بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 97


فإن الباحث التاريخي حين يحصل على مجموعة من الظواهر والأحداث التأريخية ، لا يملك تجاهها تلك الإمكانيات ، التي يملكها الفيزيائي مثلاً ، تجاه الذرة وظواهرها ، ونواتها وكهاربها وإشعاعاتها . لأن الباحث التاريخي ، مضطر لأخذ الظواهر والأحداث التاريخية كما هي ، ولا يمكنه أن يطور أو يغير شيئاً منها ، عن طريق التجربة . وأما العالم الفيزيائي ، فهم يستطيع أن يجري تجاربه المختلفة على المادة التي يعالجها ، ويستعبد منها ما يشاء ، ويضم إليها ما يشاء . وحتى في المجال الذي لا تخضع المادة المدروسة فيه للتغيير ، كعلم الفلك ، يمكن للعالم الفلكي أن يغير من علاقاته بتلك المادة ، بواسطة التلسكوب ، ومن موقعه واتجاهاته .
وعجز الباحث التاريخي عن القيام بتجارب على الظواهر التاريخية والاجتماعية يعني عدم تمكنه من تقديم دليل تجريبي على نظرياته التي يفسر بها التاريخ ، ويستكشف أسراره .
فلا يستطيع - مثلاً لدى محاولة الكشف عن العامل الأساسي لظاهرة تاريخية معينة - أن يستعمل الأساليب العلمية الأساسية ، التي يقررها المنطق التجريبي ، ويستعملها العلماء الطبيعيون ، كطريقتي : الاتفاق والاختلاف ، الطريقتين الرئيسيتين في الاستدلال التجريبي . لأن هاتين الطريقتين تتوقفان كلاهما ، على إضافة عامل بأسره ، أو حذف عامل بأسره ، لنرى مدى ارتباطه مع عامل آخر . وهذه هي طريقة الاتفاق . ثم يعزل ( ب ) ، هي سبب ( أ ) يجمع بينهما في ظروف مختلفة . وهذه هي طريقة الاتفاق . ثم يعزل ( ب ) ، ليرى هل يزول ( أ ) تبعاً لذلك . وهذه هي طريقة الاختلاف . ومن الواضح أن الباحث التاريخي ، لا يتمكن من تغيير الواقع التاريخي للانسانية ، ولا يقدر على شيء من ذلك .
ولنأخذ - مثلاً على ذلك الدولة بوصفها ظاهرة تاريخية ، والحرارة بوصفها ظاهرة طبيعية . فان العامل الطبيعي إذا حاول أن يفسر الحرارة ، تفسيراً علمياً ويستكشف السبب الرئيسي لها ، أمكنه أن يفترض : أن الحرارة هي سبب الحرارة ، إذ أدرك اقترانهما في حالات عديدة . ولكي يتأكد من صحة هذا الافتراض ، يستعمل


صفحه 98


طريقة الاتفاق ، فيقوم بعدة تجارب ، يحاول في كل واحدة منها ، إبعاد شيء من الأشياء ، التي تقترن بالحركة والحرارة ، ليتأكد من الحرارة ، ليتبين ما إذا كان من الممكن أن توجد حرارة بدون حركة ، فإذا كشفت التجربة : ان الحرارة توجد متى ما وجدت الحركة ، مهما كانت الظروف والأحداث الأخرى وأنها تختفي في الحالات التي لا توجد فيها حركة . . ثبت علمياً أن الحركة هي سبب الحرارة .
وأما الباحث التاريخي ، حين يتناول الدولة بصفتها ظاهرة تاريخية في حياة الانسان ، فهو قد يفترض أنها نتاج مصلحة اقتصادية ، لفئة معينة من المجتمع ، ولكنه لا يستطيع أن يدحض الافتراضات الأخرى بالتجربة . فلا يمكنه - مثلاً ان يبرهن تجريبياً ، على أن الدولة ليست نتاجاً لنزعة سياسية في نفس الإنسان أو لحالة تعقيد معينة في الحياة المدنية والاجتماعية .
لأن غاية ما يتاح للباحث التاريخي ، أن يضع إصبعه على عدد من الحالات التاريخية ، التي اقترن فيها ظهور الدولة بمصلحة اقتصادية معينة ، ويحشد عدداً من الأمثلة التي وجد فيها الدولة بمصلحة اقتصادية معينة ، ويحشد عدداً من الأمثلة التي وجد فيها الدولة والمصلحة الاقتصادية معاً ( وهذا ما يسمى في المنطق التجريبي أو العلمي بطريقة التعداد البسيط ) .
ومن الواضح أن طريقة التعداد البسيط هذه ، لا تبرهن علمياً على ان المصلحة الاقتصادية الطبقية هي السبب الأساسي الوحيد ، لظهور الدولة إذ من الجائز أن يكون للعوامل الأخرى أثرها الخاص ، في تكوين الدولة ، وحيث أن الباحث لا يستطيع أن يغر الواقع التاريخي - كما يغير الفيزيائي الظواهر الطبيعية بتجاربه - فهو لا يتمكن من إفراز وعزل سائل العوامل الأخرى ، عن واقع المجتمع ليدرس نتيجة هذا العزل . ويتبين : ما إذا كانت الدولة - كظاهرة اجتماعية - ستزول بعزل تلك العوامل ، أولا ويستخلص مما سبق أن البحث التاريخي يختلف عادة عن البحوث العلمية الطبيعية ! من ناحية المادة التي يقوم على أساسها الاستنتاج ، أولاً . ومن ناحية الدليل الذي يدعم ذلك الاستنتاج ، ثانياً .


صفحه 99


وإذا استبعدنا الدليل التجريبي الدقيق ، عن نطاق البحث التاريخي ، لم يبق لدى مفسر التاريخ إلا الملاحظة المنظمة ، التي تحاول أن تستوعب أكبر مقدار ممكن ، من أحداث التاريخ وظواهره ، حيث يأخذه الباحث التاريخي كما هي ، ويحاول أن يفسرها ، ويضع لها مفاهيمها العامة ، على طريقة التعداد البسيط .
وعلى هذا الأساس نعرف : أن الماركسية لم تكن تملك - حين وضعت مفهومها الخاص عن التاريخ - سنداً علمياً لها ، سوى الملاحظة ، التي رأتها الماركسية كافية ، للتدليل على وجهة نظرها المعينة إلى التاريخ . وأكثر من هذا ، أنها زعمت : أن الملاحظة المحدودة في نطاق تاريخي ضيق ، تكفي وحدها لإستكشاف قوانين التاريخ كلها ، واليقين العلمي بها . فقد قال أنجلز :
( ( ولكن فيما كان البحث عن هذه الأسباب المحركة في التاريخ مستحيلاً تقريباً ، في سائر المراحل السابقة ، بسبب تعثر علاقتها وتخفيها مع ردود الفعل ، التي تؤثر بها ، فإن عصرنا قد بسط هذه العلائق كثراً ، بحيث أمكن حل اللغز . فمنذ انتصار الصناعة الكبرى ، لم يعد خافياً على أحد في إنكلترا ، بأن النضال السياسي كله يدور فيها حول طموح طبقتين إلى السلطة ، ألا وهما : الأرستقراطية العقارية ، البورجوازية ) )[1].
ومعنى هذا : أن ملاحظة الوضع الاجتماعي ، في فترة معينة من حياة أوروبا أو انكلترا خاصة ، كانت كافية في رأي المفكر الماركسي الكبير أنجلز ، لليقين العلمي ، بأن العامل الاقتصادي ، والتناقض الطبقي ، هو العامل الأساسي في التاريخ الإنساني كله ، بالرغم من أن فترات التاريخ الأخرى ، لا تكشف عن ذلك لأنها غائمة معقدة ، كما اعترف بذلك ( أنجلز ) نفسه ، فمشهد واحد من مشاهد التاريخ في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، استطاع أن يقنع الماركسية بأن القوى المحركة للتاريخ ، عبر عشرات الآلاف من السنين ، هي قوى العامل الاقتصادي ، يقنعها بذلك لا لشيء ، إلا لأن هذا العامل ، هو الذي بدا لها أنه مسيطر على ذلك المشهد التاريخي


[1]( لودفيج فيورباخ ) ص 95 .


صفحه 100


الخاص ، مشهد انكلترا في تلك الفترة المحدودة من تاريخها .
مع أن سيطرة عامل معين ، على مجتمع في فترة خاصة ، لا تكفي للتدليل على سيطرته الرئيسية ، في كل أدوار التاريخ ، وفي كل المجتمعات ، إذ قد يكون لهذه السيطرة نفسها أسبابها وعواملها الخاصة . فيجب قبل إصدار الأحكام النهائية في حق التاريخ ، أن يقارن المجتمع الذي بدا العامل الاقتصادي مسيطراً عليه ، بالمجتمعات الأخرى ، حتى يبحث عما إذا كان لهذه السيطرة ، ظروفها وأسبابها الخاصة ؟ .
ومن الجدير بهذا الصدد أن نلاحظ كلاماً آخر لأنجلز ، ساقه في مناسبة أخرى ، وهو يعتذر عن أخطاء وقع فيها ، من جراء التطبيق الديالكتيك على غير المجتمع ، من مجالات الكون والحياة ، قائلاً :
( ( وغني عن البيان ، بأنني كنت قد عمدت إلى سرد المواضيع في الرياضيات والعلوم الطبيعية ، سرداً عاجلاً وملخصاً ، بغية أن أطمئن تفصيلاً إلى ما لم أكن في شك منه بصورة عامة ، إلى أن نفس القوانين الديالكتيكية للحركة ، التي تسيطر على العفوية الظاهرة للحوادث في التاريخ ، تشق طريقها في الطبيعة . . . ) )[1]ونحن إذا قارنا هذا الكلام بالكلام السابق لأنجلز ، استطعنا أن نعرف كيف أتيح لمفكر ماركسي مثل أنجلز ، أن يكون مفهومه العام عن التاريخ ، وبالتالي مفهومه الفلسفي عن الكون والحياة وكل ظواهره ، من خلال الضوء الذي يلقيه مشهد تاريخي واحد لمجتمع خاص من المجتمعات البشرية . في فترة محدودة من الزمن بطريقة سهلة جداً . فما دام هذا المشهد التاريخي المعين ، يكشف عن صراع بين جماعتين في المجتمع ، فيجب أن يكون التاريخ كله صراعاً بين المتناقضات . وإذا كان التناقض هو الذي يسود التاريخ ، فيكفي هذا ليؤمن أنجلز بأن نفس قوانين التناقض هذه ، تشق طريقها في الطبيعة ، على حد تعبيره ، وأن الكون كله صراع بين مختلف التناقضات الداخلية .


[1]ضد دوهرنك : ج 2 ص 193 .


صفحه 101


ثانياً - هل يوجد مقياس أعلى ؟
إن المقياس الأعلى في رأي الماركسية ، لاختبار صحة كل نظرية ، هو مدى نجاحها في مجال التطبيق . فالنظرية عند الماركسيين لا يمكن أن تنفصل عن التطبيق وهذا ما يسمى في الديالكتيك بوحدة النظرية والتطبيق . قال ماوتسي تونغ :
( ( إن نظرية المعرفة في المادية الديالكتيكية تضع التطبيق في المقام الأول . فهي ترى أن اكتساب الناس للمعرفة يجب أن لا ينفصل بأية درجة كانت عن التطبيق وتشن نضالاً ضد كل النظريات الخاطئة التي تنكر أهمية التطبيق ، أو تسمح بانفصال المعرفة عن التطبيق ) ) ( 1 ) .
وقال جورج بولتزير :
( ( فمن المهم إذن أن نفهم معنى وحدة النظرية والتطبيق ، ومعنى ذلك : أن من يهمل النظرية يقع في فلسفة الممارسة . فيسلك كما يسلك الأعمى ويتخبط في الظلام ، أما ذلك الذي يهمك التطبيق فيقع في الجمود المذهبي ) ) . ( 2 ) على هذا الأساس نريد أن ندرس المادية التاريخية ، وبكلمة أخرى : ندرس النظرية الماركسية العامة عن التاريخ ، لنتعرف على نصيبها من النجاح ، في مجال التطبيق الثوري الذي خاضه الماركسيون .
ومن الواضح ، أن الماركسيين إنما أتيحت لهم محاولة تطبيق النظرية ، بالنسبة إلى جزء خاص منها ، وهو الجزء الذي يتصل بتطوير المجتمع الرأسمالي إلى مجتمع اشتراكي ، وأما الجوانب الأخرى ، النظرية ، فهي تتعلق بقوانين لمجتمعات تاريخية ، وجدت في حياة الإنسان وانصرمت ، ولم تعاصرها الماركسية ولا ساهمت في إيجادها .
فلنأخذ الجزء الخاص من النظرية ، الذي يتصل بتطوير المجتمع الرأسمالي ونشوء


صفحه 102


الاشتراكية ، والذي مارست الماركسية تطبيقه ، لنتبين وحدة النظرية والتطبيق أو تناقضهما ، وبالتالي لنحكم على النظرية ، لنتبين وحدة النظرية والتطبيق أو تناقضهما ، وبالتالي لنحكم على النظرية ، وفقاً لمقدار نجاحها أو فشلها في مجال التطبيق ما دام التطبيق في رأي الماركسية هو المعيار الأساسي لتقويم النظريات ، والعنصر الضروري للنظرية العلمية الصحيحة .
وبهذا الصدد ، يمكننا أن نقسم البلاد الاشتراكية ، التي مارست تطبيق النظرية الماركسية جزئياً أو كلياً ، إلى قسمي ، جاء التطبيق في كل منهما بعيداً عن النظرية ونبوءاتها العلمية وما حددته ، قوانين لمجرى التاريخ وتياراته الاجتماعية .
فالقسم الأول هو : البلاد الاشتراكية ، التي فرض عليها النظام الاشتراكي فرضاً ، بقوة الجيش الأحمر ، كعدة من أقطار أوروبا الشرقية ، مثل : بولونيا وتشيكو سلوفاكيا والمجر ، ففي هذه الأقطار ونظائرها ، لم يحصل التحول الاشتراكي بحكم ضرورة من الضرورات التي تحددها النظرية ، وليم تنبثق الثورة عن تناقضات المجتمع الداخلية ، وإنما فرضت من الخارج ومن الأعلى بواسطة الحرب الأجنبية والغزو العسكري المسلح وإلا فأي قانون من قوانين التاريخ شق ألمانيا نصفين وأدرج جزءها الشرقي ضمن العالم الاشتراكي ، وجزئها الآخر ضمن العالم الرأسمالي ؟ أهو قانون القوى المنتجة ؟ أو حكم الجيش الفاتح ، الذي فرض على البقعة التي ملكها نظامه وأفكاره ؟ ! .
وأما القسم الثاني من البلاد الاشتراكية : فقد أقيمت فيها الأنظمة الاشتراكية بقوة الثورات الداخلية ، ولكن هذه الثورات الداخلية لم تتجسد فيها قوانين الماركسية ، ولم تجيء طبقاً للنظرية التي حل بها الماركسيون كل ألغاز التاريخ .
فروسيا - وهي البلد الأول في العالم الذي سيطر عليه النظام الاشتراكي بفعل الثوارت الداخلية - قد كانت في مؤخرة الدول الأوربية ، من الناحية الصناعية ، ولم يكن نمو القوى المنتجة فيها ، قد بلغ الدرجة التي تحددها النظرية لإمكانية التحول ، واندلاع الثورة الاشتراكية . فلم يلعب تزايد القوى المنتجة دوره الرئيسي في تقرير شكل النظام ، وتكوين جوهر المجتمع وفقاً للنظرية ، بل لعب دوراً معكوساً ، إذ نمت القوى المنتجة في بلاد كفرنسا وبريطانيا وألمانيا نمواً هائلاً ، ودخلت تلك


صفحه 103


البلاد في درجة عالية من التصنيع ، وبمقدار ارتقائها في هذا المضمار ، كان بعدها عن الثورة ، ونجاتها من الانفجار الثوري الشيوعي المحتوم ، في مفاهيم المادية التاريخية .
وأما روسيا فقد كانت الحركة التصنيعية فيها منخفضة جداً ، وكان الرأسمال المحلي عاجزاً تماماً عن حل مشاكل التصنيع السريع ، في ظل ظروفها السياسية والاجتماعية ، ولم يكن هناك موضع للقياس : بين الرأسمالية الصناعية في تلك البلاد المتخلفة ، وبين قوى الصناعة وضخامة الرأسمال الصناعي في الغرب الأوروبي ، ومع ذلك أخصب الاتجاه الثوري فيها وتفجر ، وجاءت الثورة الصناعية ، كنتيجة للثورة السياسية ، فكان الجهاز الانقلابي في الدولة ، هو الأداة الفعالة لتصنيع البلاد ، وتطوير قواها المنتجة ، ولم يكن التصنيع وتطور قوى البلاد المنتجة ، هو السبب في خلق ذلك الجهاز وإنشاء تلك الأداة .
وإذا كان من الضروري ، أن نربط بين الثورة من ناحية ، وحركة التصنيع والقوى المنتجة من ناحية أخرى ، فالشئ المعقول أن نعكس العلاقة الماركسية المفترضة بين الثورة والتصنيع ( ( فنعتبر أن انخفاض المستوى الصناعي والإنتاج ، من العوامل المهمة ، التي أدت إلى دق أجراس الثورة في بلد كروسيا ، على العكس تماماً من افتراض النظرية الماركسية ، القائل : إن الثورة الاشتراكية ، بموجب القوانين المادية للتاريخ ، لا يتكون إلا نتاجاً لنمو الرأسمالية الصناعية وبلوغها الذروة . فروسيا مثلاً - لم يدفعها نمو قوى الإنتاج إلى الثورة ، بمقدار ما دفعها انخفاض تلك القوى وتخلفها الخطر ، عن ركب الدول الصناعية ، التي قفزت بخطوات العمالقة في مضمار الصناعة والإنتاج ، فكان لابد لكي تحتفظ روسيا بوجودها الحقيقي في الأسرة الدولية ، أن تنشئ الجهاز السياسي والاجتماعي ، الذي يحل مشاكل التصنيع حلاً سريعاً ، ويدفع خلق الجهاز القادر على حل هذه المشاكل تقع روسيا حتماً فريسة الاحتكارات ، التي تقيمها الدول السباقة ، وينتهي وجودها كدولة حرة على مسرح التاريخ .


صفحه 104


وهكذا نجد - إذا نظرنا إلى روسيا ، زاوية القوى المنتجة ، والحالة الصناعية - كما تنظر الماركسية دائماً - أن المشكلة الرئيسية هي : مشكلة إيجاد التصنيع ، لا تناقض نمو التصنيع مع كيانات المجتمع السياسية والاقتصادية .
وقد تسلمت الثورة الاشتراكية الحكم واستطاعت بطبيعة كيانها السياسي ( القائم على سلطة مطلقة لا حدود لها ) وطبيعة كيانها الاقتصادي ( القائم على تركيز كل عمليات الإنتاج في وجهة واحدة هي الدولة ) أن تخطو خطوات جبارة في تصنيع البلاد . فكانت الحكومة الاشتراكية هي التي تخلق أسباب وجودها والمبررات الماركسية لنشوئها ، وتنشئ الطبقة التي تزعم أنها تمثلها ، وتنقل القوى المنتجة في البلد إلى المرحلة التي أعدها ( ماركس ) لاشتراكية العلمية .
ومن حقنا بعد هذا أن نتساءل عما إذا كانت تقوم حكومة ثورية في روسيا تحمل الطابع السياسي والاقتصادي للاشتراكية ، لو أن روسيا لم تكن متأخرة صناعياً وسياسياً وفكرياً ، عن مستوى الدول الصناعية الكبرى ؟ !
والصين - وهي البلد الآخر الذي ساد فيه النظام الاشتراكي بالثورة - نجد فيها - كما وجدنا في روسيا - التناقض الواضح بين النظرية والتطبيق . فلم تكن الثورة الصناعية هي العامل الأساسي في تكوين الصين الجديدة ، وقلب نظام الحكم فيها ، ولم يكن لوسائل الإنتاج ، وفائض القيمة ، وتناقضات رأس المال ، التي تقررها قوانين المادية التاريخية ، أي دور رئيسي في المعترك السياسي .
وشئ آخر جدير بالملاحظة هو : أن الثورات الداخلية ، التي مارست عملية تطبيق الاشتراكية الماركسية ، لم تكن تعتمد في انتصارها على الصراع الطبقي ، وانهيار الطبقة الحاكمة أمام الطبقة المحكومة ، بسبب شدة التناقضات الطبقية بينهما ، بمقدار ما اعتمدت على انهيار الجهاز الحاكم ، انهياراً عسكرياً ، بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى ، الأمر الذي مكن للقوى المعارضة - وعلى رأسها الحزب الشيوعي - من الإنتصار السياسي ، بشكل ثوري ، أدى إلى امتلاك الحزب الشيوعي لأزمة الحكم ، بصفته أبرع