رجالهنّ ولي ، وكيف يرتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء ، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت مَن نظر الينا بالشنف والشنآن ، والإحن والأضغان ، ثم تقول غير متأثّم ولا مستعظم :
لأهلّوا واستهلوا فرحاً *** ثم قالوا يا يزيد لا تشل
منحنياً على ثنايا أبي عبدالله سيّد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك ، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة ، بإراقتك دماء ذرية محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونجوم الأرض من آل عبدالمطلب ، وتهتف بأشياخك ، وزعمتَ أنّكَ تناديهم ، فلتردنّ وشيكاً موردهم ، ولتودنّ أنّكَ شللت وبكمت ولم تكن قلتَ ما قلت وفعلتَ ما فعلت .
اللهم خُذ لنا بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، وأحلل غضبكَ بمن سفكَ دماءنا وقتلَ حُماتنا . فوالله ما فريت إلاّ جلدكَ ، ولا خززتَ إلاّ لحمكَ ، ولتردنّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما تحملت من سفك دماء ذريته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته ، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾[1].
وحسبك بالله حاكماً ، وبمحمّد صلّى الله عليه وآله خصيماً ، وبجبرئيل ظهيراً ، وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلاً ، وأيكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً . ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك ، إنّي لأستصغر قدرك ، واستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك ، ولكنّ العيون عبرى والصدور حرّى .
ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا ، والأفواه تتحلّب من لحومنا . وتلك الجثث
[1]ـ آل عمران : 169 .
الطواهر الزواكي تنتابها العواسل ، وتعفِّرها اُمهات الفراعل ، ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدّنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما ربك بظلام للعبيد ، وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل .
فَكِدْ كيدكَ ، واسعَ سعيكَ ، وناصب جهدكَ ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا يرحض عنكَ عارها . وهل رأيكَ إلاّ فند ، وأيامكَ إلاّ عدد ، وجمعكَ إلاّ بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين ، والحمد لله ربّ العالمين ، الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ، ويحسن علينا الخلافة إنّه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
فقال يزيد :
يـا صيحةً تُحمدُ مِن صوائِح *** ما أهون النوحِ على النوائحِ[1]
استجابة دعائها :
قد استجاب الله عزّ وجلَّ دعاء العقيلة زينب سلام الله عليها في يوم عاشوراء مرّات عديدة ، كيف لا وهي المظلومة المهضومة المسبية ، وقد عرفنا أنّ دعوة المظلوم أنفذ من السهم ، ونذكر هنا بعضاً من المواقف التي استجاب الله دعاءها سلام الله عليها :
[1]روى أهل المقاتل : أنّ شامياً تعرّض لفاطمة بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، فدعت عليه زينب سلام الله عليها بقولها : قطع الله لسانكَ ، وأعمى عينيكَ ، وأيبس يديكَ . فأجاب الله دعاءها في ذلك ، فقالت سلام الله عليها : الحمدُ لله الذي عجّل لك بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة[2].
[2]ان امرأة في الكوفة تسمّى ( اُم حجام ) أهانت رأس الحسين عليه السلام عند المرور به على
[1]ـ الاحتجاج 2 : 34 ، مقتل الحسين عليه السلام للمقرّم : 64 .
[2]ـ زينب الكبرى : 66 .
قصرها ، فدعت زينب على قصرها بالهجوم ، فوقع القصر في الحال وهلك مَن فيه ، وكانت هذه المرأة الخبيثة من نساء الخوارج[1].
[3]ودعت على رجلٍ سلبهم في كربلاء ، فقالت عليها السلام : قطعَ الله يديكَ ورجليكَ وأحرقكَ الله بنار الدنيا قبل نار الآخرة . فوالله ما مرّت الأيام حتى ظهر المختار وفعل به ذلك ثم أحرقه بالنار[2].
شعرها :
للعقيلة شأن أسمّى من الشعر وأرفع من الأدب ، فهي العالمة غير المعلّمة ، وهي التي تُفسر القرآن الكريم لجماعة النسوة ، ولها مجلس لتعليم الفقه ، لكنّ مأساة كربلاء ، وما تلاها من مشاهد الحزن والأسى ، جعلتها تنفّس عن آلامها برثاء أخيها الشهيد ، ولعلّها كانت تستهدف بهذه المراثي غايةً أهم من الرثاء ، وهي تعرية الظالمين ، والنيل منهم والتحريض عليهم[3].
نذكر هنا بعض أشعارها التي عثرنا عليها :
[1]لمّا رأت رأس الحسين عليه السلام قالت :
يـا هلالاً لمّا استتم كـمالا *** غـاله خسفه فأبدى غروبا
ما توهّمت يا شقيق فؤادي *** كـان هذا مقدّراً مكتوبا[4]
[2]ولها عليها السّلام في رثاء الحسين عليه السلام :
علـى الطـف السّلام وسـاكنيه *** وروح الله فــي تـلكَ القبـاب
نُفوسٌ قدّست في الأرض قـدساً *** وقـد خُلقت مـن الـنطف العذاب
[1]ـ زينب الكبرى : 67 .
[2]ـ تظلم الزهراء : 217 .
[3]ـ زينب بنت علي عليه السلام لعلي دخيل : 62 .
[4]ـ زينب الكبرى : 110 .
مَضاجعُ فتية عبدوا فنامـوا *** هجـوداً في الفدافد والروابي
عَلتهم في مضاجعهم كعـاب *** بـاردات مـنعّمـة رطــاب
وصيّرت القبور لهم قصوراً *** منـاخاً ذات أفنية رحـاب[1]
[3]قالت بعد خطبتها في الكوفة :
ماذا تقولون إذ قـال النبيّ لكـم *** مــاذا صنعتـم وأنـتم آخـر الاُمم
بأهـل بيتـي وأولادي وتكرمتي *** مـنهم اُسارى ومـنهم ضرّجوا بدم
ما كان ذاك جزائي إذ نصحت لكم *** أن تخلفـوني بسوء في ذوي رحمي
إنـي لأخشى عليكـم أن يحلّ بكم *** مثل العذاب الذي أودى على إرم[2]
[4]ولمّا رأت عليها السلام رأس أخيها بكت وأنشأت :
أتشهرونا فـي البريّة عنـوة *** ووالدنـا أوحــى إليـه جـليل
كفـرتم بـربّ العرش ثم نبيّه *** كـأن لم يجئكم في الزمان رسول
لحـاكم إله العرش يا شر اُمّة *** لكم في لظى يوم المعاد عويل[3]
قبرها :
المشهور والمعروف لدى الناس أنّ قبرها سلام الله عليها في الشام ، في الموضع الذي تزوره الناس الآن . لكن هنالك من نفى ذلك وقال : إنّ قبرها في مصر ، مثل العبيدلي النسابة المتوفّى سنة 277هـ ، والسيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة .
روى العبيدلي عدّة روايات تؤيد كلامه في كتاب أخبار الزينبات :
قال : وحدّثني أبي ، قال : روينا بالإسناد المرفوع إلى علي بن محمّد بن عبدالله ، قال : لمّا دخلتُ مصر في سنة 145هـ سمعتُ عسامة المعافري يقول : حدّثني عبدالملك بن سعيد
[1]ـ أدب الطف 1 : 236 .
[2]ـ أدب الطف 1 : 336 . وقيل : إنّ هذه ال أبي ات ليس لها بل لغيرها ، وقد مرّت سابقاً .
[3]ـ الإحتجاج 2 : 31 .
الأنصاري ، قال : حدّثني وهب بن سعيد الأوسي ، عن عبدالله بن عبدالرحمن الأنصاري قال : رأيتُ زينب بنت علي بمصر بعد قدومها بأيام ، فوالله ما رأيتُ مثلها ، وجهها كأنّه شقة قمر .
وبالسند المرفوع إلى رقيّة بنت عقبة بن نافع الفهري ، قالت : كنتُ فيمَن استقبل زينب بنت علي لمّا قدمت مصر بعد المصيبة ، فتقدّم إليها مسلمة بن مخلد وعبدالله بن الحارث وأبوعميرة المزني ، فعزّاها مسلمة وبكى ، فبكيت وبكى الحاضرون ، وقالت : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ، ثم احتملها إلى داره بالحمراء ، فأقامت به أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً وتوفّيت وشهدتُ جنازتها ، وصلّى عليها مسلمة بن مخلد في جمعٍ بالجامع ، ورجعوا بها فدفنوها بالحمراء بمخدعها من الدار بوصيّتها .
حدّثني اسماعيل بن محمّد البصري ـ عابد مصر ونزيلها ـ ، قال : حدّثني حمزة المكفوف ، قال : أخبرني الشريف أبو عبدالله القرشي ، قال : سمعتُ هند بنت أبي رافع بن عبيدالله بن رقيّة بنت عقبة بن نافع الفهري تقول : توفّيت زينب بنت علي عشية الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة 62 من الهجرة ، وشهدتُ جنازتها ، ودفنت بمخدعها بدار مسلمة المستجدة بالحمراء القصوى حيث بساتين عبدالله بن عبدالرحمن بن عوف الزّهري[1].
وناقش السيّد محسن الأمين هذه المسألة في أعيانه في موضعين :
الأوّل : قال : يجب أن يكون قبرها في المدينة المنوّرة ، فإنّه لم يثبت أنّها بعد رجوعها للمدينة خرجت منها وإن كان تأريخ وفاتها ومحلّ قبرها بالبقيع ، وكم من أهل البيت أمثالها مَن جهل محلّ قبره وتأريخ وفاته خصوصاً النساء .
وفيما اُلحق برسالة « نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين في النجف وكربلاء » المطبوعة بالهند نقلاً عن رسالة « تحية أهل القبور بالمأثور » عند ذكر قبور أولاد الأئمة عليهم السلام ما لفظه : ومنهم زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام وكنيتها اُم كلثوم ، قبرها في قرب زوجها عبدالله ابن جعفر الطيّار خارج دمشق الشام معروف ، جاءت مع زوجها عبدالله بن جعفر أيام
[1]ـ أخبار الزينبات : 122 .
عبدالملك بن مروان إلى الشام سنة المجاعة ليقوم عبدالله بن جعفر في ما كان له من القرى والمزارع خارج الشام حتى تنقضي المجاعة ، فماتت زينب هناك ، ودفنت في بعض تلك القرى . هذا هو التحقيق في وجه دفنها هناك ، وغيره غلط لا أصل له فاغتنم ، فقد وهم في ذلك جماعة فخبطوا العشواء .
وفي هذا الكلام من خبط العشواء مواضع :
أوّلاً : إنّ زينب الكبرى لم يقل أحد من المؤرّخين إنّها تكنّى اُم كلثوم ، فقد ذكرها المسعودي والمفيد وابن طلحة وغيرهم ، ولم يقل أحد منهم إنّها تكنّى اُم كلثوم ، بل كلّهم سمّوها زينب الكبرى ، وجعلوها مقابل اُم كلثوم الكبرى ، وما استظهرناه من أنّها تكنى اُم كلثوم ظهر لنا أخيراً فساده ، كما مرّ في ترجمة زينب الصغرى .
ثانياً : قوله قبرها في قرب زوجها عبدالله بن جعفر ليس بصواب ولم يقله أحد ، فقبر عبدالله بن جعفر بالحجاز ، ففي عمدة الطالب والإستيعاب واُسد الغابة والإصابة وغيرها : أنّه مات بالمدينة ودفن بالبقيع ، وزاد في عمدة الطالب القول بأنّه مات بالأبواء ودفن بالأبواء ، ولا يوجد قرب القبر المنسوب إليها برواية قبر ينسب لعبدالله بن جعفر .
ثالثاً : مجيئها مع زوجها عبدالله بن جعفر إلى الشام سنة المجاعة لم نره في كلام أحد من المؤرّخين مع مزيد من التفتيش والتنقيب ، وإن كان ذكر في كلام أحد من أهل الأعصار الأخيرة فهو حدس واستنباط كالحدس والإستنباط من صاحب التحيّة ، فإنّ هؤلاء لمّا توهّموا أن القبر الموجود في قرية راوية خارج دمشق منسوب إلى زينب الكبرى ، وأنّ ذلك أمر مفروغ منه مع عدم ذكر أحد من المؤرّخين لذلك ، استنبطوا لتصحيحه وجوهاً بالحدس والتخمين لا تستند إلى مستندهُ .
فبعض قال : إنّ يزيد عليه اللعنة طلبها من المدينة ، فعظم ذلك عليها فقال لها ابن أخيها زين العابدين عليه السلام : « إنكِ لا تصلين دمشق » ، فماتت قبل دخولها ، وكأنّه هو الذي عدّه صاحب التحيّة غلطاً لا أصل له ووقع في مثله ، وعدّه غنيمة وهو ليس بها ، وعدّ غيره خبط العشواء وهو منه ، فاغتنم فقد وهم كل مَن زعم أنّ القبر الذي في قرية راوية منسوب إلى
زينب الكبرى ، وسبب هذا التوهم أنّ مَن سمع أنّ في راوية قبراً ينسب إلى السيّدة زينب سبق إلى ذهنه زينب الكبرى؛ لتبادر الذهن إلى الفرد الأكمل ، فلمّا لم يجد أثراً يدل على ذلك لجأ إلى استنباط العلل العليلة .
ونظير هذا أنّ في مصر قبراً ومشهداً يقال له مشهد السيّدة زينب ، وهي زينب بنت يحيى ، والناس يتوهمون أنّة قبر السيّدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، ولا سبب له إلاّ تبادر الذهن إلى الفرد الأكمل ، وإذا كان بعض الناس اختلق سبباً لمجيء زينب الكبرى إلى الشام ووفاتها فيها ، فماذا يختلقون لمجيئها إلى مصر ، وما الذي أتى بها إليها ، لكن بعض المؤلّفين من غيرنا رأيت له كتاباً مطبوعاً بمصر غاب عني الآن اسمه ذكر لذلك توجيهاً ، بأنّه يجوز أن تكون نقلت إلى مصر بوجه خفي على الناس ، مع أنّ زينب التي بمصر هي زينب بنت يحيى حسينية أو حسنية ، وحال زينب التي براوية حالها .
رابعاً : لم يذكر مؤرّخ أنّ عبدالله بن جعفر كان له قرى ومزارع خارج الشام ، حتى يأتي إليها ويقوم بأمرها ، وإنّما كان يفد على معاوية فيجيزه ، فلا يطول أمر تلك الجوائز في يده حتى ينفقها ، بما عرف منه من الجود المفرط ، فمن أين جاءته هذه القرى والمزارع ، وفي أيّ كتاب ذكرت من كتب التواريخ .
خامساً : إن كان عبدالله بن جعفر له قرى ومزارع خارج الشام كما صوّرته المخيلة ، فما الذي يدعوه للإتيان بزوجته زينب معه ، وهي التي اُتي بها إلى الشام أسيرة بزيّ السبايا وبصورة فظيعة ، واُدخلت على يزيد مع ابن أخيها زين العابدين وباقي أهل بيتها بهيئة مشجية ، فهل من المتصوّر أن ترغب في دخول الشام ورؤيتها مرّة ثانية وقد جرى عليها بالشام ما جرى ، وإن كان الداعي للإتيان بها معه هو المجاعة بالحجاز ، فكان يمكنه أن يحوّل غلاّت مزارعه الموهومة إلى الحجاز أو يبيعها بالشام ويأتي بثمنها إلى الحجاز ، فإنّ جعفر لم يكن معدماً إلى هذا الحد ، مع أنّه يتكلّف من نفقة احضارها واحضار أهله أكثر من نفقة قوتها ، فما كان ليحضرها وحدها إلى الشام ويترك باقي عياله بالحجاز جياعى .
سادساً : لم يتحقق أنّ صاحبة القبر الذي في راوية تسمّى زينب لو لم يتحقّق عدمه ، فضلاً
عن أن تكون زينب الكبرى ، وإنّما هي مشهورة باُم كلثوم كما مرَّ في ترجمة زينب الصغرى لا الكبرى ، على أنّ زينب لا تكنّى باُم كلثوم ، وهذه مشهورة باُم كلثوم[1].
الثاني : قال السيّد الأمين تحت عنوان : قبر الست الذي في راوية : يوجد في قرية تسمّى راوية على نحو فرسخ من دمشق إلى جهة الشرق قبر ومشهد يسمّى قبر الست ، ووجد على هذا القبر صخرة رأيتها وقرأتها كتب عليها : هذا قبر السيّدة زينب المكنّاة باُم كلثوم بنت سيّدنا علي رضي الله عنه ، وليس فيها تأريخ ، وصورة خطّها تدل على أنّها كتبت بعد الستمائة من الهجرة ، ولا يثبت بمثلها شيء ، ومع مزيد التتبّع والفحص لم أجد من أشار إلى هذا القبر من المؤرخين سوى ابن جبير في رحلته ، وياقوت في معجمه ، وابن عساكر في تأريخ دمشق ، وذلك يدلّ على وجود هذا القبر من زمان قديم واشتهاره .
قال ابن جبير في رحلته التي كانت في أوائل المائة السابعة عند الكلام على دمشق ما لفظه : ومن مشاهد أهل البيت رضي الله عنهم مشهد اُم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، ويقال لها زينب الصغرى ، و اُم كلثوم كنية أوقعها عليها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لشبهها بابنته اُم كلثوم رضي الله عنها ، والله أعلم بذلك . ومشهدها الكريم بقرية قبلي البلد تعرف براوية على مقدار فرسخ ، وعليه مسجد كبير وخارجه مساكن وله أوقاف ، وأهل هذه الجهات يعرفونه بقبر الست اُم كلثوم ، مشينا إليه وبتنا به وتبرّكنا برؤيته ، نفعنا الله بذلك .
وقال ياقوت المتوفى سنة 622هـ في معجم البلدان : راوية بلفظ راوية الماء : قرية من غوطة دمشق ، بها قبر اُم كلثوم[2].
وقال ابن عساكر ـ من أهل أوائل المائة الخامسة ـ عند ذكر مساجد دمشق : مسجد راوية مسجد على قبر اُم كلثوم ، وهي ليست بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت عند عثمان؛ لأنّ تلك ماتت في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ودفنت بالمدينة ، ولا هي اُم كلثوم بنت علي من فاطمة التي تزوّجها عمر بن الخطاب؛ لأنّها ماتت هي وابنها زيد بن عمر بالمدينة في يوم واحد ودفنا
[1]ـ أعيان الشيعة 7 : 140 .
[2]ـ معجم البلدان : 3 : 20 .