وفي السيرة الحلبية في رواية أنّها قالت : يا محمّد إنْ رأيتَ أن تخلّي عنّا ولا تشمت بنا أحياء العرب ، فإنّي ابنة سيّد قومي ، وإن أبي كان يحمي الذمار ، ويفكّ العاني ، ويشبع الجائع ، ويكسو العاري ، ويقري الضيف ، ويطعم الطعام ، ويفشي السّلام ، ولم يرد طالب حاجة قطّ ، أنا ابنة حاتم طي .
فقال لها : « يا جارية هذه صفة المؤمن حقّاً ، لو كان أبوك مُسلماً لترحمنا عليه ، خلّوا عنها ، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق » .
وفي رواية قالت له : يا محمّد إن رأيتَ أن تمنّ عليّ ولا تفضحني في قومي ، فإنّي بنت سيّدهم ، إنّ أبي كان يطعم الطعام ، ويحفظ الجوار ، ويرعى الذمار ، ويفك العاني ، ويشبع الجائع ، ويكسو العريان ، ولم يرد طالب حاجة قطّ ، أنا بنت حاتم الطائي .
فقال لها : « هذه مكارم الأخلاق حقّاً ، لو كان أبوك مسلماً لترحمتُ عليه ، خلّوا عنها فإنّ أباها كان يحب مكارم الأخلاق ، وإنّ الله يحب مكارم الأخلاق » .
ويمكن أن تكون قالت ذلك كلّه ، كلّ قول في مرّة من المرات الثلاث .
وفي شرح رسالة ابن زيدون وغيرها : حكي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال يوماً « سبحان الله ما أزهد كثيراً من الناس في خير ، عجباً لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلاً ، فلو كان لا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً لكان ينبغي له أن يسارع إلى مكارم الأخلاق ، فإنّها تدلّ على سبيل النجاح » .
فقام إليه رجل وقال : يا أمير المؤمنين أسَمِعْتَهُ من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قال : « نعم ، لما اُتي بسبايا طي وقفت جارية عيطاء[1]لعساء[2]، فلما رأيتها اُعجبتُ بها ، وقلت : لأطلبنّها من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فلمّا تكلمتْ أنسيت جمالها بفصاحتها » .
قالت : يا محمّد إن رأيتَ أن تخلّي عنّي ولا تُشمت بي أحياء العرب ، فإنّي ابنة سيّد قومي ، وإنّ أبي كان يفك العاني ، ويشبع الجائع ، ويكسو العاري ، ويحفظ الجار ، ويحمي الذمار ،
[1]ـ العيطاء : طويلة العنق . الصحاح 3 : 1145 « عيط » .
[2]ـ اللعس : لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلاً ، وذلك يستملح « الصحاح 3 : 975 « لعس » .
ويفرج عن المركوب ، ويطعم الطعام ، ويفشي السلام ، ويعين على نوائب الدهر ، ولم يرد طالب حاجة قطّ ، أنا ابنة حاتم الطائي .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « يا جارية هذه صفة المؤمن حقّاً ، ولو كان أبوك مسلماً لترحّمنا عليه ، خلّوا عنها ، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق » .
وقال فيها : « ارحموا عزيزاً ذلّ ، وغنياً افتقر ، وعالماً ضاع بين جهال » ، فأطلقها ومَنَّ عليها بقومها ، فاستأذنته في الدعاء له فأذن لها وقال لأصحابه : « اسمعوا وعوا » ، وذكر الدعاء .
وذكره دحلان في سيرته بأطول من ذلك ، ونحن ننقله منها قالت : شكرتكَ يدٌ افتقرت بعد غنى ، ولا ملكتكَ يد استغنت بعد فقر ، وأصابَ الله بمعروفكَ مواضعه ، ولا جعلَ لكَ إلى لئيمٍ حاجة ، ولا سلبَ نعمةً من كريم إلاّ وجعلكَ سبباً لردّها .
وبعض ما ذكره شارح رسالة ابن زيدون قد انفرد به مثل قوله عليه السلام : « لما اُتي بسبايا طي وقفت جارية » إلى قوله : « بفصاحتها » وللتأمل في صحته مجال :
أولاً : إنّه عليه السلام هو الذي جاء بسبايا طي ومعهنّ سَفّانة ، فلابدّ أن يكون رآها مراراً ، فكيف يقول : « فلمّا رأيتها اُعجبت بها » . ولا يصح أن يريد لمّا رأيتها عند سبيها ؛ لأنّ ظاهر السياق أنّ ذلك كان لمّا وقفت أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكلّمته .
ثانياً : إنّ مقام علي عليه السلام أرفع من أن يتطلّع إلى جارية مسبيّة فيعجب بجمالها ، ثم يقول : « فلما تكلمت أنسيت جمالها بفصاحتها » .
ثالثاً : إنّ طلبها من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنّما هو للتسرّي بها ، لما رأى من جمالها ، ولم يكن ليتسرّى في حياة الزهراء عليها السلام ، ولا ينافيه اصطفاؤه جارية في خبر سريته لليمن ، فلعلّ ذلك كان للخدمة .
رابعاً : إنّ هذا الذي نقله شارح الرسالة لم يذكره ابن سعد في طبقاته ، ولا ابن هشام في سيرته ، ولا صاحب السيرة الحلبيّة ، ولا دحلان في سيرته ، ولا غيرهم ممّن رأينا كلامه ، وذلك يوجب الريب في صحته .
وأسلمت سَفّانة وحسن اسلامها ، وقدمت على أخيها عدي بدومة الجندل .
قال عدي بن حاتم : فأقامت عندي ، فقلت لها ـ وكانت امرأة حازمة ـ : ماذا ترين في أمر هذا الرجل ؟
قالت : أرى والله أن تلحق به سريعاً ، فإن يكن الرجل نبيّاً فللسابق إليه فضله ، وإن يكن ملكاً فلن تذلّ في عزّ اليمن وأنت أنت .
فقلتُ : والله إن هذا لهو الرأي ، فقدم عدي على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ، وأسلم وحسن اسلامه ، وكان من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وشهد معه مشاهده كلها[1].
277 سكونة الأكرع
سكونة بنت فلح ، من عشيرة آل شبانة ، من الأكرع .
مجاهدة ، شاعرة باللهجة العاميّة العراقيّة ، حضرت بعض وقائع ثورة العشرين ، ووقفت على ( محمد ) ابن عمّ شعلان العطيّة ، وقد جرح في معركة صدر نهر الدغارة المسمّاة بـ « الشريفيّة » ، فخاطبته بقولها :
مـن هلهلن حلـوات الأركـاب *** اهـن هلهلـن ومحمّد انـصاب
اشترف حزمته من احتزم بالباب *** لگـف تفگتـه يا صفر الأخشاب
نزل واتصرفن اوشچل للثيـاب *** مـا هـاب دان الثـار وطـواب
خزّ الميـاجـر خـزّ الأذيـاب *** اورصـاص التفـگ مثل السحاب
طره اوتعدّه او أبد مـا هـاب *** او سلب لـويس الماله احساب[2]
[1]ـ انظر : أعيان الشيعة 1 : 287 و 414 ، إعلام الورى : 134 ، رياحين الشريعة 4 : 330 ، السيرة النبويّة لابن كثير 4 : 124 ، السيرة النبويّة لابن هشام 1 : 225 .
[2]ـ معلومات ومشاهدات في الثورة العراقيّة الكبرى ( شاعرات في ثورة العشرين ) : 368 .
278 السيّدة سكينة[1]بنت أبي عبدالله الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب سلام الله عليهما .
اُمّها الرباب بنت امرىء القيس بن عدي القضاعي[2].
وهي الشريفة الطاهرة المطهّرة ، والزهرة الباسمة الناظرة . كانت سيّدة نساء عصرها ، وأحسنهنّ أخلاقاً ، ذات بيان وفصاحة ، ولها السيرة الجميلة ، والكرم الوافر ، والعقل التام . تتّصف بنبل الفعال ، وجميل الخصال ، وطيب الشمائل . وذات عبادة وزهد .
يقول عنها الإمام الحسين عليه السلام : « وأما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله ، فلا تصلح لرجل »[3].
[1]ـ انظر ترجمتها في : إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام : 36 ، اُسد الغابة 5 : 521 ، الأعلام للزركلي 3 : 106 نقلاً عن : (المحبر : 438 ونسب قريش : 59 ومصارع العشاق : 272 وخطط مبارك 2 : 60 وفهرس دار الكتب 8 : 252) ، أعلام النساء 2 : 202 ، أعيان الشيعة 7 : 254 ، الأغاني 16 : 165 ، أمالي الزجّاج : 169 ، بحار الأنوار 10 : 223 ، البداية والنهاية 8 : 210 ، تأريخ الخميس 1 : 300 ، تأريخ الإسلام السياسي 1 : 547 ، تذكرة الخواص : 275 ، تكملة الرجال 2 : 711 ، تظلّم الزهراء : 224 ، تنقيح المقال 3 : 80 ، جنة المأوى : 232 ، ديوان عمر بن أبي ربيعة شرح محمد العناني : 28 ، الدر المنثور : 224 ، رياحين الشريعة 3 : 256 ، رياض العلماء 5 : 410 ، سكينة بنت الحسين عليه السلام لعلي دخيل ، سكينة بنت الحسين عليه السلام ضمن موسوعة آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للدكتورة بنت الشاطىء ، سكينة بنت الحسين عليه السلام لتوفيق الفكيكي ، سكينة بنت الحسين عليه السلام للسيّد أقا مهدي الرجوي آل السيّد دلدار اللكهنوي ، شذرات الذهب 1 : 154 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20 : 153 ، الشعراء والشعر 1 : 413 ، العِبر 1 : 113 ، العقد الفريد 5 : 155 و 159 و 6 : 218 ، كشف الغمة 2 : 38 ، الكنى والألقاب 2 : 424 ، مثير الأحزاب : 104 ، المرأة في ظلّ الإسلام : 315 ، نساء لهن في التأريخ الإسلامي نصيب للدكتور علي ابراهيم حسن : 68 ، نساء شهيرات لمبارك ابراهيم : 5 ، نور الأبصار : 192 ، وفيات الأعيان 2 : 394 .
[2]ـ انظر ترجمتها في : أعلام النساء 1 : 439 ، أعيان الشيعة 6 : 449 ، الأغاني 16 : 139 ، البداية والنهاية 8 : 209 ، تذكرة الخواص : 233 ، تنقيح المقال 3 : 78 ، جمهرة أنساب العرب : 457 ، الطبقات الكبرى لابن سعد (ترجمة الإمام الحسين عليه السلام المطبوعة في نشرة تراثنا 10 : 178) ، الفصول المهمة : 183 ، منتهى الآمال 1 : 335 .
[3]ـ إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار : 21 .
كان الإمام الحسين عليه السلام يحبّها حبّاً شديداً ، ويقول فيها وفي اُمّها الرباب الشعر ، قال :
لعمـركَ أنّنـي لاُحـبّ داراً *** تـحلّ بهـا سكينـة والرباب
أحبّهما وأبـذل جـلّ مـالي *** ولـيس للائمـي فيهـا عتاب
ولست لهم وإن عتبوا مطيعاً *** حيـاتي أو يعلّيني التراب[1]
وفي هذه الأسطر القليلة نلقي الضوء على بعض جوانب حياتها المباركة :
في كربلاء :
لقد حضرت هذه العلوية الشريفة مع والدها أرض كربلاء ، وشاهدت ما جرى على أبيها واخوتها وعمومتها وبقية بني هاشم وأنصارهم ، وشاركت النساء مصائب السبي ، والسير من كربلاء إلى الكوفة ثم الشام فالمدينة .
وعندما ذُبح أخوها عبدالله الرضيع اُذهلت سكينة ، حتى أنّها لم تستطع أن تقوم لتوديع أبيها الحسين عليه السلام ، حيث حفّت به بنات الرسالة وكرائم الوحي ، وقد ظلّت في مكانها باكية ، فلحظ سيّد الشهداء عليه السلام ابنته وهي بهذا الحال ، فوقف عليها يكلّمها مصبّراً لها وهو يقول :
سيطول بعدي يا سكينة فـأعلمي *** مـنك البكاء إذا الحِمـام دهاني
لا تحـرقي قلبـي بدمعكِ حسرةً *** مـا دام منّي الروح في جثماني
فإذا قتلتُ فأنـتِ أولـى بـالذي *** تـأتينه يـا خيـرة النســوان
وبعد مصرع الحسين عليه السلام ومجىء جواده إلى الخيام عارياً وسرجه خالياً ، خرجت سكينة فنادت : واقتيلاه ، واأبتاه ، واحسناه ، واحسيناه ، واغربتاه ، وابعد سفراه ، واكربتاه .
فلمّا سمع باقي الحرم خرجن فنظرن الفرس ، فجعلْن يلطمن الخدود ، ويقلْن : وامحمداه[2].
وعند رحيل العيال بعد مصرع الحسين عليه السلام مرّوا على أرض المعركة ، فشاهدت سكينة جسد أبيها على الصعيد ، فألقت بنفسها عليه تتزوّد من توديعه وتبثه ما اختلج في صدرها
[1]ـ الأغاني 16 : 139 ، البداية والنهاية 8 : 209 ، تذكرة الخواص : 233 ، الفصول المهمة : 183 .
[2]ـ زينب الكبرى عليها السلام للشيخ جعفر النقدي : 109 .
من المصاب ، ولم يستطع أحد أن ينحيها عنه حتى اجتمع عليها عدّة وجرّوها عنه بالقهر[1].
شعرها :
لم نجد من شعرها إلاّ أبيات قليلة قالتها ترثي أباها الحسين عليه السلام ، وهذا يُكذّب ما نُسب للسيّدة سكينة من مجالسة الشعراء والتحكيم بينهم ، فلو كانت بالمستوى الشعري الذي زعموه لملأت الدنيا رثاء لأبيها الحسين عليه السلام ، فقد ذكروا أنّ الخنساء كانت تقول البيت والبيتين وبعد مقتل أخوها بلغت في رثائها الغاية .
ففي أمالي الزجّاج عدّة أبي ات قالتها سكينة ترثي أباها الحسين عليه السلام :
لا تعـذليه فـهمّ قـاطعٌ طُـرقُـه *** فعينــه بـدمــوع ذُرَّفٍ غدقة
إنّ الحسين غـداة الطف يـرشقه *** ريب المنون فما أن يُخطىء الحدقة
بـكفّ شــرّ عبـاد الله كلّهـم *** نـسل البغايا وجيش المرّق الفسقة
يا اُمّة السوء هاتوا ما احتجاجكـم *** غـداً وجلُّكـم بـالسيف قد صفقه
الويـل حلّ بكـم إلاّ بمن لحقـه *** صيّـرتمـوه لأرمـاح العِدا درقـة
يا عين فاحتفلي طول الحياة دمـاً *** لا تبكِ ولـداً ولا أهـلاً ولا رفقـة
لكن على ابن رسول الله فانسكبي *** قيحاً ودمعاً وفي إثرهما العلقة[2]
زواجها :
لم يسلم أهل البيت عليهم السلام من الطعن ، ومحاولة تشويه سمعتهم ، سواء كان الطعن والتشويه بشكل مباشر لأئمة أهل البيت سلام الله عليهم ، أو لِمن يتّصل بهم بنسب أو سبب ، وحتى شيعتهم ومحبيهم لاقوا ما لاقوا من شتى أنواع التهم والإفتراءات ، كلّ ذلك بسبب ولائهم لأهل بيت أذهب الله عنهم الرجل وطهّرهم تطهيراً .
[1]ـ تظلّم الزهراء : 224 .
[2]ـ أمالي الزجّاج : 169 ، أدب الطف 1 : 158 .
فعند مطالعتكَ للتأريخ لا تكاد تجد مَن سلم من هذه الإتهامات ، فعلي يشرب الخمر!!! وأبوه مات كافراً!!! وعبدالله بن جعفر زوج العقيلة زينب سلام الله عليها يسمع الغناء ويطرب!!! .
وأما مسأله تعدد الزوجات والأزواج فكأنّما أصبحت من المتسالم عليها عند المؤرّخين ، فالحسن عليه السلام يتزوّج بأكثر من ثلاثمائة امرأة ، و اُم كلثوم وقصة زواجها من عمر بن الخطاب ومَن بعده ، وفاطمة بنت الحسين عليه السلام وزواجها من حفيد عثمان بن عفان ، ثم تعرّض ابن الضحّاك لها ، وسكينة وتعدد أزواجها .
قالت الدكتورة بنت الشاطىء بعد أن أوردت قوائم الأزواج : وتختلط الاسماء اختلاطاً عجيباً بل شاذاً ، حتى ليشطّر الإسم الواحد شطرين ، يؤتى بكلّ شطر منهما على حدة ، فيكون منهما زوجان للسيّدة سكينة ، فعبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام شطّر شطرين فكان منه زوجان : عبدالله بن عثمان ، وعمرو بن حكيم بن حزام ، أو كما ترجم في دائرة المعارف عمرو بن الحاكم .
ولا سبيل هنا أمام ما نرى من تناقض وشذوذ إلى تتبّع حياتها الزوجيّة تتبّعاً دقيقاً يعتمد على اليقين التأريخي ، هذا اليقين الذي يعزّ علينا في التأريخ النقلي بوجه عام ، وهو هنا في موضع زوجيّة سكينة ، أبعد من أن يُلتمس وأعزّ من أن يُدرك أو ينال .
فنحن لا نكاد نحاول ما نبغي من تتبع حتى يلقانا عنت من اضطراب الروايات ، وتناقض الأخبار ، وتعدّد الأقوال ، واشتباك السبل ، إلى حدّ يتعذّر علينا معه أن نستبين وجه الحقّ في هذا الحشد المختلط المشتبك ، وإذ ذاك لا سبيل إلى أن نطمع في أكثر من الترجيح الذي يعتمد على ما نسميه بالطمأنينة النفسية أكثر ممّا يعتمد على مرجّحات منهجية وقرائن غالبة .
لقد كان أمر هذا التناقض في الروايات والأخبار يهون ويسهل لو أنّه توزّع بين مراجع شتى مختلفة ، ينفرد كلّ منها بإحدى الروايات ، فيكون سبيلنا إلى الترجيح أن نختار أقدمها أو آصلها أو أدعاها إلى الثقة على هدي القواعد المقرّرة للترجيح والوزن والمقابلة والتعديل والترجيح . ولكنّا هنا أمام روايات متناقضة تجتمع في المصدر الواحد دون محاولة
من مؤلّفها للفصل بينها أو حسم الخلاف فيها ، بل دون كلمة تؤذن بأنّه يحسّ ضيقاً بهذا الخلاف .
ففي صفحة واحدة من الأغاني مثلاً تقرأ أربع روايات متناقضة متضاربة سردها أبو الفرج متتابعة ، ثم لا شيء أكثر من هذا السرد .
وإذا بلغ الخلاف في الموضع الواحد أن يكون الأصبغ المرواني أوّل أزواجها في رواية ورابعهم في اُخرى ، ثم لا يشار إلى هذا الخلاف بكلمة واحدة .
وإذا بلغ الشذوذ فيما يروى من حياتها الزوجيّة ، أن تلد لمصعب بنتاً تتزوّج من عمّها أخي مصعب ( كما في دائرة المعارف الإسلامية ) .
وأن يقال : إنّ الرباب بنت امرىء القيس ، التي أهلكها الحزن على زوجها الحسين ، فماتت بعده بعام واحد ، قد بُعثت من قبرها لتشهد مصرع مصعب بعد سنة 70هـ ، وترفض زواج بنتها سكينة من قاتله ( كما في الأغاني ) .
وأن تزوّجها ( دائرة المعارف ) عبدالله بن عثمان ابن أخي مصعب وعمرو بن الحاكم بن حزام ، ولا خبر في نسب قريش وأنساب العرب عن وجود أخ لمصعب اسمه عثمان ، أو حفيد لحزام اسمه عمرو بن الحاكم[1].
وقال أيضاً : ونقل صاحب الأغاني رواية عن سعيد بن صخر عن اُم ه سعيدة بنت عبدالله ابن سالم : أنّ السيّدة سكينة لقيتها بين مكة ومنى ، فاستوقفتها لتريها ابنتها من مصعب ، وإذا هي قد أثقلتها بالحلي واللؤلؤ ، وقالت : ما ألبستها الدر إلا لتفضحه .
ثم أتبعها أبوالفرج برواية اُخرى عن شعيب بن صخر عن اُمّه سعدة بنت عبدالله : أنّ سكينة أرتها بنتها من الحزامي ، وقد أثقلتها بالحلي ، وقالت : والله ما ألبستها إياه إلاّ لتفضحه .
وهكذا بين فقرة واُخرى صار سعيد بن صخر شعيب بن صخر ، وصارت سعيدة بنت عبدالله بن سالم سعدة بنت عبدالله ، كما صارت بنت مصعب بنت الحزامي[2].
[1]ـ سكينة بنت الحسين عليه السلام ضمن موسوعة آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم : 832 .
[2]ـ سكينة بنت الحسين عليه السلام ضمن موسوعة آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم : 885 .