معجمه[1].
286 سَوْدَة الهمدانيّة
سَودَة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانيّة .
شاعرة من شواعر العرب ، ذات فصاحة وبيان ، وهي من شيعة علي عليه السلام ، جاهدت بلسانها ، وقالت كلمة الحقّ أمام السلطان الجائر معاوية بن أبي سفيان .
قال ابن طيفور في بلاغات النساء : قال أبو موسى بن مهران : حدّثني محمّد بن عبيدالله الخزامي ، يذكره عن الشعبي . ورواه العباس بن بكار ، عن محمّد بن عبيدالله ، قال : استأذنت سَوْدَة بنت عمارة بن الأسك الهمدانيّة على معاوية فأذن لها ، فلمّا دخلتْ عليه قال : هِيه يا بنت الأسك ، ألستِ القائلة يوم صفين :
شَمِّر كَفعْلِ أبي كَ يابنَ عُمـارةٍ *** يـومَ الطعانِ وَمُلتَقـى الأقرانِ
واُنصرْ علياً والحسينَ ورهطَهُ *** وأقصـدْ لهندٍ وابْنهـا بهـوانِ
إنّ الإمـامَ أخـا النَبيّ محمّدٍ *** عـلمُ الهـدى ومنـارةُ الإيمانِ
فَقُدِ الجيوشَ وَسِرْ أمامَ لِوائِه *** قُدمـاً بأبيضِ صـارمٍ وَسِنـان
قالت : إي والله ، ما مثلي من رغبَ عن الحقّ ، أو اعتذر بالكذب .
قال لها : فما حملكِ على ذلك ؟
قالت : حبّ علي عليه السلام ، واتّباع الحقّ .
قال : فوالله لا أرى عليك من أثر علي شيئاً .
قالت : اُنشد الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى ، وتذكار ما قد نسي .
قال : هيهات ، ما مثل مقام أخيك يُنسى ، وما لقِيتُ من أحدٍ ما لقيتُ من قومكِ وأخيكِ .
قالت : صدق قولكَ ، لم يكن أخي ذميم المقام ولا خفي المكان ، كان والله كقول الخنساء :
[1]ـ معجم رجال الحديث 23 : 194 .
وإنّ صَخراً لتأتمُ الهداةُ بهِ *** كأنّهُ علمٌ فـي رأسـهِ نارُ
قال : صدقِت ، لقد كان كذلك .
فقالت : مات الرأس وبتر الذنب ، وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيتُ منه .
قال : قد فعلت ، فما حاجتك ؟
قالت : إنّك أصبحت للناس سيّداً ولأمرهم متقلّداً ، والله سائلكَ من أمرنا وما افترض عليكَ من حقّنا ، ولا تزال تُقدم علينا من ينوء بعزّك ويبطش بسلطانك ، فيحصدنا حصد السنبل ، ويدوسنا دوس البقر ، ويسومنا الخسيسة ، ويسلبنا الجليلة . هذا بُسر بن أرطأة قدم علينا من قبلك ، فقتل رجالي وأخذ مالي ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة ، فإمّا عزلته عنا فشكرناك ، وإمّا لا فعرّفناك .
قال معاوية : أتهدّديني بقومِك ، لقد هممتُ أن أحملك على قتب[1]أشرس ، فأردّكِ إليه ينفذ حكمه فيك .
فأطرقت تبكي ، ثم أنشأت تقول :
صلّى الإلهُ على جسمٍ[2]تَضَمّنهُ *** قبـرٌ فـأصبَحَ فيـهِ العدلُ مَدفونا
قدْ حالفَ الحقَ لا يَبغي بـهِ ثمناً *** فصـارَ بـالحـقِ والإيمانِ مقرونا
قال لها معاوية : ومَن ذلك ؟
قالت : علي بن أبي طالب .
قال : وما صنع بكِ حتى صار عندك كذلك ؟
قالت : قدمتُ عليه في رجل ولاه صدقتنا ، فكان بيني وبينه ما بين الغَث[3]والسمين ، فأتيتُ عليّاً عليه السلام لأشكو إليه ما صنع بنا ، فوجدته قائماً يصلّي ، فلمّا نظر إليّ انفتل في صلاته ، ثم قال لي برأفة وتعطّف : « ألكِ حاجة » ؟
[1]ـ القتب : الرحل الصغير على قدر السّنام . لسان العرب 2 : 661 « قتب » .
[2]ـ في العقد الفريد : روح .
[3]ـ الغث : الرديء من كلّ شيء . لسان العرب 3 : 171 « غثث » .
فأخبرته الخبر ، فبكى ثم قال : « اللهم أنتَ الشاهد عليّ وعليهم إنّي لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك » ، ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب فكتب فيها :
﴿بسم الله الرحمن الرحيم قد جاءتكم بيّنة من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ﴾[1]إذا قرأتَ كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك مَن يقبضه منك والسّلام » .
فأخذته منه ، والله ما ختمه بطين ولا خزمه[2]بخزام ، فقرأته .
فقال لها معاوية : لقد لمّظكم[3]ابن أبي طالب على السلطان فبطيئاً ما تُفطمون ، ثم قال : اُكتبوا لها بردّ مالها والعدل عليها .
قالت : ألي خاصّة ، أم لقومي عامّة ؟
قال : وما أنتِ وقومكِ .
قالت : هي والله إذاً الفحشاء واللؤم إن لم يكن عدلاً شاملاً ، وإلاّ فأنا كسائر قومي .
قال : اكتبوا لها ولقومها[4].
روى ذلك أيضاً ابن عبد ربّه ـ في العقد الفريد ضمن الوافدات على معاوية ـ عن عامر الشعبي ، وفيه : فقال معاوية : اكتبوا لها بالإنصاف لها والعدل عليها .
فقالت : ألي خاصّة أم لقومي عامّة ؟
قال : وما أنتِ وغيركِ .
قالت : هي والله الفحشاء واللؤم ، إن لم يكن عدلاً شاملاً وإلاّ يسعني ما يسع قومي .
قال : هيهات! لمّظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان ، فبطيئاً ما تفطمون ، وغرّكم
[1]ـ هود : 85 .
[2]ـ خزمه : شكّه وثقبه ، أي : أقفله . انظر لسان العرب 12 : 174 « خزم » .
[3]ـ لمّظكم : عوّدكم وعلّمكم . لسان العرب 7 : 462 « لمظ » .
[4]ـ بلاغات النساء : 30 .
قوله :
فَلَو كنتُ بَواباً على بابِ جَنَّةٍ *** لَقُلتُ لِهَمدانَ اُدخلـوا بسلامِ
وقوله :
نـادَيتُ هَمـدانَ والأبواب مُغلقة *** وَمِثل همدانَ سَنَّى[1]فَتحةَ الباب
كالهندواني[2]لمْ تُفلل مَضارِبُـه *** وجهٌ جميلٌ وقلبٌ غير وجَّاب[3]
اكتبوا لها بحاجتها[4].
287 سوسن
زوجة الإمام علي الهادي عليه السلام ، ووالدة الإمام الحسن العسكري عليه السلام .
يقال لها حديثة ، وسليل ، وشكل ، وحربيّة . وقد جرت العادة في ذلك الزمن على تغيير اسم الجواري عند شرائها .
كانت في نهاية العفّة والصلاح ، والورع والتقوى ، ومن العارفات الصالحات ، وأحد الوسائط والأبواب بين الإمام الحجّة القائم عجلّ الله تعالى فرجه الشريف وبين شيعته .
قال المسعودي في إثبات الوصيّة : وروي عن العالم عليه السلام أنّه قال : « لمّا اُدخلت سليل اُم أبي محمّد عليه السلام علي أبي الحسن عليه السلام انّه قال : سليل مسلول من الآفات والعاهات والأرجاس والأنجاس ، ثم قال لها : سيهب الله حجّته على خلقه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً »[5].
وفي إكمال الدين : أنّ الإمام الحسن العسكري عليه السلام كان قد أوصى إليها ، وثبتت وصيته لها عند القاضي ، فقسّم ميراثه بين اُمه وأخيه جعفر[6].
[1]ـ سنّ : سهّل . لسان العرب 14 : 404 « سنا » .
[2]ـ الهندواني : السيف اذا عُمِل ببلاد الهند واُحكم عملُه . لسان العرب 3 : 438 « هند » .
[3]ـ وجَّاب : خائف متهيّب . انظر : القاموس المحيط 1 : 136 ، مجمع البحرين 2 : 179 « وجب » .
[4]ـ العقد الفريد 1 : 344 . وانظر : أعلام النساء 2 : 270 ، رياحين الشريعة 4 : 351 ، أعيان النساء : 245 .
[5]ـ إثبات الوصية : 207 .
[6]ـ إكمال الدين : 43 .
وفيه أيضاً : روى الصدوق بسنده عن أحمد بن ابراهيم ، عن حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام أنّها سُئلت : إن توفّي الإمام الحسن العسكري عليه السلام إلى من تفزع الشيعة ؟
قالت : إلى الجدّة اُم أبي محمّد صلوات الله عليه .
ومن هذا تعرف غاية الجلالة والشرف ، ونهاية الفضل والنبل لهذه المرأة ، حيث إنّها كانت أحد الأبواب ، والواسطة بين الاُمة وإمامهم الغائب .
وفي إثبات الوصية : أنّ الإمام الحسن العسكري عليه السلام قد أخبر والدته بوقت وفاته ، وقد بقيت هذه المرأة حيّة بعد وفاة العسكري عليه السلام ، ثم ماتت ودفنت إلى جنب ولدها الإمام الحسن العسكري عليه السلام[1].
288 الشهيدة سناء محيدلي
مجاهدة لبنانيّة مؤمنة ، قامت بعملية بطوليّة ضد الصهاينة اليهود الّذين اجتاحوا الجنوب اللبناني ، أدّت إلى استشهادها .
وفي الحفل الت أبي ني الذي أقيم لها ، رثاها سماحة حجّة الإسلام والمسملين الدكتور الشيخ أحمد الوائلي بقصيدة رائعة ، هي :
تَطَلّعَ يَسْتَجلي[2]سَنا[3]الأَرْضِ كَوكَبُ *** فَـشُـدَّ بِعَينيـهِ جَبـنٌ مَـعَصَّــبُ
تَعـرّى بـهِ لبنـانُ سَهـلاً وَشـاهِقـاً *** وَشـاطِىءَ بَحْـرٍ بالحَلا[4]يَتَأَشّبُ[5]
[1]ـ انظر : الكافي 1 : 421 ، الإرشاد للشيخ المفيد : 335 ، إعلام الورى : 349 ، أعيان الشيعة 2 : 40 ، رياحين الشريعة 3 : 24 .
[2]ـ يستجلي : يستوضح ويستكشف . الصحاح 6 : 2303 « حلا » .
[3]ـ السَنا : الضوء . الصحاح 6 : 2383 « سنا » .
[4]ـ الحلو : نقيض المرّ ، يقال : حلا الشيء يحلو حلاوة . الصحاح 6 : 2317 « حلا » .
[5]ـ يتأشّب : يختلط . الصحاح 1 : 88 « أشب » .
وَمَرّت بهِ شَمْسُ الجَنـوبِ فَأَنْضَجَـتْ *** بهِ الكَرْمَ فالصَهباءُ[1]فيالصُدْغِ تَلْهَبُ
وَجَسّـدَ أَطْيـافَ الفِـداءِ كَـريمـةً *** إلـى بَـدْرَ واليَـرْموك تُنمى وتُنْسَبُ
هُوَ الَمجْدُ يا دُنْيـا ( سَنـاء ) فَغَردّي *** فَـأَنْتِ أَرِيـجُ[2]الخُلْدِ بَلْ أَنْتِ أَطْيَبُ
دَمٌ . . وَسَرايانا[3]ذَمِيلٌ[4]مَسِيرُهإ *** أمـانِـينـــا رَجــاءٌ مُـــخَيَّبُ
تَأَلّقَ فـانْزاحَتْ عَـن الليـلِ عُتْمـةٌ *** وأَمْطَـرَ فارْتَـدتْ سَحائِـبُ خُلَّبُ[5]
وَما مَسَحَ الإذلالَ عـَن وَجْـهِ اُمّـةٍ *** كَـمِثْلِ وَريـدٍ بـالـدَمِ الحُـرِّ يَشْخَبُ
وَلا اخْتَصَرَ الدَرْبَ الطَـويل كخَطْـوةٍ *** مَشَتْ في طَريقِ الَمجْدِ وَهْيَ تَوَثَّبُ[6]
رَأَتْ غـايَـةً لِلدَرْبِ فـانْـدَفَعَتْ لَها *** وَمـا رَجَعَتْ وَالمِـدفَعُ الوَغْدُ يَصْخَبُ
مَـلاحِمُ آبـائي سَمِعْـتُ هَديـرَهـا *** بِصَوْتِ ( سَنـاء ) وَهْوَ لِلمَجْدِ يَغْضَبُ
[1]ـ الصهباء : الخمر ، سميّت بذلك للونها . الصحاح 1 : 166 « صهب » .
[2]ـ الأريج : توهّج ريح الطيب . الصحاح : 1 : 298 « أرج » .
[3]ـ السريّة : قطعة من الجيش . الصحاح 6 : 2375 « سرا » .
[4]ـ الذميل : ضربٌ من سير الابل . الصحاح 4 : 1702 « ذمل » .
[5]ـ الخُلَّبُ : السحاب الذي لا مطر فيه . الصحاح 1 : 122 « خلب » .
[6]ـ وثب : طَفَرَ . الصحاح 1 : 231 « وثب » .
( سناءُ ) رَأَيْـتُ الشَمْسَ رَغْـمَ سَنائِهـا *** تَـمَجِّـدُ ثَوبْـاً مِنْـكِ بـالـدَمِ يُـخضَبُ
وَيَـخْضِلُكِ التَـأريـخُ سَفْـراً وَصَفْحَـةً *** بِمــا يَنْـزِفُ الجِسْـمُ المُمـزَّقُ تـُكتَبُ
وَأَطْيـافُ إيمـانٍ وَرَمْــزُ صَـلابَــةٍ *** سَقى غَرْسَها فيأَرْضِ ( عامل ) ( جُنْدَبُ )
وَأَتْـتِ عَلـى الجَـوزاءِ كَـأسٌ كَـريمةٌ *** تُهِيبُ بـأَبْـطالِ الخُنُـوعِ[1]ليشربُوا
مُتُـونٌ وإنْ ثِقْـلُ النَيـاشِيـنَ أَدَّهــا *** يُشَرِّفُهـا فـي كَـعْبِ رِجْلَيْكِ شَبْشَبُ[2]
وَعَزْمَةُ صَقْـرٍ فيـكِ تَفْـدي شُمـوخَها *** خَنـافِسُ فـي مُسْتَنْقَـعِ الـوَحْلِ تَرْسُبُ
سَيَبْقـى وإنْ شظّـاه يـا رودُ مِـدْفَـعٍ *** بِثَغْرِكِ صَـدَّاحاً مَـدى الـدَهْرِ يَـخْطِبُ
أَجَلْ وَسِمـاتُ الَمجـدِ صَهْـوةُ سابِـحٍ *** شَمـوسٍ بِغْيـرِ الـدَمِ هَيهـات تُـركَبُ
( سَنـاءُ ) ودَعـوى التَضْحياتِ لسـانُها *** صَـدوقٌ ودَعــوى الادّعـاءِ تُـكَذَّبُ
وَكُـلُّ قِنـاعٍ يُحكِـمُ الـزيـفُ نَسْجَـهُ *** سَـيَحْسِرُ عَـن وَجْـهٍ وَيَبـدو المنقّبُ
[1]ـ الخُنُوعُ : كالخضوع والذلِّ . الصحاح 3 : 1206 « خنع » .
[2]ـ الشبشب : النعل .
وَتَبْقى الشعاراتُ الكَـذوبـةُ سُبَّـةً *** تَنِـمُّ عَـن الجُبـنِ الذَليـلِ وتُعْـرِبُ
تُكَـذّبهـا حُـريّــةٌ مُستبـاحَـةٌ *** وَيَخْجَـلُ مِنهـا بـالهـاتِفات يَعْرُبُ
وَيَلعـنُ دَعــوى الاتّحـادِ تَجَـزُّوٌ *** علـى كُـلِّ شِبْـرٍ مِنْهُ دِينٌ ومَذْهَبُ
وَرأسٌ حَـواليـه رُؤوسٌ تَــعفَّنَتْ *** فَلـو شَمَّها نَتْـنٌ مِـن النَتْنِ يَهربُ
تُسَطّـرُ أَمْجـادَاً كِـذابـاً لِشَيْخِهـا *** وَتَعْـزوُ لَهُ كُـلَّ الشُمـوخِ وتَنْسُبُ
لَـعَنْتُكَ مِـن داءٍ تَـأَصّـلَ جَـذرُهُ *** بِـجِسْمٍ وأَعيـاهُ الطَبيـبُ المُطَبِّبُ
أَلا أيُّهـا الليلُ الطَـويلُ أَمـا لَنـا *** كَمِثْلِ لَيالي النـاسِ صُبْـحٌ فَيُرقَبُ
أَلَسْنا كَمِثْلِ الناسِ صُبحاً وعُتمةً[1]*** وفي اُفقِنـا شَمسٌ تَهُـلُّ وتَغـرُبُ
فَمـا بالُنا لا يَعْـرِفُ الصُبْحُ اُفْقَنـا *** إِذا ما تَولّى غَيْهَبُ جَـدَّ غَيْهَبُ[2]
تَقَضَّــمَ مِنّـا الأجْنَبـيُّ بِنـابِـهِ *** ومِـنْ أَهْلِـنا الحكّـام نابٌ ومِخْلَبُ
[1]ـ العتمة : الثلث الأوّل من الليل بعد غيبوبة الشَفق . الصحاح 5 : 1979 « عتم » .
[2]ـ الغَيهب : الظلمة . الصحاح 1 : 196 « غهب » .