لما جرّد بالموصل ثلاثون سيفاً تحالفوا على قتل خولي لعنه الله ومن معه ، فبلغه ذلك ، فلم يدخل البلد وأخذ على تل عفراء ثم على عين الوردة ، وكتبوا إلى صاحب حلب أن تلقانا فإنّ معنا رأس الحسين الخارجي ، فلمّا وصل الكتاب إليه علم به عبدالله بن عمر الأنصاري ، فعظم ذلك عليه وكثر بكاؤه وتجدّدت أحزانه رحمه الله لأنّه كان في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
فلمّا بلغه سم الحسن عليه السلام وموته ، مثّل في منزله قبراً وجلّله بالحرير والديباج ، وكان يندب الحسن ويرثيه ويبكي عليه صباحاً ومساءً .
فلمّا بلغه حينئذٍ قتل الحسين عليه السلام وحمل رأسه إلى يزيد ووصوله إلى حلب ، دخل منزله وهو يرعد ويبكي ، فلقته ابنته درّة الصدف فقالت : ما بكَ يا أبتاه ، لا بكى بك الدهر ولا نزل بقومك القهر ، أخبرني عن حالك ؟
فقال لها : يا بنيّة إنّ أهل الشقاق والنفاق قتلوا حسيناً وسبوا حريمه ، والقوم سائرون بهم إلى اللعين يزيد ، وزاد نحيبه وبكاؤه ، وجعل يقول :
قلّ العـزاء وفـاضـت العينـان *** وبـليتُ بـالأرزاء والأشجــان
قتلوا الحسين وسيّـروا نسـاءه *** حـرم الـرسـول بسائر البلدان
منعوه من ماء الفـرات بكـربلا *** وعـدت عليـه عصابة الشيطان
سلبوا العمامة والقميص ورأسه *** قـسراً يـعلّـى فوق رأس سنان
فقالت له ابنته : يا أبتاه لا خير في الحياة بعد قتل الهداة ، فوالله لاُحرّضنّ في خلاص الرأس والأسارى ، وآخذ الرأس وأدفنه عندي في داري ، وأفتخر به على أهل الأرض إن ساعدني الإمكان .
وخرجت درّة وهي تنادي في أطراف حلب وأزقتها : قُتل يا ويلكم الإسلام ، ثم دخلت منزلها ولبست درعاً وتأزّرت بالسواد ، وخرجت معها من بنات الأنصار وحمير سبعون فتاة بالدروع والمغافر ، فتقدّمتهن فتاة يقال لها نائلة بنت بكير بن سعد الأنصاري ، وسرن من ليلتهن حتى إذا كان عند طلوع الشمس إذ لاحت لهنّ الغبرة من البعد ولاحت الأعلام وضربت البوقات أمام الرأس ، فكمنت درة الصدف ومن معها حتى قرب القوم منهنّ فسمعن
بكاء الصبيان ونوح النساء ، فبكت درّة الصدف ومن معها بكاءً شديداً وقالت : ما رأيكنّ ؟
قلنَ الرأي أن نصبر حتى يقربوا منّا وننظر عدّة القوم ، حتى إذا طلعت الرايات وإذا تحتها رجال قد تلثّموا بالعمائم وجردوا السيوف وشرعوا الرماح ، والبيض تلمع ، والدروع تسمع ، وكل منهم يرتجز .
فأقبلت درة الصدف عليهن وقالت : الرأي أن نستنجد ببعض قبائل العرب ونلتقي القوم ، وتوجّه جيش يزيد إلى حلب ودخلوا من باب الأربعين .
وقال : قالت درّة الصدف مالنا ألاّ نكتب أهل حلب فينجدنا عسكرهم ، فأرسلت إليهم ، فجاء ستة آلاف فارس وراجلٌ فتواصلت الجيوش من كلّ مكان ، وأقام كلّ منهم القتال أياماً فتكاثرت الجيوش على درّة الصدف ومن معها فقالوا : جاءنا مالا طاقة لنا به ، ولم يزل يقاتلون القوم إلى أن قتلت درة الصدف ، وقتل من أهل المدينة ستة رجال واثنتا عشرة امرأة[1].
221 درّة العلماء
هي العالمة الفاضلة ، الكاملة الواعظة ، القارئة العابدة الزاهدة ، ذات الأخلاق الملكيّة ، والصفات القدسيّة ، الشهيرة بـ « خانم قرائت » ، والملقبة بالحزينة .
ولدت في شيراز ، وتتلمذت عند الميرزا ابراهيم المحلاّتي ، والميرزا هداية الله الشيرازي . ثم هاجرت إلى كربلاء المقدّسة ، وكانت تُدرّس الكتب الأربعة للنساء .
تروي عن عدّة منهم المحلاتي والشيرازي ، ويروي عنها سماحة آية الله العظمى السيّد شهابالدين المرعشي النجفي ، حيث قال في الإجازة الكبيرة : اعلم أيّدك الله تعالى بأنني أروي عن نساء عالمات فاضلات منهنّ خانم قرائت الشيرازيّة ، توفّيت في مدينة كربلاء المقدسة سنة 1341هـ ، ودفنت فيها[2].
[1]ـ سير أعلام النساء 2 : 70 نقلاً عن أسرار الشهادة للدربندي : 498 .
[2]ـ الإجازة الكبيرة : 246 .
لها أشعار باللغة العربية واُخرى بالفارسية ، ولها أشعار جمعت فيها اللغتين العربية والفارسية . وأكثر شعرها في مدح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ، وفي الحكم والمواعظ .
لها ديوان مطبوع في طهران سنة 1332هـ . ذكره الشيخ الطهراني في الذريعة[1].
قالت تصف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والأئمة عليهم السلام :
خليلي ألا تدنو إلـى عيـن رائـق *** تــروّ بكـأسٍ سـائـغ متــورّد
ورحل بهذا الدار وابـغ منـازلاً *** رفيعـاً وسيعـاً زاكيـاً ذا تــسدّد
وجالس مع الأبرار واذكـر هنا لهم *** حـديث حـبيب مـشفـق متـودد
فـطيّب لنـا نفساً بـذكر نـوالـه *** وفـرّج بنـا همّـاً ببشـر مجـدد
هو الأصل في الإيجاد والكل فرعـه *** بمـولـده كـان الصفـيّ مـولـد
فأحمـد إن كـان ابـن آدم صورة *** وبـالصدق معنـا آدم بـن مـحمّد
هو العلم المأثور فـي ظلم الدجـى *** هو العمد الممدود فـي كل مـرصد
هو الكوكب الدري فـي وسط السما *** بـه مـن مضلات الغواشي لنهتدي
هو الأمن والإيمان والكهف والهدى *** وهـذا هـو الديـن القويـم المؤيّد
وعتـرتُه خيـر البـريــة كلّهـا *** هـم العـروة الوثقى وقصر المشيّد
بهـم فتـح الله الاُمـور بأسرهـا *** علـى الخلـق طـراً ظلهـم متمدد
فهم حجج الرحمن قدماً على الورى *** وفيهـم كتـاب الله بـالحقّ يشهـد
معاندهم لـو كـانت الأرض كلهّـا *** لهـا ذهبـاً مـلآى بـذاك ليفتـدي
وشيعتهـم يـوم القيامـة حولهـم *** علـى سـرر مستبشـرين مـروّد
لهم كلّ ما تشهي النفوس وكلّ مـا *** تلـذ بـه الأبصار فـي كـل مورد
يقولون : أتمـم ربنـا نورنـا لنـا *** فإنـا لهــذا اليـوم كنّـا نـزوّد
مـلائـكة يستقبلـون قـدومهـم *** يـرونـهم مـن طيبيـن الممجّـد
[1]ـ الذريعة 9 | 1 : 235 رقم 1432 .
يقولون لمّـا ينظـرون بـوجههـم *** سـلام عليكـم فـادخلـوها مخلـد
فـلا تـمسكن إلاّ بحبـل ولائـهم *** ولا تدحـرن عـن بـاب آل محمّـد
كفـاك بـذكـر الآل فخـراً ونعمـة *** « حزينة » قومي واشكري وتهجّدي
وقالت في الأئمة الإثني عشر عليهم السلام :
يـا خليّ البال قد حـرت الفكـر *** صمّ عـن غيرك سمعي والبصر
هجـت نـار الحبّ فـي وجنتنا *** لـن لنـا قلبـاً قسيـاً كـالحجر
أرجـع النظــرة فينـا مـقبلاً *** لا تـركنـا كـهشيم المحتضـر
لـيس ينجيني مـن الغم سـوى *** أجـل جـاء وأمـر قـد قـدر
ضجّت النفس مـن الموت أسـى *** قلتها كوني كمن يهـوى السفر
إنّمـا فيهـا نـزلنـا عـابـرين *** لـيست الدنيـا لنـا دار مـقر
مـضت النـاس علـى قنطـرة *** أنـت تـمضين عليهـا بـحذر
لا منـاص اليـوم ممّـا نـزلت *** فتنـاديــن بهـا أيـن المفـر
فامسكي بالعروة الوثقـى التـي *** إن تـمسكتِ بهـا تَلقـي الظفر
سادة قـد طـابت الأرض بهـم *** حيث ما ينحون من رجس طهـر
في دجى الليل الغواشي المظلـم *** بعضهم شمس وبـعض كـالقمر
في سماء المجد أبدوا مشـرقين *** أنـجم تعـدادهـا اثنـي عشـر
هـم أمـان الخلـق طـرّاً كلمّـا *** غـاب نجـم مـنهم نجم زهـر
هم عمـاد الـدين أنـوار الهدى *** مَـن تولاهـم نجى مـن كلّ شر
هم ولاة الأمـر بعـد المصطفى *** بـولاهـم كـلّ ذنـب يغتفــر
عن صراط الحـقّ مَـن شايعهم *** عـاجلاً سهلاً بـلا خـوف عَبـر
خاتـم فيهـم كختـم الأنبيــاء *** معلـن الحــقّ وقتّـال الكفـر
هــو حــبل الله للمعتصميـن *** لعــدوّ الله ســيف مشتهـر
سيدي قد ذاب قلبي فـي هـواك *** لا تـدعني إنّ دائـي ذو خطـر
أنت حصن الله يا كهف الورى *** آيــة الله وذكـرى للبشـر
مـوتنـا فيـك حيـاة دائـم *** وتـورّيك مـن المـوت أمرّ
فمتــى تظهـر يـا سيّدنـا *** أم متى يبدو لنـا منـك الأثر
لست ان أرجو صريخاً غيركم *** فـي اُم ـوري وليوم المنتشر
فـبحقّ السـادة المنتجبيـن *** ربّ لا تهتـك عيوبي المستتر
بيننـا فاجمـع وايّاهـم إذا *** دنـت الآجـال منّـا وحضـر
يا حزينة اصبري واستبشري *** إن يُسـريَن ليـوم قـد عسر
وقالت تشكو زمانها ، وترك الأهل والأحبّة لها ، وسبب تسميتها « حزينة » :
ألا يا نديمي خلّني في غلا صدري *** ألم ترَ سيل الدمع من مقلتي يجري
إلى الله أشكو ما أرى مـن أحبتي *** لياليّ تمضـي فـي الكآبة بالسهر
يهينوننـي كالقاف حيـن تنزّلـت *** وقـد كنتُ كالباء المرفّع في الحفر
أبيت وأمسي بيـن أهلـي غريبة *** ودار أبي لي صار كالبدو في القفر
فكم جئتهم حُبّاً لهـم وكـرامـة *** وكـم رفضوني في الشدائد والغمر
فكم من بليات أرى مـن جفائهـم *** وكم مـن مصيبات يقل لها صبري
فكم من نهـار مـا تفرّغت ساعة *** وكـم من ليال ما رقدت إلى الفجر
وإن مدّت الأيـدي إليهـم بحـاجة *** يدي دون أيديهم تردّ إلـى نحـري
بلا جهـة مـن غيـر أنّي أحبّهـم *** وداد غنـى لا عـن تملقـة الفقـر
وإنـي بحمـد الله ذات استطـاعـة *** ولكـن من هجرانهم كسروا ظهري
لـداهيتي سمّيـت نفسـي حـزينة *** سمـوم بليّـات أذوق مـدى دهري
تـلامـذتـي إن تسألنـي عبـارة *** لكثـرة أشجـاني اُجـيب بـلا أدري
وكنتُ في غور مـن العلم خائضـة *** خوض الحضيض لوجه الدر في البحر
فربـي كفيل فـي الاُمور جميعهـا *** عليـه تـوكّلـت وفـوّضته أمـري
وقالت أيضاً :
يا ذلة بعد عزّ كنت فيـه مـدى *** سنين أعوام دهـري ليت ما مضت
أضحـت دويـراي أيـاماً قلائلة *** من بعد ما ضحكت يا طول ما بكت
وقالت أيضاً :
يا قرحة ثقبت قلبي وليس لهـا *** معـالج يتـداواهتــا ومـلتئتم
حتى الممات بأحشائي جراحتها *** داء يؤلم روحي وهو مكتتم[1]
222 دعد الكيالي
شاعرة فلسطينية ، كرّست أعمالها الأدبيّة للنكبة ، وغنّت لفلسطين في معظم شعرها .
وفي عام 1946م زارت مدينة النجف الأشرف ، ونظمت فيها قصيدة رائعة ، قرنت فيها بين ضيعة القدس ومأساة الطفوف ، مستلهمة من كربلاء صمود الحسين عليه السلام وتضحيته . وقد نشرت هذه القصيدة مؤخّراً مجلة الموسم الفصليّة في عددها الثالث عشر الصادر في عام 1413هـ1992م ، حيث تقول فيها :
يا فتـاةَ العـرب إبكـي واندبـي *** يـومَ عاشوراء واستبكي ونوحـي
كـربـلا أي مـآسٍ هـجت لـي *** فغـدا قـلبي كـالطير الـذبيحِ . . !
كــربـلا أي دمـاءٍ أهـرقـت *** فـوق كثبانك يا مهد جروحـي . . !
كـربـلا يـا آهـة الشعـر ويا *** دمعـة الفـن ويـا أنـة روحــي
جـئتُ أسعـى بحنيـن ظامـيء *** لثـرى جـدي تـخفيني مسـوحي
رحـتُ أبكـي بذهـول خـاشع *** وأنـاجـي مَـن بذيـاك الضـريح
جـئتُ يـا جـدّاه أسعـى وأنـا *** مثـل نسر تـاعس الجـد العثـور
جئتُ يـا جـدّاه أذري دمعــة *** دمعة المظلوم يدعو وا ثبوري . . !
جئـتُ أبكـي وطنـاً ضاع ولم *** أرَ مَـن يفـديـه إلاّ بـالشمور . . !
كلّهـم يــهتف فلحيـى وقـد *** صـار واموتاه مـن أهـل القبور . !
ضاع من عرب وهم في لهوهـم *** يضـربون الطبـل لا طبـل النفير . !
ليتنـي يـا جـد قـد مُتُّ ولـم *** أرَ مسـرى جـدّنا مـلك اليهــود
ليتني يـا جـد قـد مُـتُّ ولـم *** أرَ قـومي عيشهـم عـيش الـعبيد
[1]ـ انظر تراجم أعلام النساء 2 : 72 .
يرتضـون الــذل يــا جـد كـأن *** لم تمت في ساحة الحقّ الشهيد . !
متّ حـر الـرأي لـم تخضـع لمـا *** يخفض الهامة يـا خيـر الجـدود
حـرمــوك المـاء يـا جـد فلـم *** ينـل الحـرمان مـن عزم الحديد
قتلــوا ولــدك يـا جـد فلــم *** يـنل القتل مـن البـأس الشديـد
كلهـم كـان شجـاعــاً بـاسلاً *** لـم يـطق صبراً علـى ظلم يزيد
قتلــوا ؟ لا . انّهـم أحيـاء فـي *** جنّـة الخلـد بـأمـن وسعــود
غلبـوا ؟ لا . إنّهـم لـم يغلبـوا *** كيف يـا جـد وهـم أسد الأسود!!
إنّهم قــد نصـروا الحـقّ ومـا *** مات مـن مـات فـدى الحقّ التليد
ليتنـا متنــا فــدى أوطـاننـا *** ليتنـا لـم نخـدر بـالــوعـود
ليتنـا يــاجـد ثنـــا مثلمـا *** ثـرت قدمـاً بـالظبا لا بالقصيد . !
شهــد الله بـأنـي وأنـــا *** أبـدع الشعـر وأشـدو للخلــود
قـد كـرهتُ الشعـر والنثر معـاً *** وعشقتُ النـار فـي جوف الحديد!
لــيتني نـار عصـوف تـمحق *** الظلـم والطغيـان من هذا الوجود
ليتنــي قنبلــــة ذريـــة *** فـأريح الكون مـن شر اليهود . !
ليتنـي لـكنّني يـا جـد فـــي *** عـزلتي يـرهقنـي ثقـل القيـود
جئتُ أستوحي ضـريحاً طاهـراً *** وبقلبـي ذكـرة الماضي الأسيف
وعلـى خـدّي دمـع نـاطـق *** بشجونـي آه من دمع ذريف . . !
ثـم ودّعـت وروحـي ذاهـل *** وعلى ثغري صدى الروح اللهيف
آه يـا ذكـرى فـؤاد ذاب مـن *** ضيعـة القدس ومـأساة الطفوف
إيه يـا مَـن ألهمتنـي مبدئـي *** إيـهْ يـا بنت الرزايـا والصروف
افهمـي الأعـراف أنّ الحـقّ لا *** شـيء يعليه سوى الحرب العنيف