بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 73


نفسها بالتالي إلى ملكية اشتراكية .
وهكذا لا نجد في المجال التاريخي - كما سنرى بصورة أكثر وضوحاً ، لدى دراستنا للمادية التاريخية ، في تفاصيلها ومراحلها - كما لم يوجد في المجال الكوني العام ، مثال واحد تنطبق عليه قوانين الديالكتيك ومفاهيمه عن السببية .
ج - النتيجة تناقض الطريقة :
ومن أقسى ما منيت به الماركسية ، في طريقتها الديالكتيكية ، أنها استعملت هذه الطريقة ، بشكل انتهى بها إلى نتائج غير ديالكتيكية ، ولأجل هذا قلنا - منذ البدء - : إن طريقة الماركسية في التحليل التاريخي ديالكتيكية ، ولكن مضمون الطريقة يناقض الديالكتيك . لأن الماركسية تقرر من ناحيتها ، أن التناقض الطبقي الذي يعكس تناقضات وسائل الإنتاج ، وعلاقات الملكية ، هو الأساس الرئيسي الوحيد ، للصراع في داخل المجتمع . وليست التناقضات الأخرى ، إلا نابعة منه . وتقرر في نفس الوقت ، أن القافلة البشرية سائرة - حتماً - في طريق محو الطبقية ، من المجتمع إلى الأبد . وذلك حين تدق أجراس النصر ، للطبقة العاملة ، ويولد المجتمع اللا طبقي ، وتدخل الإنسانية في الاشتراكية والشيوعية . فإذا كانت الطبقة وتناقضاتها ، ستزول في تلك المرحلة من حياة المجتمع ، فسوف ينقطع عنه المد التطوري وتنطفئ شعلة الحركة الأبدية ، وتحصل المعجزة التي تشل قوانين الديالكتيك عن العمل . وإلا فكيف تفسر الماركسية حركة الديالكتيك في المجتمع اللا طبقي ، ما دام التناقض الطبقي قد لاقى مصيره المحتوم ، وما دامت حركت الديالكتيك لا توجد إلا على أساس التناقض ؟ ! .
ولا يزال في متناول يدنا ، كلام ماركس الآنف الذكر ، الذي جعل ملكية الحرفي الخاصة أطروحة واعتبر أن الرأسمالية هي النفي الأول ( الطباق ) والاشتراكية هي نفي النفي ( التركيب ) . . . فبإمكاننا أن نسأل ماركس : هل سوف تكف قصة الأطروحة ، والطباق ، والركيب ، عن العمل ، بعد ذلك ، بالرغم من قوانين الديالكتيك العامة ؟ أو أنها ستستأنف ثالوثاً جديداً ؟ . وإذا كانت ستستمر ، فسوف


صفحه 74


تكون الملكية الاشتراكية هي الأطروحة . فما هو النقيض الذي ستلده وتنمو بالاندماج معه ؟ . يمكننا أن نفترض أن الملكية الشيوعية هي النقيض ، أو النفي الأول للاشتراكية ، ولكن ما هو نفي النفي ( التركيب ) ؟ . إن الديالكتيك سوف يبقى حائراً ، بإزاء تأكيد الماركسية ، على أن الشيوعية هي المرحلة العليا من التطور البشري .
في ضوء المادية التاريخية :
ولندرس الآن المادية التاريخية في ضوء جديد ، في ضوء المادية التاريخية ذاتها . وقد يبدو غريباً لأول وهلة ، أن تكون النظرية ، أداة للحكم على نفسها . غير أننا سنجد فيما يلي ، أن المادية التاريخية ، تكفي بمفردها للحكم على نفسها ، في مجال البحث العلمي .
إن المادية التاريخية لما كانت نظرية فلسفية عامة ، لتركيب المجتمع وتطوره ، فهي تعالج الأفكار والمعارف الإنسانية عامة ، بوصفها جزءاً من تركيب المجتمع الإنساني ، فتعطي رأيها في كيفية تكوّن المعرفة الإنسانية وتطورها ، كما تعطي رأيها في كيفية نشوء الأوضاع السياسة والدينية وغيرها . . . ولما كان الوضع الاقتصادي في رأي المادية التاريخية هو الأساس الواقعي للمجتمع بكل نواحيه ، فمن الطبيعي لها أن تفسر الأفكار والمعارف على أساسه ولذلك نجد المادية التاريخية ، تؤكد أن المعرفة الإنسانية ، ليست وليدة النشاط الوظيفي للدماغ فحسب ، وإنما يكمن سببها الأصيل ، في الوضع الاقتصادي . ففكر الإنسان ، انعكاس عقلي للأوضاع الاقتصادية ، والعلاقات الاجتماعية ، التي يعيشها وهو ينمو ويتطور ، طبقاً لتطور تلك الأوضاع والعلاقات .
وعلى هذا الأساس ، شيّدت الماركسية نظريتها في المعرفة ، وقالت بالنسبية التطورية ، وإن المعرفة ما دامت وليدة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية ، فهي ذات قيمة نسبية ، محدودة بتلك الظروف ، ومتطورة تبعاً لها . فلا توجد حقيقة مطلقة ، وإنما تتكشف الحقائق بشكل نسبي ، من خلال العلائق الاجتماعية ، وبالمقدار الذي تسمح به هذه العلائق .


صفحه 75


هذه هي النتيجة التي وصلت إليها المادية التاريخية في تحليل المجتمعات وهي النتيجة التي وصلت إليها المادية التاريخية في تحليل المجتمعات وهي النتيجة التي كان لابد لها أن تصل إليها ، وفقاً لطريقة فهمها للمجتمع والتاريخ .
وبالرغم من وصول الماركسية إلى هذه النتيجة ، في تحليلها الاجتماعي ، أبت أن تطبق هذه النتيجة على نظريتها التاريخية نفسها . فنادت بالمادية التاريخية التي لا تقبل التغيير والتعديل ، ولا يصيبها شيء من عطل أو عجز ، في المجرى للمعرفة البشرية كلها ، ولم تكلف الماركسية نفسها ، أن تتساءل . من أين نشا هذا المفهوم الماركسي ؟ أو أن تخضعه لنظريتها العامة في المعرفة . ولو كلفت الماركسية نفسها شيئاً من ذلك - كما يحتمه عليها الحساب العلمي - لإضطرت إلى القول : بأن المادية التاريخية ، بوصفها نظرية معينة ، قد انبثقت من خلال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية . فهي ككل نظرية أخرى ، نابعة من الظروف الموضوعية التي تعيشها .
وهكذا نجد ، كيف أن المادية التاريخية تحكم على نفسها ، من ناحية أنها تعتبر كل نظرية انعكاساً محدوداً للواقع الموضوعي الذي تعيشه . ولا تعدو هي بدورها أيضاً للواقع الموضوعي الذي تعيشه . ولا تعدو هي بدورها أيضاً ، أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهن إنساني ، عاش ظروفاً اجتماعية واقتصادية معينة . فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف ومتطورة تبعاً لتطورها ، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة الأبدية للتاريخ .
ونحن وإن كنا لا نؤمن بأن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ، هي السبب الوحيد لولادة النظريات والأفكار . ولكننا لا ننكر تأثيرها في تكوين كثير من الأفكار والنظريات ، ولنضرب لذلك مثلاً على مفاهيم المادية التاريخية ، وهو مفهوم ماركس الثوري للتاريخ فقد ظن ماركس ، ان إزالة المجتمع الرأسمالي ، أو أي مجتمع آخر ، لا يتم إلا باتصال ثوري ، بين طبقتيه الأساسيتين ، وهما طبقة البورجوازية ، وطبقة البروليتاريا . وعلى هذا الأساس اعتبر الثورة من أعم القوانين ، التي تسيطر على التاريخ البشري كله ، وجاء الماركسيون بعد ذلك . فبدلا عن محاولة استكشاف


صفحه 76


الظروف الاجتماعية ، التي أوحت إلى ماركس بحتمية الثورة وضرورتها التاريخية . آمنوا بأن الثورة من القوانين الأبدية للتاريخ . مع أنها لم تكن في الحقيقة ، إلا فكرة استوحاها ماركس ، من الظروف التي عاشها ، ثم قفز بها إلى مصاف القوانين المطلقة للتاريخ .
فقد عاصر ماركس ، رأسمالية القرن التاسع عشر ، تلك الرأسمالية المطلقة ، المتميزة بظروفها السياسة والاقتصادية الخاصة . فبدا له أن التلاحم الثوري ، أقرب ما يكون إلى الوقوع ، وأوضح ما يكون ضرورة . لأن البؤس والنعيم والفقر والغنى ، في ظل الرأسمالية المطلقة ، كانا يتزايدان باستمرار ودون عائق . وكانت الظروف السياسية مظلمة إلى حد كبير فتفتق ذهن ماركس ، عن فكرة النضال الطبقي ، الذي يستشري ويزداد تناقضاً ، يوماً بعد يوم ، حتى ينفر البركان ويحل التناقض بالثورة . فآمن بأن الانقلاب الثوري من قوانين التاريخ العامة . ومات ماركس واختلفت الأوضاع الاجتماعية في أوروبا الغربية ، وأخذت الظروف السياسية والاقتصادية ، ولم يتسع البؤس ، بل أخذ بالانكماش نسبياً ، وأثبتت التجارب السياسية ، أن بالإمكان تحقيق مكاسب مهمة للجمهور البائس ، بخوض المعترك السياسي دون ما ضرورة لتفجير البركان بالدماء .
وسار الماركسيون الاشتراكيون في اتجاهين مختلفين : أحدهما : الاتجاه الإصلاحي الديمقراطي والآخر : الاتجاه الانقلابي الثوري . فالاتجاه الأول ، كان هو الاتجاه العام للاشتراكية ، في عدة من الأقطار الأوروبية الغربية ، التي بدا للاشتراكيين ، في ضوء ما حصل لها من تقدم سياسي واقتصادي ، ان الثورة أصبحت غير ضرورية . وأما الاتجاه الثاني ، فقد سيطر على الحركة الاشتراكية في أوروبا الشرقية ، التي لم تشهد ظروفاً فكرية وسياسية واقتصادي ، مماثلة لظروف الغرب . وقام الصراع بين الاتجاهين الماركسيين ، حول تفسير الماركسية ، لحساب هذا الاتجاه أو ذاك . وقدّر أخيراً للاتجاه الثوري ، في أوروبا الشرقية أن ينجح . فهلل له الاشتراكيون الثوريون ، واعتبروه الدليل الحاسم على : أن الاتجاه الثوري ، هو الذي تتجسد فيه


صفحه 77


الماركسية ، بمطلقاتها وأبدياتها النهائية .
وفات هؤلاء جميعاً كما فات ماركس قبلهم ، أنهم ليسوا إزاء حقيقة مطلقة أبدية ، وإنما هم إزاء فكرة استوحاها ماركس من ظروفه ، والأجواء الفكرية والسياسية التي كان يعيشها ، ثم وضع عليها المساحيق العلمية ، وأعلنها قانوناً مطلقاً ، لا تقبل التخصيص والاستثناء .
وليس من شاهد على ذلك أقوى ، من تناقض الاشتراكية الماركسية - كما أشرنا سابقاً - واتخاذها في الشرق طابعاً ثورياً ، وفي الغرب طابعاً ديمقراطياً إصلاحياً . فإن هذا التناقض ، لا يعبر في الحقيقة عن الاختلاف في فهم الماركسية ، بمقدار ما يعبر عن مدى محدودية المفهوم الماركسي ، لظروفه الاجتماعية الخاصة ، حيث نستنتج منه أن الثورية الماركسية ، لم تكن من حقائق التاريخ المطلقة ، التي تكشفت لماركس في لحظه من الزمن ، وإنما هي تعبير عن الظروف التي عاشها ماركس ، وحين تطورت هذه الظروف في أوروبا الغربية ، وتكشفت عن أشياء جديدة ، أصبحت تلك الفكرة غير ذات معنى ، بالرغم من احتفاظها بقيمتها في أوروبا الشرقية ، التي لم تحدث فيها تلك الأشياء .
ولا نريد بهذا أننا نؤمن ، بأن كل نظرية لابد أن تكون نابعة من الأوضاع الاجتماعية والسياسية ، وإنما هدفنا أن نقرر :
أولاً : ان بعض الأفكار والنظريات ، تتأثر بالظروف الموضوعية للمجتمع فتبدو وكأنها حقائق مطلقة مع انها لا تعبر إلا عن الحقيقة ، في حدود تلك الظروف الخاصة . ومن تلك الأفكار والنظريات بعض مفاهيم ماركس عن التاريخ .
ثانياً : ان جميع مفاهيم ماركس عن التاريخ ، يجب ان تكون - في حكم المادية التاريخية ووفقاً لنظرية المعرفة الماركسية - حقائق نسبية ، نابعة عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ، التي عاصرتها ، ومتطورة تبعاً لتطورها . ولا يمكن أن أن تؤخذ المادية التاريخية : بوصفها حقيقة للتاريخ . ما دامت النظريات نتاجاً للظروف النسبية المتطورة كما تؤكد ذلك الماركسية نفسها .


صفحه 78


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 79


3 - النظَرّية بمَا هي عَامة :
بعد أن درسنا المادية التاريخية ، في ضوء القواعد الفكرية الماركسية ، من المادية الفلسفية ، والديالكتيك ، والمادية التاريخية نفسها ، أو بتعبير آخر طريقة المادية التاريخية في تفسير المعرفة . وحددنا صلتها بتلك القواعد . بعد أن درسنا ذلك كله ، حان الوقت للانتقال إلى المرحلة الثانية من دراسة المادية التاريخية . وذلك ان نتناولها بما هي نظرية عامة ، تستوعب بتفسيرها حياة الإنسان ، وتاريخه الاجتماعي كله . وندرسها بصفتها العامة هذه . بقطع النظر عن تفاصيلها ، وخصائص كل مرحلة من مراحلها .
وحين نتناولها بهذا الوصف ، نجد بين يدي البحث عدة أسئلة ، تنتظر الجواب عليها :
فأولاً : ما هو نوع الدليل ، الذي يمكن تقديمه لإثبات الفكرة الأساسية ، في المادية التاريخية ، وهي : أن الواقع الموضوعي لقوى الإنتاج ، هو القوة الرئيسية للتاريخ ، والعامل الأساسي في حياة الإنسان ؟
وثانياً : هل يوجد مقياس أعلى ، توزن به النظريات العلمية ؟ . وما هو موقف هذا المقياس من النظرية الماركسية عن التاريخ ؟
وثالثاً : هل استطاعت المادية التاريخية حقاً أن تملأ بتفسيرها الافتراضي ، كل الشواغر في التاريخ الإنساني ، أو بقيت عدة جوانب عامة من الحياة الإنسانية ، خارج حدود التفسير المادي للتاريخ ؟


صفحه 80


< فهرس الموضوعات > أولاً : ما هو نوع الدليل على المادية التأريخية < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > أ - الدليل الفلسفي < / فهرس الموضوعات > وسوف ندير البحث حول الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة . حتى إذا انتهينا من ذلك ، انتقلنا إلى المرحلة الثالثة ، من درس المادية التاريخية ، درس تفاصيلها ومراحلها المتعاقبة .
أولاً : ما هو نوع الدليل على المادية التاريخية ؟
ولكي تتاح لنا معرفة الأساليب ، التي تستعملها الماركسية ، للتدليل على مفهومها المادي للتاريخ ، يجب استيعاب مجموعة ضخمة ، من أفكار المادية التاريخية وكتبها لأن الأساليب معروضة بشكل متقطع ، وموزع في مجموع كتابات الماركسية .
ويمكننا تلخيص الأدلة التي تستند إليها المادية التاريخية ، في أمور ثلاثة :
( أ ) الدليل الفلسفي .
( ب ) الدليل السيكولوجي .
( ج - ) الدليل العلمي .
أ - الدليل الفلسفي :
أما الدليل الفلسفي - ونعني به : الدليل الذي يعتمد على التحليل الفلسفي للمشكلة ، وليس على التجارب والملاحظة المأخوذة عن مختلف عصور التاريخ - فهو : أن خضوع الأحداث التاريخية لمبدأ العلية الذي يحكم العالم بصورة عامة ، يرغمنا على التساؤل عن سبب التطورات التاريخية ، التي تعبر عنها أحداث التاريخ المتعاقبة ، وتياراته الاجتماعية ، والفكرية والسياسية المختلفة . فمن الملاحظ بكل سهولة ، ان المجتمع الأوروبي الحديث مثلاً يختلف في محتواه الاجتماعي ، وظواهره المتنوعة ، عن المجتمعات الأوربية قبل عشرة قرون . فيجب أن يكون لهذا الاختلاف الاجتماعي الشامل سببه ، وأن نفسر كل تغير في الوجود الاجتماعي ، في ضوء الأسباب الأصلية ، التي تصنع هذا الوجود وتغيره ، كما يدرس العالم الطبيعي ، في الحقل الفيزيائي ، كل ظاهرة طبيعية ، في ضوء أسبابها ، ويفسرها بعلتها لأن المجالات