بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 75


هذه هي النتيجة التي وصلت إليها المادية التاريخية في تحليل المجتمعات وهي النتيجة التي وصلت إليها المادية التاريخية في تحليل المجتمعات وهي النتيجة التي كان لابد لها أن تصل إليها ، وفقاً لطريقة فهمها للمجتمع والتاريخ .
وبالرغم من وصول الماركسية إلى هذه النتيجة ، في تحليلها الاجتماعي ، أبت أن تطبق هذه النتيجة على نظريتها التاريخية نفسها . فنادت بالمادية التاريخية التي لا تقبل التغيير والتعديل ، ولا يصيبها شيء من عطل أو عجز ، في المجرى للمعرفة البشرية كلها ، ولم تكلف الماركسية نفسها ، أن تتساءل . من أين نشا هذا المفهوم الماركسي ؟ أو أن تخضعه لنظريتها العامة في المعرفة . ولو كلفت الماركسية نفسها شيئاً من ذلك - كما يحتمه عليها الحساب العلمي - لإضطرت إلى القول : بأن المادية التاريخية ، بوصفها نظرية معينة ، قد انبثقت من خلال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية . فهي ككل نظرية أخرى ، نابعة من الظروف الموضوعية التي تعيشها .
وهكذا نجد ، كيف أن المادية التاريخية تحكم على نفسها ، من ناحية أنها تعتبر كل نظرية انعكاساً محدوداً للواقع الموضوعي الذي تعيشه . ولا تعدو هي بدورها أيضاً للواقع الموضوعي الذي تعيشه . ولا تعدو هي بدورها أيضاً ، أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهن إنساني ، عاش ظروفاً اجتماعية واقتصادية معينة . فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف ومتطورة تبعاً لتطورها ، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة الأبدية للتاريخ .
ونحن وإن كنا لا نؤمن بأن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ، هي السبب الوحيد لولادة النظريات والأفكار . ولكننا لا ننكر تأثيرها في تكوين كثير من الأفكار والنظريات ، ولنضرب لذلك مثلاً على مفاهيم المادية التاريخية ، وهو مفهوم ماركس الثوري للتاريخ فقد ظن ماركس ، ان إزالة المجتمع الرأسمالي ، أو أي مجتمع آخر ، لا يتم إلا باتصال ثوري ، بين طبقتيه الأساسيتين ، وهما طبقة البورجوازية ، وطبقة البروليتاريا . وعلى هذا الأساس اعتبر الثورة من أعم القوانين ، التي تسيطر على التاريخ البشري كله ، وجاء الماركسيون بعد ذلك . فبدلا عن محاولة استكشاف


صفحه 76


الظروف الاجتماعية ، التي أوحت إلى ماركس بحتمية الثورة وضرورتها التاريخية . آمنوا بأن الثورة من القوانين الأبدية للتاريخ . مع أنها لم تكن في الحقيقة ، إلا فكرة استوحاها ماركس ، من الظروف التي عاشها ، ثم قفز بها إلى مصاف القوانين المطلقة للتاريخ .
فقد عاصر ماركس ، رأسمالية القرن التاسع عشر ، تلك الرأسمالية المطلقة ، المتميزة بظروفها السياسة والاقتصادية الخاصة . فبدا له أن التلاحم الثوري ، أقرب ما يكون إلى الوقوع ، وأوضح ما يكون ضرورة . لأن البؤس والنعيم والفقر والغنى ، في ظل الرأسمالية المطلقة ، كانا يتزايدان باستمرار ودون عائق . وكانت الظروف السياسية مظلمة إلى حد كبير فتفتق ذهن ماركس ، عن فكرة النضال الطبقي ، الذي يستشري ويزداد تناقضاً ، يوماً بعد يوم ، حتى ينفر البركان ويحل التناقض بالثورة . فآمن بأن الانقلاب الثوري من قوانين التاريخ العامة . ومات ماركس واختلفت الأوضاع الاجتماعية في أوروبا الغربية ، وأخذت الظروف السياسية والاقتصادية ، ولم يتسع البؤس ، بل أخذ بالانكماش نسبياً ، وأثبتت التجارب السياسية ، أن بالإمكان تحقيق مكاسب مهمة للجمهور البائس ، بخوض المعترك السياسي دون ما ضرورة لتفجير البركان بالدماء .
وسار الماركسيون الاشتراكيون في اتجاهين مختلفين : أحدهما : الاتجاه الإصلاحي الديمقراطي والآخر : الاتجاه الانقلابي الثوري . فالاتجاه الأول ، كان هو الاتجاه العام للاشتراكية ، في عدة من الأقطار الأوروبية الغربية ، التي بدا للاشتراكيين ، في ضوء ما حصل لها من تقدم سياسي واقتصادي ، ان الثورة أصبحت غير ضرورية . وأما الاتجاه الثاني ، فقد سيطر على الحركة الاشتراكية في أوروبا الشرقية ، التي لم تشهد ظروفاً فكرية وسياسية واقتصادي ، مماثلة لظروف الغرب . وقام الصراع بين الاتجاهين الماركسيين ، حول تفسير الماركسية ، لحساب هذا الاتجاه أو ذاك . وقدّر أخيراً للاتجاه الثوري ، في أوروبا الشرقية أن ينجح . فهلل له الاشتراكيون الثوريون ، واعتبروه الدليل الحاسم على : أن الاتجاه الثوري ، هو الذي تتجسد فيه


صفحه 77


الماركسية ، بمطلقاتها وأبدياتها النهائية .
وفات هؤلاء جميعاً كما فات ماركس قبلهم ، أنهم ليسوا إزاء حقيقة مطلقة أبدية ، وإنما هم إزاء فكرة استوحاها ماركس من ظروفه ، والأجواء الفكرية والسياسية التي كان يعيشها ، ثم وضع عليها المساحيق العلمية ، وأعلنها قانوناً مطلقاً ، لا تقبل التخصيص والاستثناء .
وليس من شاهد على ذلك أقوى ، من تناقض الاشتراكية الماركسية - كما أشرنا سابقاً - واتخاذها في الشرق طابعاً ثورياً ، وفي الغرب طابعاً ديمقراطياً إصلاحياً . فإن هذا التناقض ، لا يعبر في الحقيقة عن الاختلاف في فهم الماركسية ، بمقدار ما يعبر عن مدى محدودية المفهوم الماركسي ، لظروفه الاجتماعية الخاصة ، حيث نستنتج منه أن الثورية الماركسية ، لم تكن من حقائق التاريخ المطلقة ، التي تكشفت لماركس في لحظه من الزمن ، وإنما هي تعبير عن الظروف التي عاشها ماركس ، وحين تطورت هذه الظروف في أوروبا الغربية ، وتكشفت عن أشياء جديدة ، أصبحت تلك الفكرة غير ذات معنى ، بالرغم من احتفاظها بقيمتها في أوروبا الشرقية ، التي لم تحدث فيها تلك الأشياء .
ولا نريد بهذا أننا نؤمن ، بأن كل نظرية لابد أن تكون نابعة من الأوضاع الاجتماعية والسياسية ، وإنما هدفنا أن نقرر :
أولاً : ان بعض الأفكار والنظريات ، تتأثر بالظروف الموضوعية للمجتمع فتبدو وكأنها حقائق مطلقة مع انها لا تعبر إلا عن الحقيقة ، في حدود تلك الظروف الخاصة . ومن تلك الأفكار والنظريات بعض مفاهيم ماركس عن التاريخ .
ثانياً : ان جميع مفاهيم ماركس عن التاريخ ، يجب ان تكون - في حكم المادية التاريخية ووفقاً لنظرية المعرفة الماركسية - حقائق نسبية ، نابعة عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ، التي عاصرتها ، ومتطورة تبعاً لتطورها . ولا يمكن أن أن تؤخذ المادية التاريخية : بوصفها حقيقة للتاريخ . ما دامت النظريات نتاجاً للظروف النسبية المتطورة كما تؤكد ذلك الماركسية نفسها .


صفحه 78


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


صفحه 79


3 - النظَرّية بمَا هي عَامة :
بعد أن درسنا المادية التاريخية ، في ضوء القواعد الفكرية الماركسية ، من المادية الفلسفية ، والديالكتيك ، والمادية التاريخية نفسها ، أو بتعبير آخر طريقة المادية التاريخية في تفسير المعرفة . وحددنا صلتها بتلك القواعد . بعد أن درسنا ذلك كله ، حان الوقت للانتقال إلى المرحلة الثانية من دراسة المادية التاريخية . وذلك ان نتناولها بما هي نظرية عامة ، تستوعب بتفسيرها حياة الإنسان ، وتاريخه الاجتماعي كله . وندرسها بصفتها العامة هذه . بقطع النظر عن تفاصيلها ، وخصائص كل مرحلة من مراحلها .
وحين نتناولها بهذا الوصف ، نجد بين يدي البحث عدة أسئلة ، تنتظر الجواب عليها :
فأولاً : ما هو نوع الدليل ، الذي يمكن تقديمه لإثبات الفكرة الأساسية ، في المادية التاريخية ، وهي : أن الواقع الموضوعي لقوى الإنتاج ، هو القوة الرئيسية للتاريخ ، والعامل الأساسي في حياة الإنسان ؟
وثانياً : هل يوجد مقياس أعلى ، توزن به النظريات العلمية ؟ . وما هو موقف هذا المقياس من النظرية الماركسية عن التاريخ ؟
وثالثاً : هل استطاعت المادية التاريخية حقاً أن تملأ بتفسيرها الافتراضي ، كل الشواغر في التاريخ الإنساني ، أو بقيت عدة جوانب عامة من الحياة الإنسانية ، خارج حدود التفسير المادي للتاريخ ؟


صفحه 80


< فهرس الموضوعات > أولاً : ما هو نوع الدليل على المادية التأريخية < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > أ - الدليل الفلسفي < / فهرس الموضوعات > وسوف ندير البحث حول الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة . حتى إذا انتهينا من ذلك ، انتقلنا إلى المرحلة الثالثة ، من درس المادية التاريخية ، درس تفاصيلها ومراحلها المتعاقبة .
أولاً : ما هو نوع الدليل على المادية التاريخية ؟
ولكي تتاح لنا معرفة الأساليب ، التي تستعملها الماركسية ، للتدليل على مفهومها المادي للتاريخ ، يجب استيعاب مجموعة ضخمة ، من أفكار المادية التاريخية وكتبها لأن الأساليب معروضة بشكل متقطع ، وموزع في مجموع كتابات الماركسية .
ويمكننا تلخيص الأدلة التي تستند إليها المادية التاريخية ، في أمور ثلاثة :
( أ ) الدليل الفلسفي .
( ب ) الدليل السيكولوجي .
( ج - ) الدليل العلمي .
أ - الدليل الفلسفي :
أما الدليل الفلسفي - ونعني به : الدليل الذي يعتمد على التحليل الفلسفي للمشكلة ، وليس على التجارب والملاحظة المأخوذة عن مختلف عصور التاريخ - فهو : أن خضوع الأحداث التاريخية لمبدأ العلية الذي يحكم العالم بصورة عامة ، يرغمنا على التساؤل عن سبب التطورات التاريخية ، التي تعبر عنها أحداث التاريخ المتعاقبة ، وتياراته الاجتماعية ، والفكرية والسياسية المختلفة . فمن الملاحظ بكل سهولة ، ان المجتمع الأوروبي الحديث مثلاً يختلف في محتواه الاجتماعي ، وظواهره المتنوعة ، عن المجتمعات الأوربية قبل عشرة قرون . فيجب أن يكون لهذا الاختلاف الاجتماعي الشامل سببه ، وأن نفسر كل تغير في الوجود الاجتماعي ، في ضوء الأسباب الأصلية ، التي تصنع هذا الوجود وتغيره ، كما يدرس العالم الطبيعي ، في الحقل الفيزيائي ، كل ظاهرة طبيعية ، في ضوء أسبابها ، ويفسرها بعلتها لأن المجالات


صفحه 81


الكونية كلها - الطبيعية والإنسانية - خاضعة لمبدأ العلية . فما هو السبب - إذن - لكل التغييرات الاجتماعية ، التي تبدو على مسرح التاريخ ؟ . قد يجاب على هذا السؤال : بأن السبب هو الفكر أو الرأي السائد في المجتمع . فالمجتمع الأوروبي الحديث ، يختلف عن المجتمع الأوروبي - القديم ، تبعاً لنوعية الأفكار والآراء الاجتماعية العامة ، السائدة في كل من المجتمعين .
ولكن هل يمكن أن نقف عند هذا في تفسير التاريخ والمجتمع ؟ .
إننا إذا تقدمنا خطوة إلى الأمام ، في تحليلنا التاريخي ، نجد أنفسنا مرغمين على التساؤل : عما إذا كانت آراء البشر وأفكارهم خاضعة لمجرد المصادفة . ومن الطبيعي أن يكون الجواب على هذا السؤال - في ضوء مبدأ العلية - سلبياً . فليست آراء البشر وأفكارهم ، خاضعة للمصادفة ، كما أنها ليست فطرية ، تولد مع الناس ، وتموت بموتهم . وإنما هي آراء وأفكار مكتسبة ، تحدث وتتغير وتخضع ، في نشوئها وتطورها لأسباب خاصة فلا يمكن - إذن - اعتبارها السبب النهائي ، للأحداث التاريخية والاجتماعية ، ما دامت هي بدورها أحداثاً خاضعة لأسباب وقوانين محددة . بل يجب أن نفتش عن العوامل المؤثرة ، في نشوء الآراء والأفكار وتطورها . فلماذا - مثلاً - ظهر القول بالحرية السياسية في العصر الحديث ، ولم يوجد في قرون أوروبا الوسطى وكيف شاعت الآراء التي تعارض الملكية الخاصة ، في المرحلة التاريخية الحاضرة ، دون المراحل السابقة ؟
وهنا قد نفسر ، بل من الضروري أن نفسر نشوء الآراء وتطورها ، عن طريق الأوضاع الاجتماعية . بصورة عامة ، أو بعض تلك الأوضاع - كالوضع الاقتصادي - بوجه خاص . ولكن هذا لا يعني أننا تقدمنا في حل المشكلة الفلسفية شيئاً . لأننا لم نصنع أكثر من أننا فسرنا تكون الآراء وتطورها تبعاً لتكون الأوضاع الاجتماعية وتطورها . وبذلك انتهينا إلى النقطة التي ابتدأنا بها ، انتهينا إلى الأوضاع الاجتماعية ، التي كنا نريد منذ البدء أن نفسرها ، ونستكشف أسبابها ، فإذا كانت الآراء وليدة الأوضاع الاجتماعية ، فما هي الأسباب التي تنشأ عنها الأوضاع الاجتماعية ،


صفحه 82


وتتطور طبقاً لها ؟ وبكلمة أخرى ما هو السبب الأصيل للمجتمع والتاريخ ؟
وليس أمامنا - في هذا الحال - لاستكشاف أسباب الوضع الاجتماعي وتفسيره إلا أحد سبيلين :
الأول : أن نرجع إلى الوراء خطوة ، فنكرر الرأي السابق ، القائل بتفسير الأوضاع الاجتماعية بمختلف ألوانها السياسية والاقتصادية وغيرها بالأفكار والآراء . ونكون حينئذ قد درنا في حلقة مفرغة . لأننا قلنا أولاً : أن الآراء والأفكار وليدة الأوضاع الاجتماعية . فإذا عدنا لنقول : ان هذه الأوضاع نتيجة للأفكار والآراء ، رسمنا بذلك خطاً دائرياً ، ورجعنا من حيث أردنا أن نتقدم .
وهذا السبيل هو الذي سار فيه المفسرون المثاليون للتاريخ جميعاً . قال بليخانوف :
( ( وجد هيجل نفسه ، في ذات الحلقة المفرغة ، التي وقع فيها علماء الاجتماع ، والمؤرخون الفرنسيون . فهم يفسرون الوضع الاجتماعي ، بحالة الأفكار وحالة الأفكار بالوضع الاجتماعي . . . وما دامت هذه المسألة بلا حل ، كان العلم لا ينفك عن الدوران في حلقة مفرغة ، بإعلانه : أن ( ب ) سبب ( أ ) ، مع تعيينه ( أ ) كسبب ل - ( ب )[1].
والسبيل الآخر - سبيل الماركسية - : أن نواصل تقدمنا في التفسير والتعليل ، وفقاً لمبدأ العلية . ونتخطى أفكار الانسان وآرائه ، وعلاقاته الاجتماعية بمختلف أشكالها ، نتخطاها لأنها كلها ظواهر اجتماعية ، تحدث وتتطور ، فهي بحاجة إلى تعليل وتفسير . ولا يبقى علينا في هذه اللحظة الحاسمة ، من تسلسل البحث ، إلا أن نفتش عن سر التاريخ ، خارج نطاق الطبيعة التي يمارسها الإنسان منذ أقدم العصور . أن قوى الإنتاج هذه ، هي وحدها التي يمكنها ان تجيب على السؤال ، الذي كنا نعالجه : لماذا وكيف حدثت الأحداث لا تخضع للمصادفة ، وإن لك حادثة سببها الخاص ( مبدأ العلية ) ؟ .


[1]فلسفة التاريخ : ص 44 .