبي نهى عن هذا البيع بوصفه ولي الأمر ، دفعاً لما يسفر عنه من مفاسد وتناقضات .
ج - ونقل الترمذي عن رافع بن خديج أنه قال : نهانا رسول الله ( ص ) عن أمر كان لنا نافعاً ، إذا كانت لأحدنا أرض أن يعطيها ببعض خراجها أو بدراهم ، وقال : إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها[4].
ونحن حين نجمع بين قصة هذا النهي ، واتفاق الفقهاء على عدم حرمة كراء الأرض في الشريعة بصورة عامة ، ونضيف إلى ذلك نصوصاً كثيرة واردة عن الصحابة ، تدل على جواز إجارة الأرض . . نخرج بتفسير معين النص الوارد في خبر رافع بن خديج وهو أن النهي كان صادراً من النبي بوصفه ولي الأمر وليس حكماً شرعياً عاماً .
فإجارة الأرض بوصفها عملاً من الأعمال المباحة بطبيعتها ، يمكن للنبي المنع عنها باعتباره ولي الأمر منعاً تكليفياً ، وفقاً لمقتضيات الموقف .
د - جاءت في عهد الإمام عليه السلام إلى مالك الأشتر أوامر مؤكدة بتحديد الأسعار ، وفقاً لمقتضيات العدالة . قد تحدث الإمام إلى واليه عن التجار ،
[1]لاحظ وسائل ج 13 ، ص 6 ، الحديث 23522 و 23523 .
[2]الوسائل ج 13 ج 3 ، الحديث 23510 .
[3]الوسائل ج 13 ، ص 3 ، الحديث 23512 ، مع اختلاف .
[4]سنن النسائي ج 7 ، ص 33 ، ومختصر سنن أبي داود ج 5 ، ص 62 ، الحديث 3254 .
وأوصاه بهم ، ثم عقب ذلك قائلاً : ( ( واعمل - مع ذلك - أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً ، وشحاً قبيحاً ، واحتكاراً للمنافع ، وتحكماً في البياعات . وذلك باب مضرة للعامة ، وعيب على الولاة . فامنع من الاحتكار فان رسول الله ( ص ) منع منه . وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين في البائع والمبتاع ) )[1].
ومن الواضح فقهياً : أن البائع يباح له البيع بأي سعر أحب ، ولا تمنع الشريعة منعاً عاماً عن بيع المالك للسلعة بسعر مجحف . فأمر الإمام بتحديد السعر ، ومنع الاتجار عن البيع بثمن أكبر . . صادر منه بوصفه ولي الأمر . فهو استعمال لصلاحياته في ملء منطقة الفراغ ، وفقاً لمقتضيات العدالة الاجتماعية التي يتبناها الإسلام[2].
[1]نهج البلاغة ص 438 ، الرسالة 53 .
[2]لاحظ الحدائق الناضرة ج 20 ، ص 80 ، والوسائل ج 12 ، ص 311 .
المَلاحِق
< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >
< فهرس الموضوعات > ( 1 ) بحث في استثناءات من ملكية المسلمين لأراضي الفتح < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > حكم الأرض العامرة بعد تشريع حكم الأنفال < / فهرس الموضوعات > ( 1 ) بحث في استثناءات من ملكية المسلمين لأراضي الفتح حكم الأرض العامرة بعد تشريع حكم الأنفال :
في الأوساط الفقهية رأي يميز بين نوعين من الأرض العامرة حال الفتح :
أحدهما : الأرض التي كان اعمار الكفار لها متقدماً زمنياً على تشريع ملكية الإمام للأنفال بما فيها الأرض الميتة ، كما إذا كانت الأرض معمورة منذ الجاهلية .
والآخر الأرض التي يرجع عمرانها حال الفتح إلى تاريخ متأخر عن زمان ذلك التشريع ، كما إذا فتح المسلمون أرضاً عامرة في سنة خمسين للهجرة ، وكان بدء عمرانها بعد نزول سورة الأنفال ، أو بعد وفاة النبي ( ص ) مثلاً .
فالنوع الأول من الأرض العامرة حال الفتح ، يملكه المسلمون ملكية عامة . وأما النوع الثاني ، فلا يملكه المسلمون ، وإنما هو ملك للإمام .
قال الفقيه المحقق صاحب الجواهر في بحوث الخمس من كتابه : ( ( إطلاق الأصحاب والأخبار ، ملكية عامر الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين يراد به ما أحياه الكفار من الموات قبل أن يجعل الله الأنفال لنبيه ( ص ) ، وإلا فهو له أيضاً ، وإن كان معموراً وقت الفتح ) ) . وخالف ذلك
في بحوث احياء الموات من كتابه[1].
والباعث على التمييز فقهياً بين هذين النوعين من الأرض العامرة حال الفتح ، هو التسليم المسبق بنقطتين ، وهما كما يلي :
( أ ) أن الكافر لا يملك الأرض بالاحياء ، بعد تشريع حكم الأنفال ، لأن الأرض تصبح بموجب هذا التشريع ملكاً للإمام ، وهو لم يأذن للكافر بالإحياء لكي يملك الأرض التي يحييها .
( ب ) أن المسلمين إنما يغنمون ويملكون شرعاً بالفتح أموال الكفار ، لا أموال الإمام التي في سيطرتهم .
ويستخلص من ذلك : أن الأرض التي أحياها الكافر بعد تشريع حكم الأنفال ، تظل ملكاً للإمام ، ولا يملكها الكافر بالاحياء كما تقرره النقطة الأولى ، فإذا فتحها المسلمون لم يملكوها ، لأنها ليست من أموال الكافر ، بل من أموال الإمام ، وهم إنما يملكون ما يغنمونه من الكفار ، كما مر في النقطة الثانية .
وهذا الرأي الذي يستهدف التمييز بين هذين النوعين ، يحتاج إلى شيء من التمحيص ، لأننا إذا در [ NOOR 1 ] سنا النصوص التشريعية التي تمنح المسلمين الأموال التي أخذوها بالسيف من الكفار ، بما فيها الأرض . . نجد أنفسنا بين فرضيتين : إحداهما : أن تكون الأموال الممنوحة للمسلمين بالفتح في هذه النصوص : كل مال كان ملكاً أو حقاً في الدرجة السابقة للكافر . والأخرى : أن تكون الأموال الممنوحة في تلك النصوص : كل مال أخذ من الكافر وانتزع من سيطرته بالفتح بقطع النظر عن طبيعة العلاقة الشرعية للكافر بالمال .
فعلى الفرضية الأولى في فهم تلك النصوص ، يجب - لكي يتاح تطبقها على مال من الأموال المغتنمة - أن نثبت بصورة مسبقة أن هذا المال كان ملكاً أو حقاً للكافر لكي يحصل المسلمون على ملكيته بالفتح .
وخلافاً للنقطة الأولى ، التي نفت حق الكافر فيما يحييه من الأرض بعد تشريع
[1]جواهر الكلام ج 16 ، ص 118 وج 38 ، ص 17 .
حكم الأنفال . نعتقد أن إحياء الكافر للأرض يورثه حقاً فيها كالمسلم وإن ظلت رقبة الأرض ملكاً للإمام ، وفقاً للنص القائل : من أحيى أرضاً فهو أحق بها ، دون تمييز بين المسلمين وغيره .
وعلى هذا الضوء يصبح فتح المسلمين للأرض سبباً في انتقال هذا الحق من الكافر إلى الأمة ، فتكون الأرض حقاً عاماً للمسلمين ، ورقبتها تظل ملكاً للإمام ، ولا تعارض بين الأمرين .
وأما إذا أخذنا بالفرضية الثانية في تفسير نصوص الغنيمة فسوف تكون هذه النصوص شاملة للأرض التي يغنمها المسلمون من الكافر ، ولو لم تكن ملكاً أو حقاً للكافر قبل الفتح ، لأن أساس تملك المسلمين على هذا الضوء ، وهو انتزاع المال من سيطرة الكافر خارجاً ، وهذا حاصل .
وسوف يؤدي بنا هذا أن إلى مواجهة التعارض بين إطلاق نصوص الغنيمة ، وإطلاق دليل ملكية الإمام ، لأن الأرض التي أحياها الكافر بعد تشريع حكم الأنفال ثم فتحها المسلمون ، تعتبر - بوصفها مالاً منتزعاً من الكافر بالفتح - مندرجة في نصوص الغنيمة ، وبالتالي ملكاً عاماً للمسلمين وتعتبر - بوصفها أرضاً ميتة حين تشريع حكم الأنفال - مندرجة في دليل ملكية الإمام للأرض الميتة وبالتالي ملكاً له .
ومن الضروري - فقهياً - في أمثال هذه الحالة ، التدقيق في تحديد ما هو القدر الذي مني بالمعارضة من مدلول النصوص ، لنتوقف عن الأخذ به نتيجة للتعارض ، مع الأخذ بسائر الأجزاء المدلول .
ونحن إذا لاحظنا المعارضة هنا ، وجدنا أن نقطة ارتكازها هي اللام في قولهم : ( ( كل أرض ميتة للإمام ) ) وقولهم - مثلا - : ما أخذ بالسيف للمسلمين واللام بطبيعتها لا تدل على الملكية ، بلى على الاختصاص ، وإنما تدل على الملكية بالاطلاق . وهذا يعني أن التعارض بن إطلاقي اللامين ، لأنهما تؤديان إلى ملكيتين مختلفتين ، فيسقط الاطلاقان ، وتبقى الدلالة على أصل الاختصاص ثابتة ، إذ لا مانع من افتراض