من أن دليل ملكية الإمام للموات والأنفال يكشف عن ثبوت ملكية الإمام لما كان مواتاً قبل ورود الدليل أيضاً فإن هذا يعني أن أي أرض يحييها الكافر تعتبر رقبتها ملكاً للإمام ، وللمحيي فيها حق الاحياء وأدلة حفظ الإسلام للمال لا يقتضي حقاً جديداً لمن أسلم على أرضه بل احتفاظه بالحق السابق[1].
- 7 - حكم العيون النابعة في الأرض المملوكة الرأي الفقهي المشهور يرى ، أن العيون النابعة بطبيعتها في أرض شخص تعتبر ملكاً له لأنها نماء في ملكه . ولأجل ذلك عد الشيخ الطوسي هذا القسم من المصادر الطبيعية المكشوفة للماء ، موضعاً للخلاف ، فقال ، ( ( وأما المختلف في كونه مملوكاً ، فهو كل ما نبيع في ملكه من بئر أو عين ، فقد اختلف فيه على وجهين ، أحدهما : أنه مملوك ، والثاني ، انه ليس مملوكاً . ) )[2]والواقع انا لا نجد دليلاً من نصوص الكتاب والسنة على الملكية - ولعل أقوى ما يستدل به أنصار القول بالملكية هو ، أن العين نماء في ملكه ، والنصوص الشرعية تدل على أن نماء المال يتبع أصله في الملكية .
والجواب على هذا الدليل أن العين ليست في الحقيقة نماءً في ملكه ، بمعنى كونها ثمرة لمال يملكه ، ليملك الثمرة بملكيته للأصل . وإنما هي ثروة في جوف ثروة ، فحالها حال الظرف والمظروف ، لا الشجرة والثمرة وملكية الظرف لا تستدعي ملكية المظروف .
[1]لاحظ جواهر الكلام ج 16 ، ص 3 ، وج 38 ، ص 9 و 31 .
[2]المبسوط ج 3 ، ص 282 ، ولاحظ أيضا السرائر ج 2 ، ص 385 ، وجواهر الكلام ج 38 ، ص 121 .
وعلى هذا الضوء نعرف ، أن الرأي الفقهي المشهور القائل بالملكية ، إنما يجب الأخذ به ، إذا دعمه دليل لبي ، من إجماع تعبدي أو سيرة عقلائية ، تتوفر فيها الشروط التي أوضحناها في بحث سابق من هذا الكتاب . وأما إذا لم يدعم بشيء من هذا القبلي ، فلا يوجد في أدلته الخاصة ما يبرر الأخذ به .
- 8 - بحث في تملك الفرد للعين التي يستنبطها ما مر في هذا الكتاب ، من أن الفرد إذا استنبط عيناً بالحفر لا يملكها . . كان يقوم على أساس وجه يخالف الرأي المشهور القائل ، بأنه يملكها ، ويختص بها اختصاصاً ملكياً ، لا حقاً فحسب[1].
وهذا الرأي المشهور ، يجب الأخذ به إذا تم اجماع تعبدي عليه . وإذا لم يتم كذلك ، فبالإمكان فقهياً المناقشة في الأدلة ، التي سيقت لإثباته وهي متعددة كما يلي :
( أ ) - أن العين نماء ملكه ، فالإنسان إذا حفر أرضاً فاكتشف فيها عيناً ، كانت العين ملكاً له شرعاً ، لأنها نماء الأرض ، وما دامت الأرض له ، فيكون نماؤها له أيضاً .
والجواب : ان عين الماء لا تعتبر من نماء الأرض ، وإنما هي ثروة موجودة فيها ، فالعلاقة بينهما علاقة المظروف والظرف ، فلا تقاس بالثمرة الطبيعية ، التي دلت القواعد الشعرية على تملكها ، تعبهاً لملكية أصلها ، كالبيضة بالإضافة إلى الدجاجة ، والزرع بالإضافة إلى البذر .
( ب ) - فحوى النصوص : الدالة على جواز بيع الشرب ، كرواية سعيد الأعرج ، التي أجاز فيها الإمام بيع القناة[2]. ولو لم تكن ملكاً لما جاز بيعها .
[1]لاحظ المبسوط ج 3 ، ص 282 ، ومفتاح الكرامة ج 7 ، ص 51 .
[2]لاحظ الوسائل ج 17 ، ص 332 ، الحديث 32238 .
والجواب : أن جواز البيع أعم من الملكية ، لأن الحقية تكفي لتصحيح البيع فقد يكون بيعها بلحاظ الحق ، الذي يكون للفرد في القناة ، بحيث ينتقل هذا الحق بالبيع إلى المشتري ، فيصبح أولى بالقناة من غيره ، كما البيع سواء كان في موارد الحق ، أو الملكية . . إنما يتعلق بالمستحق والمملوك ، لا بنفس الحق والملكية ، كما هو واضح . وروايات جواز بيع القناة إذا تمت في نفسها لا تدل على أكثر من الحقية .
( ج - ) - إن كشف العين ، إحياء للأرض بالسراية .
ويرد عليه : إن نصوص من أحيى أرضاً فهي له ، إنما تدل على كون الإحياء سبباً لاختصاص المحيي بالأرض ، لا بما تضم من ثروات لا يصدق عليها اسم الأرض كالماء . أضف إلى ذلك : أنها لا تفيد أكثر من منح المحيي حقاً في الأرض ، على رأي الشيخ الطوسي كما عرفت سابقاً .
( د ) إن كشف أعين حيازة لها وكل مال طبيعي يمتلك بالحيازة .
والجواب : هو عدم وجود نص صحيح ، يدل على أن كل حيازة سبب للملكية .
( ه - ) السيرة العقلائية على ذلك .
والجواب أن بالإمكان منع قيام السيرة في أيام الأئمة ( ع ) ، على أكثر من الأحقية والأولوية ، ولا أقل من الشك في ذلك . أضف إلى هذا : ان من السيرة ليست حجة بذاتها وإنما هي حج باعتبار كشفها عن امضاء الشارع لها . ولا طريق لاكتشاف امضاء الشارع عادة ، إلا من ناحية عدم الردع ، حيث يقال : بأنه لو لم يمضها لردع عنها . فلابد إذن - لدى الاستدلال بالسيرة العقلائية - من الجزم بعدم صدور الردع ، ليتحقق العلم بالامضاء . والجزم بعدم صدور الردع لا يتحقق مع وجود ما يحتمل دلالته في الأخبار على الردع ، ولو لم يكن تاماً سنداً ، لأن مجرد احتمال وروده بنحو الردع من الشاعر ، يكفي لعدم حصول الجزم بالإمضاء . فالخبر الضعيف وإن لم يكن حجة ، ولكنه يكفي - في جملة من الموارد - لإسقاط حجية السيرة ، والمنع عن الجزم بالإمضاء . وهذه نكتة عامة يجب أن تلاحظ في جملة من موارد الاستدلال بالسيرة العقلائية .
وبناء عليها نقول في المقام : ان الروايات العديدة ، الواردة تارة : بلسان أن الناس شركاء في الماء ، وأخرى : بلسان النهي عن منع فضل الماء ، وثالثة بلسان النهي عن بيع القناة بعد الاستغناء عنها . تؤدي على أقل تقدير إلى احتمال ورود الردع الاختصاص المطلق ، المسمى بالملكية .
- 9 - بحث في وجوب إعارة القناة عند الاستغناء عنها وهناك من يوقع المعارضة بين هذه الطائفة ، وبين ما دل على جواز بيع القناة ، كخبر الكاهلي قال : ( ( سأل رجل أبا عبد الله وأنا عنده ، عن قناة بين قوم ، لكل رجل منهم شرب معلوم ، فاستغنى رجل منهم عن شربه ، أيبيع بحنطة أو شعير ؟ . قال : يبيعه بما شاء ، هذا مما ليس فيه شيء ) )[1]. وبعد إيقاع المعارضة ، يجمع بينهما بحمل الروايات الناهية على الكراهة .
ولكن التحقيق : أن هذا الجمع غير تام إذ لو فرض التعارض بينهما ، وورودهما في موضوع واحد ، فكيف يوفق بين النهي ولو بمعنى الكراهة ، وبين قوله : هذا مما ليس فيه شيء ، الظاهر جداً في خلوه من كل حزازة وشبهة ؟ ! .
والتحقيق في الجمع بين الطائفتين : أن الطائفة الناهية ، كموثقة أبي بصير المذكورة في المتن ، تدل على أمرين : أحدهما : وجوب الإعارة وبذلك القناة مجاناً لأجل أن ينتفع بها المستعير عند إشباع صاحب القناة حاجته . آنفاً ، لا تنافي الأمر الأول بوجه ، لأنها لا تدل على عدم وجوب إعارة القناة للغير ، وإنما تدل على جواز بيعها . وجواز بيعها لا يستلزم عدم وجوب إعارتها .
[1]الوسائل ج 17 ، ص 332 ، الحديث 32238 .
ولا يتوهم في المقام : الملازمة ، بدعوة . أنه لو كان يجب اعارتها مجاناً لما كان هناك داع لاشترائها ، ولم يبق موضع لبيعها ، لأن من يريد اشتراءها يمكنه الاستغناء عن شرائها باستعارتها مجاناً ، ما دام صاحب القناة ملزماً بإعارتها مجاناً . فنفس فرض البيع والحكم بجوازه ، ملازم مع عدم وجوب الإعارة ، لكي يتحقق الداعي العقلائي للشراء . فإنه يندفع هذا التوهم ، بان وجوب الإعارة لا يجعل الاشتراء لغواً لأن الشخص قد لا يكتفي بمجرد الانتفاع المبذول له مجاناً بالإعارة ، بل يريد أن يكون له حق الأولوية في القناة ، كما كان لصاحبها الذي استغنى عنها . وهذا الحق إنما ينقل بالبيع والشراء .
وعليه : فالطائفة الدالة على جواز البيع ، لا تنافي وجوب الإعارة أصلاً . نعم تقع المعارضة بين هذه الطائفة ، الدالة على جواز البيع ، وبين الطائفة الناهية بلحاظ مدلولها الثاني ، وهو النهي عن بيع القناة وحل هذه المعارضة . إن الطائفة الناهية عن البيع ، والآمرة بالإعارة . . يحتمل في نهيها عن البيع وجهان . أحدهما . أنه نهي حقيقي عن البيع بقول مطلق . وثانيهما . أنه نهي عن البيع في قبال الإعارة ، بمعنى أن يستعير منك القناة لا تضطره إلى الشراء ، ولا تبعها عليه ، بل أعره إياها مجاناً فهو نهي عن البيع في مورد طلب الإعارة ، لا نهي عن البيع مطلقاً ، حتى فيما إذا كان مقصود المشتري أن يكتسب حق الاختصاص بها ، كما يقربه جعله في قبال الإعارة . فان كان النهي بالمعنى الأول ، وقت المعارضة بينها وبين الطائفة الدالة على جواز البيع وإن كان بالمعنى الثاني فلا معارضة .
وحينئذ ينبغي أن يقال : أن ظهور الدالة على الجواز ، أقوى من ظهور النهي عن البيع في الطائفة الأخرى في المعنى الأول ، لو كان له ظهوره في ذلك ولم نقل بتردده بين المعنيين ، أو ظهوره في الثاني ، فيقدم ظهور الجواز . وينتج من مجموع الطائفتين وجوب إعارة الزائد على الحاجة من القناة مجاناً للآخرين ، وجواز بيعها ، المنتج لانتقال حق الاختصاص والأولوية إلى المشتري .
< فهرس الموضوعات > ( 10 ) إلحاق المعدن بالأرض < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > ( 11 ) الطير يملك بالصيد وان لم تتم حيازته < / فهرس الموضوعات > ( 10 ) الحاق المعدن بالأرض نعني بذلك . أن المعدن كالأرض من هذه الناحية ، لأن دليل الحق أو التملك الثابت في المعدن لبي ، فلا يمكن التمسك باطلاقه ، والاستصحاب يمكن منع جريانه ، لكثر من وجه واحد .
فان قيل ان الأخبار الواردة في خمس المعدن ، التي تأمر المستخرج للمعدن بدفع الخمس . . تدل بالاطلاق أو الالتزام على كون المستخرج مالكاً لغي الخمس من المعدن ، وعليه . يكون الدليل على تملك الفرد المعدن لفظياً لا لبياً .
قلنا . إن تلك الأخبار ليست في مقام البيان من ناحية حكم المعدن ، وحق الشخص المستخرج فيه ، ليتمسك بها لإثبات ذلك الحق في موارد الشك في ثبوته ، وإنما هي بصدد بيان ثبوت الخمس ، في مورد يملك الفرد فيه المعدن بالاستخراج ، فلا يمكن اثبات نفس الملكية بقاءً أو حدوثاً في مورد الشك بها ومورد الكلام فيها المادة المستخرجة لا رقبة المعدن .
- 11 - الطير يملك بالصيد وان لم تم حيازته إن إطلاق قول الإمام الرضا ( ع ) في الصحيح : ( ( من صاد ما هو مالك لجناحيه ، لا يعرف له طالباً فهو له ) ) ( 1 ) . يدل على ما تقدم في الكتاب ، لأنه يقرر : أن الطير
( 1 ) الوسائل ج 16 ، ص 295 ، الحديث 29816 .
يحكم به للصائد ، بمجرد تحقق عنوان الصيد ، سواء تحققت الحيازة أو لا . فيشمل صورة انفكاك الصيد عن الحيازة ، كما في الفرضية التي بيناها في الكتاب . ومدلول ذلك أن الصيد بنفسه سبب كالحيازة . ومرد هذا من الناحية النظرية إلى تملك الصياد للفرصة التي خلقها عمله .
- 12 - الفرق بين التملك بالصيد والتملك بالحيازة والدليل الفقهي على ذلك اطلاق قول الإمام الصادق ( ع ) في الصحيح : ( ( إذا ملك الطائر جناحيه فهو لمن أخذه ) ) . فان هذا الاطلاق يشمل ما إذا كان هذا الطائر المالك لجناحيه ، قد استحقه قبل ذلك شخص آخر بالصيد ، ثم استرد امتناعه وطار .
فان قيل : إن هذا الاطلاق مقيد بما جاء في رواية محمد بن الفضيل وغيرها . ( ( قال سألته عن صيد الحمامة تساوي نصف درهم أو درهماً قال : إذا عرفت صاحبه فرده عليه ) ) .
قلنا : إن هذا النص وأمثاله ، وإن كان مقيداً للمطلق السابق ، ولكن مورده هو ما إذا كان الطير قد دخل في حيازة صاحبه السابق ، وذلك بقرينة قوله . ( رده عليه ) . فان الأمر بالرد ظاهر في : أن المفروض هو العلم بسبق يد الغير عليه . وأما فرض الاستحقاق بمجرد الصيد ، دون الحيازة ، كما في الصورة التي بيناها . . فلا ينطبق عليه النص الوارد في رواية محمد بن الفضيل ، لعدم صدق عنوان الرد . وعليه : فينتج - بعد ملاحظة المطلق مع رواية ابن الفضيل - التفصيل بين ما إذا كان الطير المالك لجناحيه
( 1 ) الوسائل ج 16 ، ص 296 ، الحديث 29820 . ( 2 ) الوسائل ج 16 ، ص 295 ، الحديث 29817 .
< فهرس الموضوعات > ( 13 ) بحث في تملك الشخص لما يحوزه المتبرع أو الوكيل أو الأجير < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الجهة الأولى في تملك الشخص لما يحوزه المتبرع < / فهرس الموضوعات > قد حازه شخص سابقاً وملكه بالحيازة ، وبين ما إذا كان قد ملكه واستحقه بمجرد الصيد . ففي الأول لا يحل الطير لمن يصطاده ثانياً ، وفي الثاني يحل .
- 13 - بحث في تملك الشخص لما يحوزه المتبرع أو الوكيل أو الأجير يمكن تصنيف البحث إلى جهات ثلاث :
الجهة الأولى : فيما إذا حاز الفرد لآخر تبرعاً ، دون وكالة أو إجارة ، فهل يملك الآخر أو لا ؟
والجواب على هذا يجب أن يكون ، بعد الفراغ عن تعقل إضافة الحيازة بوجه ما إلى غير المباشر ، وذلك بأن يقصد المباشر الاستيلاء على مال ، تمهيداً لاستيلاء الغير وانتفاعه به ، فتكون حيازة المباشر للمال ذات إضافة إلى ذلك الشخص تجعله يوصف بأنه محاز له ، فيتجه السؤال عن تملك المحاز له للمال المحاز .
والجواب : بالنفي ، وذلك لعدم وجود شيء من العناصر ، التي يحتمل فقهياً ، أنها تبرر تملك غير الحائز لما يجوزه من أموال بلا عقد إجارة ولا وكالة ونفس الحيازة إنما تبرر ملكية الحائز لا غيره ، ولا محاز له ليس حائزاً فلا يوجد بالإضافة اليه سبب الملكية ، سواء كان السبب مجرد ممارسة علمية الحيازة ، أي المظهر المادي لها ، أو الحيازة التي يمارسها الحائز بشكل هادف وبقصد الانتفاع بما يحوز . فعلى كلا التقديرين لا يوجد مبرر لتملك المحاز له تلك الثروة التي حازها غيره .
أما على الأساس الأول ، الذي يجعل من الجانب المادي للحيازة سبباً كافياً للملكية . . فلأن المحاز له لم يصدر منه أي استيلاء ، ليكتسب عن طريقه الملكية . وأما على الأساس الثاني ، فكذلك أيضاً ، لأن الاستيلاء عنصر أساسي في السبب المملك على أي حال ، وهو لا يوجد في المحاز له .