بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 385

لما جرّد بالموصل ثلاثون سيفاً تحالفوا على قتل خولي لعنه الله ومن معه ، فبلغه ذلك ، فلم يدخل البلد وأخذ على تل عفراء ثم على عين الوردة ، وكتبوا إلى صاحب حلب أن تلقانا فإنّ معنا رأس الحسين الخارجي ، فلمّا وصل الكتاب إليه علم به عبدالله بن عمر الأنصاري ، فعظم ذلك عليه وكثر بكاؤه وتجدّدت أحزانه رحمه الله لأنّه كان في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

فلمّا بلغه سم الحسن عليه السلام وموته ، مثّل في منزله قبراً وجلّله بالحرير والديباج ، وكان يندب الحسن ويرثيه ويبكي عليه صباحاً ومساءً .

فلمّا بلغه حينئذٍ قتل الحسين عليه السلام وحمل رأسه إلى يزيد ووصوله إلى حلب ، دخل منزله وهو يرعد ويبكي ، فلقته ابنته درّة الصدف فقالت : ما بكَ يا أبتاه ، لا بكى بك الدهر ولا نزل بقومك القهر ، أخبرني عن حالك ؟

فقال لها : يا بنيّة إنّ أهل الشقاق والنفاق قتلوا حسيناً وسبوا حريمه ، والقوم سائرون بهم إلى اللعين يزيد ، وزاد نحيبه وبكاؤه ، وجعل يقول :

قلّ العـزاء وفـاضـت العينـان *** وبـليتُ بـالأرزاء والأشجــان

قتلوا الحسين وسيّـروا نسـاءه *** حـرم الـرسـول بسائر البلدان

منعوه من ماء الفـرات بكـربلا *** وعـدت عليـه عصابة الشيطان

سلبوا العمامة والقميص ورأسه *** قـسراً يـعلّـى فوق رأس سنان

فقالت له ابنته : يا أبتاه لا خير في الحياة بعد قتل الهداة ، فوالله لاُحرّضنّ في خلاص الرأس والأسارى ، وآخذ الرأس وأدفنه عندي في داري ، وأفتخر به على أهل الأرض إن ساعدني الإمكان .

وخرجت درّة وهي تنادي في أطراف حلب وأزقتها : قُتل يا ويلكم الإسلام ، ثم دخلت منزلها ولبست درعاً وتأزّرت بالسواد ، وخرجت معها من بنات الأنصار وحمير سبعون فتاة بالدروع والمغافر ، فتقدّمتهن فتاة يقال لها نائلة بنت بكير بن سعد الأنصاري ، وسرن من ليلتهن حتى إذا كان عند طلوع الشمس إذ لاحت لهنّ الغبرة من البعد ولاحت الأعلام وضربت البوقات أمام الرأس ، فكمنت درة الصدف ومن معها حتى قرب القوم منهنّ فسمعن


صفحه 386

بكاء الصبيان ونوح النساء ، فبكت درّة الصدف ومن معها بكاءً شديداً وقالت : ما رأيكنّ ؟

قلنَ الرأي أن نصبر حتى يقربوا منّا وننظر عدّة القوم ، حتى إذا طلعت الرايات وإذا تحتها رجال قد تلثّموا بالعمائم وجردوا السيوف وشرعوا الرماح ، والبيض تلمع ، والدروع تسمع ، وكل منهم يرتجز .

فأقبلت درة الصدف عليهن وقالت : الرأي أن نستنجد ببعض قبائل العرب ونلتقي القوم ، وتوجّه جيش يزيد إلى حلب ودخلوا من باب الأربعين .

وقال : قالت درّة الصدف مالنا ألاّ نكتب أهل حلب فينجدنا عسكرهم ، فأرسلت إليهم ، فجاء ستة آلاف فارس وراجلٌ فتواصلت الجيوش من كلّ مكان ، وأقام كلّ منهم القتال أياماً فتكاثرت الجيوش على درّة الصدف ومن معها فقالوا : جاءنا مالا طاقة لنا به ، ولم يزل يقاتلون القوم إلى أن قتلت درة الصدف ، وقتل من أهل المدينة ستة رجال واثنتا عشرة امرأة[1].

221 درّة العلماء

هي العالمة الفاضلة ، الكاملة الواعظة ، القارئة العابدة الزاهدة ، ذات الأخلاق الملكيّة ، والصفات القدسيّة ، الشهيرة بـ « خانم قرائت » ، والملقبة بالحزينة .

ولدت في شيراز ، وتتلمذت عند الميرزا ابراهيم المحلاّتي ، والميرزا هداية الله الشيرازي . ثم هاجرت إلى كربلاء المقدّسة ، وكانت تُدرّس الكتب الأربعة للنساء .

تروي عن عدّة منهم المحلاتي والشيرازي ، ويروي عنها سماحة آية الله العظمى السيّد شهابالدين المرعشي النجفي ، حيث قال في الإجازة الكبيرة : اعلم أيّدك الله تعالى بأنني أروي عن نساء عالمات فاضلات منهنّ خانم قرائت الشيرازيّة ، توفّيت في مدينة كربلاء المقدسة سنة 1341هـ ، ودفنت فيها[2].

[1]ـ سير أعلام النساء 2 : 70 نقلاً عن أسرار الشهادة للدربندي : 498 .

[2]ـ الإجازة الكبيرة : 246 .


صفحه 387

لها أشعار باللغة العربية واُخرى بالفارسية ، ولها أشعار جمعت فيها اللغتين العربية والفارسية . وأكثر شعرها في مدح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ، وفي الحكم والمواعظ .

لها ديوان مطبوع في طهران سنة 1332هـ . ذكره الشيخ الطهراني في الذريعة[1].

قالت تصف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والأئمة عليهم السلام :

خليلي ألا تدنو إلـى عيـن رائـق *** تــروّ بكـأسٍ سـائـغ متــورّد

ورحل بهذا الدار وابـغ منـازلاً *** رفيعـاً وسيعـاً زاكيـاً ذا تــسدّد

وجالس مع الأبرار واذكـر هنا لهم *** حـديث حـبيب مـشفـق متـودد

فـطيّب لنـا نفساً بـذكر نـوالـه *** وفـرّج بنـا همّـاً ببشـر مجـدد

هو الأصل في الإيجاد والكل فرعـه *** بمـولـده كـان الصفـيّ مـولـد

فأحمـد إن كـان ابـن آدم صورة *** وبـالصدق معنـا آدم بـن مـحمّد

هو العلم المأثور فـي ظلم الدجـى *** هو العمد الممدود فـي كل مـرصد

هو الكوكب الدري فـي وسط السما *** بـه مـن مضلات الغواشي لنهتدي

هو الأمن والإيمان والكهف والهدى *** وهـذا هـو الديـن القويـم المؤيّد

وعتـرتُه خيـر البـريــة كلّهـا *** هـم العـروة الوثقى وقصر المشيّد

بهـم فتـح الله الاُمـور بأسرهـا *** علـى الخلـق طـراً ظلهـم متمدد

فهم حجج الرحمن قدماً على الورى *** وفيهـم كتـاب الله بـالحقّ يشهـد

معاندهم لـو كـانت الأرض كلهّـا *** لهـا ذهبـاً مـلآى بـذاك ليفتـدي

وشيعتهـم يـوم القيامـة حولهـم *** علـى سـرر مستبشـرين مـروّد

لهم كلّ ما تشهي النفوس وكلّ مـا *** تلـذ بـه الأبصار فـي كـل مورد

يقولون : أتمـم ربنـا نورنـا لنـا *** فإنـا لهــذا اليـوم كنّـا نـزوّد

مـلائـكة يستقبلـون قـدومهـم *** يـرونـهم مـن طيبيـن الممجّـد

[1]ـ الذريعة 9 | 1 : 235 رقم 1432 .


صفحه 388

يقولون لمّـا ينظـرون بـوجههـم *** سـلام عليكـم فـادخلـوها مخلـد

فـلا تـمسكن إلاّ بحبـل ولائـهم *** ولا تدحـرن عـن بـاب آل محمّـد

كفـاك بـذكـر الآل فخـراً ونعمـة *** « حزينة » قومي واشكري وتهجّدي

وقالت في الأئمة الإثني عشر عليهم السلام :

يـا خليّ البال قد حـرت الفكـر *** صمّ عـن غيرك سمعي والبصر

هجـت نـار الحبّ فـي وجنتنا *** لـن لنـا قلبـاً قسيـاً كـالحجر

أرجـع النظــرة فينـا مـقبلاً *** لا تـركنـا كـهشيم المحتضـر

لـيس ينجيني مـن الغم سـوى *** أجـل جـاء وأمـر قـد قـدر

ضجّت النفس مـن الموت أسـى *** قلتها كوني كمن يهـوى السفر

إنّمـا فيهـا نـزلنـا عـابـرين *** لـيست الدنيـا لنـا دار مـقر

مـضت النـاس علـى قنطـرة *** أنـت تـمضين عليهـا بـحذر

لا منـاص اليـوم ممّـا نـزلت *** فتنـاديــن بهـا أيـن المفـر

فامسكي بالعروة الوثقـى التـي *** إن تـمسكتِ بهـا تَلقـي الظفر

سادة قـد طـابت الأرض بهـم *** حيث ما ينحون من رجس طهـر

في دجى الليل الغواشي المظلـم *** بعضهم شمس وبـعض كـالقمر

في سماء المجد أبدوا مشـرقين *** أنـجم تعـدادهـا اثنـي عشـر

هـم أمـان الخلـق طـرّاً كلمّـا *** غـاب نجـم مـنهم نجم زهـر

هم عمـاد الـدين أنـوار الهدى *** مَـن تولاهـم نجى مـن كلّ شر

هم ولاة الأمـر بعـد المصطفى *** بـولاهـم كـلّ ذنـب يغتفــر

عن صراط الحـقّ مَـن شايعهم *** عـاجلاً سهلاً بـلا خـوف عَبـر

خاتـم فيهـم كختـم الأنبيــاء *** معلـن الحــقّ وقتّـال الكفـر

هــو حــبل الله للمعتصميـن *** لعــدوّ الله ســيف مشتهـر

سيدي قد ذاب قلبي فـي هـواك *** لا تـدعني إنّ دائـي ذو خطـر


صفحه 389

أنت حصن الله يا كهف الورى *** آيــة الله وذكـرى للبشـر

مـوتنـا فيـك حيـاة دائـم *** وتـورّيك مـن المـوت أمرّ

فمتــى تظهـر يـا سيّدنـا *** أم متى يبدو لنـا منـك الأثر

لست ان أرجو صريخاً غيركم *** فـي اُم ـوري وليوم المنتشر

فـبحقّ السـادة المنتجبيـن *** ربّ لا تهتـك عيوبي المستتر

بيننـا فاجمـع وايّاهـم إذا *** دنـت الآجـال منّـا وحضـر

يا حزينة اصبري واستبشري *** إن يُسـريَن ليـوم قـد عسر

وقالت تشكو زمانها ، وترك الأهل والأحبّة لها ، وسبب تسميتها « حزينة » :

ألا يا نديمي خلّني في غلا صدري *** ألم ترَ سيل الدمع من مقلتي يجري

إلى الله أشكو ما أرى مـن أحبتي *** لياليّ تمضـي فـي الكآبة بالسهر

يهينوننـي كالقاف حيـن تنزّلـت *** وقـد كنتُ كالباء المرفّع في الحفر

أبيت وأمسي بيـن أهلـي غريبة *** ودار أبي لي صار كالبدو في القفر

فكم جئتهم حُبّاً لهـم وكـرامـة *** وكـم رفضوني في الشدائد والغمر

فكم من بليات أرى مـن جفائهـم *** وكم مـن مصيبات يقل لها صبري

فكم من نهـار مـا تفرّغت ساعة *** وكـم من ليال ما رقدت إلى الفجر


صفحه 390

وإن مدّت الأيـدي إليهـم بحـاجة *** يدي دون أيديهم تردّ إلـى نحـري

بلا جهـة مـن غيـر أنّي أحبّهـم *** وداد غنـى لا عـن تملقـة الفقـر

وإنـي بحمـد الله ذات استطـاعـة *** ولكـن من هجرانهم كسروا ظهري

لـداهيتي سمّيـت نفسـي حـزينة *** سمـوم بليّـات أذوق مـدى دهري

تـلامـذتـي إن تسألنـي عبـارة *** لكثـرة أشجـاني اُجـيب بـلا أدري

وكنتُ في غور مـن العلم خائضـة *** خوض الحضيض لوجه الدر في البحر

فربـي كفيل فـي الاُمور جميعهـا *** عليـه تـوكّلـت وفـوّضته أمـري

وقالت أيضاً :

يا ذلة بعد عزّ كنت فيـه مـدى *** سنين أعوام دهـري ليت ما مضت

أضحـت دويـراي أيـاماً قلائلة *** من بعد ما ضحكت يا طول ما بكت

وقالت أيضاً :

يا قرحة ثقبت قلبي وليس لهـا *** معـالج يتـداواهتــا ومـلتئتم


صفحه 391

حتى الممات بأحشائي جراحتها *** داء يؤلم روحي وهو مكتتم[1]

222 دعد الكيالي

شاعرة فلسطينية ، كرّست أعمالها الأدبيّة للنكبة ، وغنّت لفلسطين في معظم شعرها .

وفي عام 1946م زارت مدينة النجف الأشرف ، ونظمت فيها قصيدة رائعة ، قرنت فيها بين ضيعة القدس ومأساة الطفوف ، مستلهمة من كربلاء صمود الحسين عليه السلام وتضحيته . وقد نشرت هذه القصيدة مؤخّراً مجلة الموسم الفصليّة في عددها الثالث عشر الصادر في عام 1413هـ‌1992م ، حيث تقول فيها :

يا فتـاةَ العـرب إبكـي واندبـي *** يـومَ عاشوراء واستبكي ونوحـي

كـربـلا أي مـآسٍ هـجت لـي *** فغـدا قـلبي كـالطير الـذبيحِ . . !

كــربـلا أي دمـاءٍ أهـرقـت *** فـوق كثبانك يا مهد جروحـي . . !

كـربـلا يـا آهـة الشعـر ويا *** دمعـة الفـن ويـا أنـة روحــي

جـئتُ أسعـى بحنيـن ظامـيء *** لثـرى جـدي تـخفيني مسـوحي

رحـتُ أبكـي بذهـول خـاشع *** وأنـاجـي مَـن بذيـاك الضـريح

جـئتُ يـا جـدّاه أسعـى وأنـا *** مثـل نسر تـاعس الجـد العثـور

جئتُ يـا جـدّاه أذري دمعــة *** دمعة المظلوم يدعو وا ثبوري . . !

جئـتُ أبكـي وطنـاً ضاع ولم *** أرَ مَـن يفـديـه إلاّ بـالشمور . . !

كلّهـم يــهتف فلحيـى وقـد *** صـار واموتاه مـن أهـل القبور . !

ضاع من عرب وهم في لهوهـم *** يضـربون الطبـل لا طبـل النفير . !

ليتنـي يـا جـد قـد مُتُّ ولـم *** أرَ مسـرى جـدّنا مـلك اليهــود

ليتني يـا جـد قـد مُـتُّ ولـم *** أرَ قـومي عيشهـم عـيش الـعبيد

[1]ـ انظر تراجم أعلام النساء 2 : 72 .


صفحه 392

يرتضـون الــذل يــا جـد كـأن *** لم تمت في ساحة الحقّ الشهيد . !

متّ حـر الـرأي لـم تخضـع لمـا *** يخفض الهامة يـا خيـر الجـدود

حـرمــوك المـاء يـا جـد فلـم *** ينـل الحـرمان مـن عزم الحديد

قتلــوا ولــدك يـا جـد فلــم *** يـنل القتل مـن البـأس الشديـد

كلهـم كـان شجـاعــاً بـاسلاً *** لـم يـطق صبراً علـى ظلم يزيد

قتلــوا ؟ لا . انّهـم أحيـاء فـي *** جنّـة الخلـد بـأمـن وسعــود

غلبـوا ؟ لا . إنّهـم لـم يغلبـوا *** كيف يـا جـد وهـم أسد الأسود!!

إنّهم قــد نصـروا الحـقّ ومـا *** مات مـن مـات فـدى الحقّ التليد

ليتنـا متنــا فــدى أوطـاننـا *** ليتنـا لـم نخـدر بـالــوعـود

ليتنـا يــاجـد ثنـــا مثلمـا *** ثـرت قدمـاً بـالظبا لا بالقصيد . !

شهــد الله بـأنـي وأنـــا *** أبـدع الشعـر وأشـدو للخلــود

قـد كـرهتُ الشعـر والنثر معـاً *** وعشقتُ النـار فـي جوف الحديد!

لــيتني نـار عصـوف تـمحق *** الظلـم والطغيـان من هذا الوجود

ليتنــي قنبلــــة ذريـــة *** فـأريح الكون مـن شر اليهود . !

ليتنـي لـكنّني يـا جـد فـــي *** عـزلتي يـرهقنـي ثقـل القيـود

جئتُ أستوحي ضـريحاً طاهـراً *** وبقلبـي ذكـرة الماضي الأسيف

وعلـى خـدّي دمـع نـاطـق *** بشجونـي آه من دمع ذريف . . !

ثـم ودّعـت وروحـي ذاهـل *** وعلى ثغري صدى الروح اللهيف

آه يـا ذكـرى فـؤاد ذاب مـن *** ضيعـة القدس ومـأساة الطفوف

إيه يـا مَـن ألهمتنـي مبدئـي *** إيـهْ يـا بنت الرزايـا والصروف

افهمـي الأعـراف أنّ الحـقّ لا *** شـيء يعليه سوى الحرب العنيف