بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 505

بارزات ، فسألنهم أن ينزلن ، فاستحوا أن يجيبوهن من أوّل وهلة ، فقالوا : لا نستطيعَ أو نمضي في حاجة لنا ، فحلّفنهم أن يرجعوا إليهن ، ففعلوا وأتوهن فسألنهم النزول فنزلوا .

ودخلت امرأة من النساء فاستأذنت لهم ، فلم تلبث جاءت المرأة فقالت : ادخلوا ، فدخلنا على أمرأة جميلة برزت على فرش لها ، فرحبّت وحيّت ، وإذا كراسي موضوعة ، فجلسنا جميعاً في صفّ واحدٍ كلّ انسان على كرسي ، فقالت : إن أحببتم أن ندعوا بصبي لنا فنصيحه ونعرك اذنه فعلنا ، وإن شئتم بدأنا بالغذاء ؟

فقلنا : بل تدعين الصبي ولن يفوتنا الغداء ، فأومأت بيدها إلى بعض الخدم فلم يكن إلاّ كلا ولا ، حتى جاءت جارية جميلة قد سترت عليها بمطرف فأمسكوه عليها حتى ذهب بصرها ، ثم كُشف عنها واذا جارية ذات جمال قريبة من جمال مولاتها ، فرحبّت بهم وحيّتهم ، فقالت لها مولاتها خذي ويحك من قول النصيب ، عافى الله أبا محجن :

ألا هل من البين المفرق من بد *** وهل مثل أيـام بـمنقطع السعد

تمنّيت أيامـي اُولئك والمنـى *** على عهد عاد ما تعيد ولا تبدي

فغنته ، فجاءت كأحسن ما سمعته بأحلى لفظ وأشجى صوت .

ثم قالت لها : خذي أيضاً من قول أبي محجن ، عافى الله أبا محجن :

أرق المحب وعاده سهده *** لطـوارق الهـم التي ترده

وذكرت من رقت له كبدي *** وأبـى فليس ترق لي كبده

لا قومه قومي ولا بلـدي *** فنكـون حـيناً جيـرة بلده

ووجدت وجداً لم يكن أحد *** مـن أجلـه بصبابة يجده

إلاّ ابن عجلان الـذي تبلت *** هنـد ففـات بنفسه كمده

قال : فجاءت به أحسن من الأول ، فكدت أطير سروراً .

ثم قالت لها : ويحك خذي من قول أبي محجن ، عافى الله أبا محجن :

فيا لك مـن ليل تـمتعت طولـه *** وهـل طائف مـن نـائم متمتع

نعم إنّ ذا شجو متى يلق شجوه *** ولو نـائماً مستعتب أو مـودع


صفحه 506

له حـاجة قـد طالما قـد أسرهـا *** مـن الناس مـن صدر بها يتصدع

تحملهـا طـول الزمـان لعلّهــا *** يكـون لها يـوماً من الدهر منزع

وقد قرعت في اُم عمرو لي العصا *** قديماً كمـا كانت لـذي الحلم تقرع

قال : فجاءني والله شيء حيّرني وأذهلني طرباً لحسن الغناء وسروراً باختيارها الغناء في شعري ، وما سمعت منه من حسن الصنعة وجودتها وإحكامها .

ثم قالت لها : خذي أيضاً من قول أبي محجن ، عافى الله أبا محجن :

يا أيها الركب إني غـير تابعكم *** حتـى تلمـوا وأنتـم بي ملمونا

فما أرى مثلكـم ركبـاً كشكلكم *** يدعوهم ذو هوى ان لا يعوجونا

أم خبـروني عـن داء بعلمكم *** وأعلـم النـاس بالـداء الأطبونا

قال نصيب : فوالله زهوت بما سمعت زهواً خيّل إليّ أنّي من قريش وأن الخلافة لي .

ثم قالت : حسبكِ يا بنيّة ، هات الطعام يا غلام ، فوثب الأحوص وكثير وقالا : والله لا نطعم لك طعاماً ، ولا نجلس لك في مجلس ، فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا ، وقدّمت شعر هذا على أشعارنا ، وأسمعت الغناء فيه ، وإن في أشعارنا لما يفضل شعره ، وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا .

فقالت : على معرفة كلّ ما كان مني فأي شعركما اُفضل من شعره ، أقولك يا أحوص :

يقر بعيني مـا يقـر بعينهـا *** وأحسن شيء ما به العين قرّت

ثم قولك يا كثير في عزة :

ومـا حسبـت ضمـرية جـدوية *** سوى التيس ذي القرنين إن لها بعلاً

قال : فخرجا مغضبين واحتبستني ، فتغدّيت عندها ، وأمرت لي بثلاثمائة دينار وحلّتين وطيب ، ثم دفعت إليّ مائتي دينار ، قالت : ادفعها إلى صاحبيك فإن قبلاها وإلاّ فهي لك ، فأتيتهما منازلهما فأخبرتهما القصة ، فأمّا الأحوص فقبلها ، وأما كثير فلم يقبلها وقال : لعن الله صاحبتكَ وجائزتها ولعنكَ معها ، فأخذتها وانصرفت . فسألت النصيب ممنّ المرأة ؟ فقال :


صفحه 507

من بني اُميّة ، ولا أذكر اسمها ما حييت لأحد[1].

وشيء آخر يجب أن نتنبّه له هو أثر الصنعة واضح على هذا التلفيق ، وهو تجميع لكلمات عدّة من النقاد والبصراء بالشعر ، وقد مرّ عليك آنفاً نقد المرأة الأموية لبعض الأبيات بالنقد الذي نسبوه للسيّدة سكينة ، كما أنّ بيت نصيب واصلاحه المنسوب إلى السيّدة سكينة رواه ابن قتيبة بلفظ مقارب لعبدالملك بن مروان ، قال : دخل الاقيشر على عبدالملك بن مروان وعنده قوم ، فتذاكروا الشعر وقول نصيب :

اهيم بدعد ما حييت فإن أمت *** فيا ويح دعد من يهيم بها بعدي

فقال الاقيشر : والله لقد أساء قائل هذا البيت .

فقال عبدالملك : فكيف كنت تقول لو كنت قائله ؟

قال : كنت أقول :

تحبّكم نفسي حياتي فإن أمت *** اُوكل بِدَعد من يهيم بها بعـدي

فقال عبدالملك : والله لأنت أسوأ قولاً منه حين توكل بها .

فقال الاقيشر : فكيف كنت تقول يا أمير المؤمنين ؟

قال : كنت أقول :

تحبكم نفسي حياتي فإن أمت *** فلا صلحت هند لـذي خلّة بعدي

فقال القوم جميعاً : أنت والله يا أمير المؤمنين أشعر القوم[2].

الثاني :

حديث الصورين ، قال أبو الفرج الأصفهاني : أخبرني علي بن صالح ، قال : حدّثنا أبو هفان ، عن إسحاق ، عن أبي عبدالله الزبيري ، قال : اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف ، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه ، فتشوّقن إليه وتمنيّنه ،

[1]ـ الأغاني 1 : 360 .

[2]ـ الشعراء والشعر : 413 .


صفحه 508

فقالت سكينة بنت الحسين عليها السلام : أنا لكُنّ به ، فأرسلت إليه رسولاً وواعدته الصورين ، وسمّت له الليلة والوقت ، وواعدت صواحباتها ، فوافاهنّ عمر على راحلته ، فحدّثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن ، فقال لهن : والله إنّي لمحتاج إلى زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والصلاة في مسجده ، ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئاً ، ثم انصرف إلى مكة ، وقال :

قالت سكينة والدمـوع ذوارف *** منهـا علـى الخدين والجلباب

ليت المغيريّ الـذي لـم أجزه *** فيمـا أطـال تـصيّدي وطلابي

كانت ترد لنـا المنـى أيامنـا *** إذ لا نـلام على هوى وتصابي

خبرت ما قـالت فبتّ كـأنّمـا *** تـرمي الحشا بنـوافذ النشاب

أسكين مـا ماء الفرات وطيبه *** منـي علـى ظمأ وفقد شراب

بـألذ منك وإن نـأيت وقلّمـا *** ترعى النساء أمانة الغيّاب[1]

وأجاب الاُستاذ علي دخيّل على هذه الرواية قائلاً : إنّ هذه الأبيات ليست في سكينة بنت الحسين عليه السلام ، وإنّما هي في سعدى بنت عبدالرحمان بن عوف ، وإنّ عداوة الزبيري صيّرتها في سكينة ، ودليلنا :

[1]قال العلاّمة الشنقيطي : أكثر الروايات ( سكينة ) في المتمم ، ( وأسكين ) في المرخم ، والرواية الصحيحة : قالت ( سعيدة ) في المتمم ، و( أسعيد ) في المرخم ، وسعيدة تصغير سعدى وهي بنت عبدالرحمان بن عوف .

وسبب هذا الشعر أنّ سعدى المذكورة كانت جالسة في المسجد الحرام فرأت عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت فأرسلت إليه : إذا فرغت من طوافك فأتنا ، فأتاها ، فقالت : لا أراكَ يا ابن أبي ربيعة سادراً في حرم الله ، أما تخاف الله ويحكَ ، إلى متى هذا السفه ؟ !

فقال : أي هذه دعي عنك هذا من القول أما سمعت ما قلتُ فيكِ ؟

قالت : لا ، فما قلت ؟

[1]ـ الأغاني 1 : 162 .


صفحه 509

فأنشدها الأبيات :

فقالت : أخزاك الله يا فاسق ، علمَ الله إنّي ما قلت ممّا قلت حرفاً ، ولكنّك إنسان بهوت .

هذا هو الصحيح ، وإنّما غيّره المغنّون فجعلوا ( سكينة ) مكان سعيدة ، ( وأسكين ) مكان ( أسعيد )[1].

[2]قال الاُستاذ عبدالسّلام محمد هارون : ويُفهم من كلام أبي الفرج أنّ الرواية الصحيحة في البيت ( قالت سعيدة ) ، وفي البيت الخامس التالي ( أسعيد ) ، وكلاهما تصغير ترخيم لسعدى ، وهي سعدى بنت عبدالرحمان بن عوف . وللشعر على هذه الرواية قصة في الأغاني ، ثم قال أبو الفرج : وإنما غيّره المغنون[2].

[3]ذكرت هذه القصيدة بكاملها في ديوان ابن أبي ربيعة لشارحه الاستاذ محمّد علي العناني المصري ، قال : وكانت سعدى بنت عبدالرحمان بن عوف جالسة في المسجد الحرام فرأت عمر يطوف بالبيت فأرسلت إليه : إذا فرغت من طوافك فأتنا ، فأتاها ، فقالت : مالي أراكَ يابن أبي ربيعة سادراً في حرم الله ، ويحكَ أما تخاف الله ، ويحكَ إلى متى هذا السفه .

فقال : اي هذه دعي عنك هذا من القول ، أما سمعت ما قلت فيك ؟

قالت : لا ، فما قلت ؟ فأنشدها قوله :

ردع الفـؤاد بنكرة الأطـراب *** وصبا إليكِ ولاتَ حينَ تصابي

إن تبذلي لـي نائلاً يشفى به *** سقـم الفؤاد فقد أطلت عذابي

وعصيتُ فيك أقاربـي فتقطّعت *** بينـي وبينهم عرى الأسباب

وتـركتني لا بالـوصال ممتّعاً *** يـوماً ولا أسعفتني بـثواب

فقعدت كالمهريق فضلة مـائه *** من حرّها جرة للسع شـراب

يشفى به منه الصدى فأماتـه *** طلب السراب ولات حين طلاب

قالت سعيدة والـدموع ذوارف *** منهـا على الخدين والجلباب

[1]ـ كتاب الأمالي شرح أحمد بن الأمين الشنقيطي : 106 .

[2]ـ أمالي الزّجّاج : 163 .


صفحه 510

ليت المغيري الذي لـم تجزه *** فيما أطال تصيّدي وطلابـي

كـانت ترد لنـا المنى أيامنا *** إذ لا تلام على هوى وتصابي

خبرت مـا قالت فبتّ كأنّمـا *** تـرمي الحشا بنوافذ النشاب

أسعيد ما ماء الفرات وطيبـه *** مـني على ظمأ وفقد شراب

بألذ مـنك وإن رأيـت وقلّما *** تـرعى النساء أمانـة الغيّاب

فلمّا فرغ من الانشاد قالت له : أخزاكَ الله يا فاسق ، علم الله أنّي ما قلتُ ما قلتَ حرفاً ، ولكنكَ إنسان بهوت[1].

[4]إنّ أبا الفرج نفسه ذكر في موضع آخر من أغانيه هذا الإجتماع عن الرواة أنفسهم ، وذكر سكينة ، ولكن لم ينسبها إلى الحسين ، كما ذكر شعراً غير الشعر الأوّل[2].

ثم قال الاُستاذ علي دخيّل : كيف تعقد سكينة مثل هذا الإجتماع والمدينة بأسرها في مأتم على الحسين عليه السلام ؟ ! فالرباب ـ اُم سكينة ـ يقول عنها ابن كثير : ولما قُتل كانت معه فوجدت عليه وجداً شديداً . . . . . وقد خطبها بعده أشراف قريش ، فقالت : ما كنتُ لأتخذ حمواً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والله لا يؤويني ورجلاً بعد الحسين سقف أبداً ، ولم تزل عليه كمدة حتى ماتت ، ويقال : إنّها عاشت بعده أياماً يسيرة[3].

و اُم البنين فقد كانت تخرج كلّ يوم ترثيه ـ العباس عليه السلام ـ وتحمل ولده عبيدالله ، فيجتمع لسماع رثائها أهل المدينة ـ فيهم مروان بن الحكم ـ فيبكون لشجى الندبة[4].

والرواية عن الإمام الصادق عليه السلام : « ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين صلوات الله عليه »[5].

[1]ـ ديوان عمر بن أبي ربيعة : 28 شرح محمّد العناني .

[2]ـ الأغاني 1 : 105 .

[3]ـ البداية والنهاية 8 : 210 ، تذكرة الخواص : 275 .

[4]ـ إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام : 36 .

[5]ـ تنقيح المقال 3 : 203 .


صفحه 511

وأنت سلّمك الله إذا علمت أن سكينة تقول للصحابي الجليل سهل بن سعد الساعدي في الشام : قُل لصاحب هذا الرأس أن يقدّم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ، ولا ينظروا إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

قال سهل : فدنوتُ من صاحب الرأس فقلت له : هل لكَ أن تقضي حاجتي وتأخذ منّي أربعمائة دينار ؟

قال : وما هي ؟

قلت : تُقدّم الرأس أمام الحرم ، ففعل ذلك ، فدفعتُ إليه ما وعدته[1].

وإذا كان حال هذه السيّدة في الصيانة والحجاب في موضع سلب فيه الإختيار ، فهل يتصوّر مسلم أن تواعد عمر بن أبي ربيعة الصورين ؟ !

ولو قلنا : إنّ اجتماع الصورين تأخّر عن واقعة الطف كثيراً حتى نستها سكينة ، فإن ابن أبي ربيعة تاب عام 62هـ ، فيبطل الاجتماع أيضاً .

ولو صحّ اجتماع الصورين لَذَكَرَهُ كبار مؤرّخي الشيعة ومحدّثيهم ، فقد تميّزوا بالإطلاع والتحقيق ، وعدم المهادنة ، فهذه كتب الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشيخ الطوسي والطبرسي وغيرهم من أعلام الطائفة وهي خالية من الإشارة إلى ذلك ونحوه .

ومَن قرأ مصنّفات هؤلاء الأعلام يجد ما كتبوه عمن شذّ من أولاد الأئمة عليهم السلام ، فهذا جعفر بن الإمام الهادي عليه السلام وقد وصفوه بالكذب وشرب الخمر ومعاونة الظالمين ، كما تناولوا غيره كعلي بن اسماعيل بن الإمام الصادق عليه السلام وغيرهما ، فهم لم يتعصّبوا إلاّ للحقّ ، ولم يكتبوا إلاّ للتأريخ[2].

وقالت الدكتورة بنت الشاطىء : ربما عرض لنا آخر الأمر أن نسأل : متى ظهرت سكينة في المجتمع طليقة متحرّرة ، وشاركت في التأريخ الأدبي بعصرها ؟

الأخبار التي بين أيدينا تشير إلى أنّها ظهرت لأوّل مرّة في موسم الحج سنة 60هـ حين

[1]ـ بحار الأنوار 10 : 223 .

[2]ـ سكينة بنت الحسين عليه السلام : 57 .


صفحه 512

صحبت أباها رضي الله عنه في هجرته من المدينة إلى مكة ، وقد كانت إذا ذاك في ربيعها الثاني عشر أو الثالث عشر ، وغير بعيد أن تكون لفتت إليها الأنظار بنضرة صباها وحيويّة مرحها ، وبهاء طلعتها ، ولكن مهابة أبي ها الإمام الحسين كافية وحدها لأن تلجم ألسنة الشعراء عن التغنّي باسمها في قصائد الغزل ، فهل ترى حلّت عقدة لسانهم بعد عودتها إلى المدينة إثر فاجعة كربلاء ؟ !

المؤرّخون يقرّون أنّ المدينة كانت في مأتم عام لسيّد الشهداء ، وأنّ اُمّها الرباب قد أمضت عاماً بأكمله حادة حزينة حتى لحقت بزوجها الشهيد .

وأنّ اُم البنين بنت حزام بن خالد العامريّة ، زوج الإمام علي بن أبي طالب ، كانت تخرج إلى البقيع كلّ يوم فتبكي أبناءها الأربعة ، أعمام سكينة ، الذين استشهدوا مع أخيهم الحسين في كربلاء : عبدالله ، وجعفر ، وعثمان ، والعباس بني علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فتلبث نهارها هناك تندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها ، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها ، فكان مروان يجىء فيمن يجىء لذلك ، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي .

فهل ترى كان يحدث هذا وسكينة تعقد مجالس الغناء في دارها ، وتواعد عمر الصورين ذات ليلة ، استجابةً لرغبة نسوة شاقهنّ مجلس ابن أبي ربيعة ؟ !

هل كان مروان بن الحكم يسمع اُم البنين تندب أعمام سكينة فيبكي لها ، وسكينة تبكي بدموع ذوارف على الخدين والجلباب لفراق عمر بن أبي ربيعة ، وتصغي إلى شدو المغنين بقولها على لسانه :

ليتَ المغيري الذي لم أجزه *** فيمـا أطال تصيّـدي وطلابـي

كانت تـرد لنا المنى أيامنا *** إذ لا نـلام على هوى وتصابي

فهل عمر قال فيها ما قال بعد عودتها من سفرها إلى مصر مع عمّتها زينب عقيلة بني هاشم ؟

الذين أرّخوا للسيّدة زينب ذكروا وفاتها في شهر رجب سنة 62هـ ، وقد ثوت في مرقدها الأخير هناك ، وآبت سكينة من رحلتها مضاعفة اليتم لتشهد بعد ذلك ثورة أهل المدينة على بني اُميّة وخروجهم على يزيد بن معاوية لقلّة دينه ، وهي الثورة التي انتهت بوقعة الحرّة ،