الجميع إنسان ذو فطرة بشرية ـ أن يساوي بينهم في الحقوق والوظائف من غير أن يحبا بعض ويضطهد آخرون بإبطال حقوقهم ، لكن ليس مقتضى هذه التسوية التي يحكم بها العدل الإجتماعي أن يبذل كلّ مقام اجتماعي لكلّ فرد من أفراد المجتمع ، فيتقلّد الصبي مثلاً على صباوته والسفيه على سفاهته ما يقلده الإنسان العاقل المجّرِب ، أو يتناول الضعيف العاجز ما يتناوله القوي المقتدر من الشؤون والدرجات ، فإنّ في تسوية حال الصالح وغير الصالح إفساداً لحالهما معاً .
بل الذي يقتضيه العدل الإجتماعي ويفسّر به معنى التسوية : أن يعطي كلّ ذي حقّ حقّه وينزّل منزلته ، فالتساوي بين الأفراد والطبقات إنّما هو في نيل كلّ ذي حقّ خصوص حقّه من غير أن يزاحم حقّ حقّاً ، أو يهمل أو يبطل حقّ بغياً أو تحكيماً ونحو ذلك ، وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى :﴿ولهنّ مثل الذي عليهنَّ بالمعروف وللرجال عليهنّ درجة﴾[1]، فإنّ الآية تصرّح بالتساوي في عين تقرير الإختلاف بينهن وبين الرجال .
ثم إنّ اشتراك القبيلين ـ أعني الرجال والنساء ـ في اُصول المواهب الوجوديّة ـ أعني : الفكر والإرادة المولدتين للإختيار ـ يستدعي اشتراكها مع الرجال في حريّة الفكر والإرادة ، أعني الإختيار ، فلها الإستقلال بالتصرّف في جميع شؤون حياتها الفردية والإجتماعية عدا ما منع عنه مانع .
وقد أعطاها الإسلام هذا الإستقلال والحريّة على أتمّ الوجوه كما سمعت فيما تقدّم ، فصارت بنعمة الله سبحانه مستقلة بنفسها ، منفكة الإرادة والعمل عن الرجال وولايتهم وقيمومتهم ، واجدة لما لم تسمح لها به الدنيا في جميع أدوارها ، وخلت عنه صحائف تأريخ وجودها ، قال تعالى :﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾[2].
لكنّها مع وجود العوامل المشتركة المذكورة في وجودها تختلف مع الرجال من جهة اُخرى ، فإنّ المتوسطة من النساء تتأخر عن المتوسط من الرجال في الخصوصيات الكماليّة
[1]ـ البقرة : 228 .
[2]ـ البقرة : 234 .
من بنيتها ، كالدماغ والقلب والشرايين والأعصاب والقامة والوزن ، على ما شرحه فن وظائف الأعظاء ، واستوجب ذلك أنّ جسمها ألطف وأنعم ، كما أنّ جسم الرجل أخشن وأصلب ، وأنّ الإحساسات اللطيفة كالحب ورقة القلب والميل إلى الجمال والزينة أغلب عليها من الرجل ، كما أنّ التعقّل أغلب عليه من المرأة ، فحياتها حياة إحساسيّة كما أنّ حياة الرجل حياة تعقلية .
ولذلك فرّق الإسلام بينهما في الوظائف والتكاليف العامة الإجتماعية التي يرتبط قوامها بأحد الأمرين ـ أعني التعقل والإحساس ـ فخصّ بمثل الولاية والقضاء والقتال بالرجال ؛ لاحتياجها المبرم إلى التعقل ، والحياة التعقلية إنّما هي للرجل دون المرأة . وخصّ مثل حضانة الأولاد وتربيتها وتدبير المنزل بالمرأة ، وجعل نفقتها على الرجل ، وجبر ذلك له بالسهمين في الإرث ( وهو في الحقيقة بمنزلة أن يقتسما الميراث نصفين ثم تعطي المرأة ثلث سهمها للرجل في مقابل نفقتها ، أي للإنتفاع بنصف ما في يده ، فيرجع بالحقيقة إلى أنّ ثلثي المال في الدنيا للرجال ملكاً وعيناً وثلثيها للنساء انتفاعاً ، فالتدبير الغالب إنّما هو للرجال لغلبة تعقلهم ، والانتفاع والتمتع الغالب للنساء لغلبة إحساسهن ) ، ثم تمم ذلك بتسهيلات وتخفيفات في حق المرأة .
فإن قلت : ما ذكر من الإرفاق البالغ للمرأة في الإسلام يوجب انعطالها في العمل ، فإنّ ارتفاع الحاجة الضروريّة إلى لوازم الحياة بتخديرها وكفاية مؤنتها بايجاب الإنفاق على الرجل يوجب إهمالها وكسلها وتثاقلها عن تحمل مشاق الأعمال والأشغال ، فتنمو على ذلك نماءً رديئاً ، وتنبت نباتاً سيئاً غير صالح لتكامل الإجتماع ، وقد أيّدت التجربة ذلك .
قلتُ : وضع القوانين المُصلِحة لحال البشر أمر ، وإجراء ذلك بالسيرة الصالحة والتربية الحسنة التي تنبت الإنسان نباتاً حسناً أمر آخر ، والذي اُصيب به الإسلام في مدّة سيرها الماضي هو فقد الأولياء الصالحين والقوام المجاهدين ، فارتدت بذلك أنفاس الأحكام ، وتوقفت التربية ، ثم رجعت القهقري .
ومن أوضح ما أفادته التجارب القطعية أنّ مجرد النظر والإعتقاد لا يثمر أثره ما لم يثبت
في النفس بالتبلغ والتربية الصالحين ، والمسلمون في غير برهة يسيرة لم يستفيدوا من الأولياء المتظاهرين بولايتهم القيمين باُمورهم تربية صالحة يجتمع فيها العلم والعمل ، فهذا معاوية يقول على منبر العراق حين غلب أمر الخلافة ما حاصله : إني ما كنت اُقاتلكم لتصلّوا أو تصوموا فذلك إليكم ، وإنّما كنت اُقاتلكم لأتأمر عليكم وقد فعلت ، وهذا غيره من الأمويين والعباسيين فمن دونهم ، ولولا إستضاءة هذا الدين بنور الله الذي لا يطفأ﴿والله متمّ نوره ولو كره الكافرون﴾[1].
ولم تخل المرأة إما أن تكون بنتاً ، أو زوجة ، أو اُمّاً .
وفي كلّ الحالات نرى أنّ الإسلام يهتم بها اهتماماً بالغاً ، ويوصي بها كثيراً ، ويظهر ذلك جلياً في كتاب الله وسنّة نبيّة صلى الله عليه وآله وسلم .
البنات حسنات :
إنّ مطالعة سريعة للسنة النبويّة ، ولسيرة الأئمة الأطهار سلام الله عليهم ، تكفينا لمعرفة مدى الإهتمام البالغ الذي أولاه الإسلام للبنت ، والذي ظهر جليّاً من خلال قول وعمل وتقرير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام ، حتى أنّ علماءنا الأعلام أفردوا أبواباً مستقلة في كتبهم الحديثية لما ورد في شأن البنت على لسان المعصومين عليهم السلام ، مثل باب كراهة كراهة البنات ، باب تحريم تمنّي موت البنات ، باب استحباب زيادة الرقة على البنات والشفقة عليهن أكثر من الصبيان ، باب استحباب طلب البنات واكرامهن .
فهي ريحانة يشمها أبوها ، ونعم الولد البنات ملطّفات مجهّزات مؤنسات مباركات ، والبنات حسنات والحسنات يثاب عليها ، والأرض تقلّها ، والسماء تظلّمها والله يرزقها ، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أبا بنات .
[1]ـ الميزان في تفسير القرآن : 268 .
روى ابراهيم الكرخي عن ثقة حدّثه قال :
تزوجتُ بالمدينة فقال لي أبو عبدالله عليه السلام : « كيف رأيتْ ؟ »
قلت : ما رأى رجل من خير في امرأة إلاّ وقد رأيته فيها ، ولكن خانتني .
فقال : « وما هو ؟ »
قلتُ : ولَدتْ جارية .
فقال : « لعلك كرهتها ، إنّ الله عزّ وجلّ يقول :﴿آباؤكم وأبناءكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا﴾[1].[2]
وعن حمزة بن حمران رفعه قال :
اُتي رجل وهو عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاُخبر بمولود أصابه ، فتغيّر وجه الرجل ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « مالك ؟ » .
فقال : خير .
فقال : « قل » .
قال : خرجتُ والمرأة تمخض ، فاُخبرت أنّها ولدت جارية .
فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « الأرض تقلّها ، والسماء تظلّها ، والله يرزقها ، وهي ريحانة تشمها »[3].
وعن الجارود بن المنذر قال :
قال لي أبو عبدالله عليه السلام : « بلغني أنّك ولد لك ابنة فتسخطها ، وما عليك منها ، ريحانة تشمّها ، وقد كفيت رزقها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بنات »[4].
[1]ـ النساء : 11 .
[2]ـ وسائل الشيعة 15 : 101 حديث 1 .
[3]ـ وسائل الشيعة 15 : 101 حديث 2 .
[4]ـ وسائل الشيعة 15 : 103 ، حديث 3 .
وقال الحسين بن سعيد اللحمي :
ولد لرجل من أصحابنا جارية فدخل على أبي عبدالله عليه السلام فرآه متسخطاً فقال له : « أرأيت لو أنّ الله أوحى إليك أن أختار لك أو تختار لنفسك ؟ ما كنتّ تقول ؟ »
قال : كنتُ أقول : يا ربّ تختار لي .
قال : « فإن الله عزّ وجلّ قد اختار لك » ، ثم قال : « إنّ الغلام الذي قتله العالم الذي كان مع موسى عليه السلام ، وهو قول الله عزّ وجلّ :﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكوة وأقرب رحماً﴾[1]أبدلهم الله عزّ وجلّ به جارية ولدت سبعين نبياً »[2].
وعن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام قال :
بُشّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بابنة فنظر إلى وجوه أصحابه فرأى الكراهة فيهم ، فقال : « ما لكم ؟ ريحانة أشمها ، ورزقها على الله عزّ وجل » ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم أبا بنات[3].
وروى أبان بن تغلب عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال :
« البنات حسنات والبنون نعم ، والحسنات يثاب عليها ، والنعمة يسأل عنها »[4].
وعن أحمد بن الحسن الحسيني ، عن الحسن بن علي العسكري ، عن آبائه ، عن الصادق عليهم السلام
« إنّ رجلاً شكا إليه غمّه ببناته ، فقال : الذي ترجوه لتضعيف حسناتك
[1]ـ الكهف : 81 .
[2]ـ وسائل الشيعة 15 : 103 ، حديث 4 .
[3]ـ وسائل الشيعة 15 : 103 ، حديث 5 .
[4]ـ وسائل الشيعة 157 : 103 ، حديث 7 .
ومحو سيئاتك فأرجه لصلاح حال بناتك ، أما علمت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لما جاوزت سدرة المنتهى وبلغت قضبانها وأغصانها رأيتُ بعض ثمار قضبانها أثداؤه معلّقة يقطر من بعضها اللبن ، ومن بعضها العسل ، ومن بعضها الدهن ، ومن بعضها شبه دقيق السّميد ، ومن بعضها الشياب ، ومن بعضها كالنبق ، فيهوى ذلك كلّه نحو الأرض ، فقلت في نفسي أين مقر هذه الخارجات ؟ فناداني ربّي : يا محمّد هذه أنبتها من هذا المكان لأغذو منها بنات المؤمنين من اُم تك وبنيهم ، فقل لآباء البنات لا تضيق صدوركم على بناتكم ، فإنّي كما خلقتهن أرزقهن »[1]
وعن عمر بن يزيد أنّه قال ل أبي عبدالله عليه السلام :
إنّ لي بنات ، فقال : « لعلك تتمنى موتهن ، أما إنك إن تمنيت موتهن ومتنَ لم تؤجر يوم القيامة ، ولقيت الله حين تلقاه وأنت عاصٍ »[2].
وروى سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال :
« قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنّ الله تبارك وتعالى على الإناث أرقّ منه على الذكور ، وما من رجل يُدخل فرحة على امرأة بينه وبينها حرمة إلاّ فرّحه الله يوم القيامة »[3].
وعن أحمد بن عبدالرحيم ، عن رجل ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال :
« البنات حسنات والبنون نعمة ، وإنما يثاب على الحسنات ويسأل عن النعمة »[4].
وعن أحمد بن الفضل ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال :
[1]ـ وسائل الشيعة 157 : 103 ، حديث 8 .
[2]ـ وسائل الشيعة 157 : 103 ، حديث 1 .
[3]ـ وسائل الشيعة 157 : 104 ، حديث 1 .
[4]ـ وسائل الشيعة 15 : 104 ، حديث 2 .
« البنون نعيم والبنات حسنات ، والله يسأل عن النعيم ويثيب على الحسنات »[1].
وروى السكوني عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال :
« قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعم الولد البنات ، ملطّفات مجهّزات مؤنسات مباركات »[2].
الزوجة ريحانة :
الزواج هو الوسيلة السليمة لارتباط الرجل بالمرأة ، وبه قضى الإسلام على الفوضى التي كانت سائدة في الجاهلية وما قبلها من الاُمم المتأخّرة ، وبه حصلت المرأة على عزّها وكرامتها وصانت شرفها ، وأصبح لها شأن في الحياة ، ولم تعدّ مجرد متعة يتمتع بها الرجل وقت حاجته .
قال الله تعالى في كتابه العزيز :﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة﴾[3]، ولتسكنوا إليها : أي لتطمئنوا ، إذاً فهي وسيلة للراحة والطمأنينة والوِد الذي يجعل الرابطة قوية بين الرجل والمرأة .
وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام الرجلَ أن يعاشر زوجته بالإحسان والمعروف ، وأن يعفو عن ذنبها ويكرمها ، كلّ ذلك في سبيل المحافظة على طهارة المرأة وعزّتها ، حتى لا تكون متعة رخيصة للرجل .
روى محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه السلام قال :
« قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أوصاني جبرئيل بالمرأة حتى ظننت أنّه لا ينبغي
[1]ـ وسائل الشيعة 15 : 104 ، حديث 3 .
[2]ـ وسائل الشيعة 15 : 100 ، حديث 2 .
[3]ـ الروم : 21 .
طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة »[1].
وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال :
إنّ لي زوجة إذا دخلتُ تلقّتني ، وإذا خرجتُ شيّعتني ، وإذا رأتني مهموماً قالت لي : ما يهمك ؟ إن كنتَ تهتم لرزقك فقد تكفّل لك به غيرك ، وإن كنتَ تهتم لأمر آخرتك فزادك الله هماً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « وهذه مِن عمّاله ، لها نصف أجر الشهيد »[2].
وفي رسالة أمير المؤمنين عليه السلام لولده الحسن عليه السلام عبّر عن الزوجة بأنها « ريحانة وليست قهرمانة »[3].
وقال إسحاق بن عمار :
قلت لأبي عبدالله عليه السلام : ما حقّ المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسناً ؟ قال : « يشبعها ويكسوها ، وإن جهلت غفر لها »[4].
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
« من اتخذ زوجة فليكرمها »[5].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم :
« استوصوا بالنساء خيراً ، فإنّهن عندكم عوان »[6]
وقال أيضاً :
« خيركم خيركم لنسائكم وبناتكم »[7].
[1]ـ وسائل الشيعة 14 : 121 ، حديث 4 .
[2]ـ وسائل الشيعة 14 : 17 ، حديث 14 .
[3]ـ وسائل الشيعة 14 : 120 ، حديث 1 .
[4]ـ وسائل الشيعة 14 : 121 ، حديث 1 .
[5]ـ مستدرك الوسائل 14 : 249 ، حديث 16617 .
[6]ـ مستدرك الوسائل 14 : 255 ، حديث 16636 .
[7]ـ مستدرك الوسائل 14 : 251 ، حديث 16621 .