اُمك عما ذكرتُ لك فإنّها تُخبرك بشأن أبيك إنْ صدقتْ .
ثمّ التفت إلى معاوية فقالت : والله ما عرّضني لهؤلاء غيرك ، وانّ اُمّك هذه للقائلة يوم اُحد في قتل حمزة رحمه الله :
نَحـنُ جَـزيناكـم بيـومِ بـدرٍ *** والحربُ يوم[1]الحرب ذات سعرِ
ما كان عن عُتبة لي مِن صبـرِ *** أبـي وعمّـي وأخـي وصهري
شفيت وحشـي غليل صـدري *** شفيت نـفسي وقـضيت نـذري
فشكـر وحشي علـيّ عمـري *** حتـى تَغيب[2]أعظمي في قبري
فأجبتُها :
يا بنتَ رقـاعٍ عـظيم الكفر *** خـزِيتِ في بـدرٍ وغير بدرِ
صبّحـك الله قبيـل الفجـر *** بـالهاشميين الطـوال الزهر
بكلّ قطّـاع حسـامٍ يفـري *** حمزة ليثـي وعلـي صقري
إذا رام شبيب وأبوك غـدري *** أعطيتي وحشي ضمير الصدر
هتـك وحشـي حجاب الستر *** مـا للبغايـا بعدها مـن فخر
فقال معاوية لمروان وعمرو : ويلكما أنتما عرضتماني لها وأسمعتماني ما أكره ، ثم قال لها معاوية : عفا الله عمّا سلف ، يا خالة هاتِ حاجتك .
قالت : مالي إليك من حاجة ، وخرجت عنه .
فقال معاوية لأصحابه : والله لو كلّمها مَنْ في المجلس جميعاً لأجابت كلّ واحدٍ بغير ما تجيب به الآخر ، وأنّ نساء بني هاشم لأفصح من رجال غيرهم ، وبعثَ لها قبل رحيلها فأكرمها وعادتْ إلى المدينة .
وفي رواية قال لها معاوية : يا عمّة أقصدي قصد حاجتك ودعي عنك أساطير النساء .
[1]ـ في العقد الفريد : بعد .
[2]ـ في العقد الفريد : تَرِمّ .
ورَمَّت عظامه وأرمَّت : اذا بليت . لسان العرب 12 : 253 « رمم » .
قالت : تأمر لي بألفي دينار ، وألفي دينار ، وألفي دينار .
قال : ما تصنعين يا عمّة بألفي دينار ؟
قالت : اشتري بها عيناً خرَّارة في أرض خَوّارة[1]تكون لولد الحارث بن عبدالمطلب .
قال : نِعْمَ الموضع وضعتيها ، فما تصنعين بألفي دينار ؟
قالت : اُزوّج بها فتيان عبدالمطلب من أكفائهم .
قال : نِعْمَ الموضع وضعتيها ، فما تصنعين بألفي دينار ؟
قالت : أستعين بها على عسر المدينة وزيارة بيت الله الحرام .
قال : نِعْمَ الموضع وضعتيها ، هي لك نعم وكرامة .
ثم قال : أما والله لو كان عليٌّ ما أمرَ لَكِ بها .
قالت : صدقتَ ، إنّ علياً أدّى الأمانة ، وعمل بأمر الله وأخذ به . وأنتَ ضيّعت أمانتك وخنت الله في ماله ، فأعطيتَ مالَ الله مَنْ لا يستحقه ، وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها وبيّنها فلم تأخذ بها ، ودعانا إلى أخذ حقّنا الذي فرض الله لنا ، فشغل بحربك عن وضع الاُمور مواضعها . وما سألتك من مالك شيئاً فتمنَّ به ، إنّما سألتك من حقّنا ، ولا نرى أخذ شيء غير حقّنا ، أتذكر علياً فضّ الله فاك وأجهد بلاءك ، ثم علا بكاؤها وقالت :
ألا يا عين وَيْحَكِ أسعدينـا *** ألا وابْكـي أميـرَالمـؤمنينا
رُزينا خَيْرَ مَنْ رَكبَ المطايا *** وفـارسها وَمَنْ رَكبَ السفينا
وَمَنْ لَبسَ النعالَ أو احتذاها *** وَمَـنْ قـرأ المَثاني والمئينا
إذا استقبلتَ وجهَ أبي حسنٍ *** رأيْتَ البـدرَ راعَ النظـارينا
ولا والله لا أنـسـى عَليّـاً *** وحُسـنَ صَلاتِهِ في الراكعينا
[1]ـ أرض خوّارة : ليّنة سهلة . لسان العرب 4 : 262 ( خَوَرَ ) .
والخرّارة : عين الماء الجاريه ، سميت خرّارة لخرير مائها ، وهو صوته . لسان العرب 4 : 234 ( خرر ) .
أفي الشهرِ الحرام[1]فجتمونا *** بخيـرِ النـاس طُـرّاً أجمعينا
فأمر معاوية لها بستة آلاف دينار ، وقال لها : يا عمّة انفقي هذه في ما تُحبين ، فإذا احتجتيني فاكتبي إلى ابن أخيك يحسن صفدك[2]ومعونتك إن شاء الله .
ومن شعرها قالت ترثي أباها :
عَينيَّ جـودا بدَمْعٍ غَيـر مَمْنـونِ *** إذْ أنهما لا بِدَمْـعِ العَينِ يُشفِينـي
إنّـي نَسيـتُ أبـا أروى وذكـرتهِ *** عَـنْ غَيْـرِ مـا بغضَـةٍ ولا هَوْنِ
مـا زَالَ أبي ضَ مِكْرامـاً لاُسرَتِـهِ *** رَحْبَ المحاسِنِ في خَصبٍ وفي لِينِ
مِـنْ آلِ عَبْـدِ مُنـافٍ إنّ مَهْلَكَـهُ *** وَلـَوْ لقيت رغـوبَ الدَهْرِ يَعْصيني
مِنْ الّذين مَتـى مـا تغش نـاديَهم *** تَلْقـى الخضـارِمَةَ الشمّ العـرانينِ
روى ذلك أيضاً ابن عبد ربّه ـ في العقد الفريد ضمن الوافدات على معاوية ـ عن العباس بن بكار ، قال : حدّثني عبدالله بن سليمان المدني وأبوبكر الهذلي : أنّ أروى بنت الحارث بن عبدالمطلب دخلت على معاوية وهي عجوز ، فلما رآها معاوية قال : مرحباً بك وأهلاً يا عمة . . . . . .[3].
قال الزركلي : إنّها توفّيت حدود سنة 50هـ .
نعم ، هكذا كنّ نساء العقيدة والمبدأ يتحلّين بالشجاعة والصبر والثبات على ما أنعم الله عليهنّ بمعرفة الولاية الحقّة ، فتراهنَّ في حياة الإمام عليّ سلام الله عليه يقفنَ إلى جنبه يجاهدن بلسانهن ، ويحضرن معه واقعة صفين يحرّضن الرجال على القتال بشعرٍ أو نثرٍ ، وبعد استشهاده عليه السلام واغتصاب معاويةالخلافة نراه يبعث وراءهن قاصداً إذلالهنَّ واظهار نفسه أمام
[1]ـ هكذا ورد ، والصحيح : الصيام .
[2]ـ الصَّفَدُ بالتحريك : العطاء . الصحاح 2 : 498 ( صفد ) ، تاج العروس 2 : 400 ( صفد ) .
[3]ـ انظر : الأربعون حديثاً لمنتجب الدين ، الحكاية العاشرة : 89 ، وعنه : ( احقاق الحق 8 : 810 ، مقصد الراغب : 186 ( مخطوط ) مرسلاً ، البحار 42 : 118 مرسلاً عن قتادة ) ، أعيان الشيعة 3 : 245 ، رياحين الشريعة 3 : 333 ، أعيان النساء : 24 ، الدر المنثور ، 25 ، بلاغات النساء : 27 ، العقد الفريد 1 : 357 ، الطبقات الكبرى لابن سعد 8 : 50 ، الإصابة في تمييز الصحابة 4 : 227 ، أعلام النساء 1 : 29 ، الاعلام للزركلي 1 : 290 .
الناس بأنه يتحلّى بالعفو عند المقدرة إذ يعفو عنهن ويكرم بعضهن ، إلاّ أنهنَّ يقفنَ موقفاً بطولياً ويسمعنَ معاوية ومن معه كلاماً قارصاً يدل على ثبات عقيدتهن ورسوخها ، نعم إنّها كلمة حقٍّ عند سلطان جائر .
كل هذا سنلاحظه في ترجمة : آمنة بنت الشريد ، بكارة الهلالية ، سودة بنت عمارة ، عكرشة بنت الأطلش ، اُم الخير بنت الحريش البارقية ، دارمية الحجونية الكنانية ، الزرقاء بنت عدي اليمانية ، اُم سنان ، اُم البرّاء بنت صفوان .
21 أروى بنت ربيعة الهاشميّة
أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب بن هاشم ، اُم يحيى وواسع بن حبان بن منقذ .
مُحدّثة ، روى حديثها عطاف بن خالد ، عن اُمّه ، عن اُمّها .
وذكرها الدارقطني في كتاب الاُخوة ، وقال : تزوّجها حبان بن منقذ الأنصاري فولدت له ولداً ، ويقال بل اسمها هند[1].
22 أروى بنت عبدالمطلب الهاشميّة[2]
أروى بنت عبدالمطلب بن هاشم ، عمّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
كانت فصيحة اللسان ، بليغة الكلام ، شاعرة ، وهي صحابية جليلة ، دافعتْ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانت تشجّع ولدها على اتّباع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
قال ابن سعد في الطبقات الكبرى : اُمّها فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم .
[1]ـ أعيان الشيعة 3 : 245 ، رياحين الشريعة 3 : 332 ، اُسد الغابة 5 : 390 ، الإصابة4 : 227 .
[2]ـ انظر ترجمتها في : اُسد الغابة 5 : 227 ، أعلام النساء 1 : 32 ، أعيان الشيعة 3 : 245 ، أعيان النساء : 28 ، الاستيعاب ( المطبوع بهامش الإصابة ) 4 : 244 ، الإصابة 4 : 22 ، الطبقات الكبرى 8 : 42 ، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري 4 : 52 ، رياحين الشريعة 3 : 331 ، سيرة ابن هشام 1 : 113 و114 و179 .
وفي الاستيعاب : اختلف في اُم أروى بنت عبدالمطلب : فقيل : اُمّها فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن مخزوم ، فلو صحّ هذا كانت شقيقة عبدالله والزبير و أبي طالب وعبدالكعبة و اُم حكيم و اُميمة وعاتكة وبرة .
وقيل : بل اُمّها صفيّة بنت جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة ، فلو صح هذا كانت شقيقة الحارث بن عبدالمطلب . وأهل النسب لا يعرفون لعبدالمطلب إلاّ من المخزومية ، إلاّ صفيّة وحدها فإنّها من الزهرية .
وقال في الطبقات : تزوّجها في الجاهلية عمير بن وهب بن عبدمناف بن قصي ، فولدت له طليباً ، ثم خلف عليها أرطأة بن شرحبيل بن هاشم بن عبدمناف بن عبدالدار بن قصي ، فولدت له فاطمة ، ثم أسلمت أروى بنت عبدالمطلب بمكّة وهاجرت إلى المدينة .
ثم روى بسنده أن طليبَ بن عمير أسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي ، ثم خرج فدخل على اُمه أروى فقال : تبعتُ محمّداً وأسلمتُ لله .
فقالت له : إنَّ حقَّ مَنْ وازرتَ وعضدتَ ابن خالك ، والله لو كنّا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لتبعناه وذببنا عنه .
قال : فما يمنعك يا اُمي من أن تسلمي وتتبعيه ، فقد أسلم أخوك حمزة .
فقالت : أنظر ما تصنع أخواتي ثم أكون احداهن .
قال : فإنّي أسألكِ بالله إلاّ أتيته فسلّمتِ عليه وصدّقتيه وشهدت أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً رسول الله .
ثم كانت تعضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلسانها ، وتحضّ ابنها على نصرته والقيام بأمره .
وروى أيضاً : أنّ أباجهل وعدّة من كفار قريش عرضوا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فآذوه ، فعمد طليب بن عمير إلى أبي جهل فضربه ضربة شجّه بها ، فأخذوه وأوثقوه ، فقام دونه أبولهب حتى خلاّه ، فقيل لأروى : ألا ترين ابنك قد صيّر نفسه غرضاً دون محمّد .
فقالت : خير أيامه يوم يذب عن ابن خاله وقد جاء بالحقِّ مِنْ عند الله .
فقالوا : ولقد تبعتِ محمّداً ؟
قالت : نعم ، فأخبر بعضهم أبالهب فقال لها : عجباً لك ولإتّباعك محمّداً وترك دين عبدالمطلب .
فقالت : قد كان ذلك ، فقم دون ابن أخيك واعضده وامنعه ، فإنْ يظهر أمره فأنت بالخيار أنْ تدخل معه أو تكون على دينك ، فإنْ يصب كنت قد أعذرت في ابن أخيك .
فقال أبولهب : ولنا طاقة بالعرب قاطبة جاء بدين وحدث ثم انصرف .
فقالت أروى يومئذٍ :
إنّ طليباً نصرَ ابنَ خالِهِ *** آساه في ذي ذِمّة ومالِهِ
وفي الاستيعاب : أروى بنت عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف ، عمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ذكرها أبوجعفر العقيلي في الصحابة ، وذكر أيضاً عاتكة بنت عبدالمطلب ، وهما مختلف في اسلامهما ، وأمّا محمّد بن اسحاق ومَن قال بقوله فذكر أنّه لم يسلم من عمّات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ صفيّة ، وغيره يقول : إن أروى وصفيّة أسلمتا جميعاً ، ثم حكى عن محمّد بن عمر الواقدي أنّه روى بسنده : أنّه لما أسلم طليب بن عمير ودخل على اُمه أروى بنت عبدالمطلب ، وذكر نحواً مما مرّ عن الطبقات .
وفي الاستيعاب أيضاً : كان لعبدالمطلب ست بنات عمّات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
1 ـ اُم حكيم يقال لها البيضاء ، ويقال إنّها توأمة عبدالله ، وقد اُختلف في ذلكَ ولم يختلف أنّها شقيقته وشقيقة أبي طالب والزبير ، كانت عند بكر بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبدمناف ، فولدت له عامراً وبنات ، وهي القائلة ، إنّي لحصان فما أتكلم ، وصناع فما أعلم .
2 ـ عاتكة بنت عبدالمطلب ، كانت عند اُميّة بن المغيرة المخزومي ، فولدت له عبدالله وزهيراً وقريبة ، وهي التي رأتْ قبل بدر راكباً أخذ صخرة من بني قبيس فرمى بها إلى الركن فتفلّقت الصخرة ، فما بقيت دار من دور قريش إلاّ دخلتها منها كسرة غير دور بنيزهرة ، فقال أبوجهل : ما رضيت رجالكم أن تتنبّأ يا بني هاشم حتى تنبّأت نساؤكم .
3 ـ برة ، كانت عند أبي رهم بن عبدالعزى العامري ، ثم خلّف عليها بعده عبدالأسد بن هلال المخزومي ، وقيل : كان عليها قبل أبي رهم .
4 ـ اُميّمة ، كانت عند جحش بن رئاب ، أخي بني غنم بن داود بن أسد بن خزيمة ، وهي اُم عبدالله وعبيدالله و أبي أحمد وزينب .
5 ـ أروى ، كانت تحت عمير بن وهب بن مناف بن قصي فولدت له طليباً ، ثم خلف عليها كلدة بن عبدمناف بن عبدالدار بن قصي فولدت له أروى .
6 ـ صفية اُم الزبير .
وكانت أروى شاعرة كأخواتها ، ومن شعرها ما رثت به أباها عبدالمطلب في حياته ، وذلك أنّه جمع بناته في مرضه وأمرهنّ بأن يقلْنَ في حياته ما يردنَ أنْ يرثينه بعد وفاته ، ليسمع ما تريد أن تقول كلّ واحدةٍ منهنّ ، فأنشأت كلّ واحدةٍ منهنّ أبياتاً في رثائه ، فقالت أروى وهي تبكي أباها :
بَكَـتْ عَيْني وَحَقَّ لَها الْبكـاء *** علـى سَمِـحٍ سَجِيَّتَهُ الحيـاءُ
علـى سَهْـلِ الخَلِيقةِ أبْطَحـيٍّ *** كـريمِ الخيـم نِيَّتـهُ الـعلاءُ
على الفَيّاضِ شَيبةَ ذي المعالي *** أبـوه الخيـر ليسَ لَـهُ كفـاءُ
طويـلَ البـاعِ أمْلَسَ شَيْظَميّ *** أغَـرَّ كـأنّ غُـرَّتَـهُ ضِيـاءُ
أَقَبَّ الكشحِ أورعَ ذي فضـولٍ *** لَـهُ المجـدُ المُقـدّمُ والسنـاءُ
أبـيّ الضَيـم أبْلَـجَ هَبـرزيٍّ *** قـديمَ المجـدِ ليسَ بِـه خفاءُ
ومعقَـلَ مـالكٍ وربيـعَ فهـرٍ *** وفاصلهـا إذا إلتمس القضـاءُ
وَكَانَ هُوَ الفَتى كَرمـاً وجـوداً *** وَبَأسـاً حيـنَ تَنْسَكِبُ الدمـاءُ
إذا هـابَ الكُماةُ المـوتَ حتّى *** كـأَنَّ قلـوبَ أكْثَـرهُم هـواءُ
مَضى قُدمـاً بذي رِبـدٍ خشيبٍ *** عليـهِ حِيْـنَ تَبْصِـرَهُ البهـاءُ
وفي الإصابة : ذكر محمّد بن سعد : أنّ أروى هذه رثت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنشد لها أبيات :
ألا يا رسول الله كنت رجاً لنـا *** وكنتَ بنـا بـرّاً ولـم تك جافيا
كأنّ على قـلبي لذكرِ مُحمّـدٍ *** وما خفت من بعد النبيّ المكاويا
23 إرياسة آل عمر
إرياسة بنت خنجر ، زوجة إمهيدي آل صالح ، من رؤساء عشيرة آل عمر .
مجاهدة ، شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة ، خاطبت عطيّة آل دخيل ، وقد أمسكت بزمام فرسه عندما عاد من وقعة له مع الأتراك في منطقة الديوانيّة ، وكانت أكبر منه سنّاً ، فقالت :
عفـرين يبـن أخـوي عفـرين *** يشيّـــال راسـي للميـازيـن
يــروض الگفيعـة للممحليـن *** يـدعـدوش يـمسكّت الصوبين
يرمضـان يمبلم[1]الشيـاطين *** يل ذابـح البـاشات صوبين[2]
24 الأسديّة
زوجة علي بن مظاهر الأسدي .
مؤمنة ، موالية لأهل البيت عليهم السلام ، حضرت واقعة الطف مع زوجها ، وأبت أن تترك عيال الحسين عليه السلام وحدهم ، بل واستهم بكلّ ما جرى عليهم ، ولها محاورة لطيفة مع زوجها تدلّ علىّ عمق إيمانها وحبّها للإمام الحسين عليه السلام .
ففي ليلة عاشوراء ، وحينما جمع الحسين عليه السلام أصحابه ليستعلم حالهم ، وبعد أن تكلّموا ما تكلّموا ، وخطب هو عليه السلام فيهم ، وكان ممّا قال : « ومَن كان في رحله امرأة فلينصرف بها إلى بني أسد » .
فقام علي بن مظاهر وقال : لماذا يا سيّدي ؟
فقال عليه السلام : « إنّ نسائي تُسبى بعد قتلي ، وأخاف على نسائكم من السبي » .
فمضى علي بن مظاهر إلى خيمته ، فقامت زوجته اجلالاً له ، فاستقبلته وتبسّمت في وجهه ، فقال لها : دعيني والتبسّم .
[1]ـ البلام : حبل يشدّ به عيدان ، يوضع داخل فم الحيوان الأهلي الرضيع لئلا يمتص حليب اُمّه .
[2]ـ معلومات ومشاهدات في الثورة العراقيّة الكبرى ( شاعرات في ثورة العشرين ) : 353 .