ترجمة واحدة لامرأة عامليّة هي السيّدة فاطمة بنت أسعد بك الخليل زوجة علي بك الأسعد ، وهو أكبر مؤلّفاتها وأحسنها ، وكتبت في أوّل الكتاب هذين البيتين :
كتابي يبدي جنة في قصورها *** تروح روح الفكر حور التراجم
خدمتُ به جنسي اللطيف وانّه *** لاكرم مـا يُهدى لغرّ الكـرائم
وقد قرّظ الكتاب جملة من اُدباء وأديبات مصر ، منهم حسن حسيني باشا الطويراني صاحب جريدة النيـل ، وعائشة عصمت تيمور الشاعرة المصريّـة المعروفة ، فقالت من أبي ات :
هنّوا ذوات الخدور بالفوز الذي *** يعلو علـى هام السهى ويطول
ولقـد علت طبقـاتهن وزانها *** بـالفخر من بعد الخمول قبول
وقال الطويراني :
بدا درّها المنثور بـالفضل زينب *** فيـا حـبذا الـدر النثيـر المرتّب
جـلت لـعيون الفكر آثار حكمة *** عـرائسها تزهو وبالفضل تخطب
حكى الفلك الأعلى فكلّ صحيفـة *** بـه أفـق فيها من الزهر موكب
حوى حسنات الدهر بين سطوره *** وقـوّمها ذاك اليـراع المهـذّب
فلا بَرحت للفضل بـالفضل زينب *** تقـول مـقال الفـاضلين وتكتب
وقرّظه عبدالله فريج بأبيات مطلعها :
الشرق لا تعجبوا إن عمّر النور *** الشرق بالنور منذ الدهر مشهور
وجاء في آخرها تأريخ الكتاب الهجري والميلادي :
أبهى كتاب سما جاهاً لفاضلة *** بـالسعد فيه بهي الدر منثور
[6]مدارج الكمال في تراجم الرجال .
[7]ديوان شعر ، ذكره الشيخ أقا بزرك الطهراني في الذريعة بإسم ديوان الفوّاز[1].
[1]ـ الذريعة 9 : 850 رقم 5684 .
كتاب لها جواباً عن كتاب :
في مجلّة العرفان المجلد 16 ص 284 : أرسلت الأمريكية رئيسة قسم النساء في معرض شيكاغو كتاباً إلى زينب فواز تسألها فيه بعض الأسئلة ، فذكرت في جوابها أوّلاً ما هو المتعارف من المجاملة ، ثم قالت :
سؤالك لي عن السبب الذي يمنعني عن الحضور إلى المعرض في ديانتنا الإسلامية التي نشأنا عليها ، ونحن نجدها من الفروض الواجبة ونتوارثها فنتلقاها بغاية الإنشراح ، حتى أنّ المرأة منّا لو اُجبرت على كشف وجهها الممنوع عندنا لوجدته من أصعب الاُمور ، مع أنّ كشف الوجه واليدين ليس محرّماً في قول فريق عظيم من العلماء ، ولكن منعته العادة قطعياً وهي التي توارثناها ، إذ أنّ البنت منّا لا تتجاوز الثانية عشرة من عمرها إلاّ وهي داخل الحجاب ، وأنّ من عادتنا المحترمة عندنا عدم حضور المرأة في المجتمعات العامة التي يجتمع إليها الرجال ، ولكن للنساء محافل خصوصية تختصّ بهنّ ليس للرجال فيها محل ، حتى أنّ الرجل لا يجوز له أن يدخل دائرة إلاّ باذن عند الحاجة .
والحجاب عندنا مأمور به في الدين بنصوص الكتاب الكريم ، كقوله تعالى :﴿وليضربن بخمورهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلاّ لبعولتهن . . . .﴾[1].
وأمّا عدم إباحة السفر لنا ، فعلى ما يُفهم من أقوال بعض العلماء الأعلام؛ لأنّ عندنا في شريعتنا الغرّاء لا يباح مسّ جسم المرأة لرجل أجنبي عنها ولو حلّ النظر فيها في مثل الوجه مثلاً على رأي من قال بأنه ليس بعورة فإنّه يحل النظر إليه دون الشعر ، ولكن لا يحلّ مسه إلاّ لذي محرم ، ولا يحلّ لها السفر إلاّ بصحبة أحد ذوي قرابتها إن لم يكن الزوج ، وأعني بذي قراباتها : محارمها الذي لا يجوز لها التزوّج بهم ، المذكورين في قوله تعالى : ( حرّمت عليكم اُم هاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وأخواتكم من الرضاعة و اُمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في
[1]ـ النور : 31 .
حجوركم . . . . )[1].
فإذا سافرت المرأة مسافة ثلاثة أميال فأكثر يلزم أن يكون معها أحد المذكورين في الآية الشريفة كالأب والابن والأخ والعمّ والخال أو الزوج؛ لأنّه إذا مسّ جسمها في وقت الركوب والنزول لا يكون محرّماً ، بخلاف غيرهم من ذوي القربى ، الذين لا يحرم الزواج بينها وبيهم كابن العم وابن الخال وابن العمّة وابن الخالة ، فإنّها تحتجب عنهم ، فلذلك لا تسافر مع أحدهم من حيث إنّ المسألة مبنيّة على المسّ ، فمتى جاز المسّ جاز السفر ، فهذا الذي يمنعني من الحضور إلى المعرض من وجه ، والوجه الآخر ما تقدّم من عدم تعوّدنا على الخروج إلى المجتمعات العامّة ، إذ أنّ المرأة منّا لا يجوز لها الخروج إلى خارج المنزل إلاّ مؤتزرة بإزار يسترها من الفرق إلى القدم وبرقع يستر وجهها .
شعرها :
قد عرفت أنّ لها ديوان شعر مطبوع ، وذكر صاحب مجلة العرفان في مجلّته ج 2 ص 289 أبي اتاً تخاطب بها قلعة تبنين أرسلتها إليها من مصر فقالت : ذكّرتني يا صاحب العرفان ما لا أنساه من معالم أوطاني ، فنطق لساني مخاطباً لقلعة تبنين التي أفنت الأجيال لم يؤثر على أسوارها الدهر ، فقلت :
يـا أيّهـا الصرح إنّ الـدمعَ منهمكُ *** فهـل تُعيد لنا يـا دهـر مَن رحلوا
وهل بقي فيك مَن ينعى معـي فئـة *** هـم المقاديم فـي يوم الوغى الاُول
قَـد كنتَ للدهـر نـوراً يستضاء به *** أخنـى عـليك البلـى يـا أيّها الطَلل
كـم زيّنتـتك قـدود الغيـد رافلـة *** بـالعزّ تـسمو ووجه الـدهر مُقتبل
أبكيكَ يـا صـرح كـالورقاء نـادبة *** شـوقاً إليهم إلـى أن ينتهـي الأجل
قَد كنتَ مسقط رأسي في ربى وطني *** إنّ الدمـوعَ على الأوطـسان تنهمل
[1]ـ النساء : 23 .
تبنين إن كنتِ في بعدي على حزن *** فعند قربـي الحشى بالوجد يشتعل
وقفتُ وقفـة مشتـاق بـها شغف *** عـليّ أرى أثـراً يحيـا به الأمل
إذ الأحبّـة قـد سـارت رحـالهم *** فـزاد شوقي كمـا قلّت بيّ الحِيل
فـالنفس شـاكيـة والعين بـاكية *** والكبـد داميـة والقـلب مُشتعل
أعلى ( هيوسنت ) أبراجاً لها عجباً *** تقـارع الـدهر لا ضعف ولا ملل
( هيوسنت ) صاحب طبرية ، هو باني قلعة تبنين سنة 1107م . وجعلها معقلاً لغزو صور وما يليها .
ولها قصيدة مذكورة في مجلّة العرفان ج 1 ص 281 انتخبنا منها هذه الأبيات :
لـولا احتمـال عنـاء وبذل دمـاء *** لـم يـرق شخـص ذروة العليـاء
( لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ) *** إلاّ بـسفك دم علــى الأرجــاء
هذا مـقال الأقـدمـين ولـم تجـد *** بـدّاً لنـا مـن شـرعـة القـدماء
إن لـم نُشيّـد مـا أقـامـوا اُسّـه *** فـــلنجتنب قَـصداً لهـدم بنـاء
يـا حسـرة الآبـاء فـي أجداثهـم *** إن أخجلتهـم خَيبـة الأبــناء
يا حسرة الأمـوات لـو نُشروا فلم *** يجـدوا الـذي ظنّوه فـي الأحيـاء
يـا خجلة الأحباب لـو فخروا بنـا *** إذ ينظــرون شمـاتـة الأعــداء
ويهاً رجال الشـرق صرنـا عبـرة *** بـين الـورى مـن سـامع أو رائي
وهنـاك فـي الأصلاب قـوم بعدنا *** يـحصون مـا يمضـي مـن الأبناء
لم ينزل الرحمن داء فـي الـورى *** إلاّ وجــاد لــه بــخير دواءِ
ولئن نبا السيف الصقيل ففي النهى *** والعلـم سيفــاً حكمـة ودهــاء
ولئن كبا الطَـرفِ الجـواد فلم يزل *** للعقـل ميـدان لنيــــل عـلاء
ولئن أبى ذو الحقد نـيل رجائنـا *** فالرأي يــضمن نـيل كـلّ رجـاء
هيهـات مـا العميـان كالبصـراء *** كـلا ولا الــجهلاء كــالعلمـاء
نروي عـن الماضين ما فعلوا فما *** يـروي بـنو الآتـي عـن الآبـاء
وفي العرفان المجلد 37 ص 245 : جرت مناظرة حادّة بينها وبين كاتب مصري يدعى أبا المحاسن ، فكتبت إليه تهزأ به :
أولــستَ أرسطالـيس إن *** ذكـر الفـلاسفـة الأكابـر
وأبـو حـنيفـة سـاقـط *** في الرأي حين تكون حاضر
وكـذاك إن ذُكـر الخـليـ *** ـل فـأنت نـحوي وشاعر
مَـن هـرمس مَن سيبويـ *** ـه مَن ابن فورك إن تناظر
ولها مشطرة هذين البيتين :
( ما مـن كاتب إلاّ سيبلـى ) *** ويبلغ بـدء غـايتـه انتهـاء
وتمحوه الليالـي في سراهـا *** ( ويبقى الدهر مـا كتبت يداه )
( فلا تكتب يمينك غير شيء ) *** بـه يـرضى لك الـزلفى الإله
ولا تعمل سـوى عمـل مفيد *** ( يسرّك فـي القيامة أن تراه )
وقرّظ كتابها ( حسن العواقب ) محمّد بك غالب ، وهو في الرابع عشرة من سنيه ، فقالت تمدحه من جملة أبيات :
يـا واحداً فـي علاه *** لـكَ الثنـاء المـؤيّد
وخـاطبتكَ المعالـي *** أهنـأ وسـد يا محمّد
لا زلـتَ تعلو وترقى *** لـكلّ مجـد وسؤدد
وقالت في تأريخ ولادة مَن اسمها فاطمة :
زها اُفقُ العليـا بـشمس منيرة *** لهـا منبت تـروي الليالي مكارمه
وجـاء بـاقبال فقـلتُ مؤرّخـاً *** ( ألا وافت البشرى بميلاد فاطمة )
وقال صاحب مجلّة المنار في مجلته : لنادرة العصر ، وأميرة النظم والنثر ، السيّدة زينب فوّاز حفظها الله تشطير هذين البيتين :
ومصباح كـأنّ النـور منه *** محيّا مــن أحـبّ إذا تجلّى
أغار على الدجى بلسان أفعى *** فـشمّر ذيلـه فـرقا وولّـى
قال : ولها أمد الله في حياتها تشطير هذين البيتين :
( آمـنتُ إلـى ذا وذاك فــلم أجــد ) *** مِـن النـاس مَن أرجوه في اليسر والبؤس
ومـا رمـتُ مـن أبنـاء دهـر معانـد *** ( أخـا ثقـة إلاّ استحـال إلـى الـعكس )
( فأصبحتُ مرتابـاً بمـن شـطّ أودنـا ) *** وألفيـتُ أهـل اليـوم مثـل بنـي أمـس
وأيـقنتُ أن لا خـلّ فـي الكون يُرتجـى *** ( من الناس حتى كدتُ أرتاب من نفسي)[1]
260 زينب الأسعد
زينب بنت علي بك الأسعد ، من بيت آل علي الصغير الشهيرين ، الذين كانت لهم إمارة القسم الأكبر من جبل عامل .
كانت معروفة بجودة الرأي ورجاحة العقل ، تُجيد نظم الشعر مع عدم معرفتها بالنحو ، لكنها مقلّة منه ، تنظم البيتين والثلاثة فما فوقها .
ذكرها ، السيّد محسن الأمين نقلاً عن صاحب مجلّة العرفان في مجلّته في المجلد 6 ص 272 ، وأورد من شعرها ما يأتي :
قال : أراد كامل بك الأسعد إرسال تهنئة في العيد إلى بكوات النباطيّة ، فكلّفها نظم بيتين من الشعر ، واشترط أن تجمع فيهما اسماءهم ، فقالت :
عيدي و( محمود ) أوقاتي و( بهجتها ) *** وجـودكـم يـا أخـلاّئـي مـدى الزمن
[1]ـ أعيان الشيعة 7 : 134 ، رياحين الشريعة 4 : 304 .
إن جاد ما جاد دهري لا اُريد سوى ( فضل ) *** و( كـامل ) ( فـوز ) فـي بـني ( حسن )
ورغّب إليها خليل بك الأسعد في نظم بيتين ليكتبا على رسم له ، أراد اهدائه إلى سليم بك ثابت ، فقالت :
إنّ هذا الرسم يهـدي *** صـورة القلب السليـم
من ( خليل ) ( لسليم ) *** ( ثابت ) العهـد القديم
وذكرها في المجلّد 8 ص 362 عن مراسل له لم يسمّه فقال : كانت كثيراً ما تُراسل ولدها محمّد بك السهيل ، وهو في المكتب السلطاني في بيروت ، وتصدّر رسائلها إليه ببعض أبيات من الشعر ، منها :
بُني رعـاكَ الله قلبي فـي لظـى *** غلـتْ لم تسكنْ حرّها أدمع سجمُ
وأصبُو لريحٍ هبَ من نَحوِ أرضكمْ *** وأرصدُ نجماً فوقَ مصركم يسمو
ومنها :
شوقي لقبلةِ عـارضيكَ شديـدُ *** والـعيشُ لا يَحْلـو وأنتَ بعيدُ
يـا مَنْ رمى قلبي بأسهم بُعدهِ *** رُحمـاك شقّ بـأدمعي أخدودُ
إنْ كنتَ تنكرُ ما بقلبي مِن أسى *** فنحولُ جسمي والدموعُ شهودُ
ومنها :
يـا راحلينَ وشخصكم *** نصبُ العيون بلا رفيق
قولـوا لـوجدٍ حلّ بي *** كـنْ لي بوالدتي رفيق
فـالـقلبُ لازمُ ركـبكمْ *** كـي تقبلوه لكم رفيق
قلبٌ بـه شبـهُ الحديـ *** ـدِ لغيركم ولكم رقيق
ومنها ما كتبت به إليه حين توجّهه لمدرسة حمص :
لأنتَ من نفسي من الناسِ كلّهـا *** وقرةَ عيني بلْ ضياها ونـورها
فيا غائباً عنّي وفي القلب شخصُه *** تـرفّق بـأحشاءِ نواك يضيرها
أتَتْ منكَ يـا مـن جاورَ القلبَ شقة *** اُزيلت بتسكـابِ الدمـوع سطورها
ولـي مهجة لا تحمل البُعد والنوى *** لـكَ الله هـل مِـن مهجة استعيرها
بُني ألا ليتَ جسماً اُذيب بـجـذوة *** مِـن النـارِ لا يُطفى بدمعي سعيرها
هجـرتَ بيـروت العليّـة معهـداً *** بـه رحـبت سـاحاتهـا وقصورها
ذهبتَ إلـى حمص وخلّفت مهجتي *** تُنـازعهـا أيـدي النـوى وزفيرها
وأيقظتَ عيني والعيـونُ هواجـع *** وكم رحتُ ارعى البدرَ وهو سميرها
وأصبح كالنشوان إن عنّ ذكركـم *** بـفكـري ولا خمـر ولا مَن يديرها
لكَ الله انّـي كنتُ كاف وكـافـل *** يقيك العـدى مهمـا اُثيرت شرورها
ولها في الحكم من موجز الكلم بحسب نقل مراسل العرفان :
[1]الحياة السعيدة لا تكون إلاّ بالأخلاق الحميدة .
[2]إنّك وإن عظم محتدك وكثر سؤددك لا تعيش سعيداً إلاّ بحسن خلقك .
[3]لا خوف إلاّ ممّن لا يخاف ربّه .
[4]المعروف يستعبد الأحرار .
[5]العفاف شمائل الأشراف .
[6]إن حاربت نوائب الدهر فبسلاح الصبر .
وتوفّيت رحمة الله عليها سنة 1331هـ[1].
261 زينة القزوينيّة
زينة بنت الشيخ محمّد ابن الشيخ محمّد تقي الشهيد الثالث البرغاني القزويني ، المستهشد عام 1263هـ .
ولدت في مدينة النجف الأشرف حدود سنة 1253هـ ، وتوفّيت بقزوين سنة 1333هـ .
[1]ـ أعيان الشيعة 7 : 134 .