بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 86


التاريخي والاجتماعي ؟ ‌ ! ولماذا لا يمكن أن نكتفي بهذا التفسير المتبادل ، للوضع الاجتماعي والأفكار ، أحدهما بالآخر .
إن الضرورة الفلسفية ، ومفاهيم العلة والمعلول ، التي أكد عليها أنجلز ، تسمح لنا بمثل هذا التفسير ، فإن كانت توجد أسباب تمنع عن الأخذ به ، فإنما هي الملاحظات والتجارب التاريخية . وذلك ما سوف نتناوله في الدليل العلمي .
ب - الدليل السيكولوجي :
نقطة البدء في هذا الدليل ، هي : محاولة التدليل على أن نشوء الفكر في حياة الإنسانية ، كان نتاجاً لظواهر وأوضاع اجتماعية معينة . وينتج عن ذلك أن الكيان الاجتماعي ، سبق وجوده التاريخي ، وجود الفكر ، فلا يمكن أن نفسر الظواهر الاجتماعية ، في تكوينها الأول ، ونشوئها ، بعامل مثالي - كأفكار الإنسان - ما دامت هذه الأفكار لم تظهر في التاريخ ، إلا بصورة متأخرة عن حدوث ظواهر اجتماعية معينة ، في حياة الناس . وليس من اتجاه متأخرة عن حدوث ظواهر اجتماعية معينة ، في حياة الناس . وليس من اتجاه علمي بعد ذلك ، لتفسير المجتمع وتعليل ولادته ، إلا الاتجاه المادي ، الذي يطرح العوامل الفكرية جانباً ويفسر المجتمع بالعامل المادي ، بوسائل الإنتاج .
فالنقطة الرئيسية في هذا الدليل - إذن - أن - نبرهن على أن الأفكار ، لم تحدث في عالم الإنسانية ، إلا كنتيجة ظاهرة اجتماعية سابقة . لكي يستنتج - من ذلك - أن المجتمع سابق تاريخياً على الفكر ، وناشئ عن العوامل المادية ، وليس ناشئاً عن الأفكار والآراء .
أما كيف عالجت الماركسية هذه النقطة الرئيسية ؟ وبرهنت عليها ؟ فهذا ما يتضح في تأكيد الماركسية ، على أن الأفكار وليدة اللغة ، وليست اللغة إلا ظاهرة اجتماعية . قال ستالين :
( ( يقال ان الأفكار تأتي في روح الانسان ، قبل أن تعبر عن نفسها في الحديث . وأنها تولد دون أدوات اللغة ، أي دون إطار اللغة ، أو بعبارة أخرى : تولد عارية .


صفحه 87


إلا أن هذا خطأ مهما كانت الأفكار ، التي تأتي في روح الإنسان ، فلا يمكن أن تولد وتوجد إلا على أساس أدوات اللغة ، أي على أساس الألفاظ والجمل اللغوية . فليس هناك أفكار عارية متحررة ، من أدوات اللغة ، أو متحررة من المادة الطبيعة التي هي اللغة . فاللغة هي الواقع المباشر للفكر ، ولا يمكن أن يتحدث عن فكر ، بدون لغة ، إلا المثاليون وحدهم ) )[1]وهكذا ربط ستالين ، بين الفكر واللغة . واعتبر اللغة أساساً لوجود الفكر . فلا يمكن الحديث عن أفكار عارية ، دون أدوات اللغة .
وجاء بعد ذلك الكاتب الماركسي الكبير ( جورج بولتزير ) ، ليبرهن على هذه الحقيقة المزعومة ، في ضوء بعض الاكتشافات السيكولوجية ، أو بالأحرى في ضوء الأساس الفسيولوجي لعلم النفس ، الذي وضعه العالم الشهير ( بافلوف ) مستخلصاً له من تجارب عديدة قام بها .
فقد كتب ( بولتزير ) معلقاً على كلام ( ستالين ) الآنف الذكر :
( ( ولقد لاقت مبادئ المادية الجدلية هذه ، تدعيماً باهراً في العلوم الطبيعية ، بفضل الأبحاث الفسيولجية ، التي قام بها العالم العظيم ( بافلوف ) . فقد اكتشف ( بافلوف ) : ان العمليات الأساسية في النشاط المخي ، هي الأفعال المنعكسة الشرطية ، التي تكون في ظروف محدوده ، والتي تطلقها الإحساسات ، سواء الخارجية أو الداخلية وأثبت ( بافلوف ) : أن هذه الإحساسات ، تقوم بدور الإشارات الموجهة ، بالنسبة لكل نشاط الكائن العضوي الحي . وقد اكتشف من ناحية أخرى : أن الكلمات - بمضمونها ومعناها - يمكن أن تحل محل الإحساسات - التي تحدثها الأشياء - التي تدل عليها . وهكذا تكون الكلمات إشارات للإشارات ، أي نظاماً ثانياً في العملية الإشارية ، يتكون على أساس


[1]جوج بولتزير - المادية والمثالية في الفلسفية : ص 77 . ونود أن نشير بهذه المناسبة : إلى أن هذا الكتاب ليس من نتاج جورج بولتزير ، وإنما قام بتأليفه كاتبان ماركسيان هما : ( جي ميس ) و ( موريس كافيج ) ومنحا كتابهما اسم ( بولتزير ) ، ولأجل هذا نضيف ما في هذا الكتاب اليه .


صفحه 88


النظام الأول ، ويكون خاصاً بالانسان وهكذا تعتبر اللغة ، هي شرط النشاط الراقي في الإنسان ، وشرط نشاطه الوقتي ، وركيزة النظر العقلي . فهي التي تتيح للإنسان أن يعكس الواقع ، بأكبر درجة من الدقة . وبهذه الطريقة أثبت ( بافلوف ) أن ما يحدد - أساساً - شعور الإنسان ليس جهازه العضوي ، وظروفه البيولوجية ، بل يحدده - على عكس ذلك - المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان ) ) ( 2 ) ولنأخذ بشيء من التوضيح محاولة ( بولتزير ) هذه ، التي استدل فيها على رأي الماركسية ، بأبحاث ( بافلوف ) .
يرى ( بولتزير ) ، أن من رأي ( بافلوف ) في العمليات الأساسية للمخ ، أنها كلها إستجابات لمنبهات وإشارات معينة . وهذه المنبهات والإشارات ، هي بالدرجة الأولى الإحساسات . ومن الواضح أن الاستجابة التي تحصل عن طريق الإحساسات ، ليست فكرة عقلية مجردة عن الشيء ، لأنها لا تحصل إلا لدى الاحساس بالشيء المعين . فهي لا تتيح للانسان أن يفكر في شيء غائب عنه . وبالدرجة الثانية يأتي دور اللغة ، والأدوات اللفظية ، لتقوم بدور المنبهات والإشارات الثانوية . فيشرط كل لفظ بإحساس معين ، من تلك الإحساسات ، فيصبح منبهاً شرطياً بالدرجة الثانية . ويتاح للانسان أن يفكر ، عن طريق الإستجابات ، التي تطلقها المنبهات اللغوية إلى ذهنه ، فاللغة - إذن - هي أساس الفكر . وحيث ان الفكر . وحيث ان اللغة ليست إلا ظاهرة اجتماعية ، فالفكر ليس - على هذا - إلا ظاهرة ثانوية للحياة الاجتماعية .
هذه هي الفكرة التي عرضها ( بولتزير ) .
وبدورنا نتساءل : هل اللغة هي أساس الفكر حقاً ، ( فليس هناك أفكار عارية متحررة من أدوات اللغة ) ، على حد تعبير ستالين ؟ . ولأجل التوضيح نطرح المسألة على الوجه التالي : هل أن اللغة هي التي خلقت من الانسان كائناً مفكراً ، بصفتها ظاهرة اجتماعية معينة ، كما يقرر بولتزير ؟ أو أنها وجدت في حياة الانسان ( 1 ) المادية والمثالية في الفلسفة ) ص 78 .


صفحه 89


المفكر ، نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة للتعبير عنها ، وعرضها على الآخرين ؟ . ونحن لا نستطيع أن نأخذ بالتقدير الأول ، الذي حاول ( بولتزير ) التأكيد عليه ، حتى حين ننطلق في البحث من تجارب ( بافلوف ) ، والقاعدة التي وضعها عن المنبهات الطبيعية والشرطية .
ولكي نكون أكثر وضوحاً ، يجب اعطاء فكرة مبسطة عن آراء ( بافلوف ) ، وطريقته في تفسير الفكر ، تفكيراً فسيولوجياً : فإن هذا العالم الشهير ، استطاع أن يدلل بالتجربة ، على أن شيئاً معيناً إذا ارتبط بمنبه طبيعي ، اكتسب نفس فعاليته ، وأخذ يقوم بدوره ، ويحدث نفس الاستجابة التي يحدثها المنبه الطبيعي . فتقديم الطعام إلى الكلب مثلاً - منبه طبيعي ، يحدث فيه استجابة معينة : إذ يسيل لعابه ، أول ما يرى الاناء الذي يحتوي على الطعام . وقد لاحظ ذلك ( بافلوف ) ، فأخذ يدق جرساً عند تقديم الطعام إلى الكلب . وكرر هذا عدة مرات . ثم أخذ يدق الجرس من دون تقديم الطعام . فوجد أن لعاب الكلب يسيل . واستنتج من هذه التجربة : أن دق الجرس أصبح يحدث نفس الاستجابة ، التي كان المنبه الطبيعي ( تقديم الطعام ) يحدث ، ويؤدي نفس دوره ، بسبب اقترانه واشتراطه به عدة مرات ولهذا أطلق على دق الجرس أسم : ( المنبه الشرطي ) وسمي تحلب اللعاب وسيلانه ، الذي يحدث بسبب دق الجرس : ( استجابة شرطية ) .
وعلى هذا الأساس حاول جماعة ، أن يفسروا الفكر الإنساني كله ، تفسيراً فسيولوجياً ، كما يفسر تحلب اللعاب عند الكلب تماماً . فأفكار الإنسان كلها إستجابات لمختلف أنواع المنبهات . وكما أن تقديم الطعام إلى الكلب ، منبه طبيعي ، يستثير استجابة طبيعية وهي سيلان اللعاب ، كذلك توجد بالنسبة إلى الإنسان منبهات طبيعية ، تطلق إستجابات معينة ، اعتدنا أن نعتبرها ألواناً من الإدراك . وتلك المنبهات ، التي تطلق هذه الإستجابات ، هي الإحساسات الداخلية والخارجية . وكما أن دق الجرس ، اكتسب نفس الاستجابة ، التي يحدثها تقديم الطعام إلى


صفحه 90


الكلب ، بالاقتران والاشتراط ، كذلك توجد أشياء كثيرة ، اقترنت بتلك المنبهات الطبيعية للانسان ، فأصبحت منبهات شرطية له ومن تلك المنبهات الشرطية : كل أدوات اللغة . فلفظة الماء - مثلاً - تطلق نفس الاستجابة ، التي يطلقها في الاحساس بالماء . بسبب اقترانها واشتراطها به . فالإحساس بالماء ، أو الماء المحسوس : منبه طبيعي ، ولفظ . ( الماء ) : منبه شرطي ، وكلاهما يطلقان في الذهن ، استجابة من نوع خاص .
وقد افترض بافلوف لأجل ذلك نظامين إشاريين .
أحدهما : النظام الإشاري ، الذي يتكون من مجموعة المنبهات الطبيعية ، والمنبهات الشرطية ، التي لا تتدخل فيها الألفاظ .
والآخر : النظام الإشاري المشتمل على الألفاظ والأدوات اللغوية ، بصفتها منبهات شرطية ثانوية : فهي منبهات ثانوية ، إشطرت بمنبهات النظام الإشاري الأول ، واكتسبت بسبب ذلك ، قدرتها على إثارة إستجابات شرطية معينة .
والنتيجة التي تنتهي إليها آراء ( بافلوف ) هي : أن الإنسان لا يمكنه أن يفكر بدون منبه ، لأن الفكر ليس إلا استجابة من نوع خاص للمنبهات . كما أنه لا يتاح له الفكر العقلي المجرد ، إلا إذا وجدت بالنسبة اليه منبهات شرطية ، اكتسبت عن طريق اقترانها بالإحساسات ، نفس الإستجابات التي تطلقها تلك الأحاسيس . وأما إذا بقي الانسان رهن إحساساته ، فلا يستطيع أن يفكر تفكيراً مجرداً ، أي أن يفكر في شيء غائب عن حسه . فلكي يكون الانسان كائناً مفكراً ، لا بد من أن توجد له منبهات ، وراء نطاق الإحساسات نطاق المنبهات الطبيعية .
ولنفترض أن هذا كله صحيح . فهل يعين ذلك أن اللغة هي أساس وجود الفكر في الحياة الانسانية ؟ . كلا فإن إشراط شيء معين بالمنبه الطبيعي ، لكي يكون منبهاً شرطياً ، يحصل تارة ، بصورة طبيعية . كما إذا اتفق أن اقترنت رؤية الماء بصوت معين ، أو بحالة نفسية معينة ، مرات عديدة ، حتى أصبح ذلك الصوت أو هذه الحالة ، منبهاً شرطياً ، يطلق نفس الاستجابة التي كان يطلقها الاحساس بالماء .


صفحه 91


فالاشراط في هذه الحالات إشراط طبيعي . ويحصل هذا الاشراط ، تارة أخرى ، نتيجة لقصد معين ، كما في سلوكنا مع الطفل ، إذ نقدم له شيئاً كالحليب ، ونكرر له أسمه ، حتى يربط بين الكلمة والشيء . ويصبح الاسم منبهاً شرطياً للطفل ، نتيجة للطريقة التي اتبعناها معه .
ولا شك في أن عدة من الأصوات والأحداث ، قد اقترنت بمنبهات طبيعية ، عبر حياة الإنسان ، وإشطرت بها إشراطاً طبيعياً . وأصبحت بذلك تطلق إستجابات معينة ، في ذهن الانسان . وأما أدوات اللغة - على وجه العموم - وألفاظها ، التي تم إشراطها خلال عملية اجتماعية ، فهي إنما أشرطت نتيجة لحاجة الإنسان ، إلى التعبير عن أفكاره ونقلها إلى الآخرين ، أي أنها وجدت في حياة الإنسان ، لأنه كائن مفكر ، يريد التعبير عن أفكاره . إلا أن الانسان أصبح كائناً مفكراً ، بسبب أن اللغة وجدت في حياته . وإلا فلماذا وجدت في حياته خاصة ، ولم توجد في حياة سائر أنواع الحيوان ؟ ! . فاللغة ليست أساس الفكر ، وإنما هي أسلوب خاص للتعبير عنه ، اتخذه الإنسان منذ أبعد العصور ، حين وجد نفسه - وهو يخوض معركة الحياة ، مع أفراد آخرين - بحاجة ملحة إلى التعبير عن أفكاره ، وتفهم أفكار الآخرين ، في سبي لتيسير العمليات التي يقومون بها ، وتحديد الموقف المشترك أمام الطبيعة ، وضد القوى المعادية .
وإنما تعلم الانسان أن يتخذ هذا الأسلوب - أسلوب اللغة - بالذات ، للتعبير عن أفكاره في ضوء ما تم بفعل الطبيعة ، أو المصادفة ، من إشراط بعض الأصوات ببعض المنبهات الطبيعية ، عن طريق اقترانها بها مراراً . فقد استطاع الانسان أن ينتفع بذلك ، في نطاق أوسع ، فوجدت اللغة في حياته .
وهكذا نعرف ، أن اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية ، إنما نجمت عن إحساس الانسان ، خلال العمل الاجتماعي المشترك ، بالحاجة إلى ترجمة أفكاره ، والإعلان عنها ، وليست هي التي خلقت من الانسان كائناً مفكراً .
وعلى هذا الأساس ، نستطيع أن نعرف : لماذا ظهرت اللغة في حياة الإنسان ، دون غيره من أنواع الحيوان ، كما ألمحنا سابقاً ؟ . بل أن نعرف أكثر من ذلك : لماذا وجد


صفحه 92


المجتمع الإنساني ، ولم يوجد مجتمع كهذا ، لأي كائن حي آخر ؟ . فإن الإنسان ، لما كان قادراً على التفكير ، فقد أتيح له وحده ، أن يتخطى حدود الإحساس ، فيغير من الواقع الذي يحسه ، وبالتالي يغير من إحساساته نفسها ، تبعاً لتغيير الواقع المحسوس . ولم يتح هذا لأي حيوان آخر ، لا يملك قدرة على التفكير ، لأنه لا يستطيع ان يدرك ويفكر في شيء ، سوى الواقع المحسوس ، بأشكاله الخاصة ، فلا يمكنه أن يغير الواقع إلى شيء آخر .
وهكذا كان التفكير ، هو الذي خص الانسان بالقدرة ، على تغيير الواقع المحسوس ، تغييراً حاسماً .
ولما كانت عملية تغيير الواقع هذه ، تتطلب في كثير من الأحايين ، جهوداً متنوعة وكثيرة ، فهي تتخذ لأجل ذلك طابعاً اجتماعياً ، إذ يقوم بها أفراد متعددون ، وفقاً لنوعية العملية ومدى الجهود التي تتطلبها ، وبذلك توجد علاقة اجتماعية بينهم ، لم يكن من الممكن أن توجد علاقة من لونها ، بين أفراد نوع آخر من الحيوان . لأن الحيوانات الأخرى ، حيث أنها ليست كائنات مفكرة ، فهي عاجزة عن القيام بعمليات تغيير حاسم للواقع المحسوس ، وبالتالي لا توجد فيما بينها علاقة اجتماعية ، من ذلك اللون .
ومنذ يدخل الناس في عمليات مشتركة ، لتغيير الواقع المحسوس ، يصحون بحاجة إلى لغة . لأن الإشارات الحسية إنما تعبير عن الواقع المحسوس ، ولا تستطيع أن تعبر عن فكرة تغييره ، وعن الروابط الخاصة بين الأشياء المحسوسة التي يراد تعديلها أو تغييرها . فتوجد اللغة في حياة الانسان ، إشباعاً لهذه الحاجة ، وإنما وجدت في حياته وحده ، لأن الحيوان لم يشعر بمثل هذه الحاجة الانسانية التي كانت وليدة العمل الاجتماعي ، القائم على أساس التفكير ، لتغيير الواقع المحسوس ، وإيجاد تعديلات حاسمة فيه .
ج - الدليل العلمي :
يسير التفسير العلمي لظواهر الكون المتنوعة ، في خط متدرج . فهو يبدأ بوصفه فرضية ، أي تفسيراً افتراضياً للواقع ، الذي يعالجه العالم ، وحاول استكشاف أسراره


صفحه 93


وأسبابه . ولا يصل هذا التفسير الافتراضي ، إلى الدرجة العلمية ، إلا إذا استطاع الدليل العلمي ، أن يبرهن ، وينفي إمكان أي تفسير آخر ، للظاهرة موضوعة البحث ، عداه . فما لم يقم الدليل على ذلك ، لا يصل التفسير المفترض إلى درجة اليقين العلمي ، ولا يوجد مبرر لقبوله ، دون سواه من الافتراضات والتفاسير . فمثلاً قد نجد شخصاً معيناً ، يلتزم في ساعة معينة ، بالعبور من شارع خاص . وقد نفترض لتفسير هذه الظاهرة : أن هذا الشخص يسلك هذا الطريق بالذات ، في كل يوم ، لأن له عملاً يومياً في معمل ، يقع في منتهى الشارع . وهذا الافتراض وإن كان يصلح لتفسير الواقع ، غير أن ذلك لا يعين قبوله ، ما دام من الممكن أن نفسر سلوك هذا الشخص ، في ضوء آخر : كما إذا افترضنا أنه يزور صديقاً له ، يسكن بيتاً في ذلك الشارع . أو يراجع طبيباً يقطن في تلك المنطقة ، ليستشيره في حالة مرضية . أو يقصد مدرسة معينة ، تلقى فيها المحاضرات بصورة رتيبة .
وهكذا الأمر في التفسير الماركسي للتاريخ ( المادية التاريخية ) ، فإنه لا يمكن - حتى إذا افترضنا كفاءته لتفسير الواقع التاريخي - إن يكتسب الدرجة العلمية أو الوثوق العلمي ، ما لم يخرج عن كونه افتراضاً ، ويحصل على دليل علمي ، يدحض كل افتراض عداه ، في تفسير التاريخ .
ولنأخذ تفسير المادية التاريخية للدولة مثالاً لذلك . فهي تفسير نشوء الدولة ووجودها في حياة الانسان ، على أساس العامل الاقتصادي ، والتناقض الطبقي ، فالمجتمع المتناقض طبقياً ، يلتهب فيه الصراع ، بين الطبقة القوية المالكة لوسائل الإنتاج ، والطبقة الضعيفة التي لا تملك شيئاً ، فتقوم الطبقة الغالبة ، بإنشاء أداة سياسية لحماية مصالحها الاقتصادية ، والحفاظ على مركزها الرئيسي . وهذه الأداة السياسية في الحكومة ، بمختلف أشكالها التاريخية .
وهذا التفسير الماركسي للدولة أو الحكومة ، لا يكتسب قيمة علمية مؤكدة ، إلا إذا أفلست كل التفاسير ، التي يمكن أن يبرر بها نشوء الدولة في المجتمع البشري ، سوى كونها أداة سياسية للاستغلال الطبقي . وأما إذا استطعنا ، أن نفسر هذه الظاهرة