بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 445

يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا .

قال : كيفَ رأيتِ فعلَ الله بأهل بيتك ؟

فقالت عليها السلام :

ما رأيتُ إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كَتبَ الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينكَ وبينهم فتُحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذٍ ، ثكلتكَ اُمك يابن مرجانة .

فغضب ابن زياد واستشاط من كلامها معه في ذلك المحتشد ، فقال له عمرو بن حريث : إنّها امرأة ، فلا تؤاخذ بشيء من منطقها ولا تلام على خطل .

فالتفت إليها ابن زياد وقال : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك .

فقالت عليها السلام :

لعمري لقد قتلتَ كهلي ، وأبدتَ أهلي ، وقطعتَ فرعي ، واجتثثتَ أصلي ، فإن يُشفك هذا فقد اشتفيت[1].

خُطَبها :

لقضية الحسين عليه السلام جانبان :

الأوّل : جانب التضحية والفداء ، والقتال في سبيل الله تعالى ، والصبر على البلاء ، وقد وقع هذا الجانب على الرجال ، على الحسين عليه السلام ، وأهل بيته ، وأصحابه ، فصبروا وقاتلوا مقتدين بقول سيّدهم : « لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا اقرّ لكم إقرار العبيد » .

الثاني : جانب التبليغ : وتعريف الاُمّة بحقيقة الأمر ، وقد وقع الكاهل الأعظم من هذا الجانب على نساء أهل البيت عليهم السلام ، وبالأخص زينب سلام الله عليها . فبالإضافة لِما مرّ من كلامها في كربلاء والكوفة والشام ، وأثناء الوقائع والأحداث ، لها خطبتان مشهورتان في

[1]ـ مقتل الحسين عليه السلام للمقرّم : 423 .


صفحه 446

الكوفة والشام .

خطبتها في الكوفة :

قال حذيم الأسدي : لم أر والله خفرة قط أنطق منها ، كأنّها تنطق وتفرغ عن لسان علي عليه السلام ، وقد أشارت إلى الناس بأن أنصتوا ، فارتدّت الأنفاس ، وسكنت الأجراس ، ثم قالت بعد حمد الله تعالى ، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم :

أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الختل والغدر والخذل ، أتبكون!! فلا رقأت العبرة ، ولا هدأت الزفرة ، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً ، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، هل فيكم إلاّ الصلف والعجب والشنف والكذب وملق الاماء وغمز الأعداء ، أو كمرعىً على دمنة ، أو كقصة على ملحودة ، ألا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم ، أن سخط الله عليكم وفيالعذاب أنتم خالدون .

أتبكون أخي ؟ ! أجل والله فابكوا فإنكم أحرى بالبكاء ، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فقد ذهبتم بعارها ، ومنيتم بشنارها ، ولن ترحضوها أبداً ، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ، ومعدن الرسالة ، وسيّد شباب أهل الجنة ، وملاذ حربكم ، ومعاذ حزبكم ، ومقر سلمكم ، وأسى كلمكم ، ومفزع نازلتكم ، والمرجع إليه عند مقاتلتكم ، ومدرة حججكم ، ومنار محجتكم .

ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم ، وساء ما تزرون ليوم بعثكم ، فتعساً تعساً ، ونكساً نكساً ، لقد خاب السعي ، وتبّت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلة والمسكنة .

أتدرون ويلكم أيّ كبدٍ لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم فريتم ؟ ! وأيّ عهد نكثتم ؟ ! وأيّ كريمة له أبرزتم ؟ ! وأيّ حرمة له هتكتم ؟ ! وأيّ دم له سفكتم ؟ ! لقد جئتم شيئاً إدّاً ، تكاد السماوات يتفطّرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدّاً . لقد


صفحه 447

جئتم بها شوهاء ، صلعاء ، سوداء ، فقماء ، فرقاء ، كطلاع الأرض أو ملء السماء .

أفعجبتم أن تمطر السماء دماً ، ولعذاب الأخرة أخزى وهم لا ينصرون ، فلا يستخفنّكم المهل ، فإنّه عزّ وجلَّ لا يحفزه البدار ، ولا يخشى عليه فوات الثأر ، كلا إنّ ربك لبالمرصاد .

ثم أنشأت تقول :

ماذا تقولون إذ قـال الـنبيّ لـكم *** ماذا صَنعتـم وأنتـم آخـر الاُمـمِ

بـأهلِ بيتـي وأولادي وتكرمتـي *** مـنهم اُسارى ومـنهم ضرّجوا بدمِ

ما كان ذاك جزائي إذ نصحتُ لـكم *** أن تخلفونـي بسوء في ذوي رحمي

إنّي لأخشـى عليكم أن يـحلّ بكم *** مثل العذاب الذي أودى على ارم[1]

قال حذيم : فرأيتُ الناس حيارى قد ردّوا أيديهم في أفواههم ، فالتفتُ إلى شيخ في جانبي يبكي وقد اخضلّت لحيته بالبكاء ، ويده مرفوعة إلى السماء وهو يقول : بأبي أنتم و اُمي ، كهولهم خير كهول ، ونساؤهم خير نساء ، وشبابهم خير شباب ، ونسلهم نسل كريم ، وفضلهم فضل عظيم ، ثم أنشد :

كهولهم خير الكهـول ونسلـكم *** إذا عدّ نسل لا يبور ولا يخزى[2]

[1]ـ في بعض المصادر لم ترد هذه ال أبي ات ضمن الخطبة .

[2]ـ الإحتجاج 2 : 31 .


صفحه 448

خطبتها في الشام :

لما سمعت زينب بنت علي عليهما السلام يزيد يتمثّل بأبيات ابن الزبعري :

ليتَ أشياخي ببدرٍ شهـدوا *** جزع الخزرج من وقـع الأسل

لأهلّـوا واستهلـوا فرحـاً *** ثـم قالـوا يـا يـزيد لا تشل

قد قتلنا القوم مـن سادتهم *** وعـدلنـاه ببـدر فـاعتـدل

لعبت هـاشم بـالملك فـلا *** خبـر جـاء ولا وحـي نـزل

لستُ من خندف إن لم أنتقم *** مـن بني أحمد مـا كان فعـل

قالت : الحمد لله رب العالمين ، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله سبحانه حيث يقول :﴿ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون﴾[1]، أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نُساق كما تساق الاُسارى ، أنّ بنا على الله هواناً وبكَ عليه كرامة ، وأنّ ذلك لِعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفكَ ، ونظرتَ في عطفك جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة ، والاُمور متّسقة ، وحين صفا لكَ ملكنا وسلطاننا . مهلاً ، أنسيتَ قول الله تعالى :﴿ولا تحسبن الذين كفروا إنّما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين﴾[2].

أمنَ العدلِ يا ابن الطلقاء تخديركَ حرائركَ وإماءكَ وسوقكَ بنات رسولِ الله سبايا ، قد هُتكت ستورهنّ واُبديت وجوههنّ ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل ، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد ، والدني والشريف ، ليس معهنَّ من حماتهنّ حميّ ، ولا من

[1]ـ الروم : 10 .

[2]ـ آل عمران : 178 .


صفحه 449

رجالهنّ ولي ، وكيف يرتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء ، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت مَن نظر الينا بالشنف والشنآن ، والإحن والأضغان ، ثم تقول غير متأثّم ولا مستعظم :

لأهلّوا واستهلوا فرحاً *** ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبدالله سيّد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك ، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة ، بإراقتك دماء ذرية محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونجوم الأرض من آل عبدالمطلب ، وتهتف بأشياخك ، وزعمتَ أنّكَ تناديهم ، فلتردنّ وشيكاً موردهم ، ولتودنّ أنّكَ شللت وبكمت ولم تكن قلتَ ما قلت وفعلتَ ما فعلت .

اللهم خُذ لنا بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، وأحلل غضبكَ بمن سفكَ دماءنا وقتلَ حُماتنا . فوالله ما فريت إلاّ جلدكَ ، ولا خززتَ إلاّ لحمكَ ، ولتردنّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما تحملت من سفك دماء ذريته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته ، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾[1].

وحسبك بالله حاكماً ، وبمحمّد صلّى الله عليه وآله خصيماً ، وبجبرئيل ظهيراً ، وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلاً ، وأيكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً . ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك ، إنّي لأستصغر قدرك ، واستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك ، ولكنّ العيون عبرى والصدور حرّى .

ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا ، والأفواه تتحلّب من لحومنا . وتلك الجثث

[1]ـ آل عمران : 169 .


صفحه 450

الطواهر الزواكي تنتابها العواسل ، وتعفِّرها اُمهات الفراعل ، ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدّنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما ربك بظلام للعبيد ، وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل .

فَكِدْ كيدكَ ، واسعَ سعيكَ ، وناصب جهدكَ ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا يرحض عنكَ عارها . وهل رأيكَ إلاّ فند ، وأيامكَ إلاّ عدد ، وجمعكَ إلاّ بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين ، والحمد لله ربّ العالمين ، الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ، ويحسن علينا الخلافة إنّه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

فقال يزيد :

يـا صيحةً تُحمدُ مِن صوائِح *** ما أهون النوحِ على النوائحِ[1]

استجابة دعائها :

قد استجاب الله عزّ وجلَّ دعاء العقيلة زينب سلام الله عليها في يوم عاشوراء مرّات عديدة ، كيف لا وهي المظلومة المهضومة المسبية ، وقد عرفنا أنّ دعوة المظلوم أنفذ من السهم ، ونذكر هنا بعضاً من المواقف التي استجاب الله دعاءها سلام الله عليها :

[1]روى أهل المقاتل : أنّ شامياً تعرّض لفاطمة بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، فدعت عليه زينب سلام الله عليها بقولها : قطع الله لسانكَ ، وأعمى عينيكَ ، وأيبس يديكَ . فأجاب الله دعاءها في ذلك ، فقالت سلام الله عليها : الحمدُ لله الذي عجّل لك بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة[2].

[2]ان امرأة في الكوفة تسمّى ( اُم حجام ) أهانت رأس الحسين عليه السلام عند المرور به على

[1]ـ الاحتجاج 2 : 34 ، مقتل الحسين عليه السلام للمقرّم : 64 .

[2]ـ زينب الكبرى : 66 .


صفحه 451

قصرها ، فدعت زينب على قصرها بالهجوم ، فوقع القصر في الحال وهلك مَن فيه ، وكانت هذه المرأة الخبيثة من نساء الخوارج[1].

[3]ودعت على رجلٍ سلبهم في كربلاء ، فقالت عليها السلام : قطعَ الله يديكَ ورجليكَ وأحرقكَ الله بنار الدنيا قبل نار الآخرة . فوالله ما مرّت الأيام حتى ظهر المختار وفعل به ذلك ثم أحرقه بالنار[2].

شعرها :

للعقيلة شأن أسمّى من الشعر وأرفع من الأدب ، فهي العالمة غير المعلّمة ، وهي التي تُفسر القرآن الكريم لجماعة النسوة ، ولها مجلس لتعليم الفقه ، لكنّ مأساة كربلاء ، وما تلاها من مشاهد الحزن والأسى ، جعلتها تنفّس عن آلامها برثاء أخيها الشهيد ، ولعلّها كانت تستهدف بهذه المراثي غايةً أهم من الرثاء ، وهي تعرية الظالمين ، والنيل منهم والتحريض عليهم[3].

نذكر هنا بعض أشعارها التي عثرنا عليها :

[1]لمّا رأت رأس الحسين عليه السلام قالت :

يـا هلالاً لمّا استتم كـمالا *** غـاله خسفه فأبدى غروبا

ما توهّمت يا شقيق فؤادي *** كـان هذا مقدّراً مكتوبا[4]

[2]ولها عليها السّلام في رثاء الحسين عليه السلام :

علـى الطـف السّلام وسـاكنيه *** وروح الله فــي تـلكَ القبـاب

نُفوسٌ قدّست في الأرض قـدساً *** وقـد خُلقت مـن الـنطف العذاب

[1]ـ زينب الكبرى : 67 .

[2]ـ تظلم الزهراء : 217 .

[3]ـ زينب بنت علي عليه السلام لعلي دخيل : 62 .

[4]ـ زينب الكبرى : 110 .


صفحه 452

مَضاجعُ فتية عبدوا فنامـوا *** هجـوداً في الفدافد والروابي

عَلتهم في مضاجعهم كعـاب *** بـاردات مـنعّمـة رطــاب

وصيّرت القبور لهم قصوراً *** منـاخاً ذات أفنية رحـاب[1]

[3]قالت بعد خطبتها في الكوفة :

ماذا تقولون إذ قـال النبيّ لكـم *** مــاذا صنعتـم وأنـتم آخـر الاُمم

بأهـل بيتـي وأولادي وتكرمتي *** مـنهم اُسارى ومـنهم ضرّجوا بدم

ما كان ذاك جزائي إذ نصحت لكم *** أن تخلفـوني بسوء في ذوي رحمي

إنـي لأخشى عليكـم أن يحلّ بكم *** مثل العذاب الذي أودى على إرم[2]

[4]ولمّا رأت عليها السلام رأس أخيها بكت وأنشأت :

أتشهرونا فـي البريّة عنـوة *** ووالدنـا أوحــى إليـه جـليل

كفـرتم بـربّ العرش ثم نبيّه *** كـأن لم يجئكم في الزمان رسول

لحـاكم إله العرش يا شر اُمّة *** لكم في لظى يوم المعاد عويل[3]

قبرها :

المشهور والمعروف لدى الناس أنّ قبرها سلام الله عليها في الشام ، في الموضع الذي تزوره الناس الآن . لكن هنالك من نفى ذلك وقال : إنّ قبرها في مصر ، مثل العبيدلي النسابة المتوفّى سنة 277هـ ، والسيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة .

روى العبيدلي عدّة روايات تؤيد كلامه في كتاب أخبار الزينبات :

قال : وحدّثني أبي ، قال : روينا بالإسناد المرفوع إلى علي بن محمّد بن عبدالله ، قال : لمّا دخلتُ مصر في سنة 145هـ سمعتُ عسامة المعافري يقول : حدّثني عبدالملك بن سعيد

[1]ـ أدب الطف 1 : 236 .

[2]ـ أدب الطف 1 : 336 . وقيل : إنّ هذه ال أبي ات ليس لها بل لغيرها ، وقد مرّت سابقاً .

[3]ـ الإحتجاج 2 : 31 .