عليها في المجتمع الإنساني آثار عظيمة في أبواب الدفاع والحفظ والأعمال الشاقة وتحمّل الشدائد والمحن والثبات والسكينة في الهزائز والأهوال ، وهذه شؤون ضرورية في الحياة لا يقوم لها قبيل النساء بالطبع .
ولكن النساء أيضاً مجهزات بما يقابلها من الإحساسات اللطيفة والعواطف الرقيقة التي لا غنى للمجتمع عنها في حياته ، ولها آثار هامة في أبواب الاُنس والمحبة والسكن والرحمة والرأفة وتحمل أثقال التناسل والحمل والوضع والحضانة والتربية والتمريض وخدمة البيت ، ولا يصلح شأن الإنسان بالخشونة والغلظة لولا اللينة والرقة ، ولا بالغضب لولا الشهوة ، ولا أمر الدنيا بالدفع لولا الجذب .
وبالجملة ، هذان تجهيزان متعادلان في الرجل والمرأة تتعادل بهما كفتا الحياة في المجتمع المختلط المركب من القبيلين ، وحاشاه سبحانه أن يحيف في كلامه أو يظلم في حكمه﴿أم يخافون أن يحيف الله عليهم﴾[1]،﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾[2]، وهو القائل :﴿بعضكم من بعض﴾[3]وقد أشار إلى هذا الإلتئام والبعضية بقوله في الآية :﴿بما فضّل الله بعضهم على بعض﴾.
وقال أيضاً :
﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مَودّة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾[4]
وانظر إلى عجيب بيان الآيتين حيث وصف الإنسان ـ وهو الرجل بقرينة المقابلة ـ بالإنتشار وهو السعي في طلب المعاش ، وإليه يَعود جمع أعمال إقتناء لوازم الحياة بالتوسل
[1]ـ النور : 50 .
[2]ـ الكهف : 49 .
[3]ـ آل عمران : 195 .
[4]ـ الروم : 20 ـ 21 .
إلى القوة والشدة حتى ما في المغالبات والغزوات والغارات ، ولو كان للإنسان هذا الانتشار فحسب لا نقسم أفراده إلى واحد يكر وآخر يفر .
لكن الله سبحانه خلق النساء وجهزهن بما يوجب أن يسكن إليهن الرجال وجعل بينهم مودّة ورحمة ، فاجتذبن الرجال بالجمال والدلال والمودّة والرحمة ، فالنساء هنّ الركن الأوّل والعامل الجوهري للإجتماع الإنساني .
ومن هنا ما جعل الإسلام الإجتماع المنزلي وهو الإزدواج هو الأصل في هذا الباب ، قال تعالى :
﴿يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر واُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾[1]
فبدأ بأمر ازدواج الذكر والاُنثى وظهور التناسل بذلك ، ثم بنى عليه الإجتماع الكبير المتكوّن من الشعوب والقبائل .
ومن ذيل الآية يظهر أنّ التفضيل المذكور في قوله :﴿الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض﴾، إنما هو تفضيل في التجهيز بما ينتظم به أمر الحياة الدنيوية ، أعني المعاش أحسن تنظيم ، ويصلح به حال المجتمع إصلاحاً جيداً . وليس المراد به الكرامة التي هي الفضيلة الحقيقيّة في الإسلام ، وهي القربى والزُلفى من الله سبحانه ، فإنّ الإسلام لا يعبأ بشيء من الزيادات الجسمانية التي لا يستفاد منها إلاّ للحياة المادية ، وإنّما هي الوسائل يتوسل بها لما عند الله .
وقد تحصّل من جميع ما قدّمناه أنّ الرجال فضّلوا على النساء بروح التعقّل الذي أوجب تفاوتاً في أمر الإرث وما يشبهه ، لكنها فضيلة بمعنى الزيادة ، وأمّا الفضيلة بمعنى الكرامة التي يعتني بشأنها الإسلام فهي التقوى أينما كانت[2].
[1]ـ الحجرات : 13 .
[2]ـ الميزان 4 : 215 .
نزول المرأة إلى ميدان العمل :
اهتمت الشريعة السمحاء بالمرأة أي اهتمام حتى جعلتها في مصاف الرجل ، ولم يبخس الإسلام ذرّة من حقوقها ، كما رأيناه في الاُمم السابقة والحاضرة .
وما نسمعه من هنا وهناك من أنّ الإسلام منع المرأة من العمل فذلك مجرد تخرّصات لا أساس لها ، ومَن يطالع القرآن والسنّة بدقة وفهم لا يجد نصّاً شرعيّاً يحرّم العمل على المرأة ، بل أن الشريعة تجوّز للمرأة العمل وامتلاك ما حصلت عليه ، قال تعالى :
﴿للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب ممّا اكتسبن وسئلوا الله من فضله إنّ الله بكل شيء عليماً﴾[1].
إلاّ أنّ المرأة بطبيعة تكوينها الجسماني وما تمتلكه من أحاسيس وعواطف تؤهلها لأن تقوم بعمل مهم جداً ، وهو تربية الأطفال واعدادهم للمستقبل ، فالاُم هي المدرسة الاُولى والمعلّم الأوّل للطفل ، فإن صلحت صلح المجتمع .
وممّا لاشك فيه أنّ الرجل لا يستطيع أن يقوم بهذا العمل عوضاً عن المرأة ، وَدوُرِ الحضانة لا تعطينا إلاّ أطفالاً يحملون عقداً نفسية جرّاء ابتعادهم عن حنان الاُم وعطفها .
إذاً أليس الأفضل أن تبقى المرأة في البيت تربّي أطفالها بكلّ عطف وحنان ، ويذهب الرجل إلى العمل ، ويكفيها بذلك السعي وراء لقمة العيش وما تعانيه في سبيل ذلك . وهذا لا يعني أنّها تبقى تابعة له ما دامت غير مستقلة مادياً ، فالزوج المؤمن الواعي يقدّر عملها ويعرف مكانتها في الإسلام .
وقد شاهدنا في أيامنا هذه ما تعانيه العائلة المسلمة من نزول المرأة الى ميدان العمل ، وما ترتّب عليه من مشاكل أدى في كثير من الأحيان إلى الطلاق الذي هو أبغض حلال عند الله . فالزوج والزوجة يخرجان إلى العمل صباحاً ، والأطفال إمّا في دوُرِ الحضانة أو عند مربية
[1]ـ النساء : 32 .
جاهلة ، وكلاهما لا هم لهما سوى الحصول على بعض النقود في مقابل عملهم ، فلا يهمهم أتعلّم الطفل العادات الحسنة أم السيئة ، مَرِض أم حافظ على صحته ، وبالتالي يكبر الطفل وينمو ونفسه مملوءة بالعُقد والأمراض التي يصعب معالجتها .
الزواج :
الزواج أصل من الاُصول الإجتماعية ، والبشر منذ أوّل تكوينه وحتى اليوم لم يترك هذا العمل الإجتماعي ، وقد دأبت الاُمم والمجتمعات على وضع قوانين واُسس تنظّم هذا الإقتران . ووضع الإسلام هذا العمل على أساس خلقة الذكر والاُنثى كلّ حسب تكوينه الجسماني وميوله وإحساسه وعواطفه ، لا على أساس تشريك الزوجين مساعيهما في الحياة دون النظر إلى قابلية كلّ واحدٍ منهما .
فالإسلام نظّم هذا الإقتران وفق دستور دقيق ضمنَ خلاله حقوق كلّ من الزوجين ، والتعرّض لهذا الموضوع واستيعابه يحتاج لمزيد من الوقت ، ولا تكفه هذه الوريقات القليلة ، إلاّ أنّ هناك ثمة إشكالات أشكلها البعض على هذا الدستور ، وادّعى فيه ظلم المرأة من خلال : هدف الزواج ، سيطرة الذكور على الإناث ، تعدد الزوجات ، الطلاق . وأجاب العلاّمة الطباطبائي عنها قائلاً :
1 ـ النكاح من مقاصد الطبيعة :
أصل التواصل بين الرجل والمرأة ممّا تبيّنه الطبيعة الإنسانية بل الحيوانية بأبلغ بيانها ، والإسلام دين الفطرة ، فهو مجوّزه لا محالة .
وأمر الإيلاد والإفراخ ـ الذي هو بغية الطبيعة وغرض الخلقة في هذا الإجتماع ـ هو السبب الوحيد والعامل الأصلي في تقليب هذا العمل في قالب الإزدواج ، واخراجه من مطلق الإختلاط للسفاد والمقاربة إلى شكل النكاح والملازمة .
ولهذا ترى أنّ الحيوان الذي يشترك في تربيته الوالدان معاً ـ كالطيور في حضانة بيضها
وتغذية أفراخها وتربيتها ، وكالحيوان الذي يحتاج في الولادة والتربية إلى وكر تحتاج الإناث منه في بنائه وحفظه إلى معاونة الذكور ـ يختار لهذا الشأن الإزدواج ، وهو نوع من الملازمة والإختصاص بين الزوجين الذكور والإناث منه ، فيتواصلان عندئذٍ ، ويتشاركان في حفظ بيض الإناث وتدبيرها وإخراج الأفراخ منها ، وهكذا إلى آخر مدّة تربية الأولاد ، ثم ينفصلان إن انفصلا ، ثم يتجدد الإزدواج ، وهكذا .
فعامل النكاح والإزدواج هو الإيلاد وتربية الأولاد ، وأمّا إطفاء نائرة الشهوة ، أو الإشتراك في الأعمال الحيويّة كالكسب وجمع المال وتدبير الأكل والشرب والأثاث وإدارة البيت ، فاُم ور خارجة عن مستوى غرض الطبيعة والخلقة ، وإنّما هي اُمور مقدّمية أو فوائد مترتبة .
ومن هنا يظهر أنّ الحريّة والإسترسال من الزوجين ، بأن يتواصل كلّ من الزوجين مع غير زوجه أينما أراد ومهما أراد من غير امتناع ـ كالحيوان العجم الذي ينزو الذكور منه على الإناث أينما وجدها ـ على ما يكاد يكون هو السنّة الجارية بين الملل المتمدنّة اليوم ، وكذا الزنا وخاصة زنا المحصنة منه .
وكذا تثبيت الإزدواج الواقع وتحريم الطلاق والإنفصال بين الزوجين ، وترك الزوج وإتخاذ زوج آخر ما دامت الحياة تجمع بينهما .
وكذا إلغاء التوالد وتربية الأولاد وبناء الإزدواج على أساس الإشتراك في الحياة المنزليّة ، على ما هو المتداول اليوم بين الملل الراقية ، ونظيره إرسال المواليد إلى المعاهد العامة المعدّة للرضاع والتربية ، كلّ ذلك على خلاف سنة الطبيعة ، وقد جهّز الإنسان بما ينافي هذه السنن الحديثية على ما مرت الإشارة إليه .
نعم ، الحيوان الذي لا حاجة في ولادته وتربيته إلى أزيد من حمل الاُم إياه وإرضاعها له وتربيته بمصاحبتها ، فلا حاجة طبيعية فيه إلى الإزدواج والمصاحبة والإختصاص ، فهذا النوع من الحيوان له حريّة السفاد بمقدار ما لا يضر بغرض الطبيعة من جهة حفظ النسل .
وإياك أن تتوهم أنّ الخروج عن سنّة الخلقة وما تستدعيه الطبيعة لا بأس به بعد تدارك
النواقص الطارئة بالفكر والرؤية مع ما فيه من لذائذ الحياة والتنعم ، فإنّ ذلك من أعظم الخبط ، فإن هذه البنيات الطبيعية التي منها البنية الإنسانية مركّبات مؤلفة من أجزاء كثيرة ، تستوجب بوقوع كلّ في موقعه الخاص على شرائطه المخصوصة به وضعاً هو الملائم لغرض الطبيعة والخلقة ، وهو المناسب لكمال النوع ، كالمعاجين والمركّبات من الأدوية التي تحتاج إلى أجزاء بأوصاف ومقادير وأوزان وشرائط خاصة ، لو خرج واحد منها عن هيئته الخاصة أدنى خروج وانحراف سقط الأثر .
فالإنسان مثلاً موجود طبيعي تكويني ذو أجزاء مركّبة تركيباً خاصاً ، يستتبع أوصافاً داخلية وخواص روحية تستعقب أفعالاً وأعمالاً ، فإذا حوّل بعض أفعاله وأعماله من مكانته الطبيعية إلى غيرها يستتبع ذلك إنحرافاً وتغيّراً في صفاته وخواصه الروحية ، وانحرف بذلك جميع الخواص والصفات عن مستوى الطبيعة وصراط الخلقة ، وبطل بذلك إرتباطه بكماله الطبيعي والغاية التي يبتغيها بحسب الخلقة .
واذا بحثنا في المصائب العامة التي تستوعب اليوم الإنسانية ، وتحبط أعمال الناس ومساعيهم لنيل الراحة والحياة السعيدة ، وتهدد الإنسانية بالسقوط والإنهدام ، وجدنا أنّ أقوى العوامل فيها بطلان فضيلة التقوى ، وتمكّن الخرق والقسوة والشدة والشره من نفوس الجوامع البشرية ، وأعظم أسبابه وعلله الحرية والإسترسال والإهمال في نواميس الطبيعة في أمر الزوجية وتربية الأولاد ، فإنّ سنة الإجتماع المنزلي وتربية الأولاد اليوم تميت قرائح الرأفة والرحمة والعفة والحياء والتواضع من الإنسان من أول حين يأخذ في التمييز إلى آخر ما يعيش .
وأمّا تدارك هذه النواقص بالفكر والرؤية فهيهات ذلك ، فإنها كسائر لوازم الحياة وسيلة تكوينية اتخذتها الطبيعة وسيلة لردّ ما خرج وانحرف عن صراط الطبيعة والتكوين إليه ، لا لإبطال سعي الطبيعة والخلقة وقتلها بنفس السيف الذي أعطته للإنسان لدفع الشر عنها ، ولو استعمل الفكر الذي ـ هو أحد وسائل الطبيعة ـ في تأييد ما أفسد من شؤون الطبيعة ، عادت هذه الوسيلة أيضاً فاسدة منحرفة كسائر الوسائل ، ولذلك ترى أنّ الإنسان اليوم كلّما أصلح
بقوة فكره واحداً من المفاسد العامة التي تهدد اجتماعه ، أنتج ذلك ما هو أمر وأدهى ، وزاد البلاء والمصيبة شيوعاً وشمولاً .
نعم ، ربما قال القائل من هؤلاء : إنّ الصفات الروحية التي تسمّى فضائل نفسانية هي بقايا من عهد الأساطير والتوحّش ، لا تلائم حياة الإنسان الراقي اليوم ، كالعفة والسخاء والحياء والرأفة والصدق .
فإنّ العفة تقييد لطبيعة النفس فيما تشتهيه من غير وجه .
والسخاء إبطال لسعي الإنسان في جمعه المال وما قاساه من المحن في طريق اكتسابه ، على أنه تعويد للمساكين بالبطالة في الإكتساب وبسط يده لذلّ السؤال .
والحياء لجام يلجم الإنسان عن مطالبة حقوقه وإظهار ما في ضميره .
والرأفة تضعف القلب .
والصدق لا تلائم الحياة اليومية .
وهذا الكلام بعينه من مصاديق الإنحراف الذي ذكرناه .
ولم يدرِ هذا القائل أنّ هذه الفضائل في المجتمع الإنساني من الواجبات الضرويّة ، التي لو ارتفعت من أصلها لم يعش المجتمع بعدها في حال الإجتماع ولا ساعة .
فلو ارتفعت هذه الخصال وتعدّى كلّ فرد إلى ما لكلّ فرد من مختصات الحقوق والأموال والأعراض ، ولم يسخ أحد ببذل ما مسّت إليه حاجة المجتمع ، ولم ينفعل أحد من مخالفة ما يجب عليه رعايته من القوانين ، ولم يرأف أحد بالعَجزة الذين لا ذنب لهم في عجزهم كالأطفال ومن في تلوهم ، وكذب كلّ أحد لكلّ أحد في جميع ما يخبر به ويعدّه ، وهكذا تلاشى المجتمع الإنساني من حينه .
فينبغي لهذا القائل أن يعلم أنّ هذه الخصال لا ترتحل ولن ترتحل عن الدنيا ، وأنّ الطبيعة الإنسانيّة مستمسكة بها حافظة لحياتها ما دامت داعية للإنسان إلى الاجتماع .
وإنّما الشأن كلّ الشأن في تنظيم هذه الصفات وتعديلها بحيث توافق غرض الطبيعة والخلقة في دعوتها الإنسان إلى سعادة الحياة ، ولو كانت الخصال الدائرة في المجتمع
المترقي اليوم فضائل للإنسانية معدلة بما هو الحري من التعديل ، لما أوردت المجتمع مورد الفساد والهلكة ، ولأقر الناس في مستقر أمن وراحة وسعادة .
ولنعد إلى ما كنّا فيه من البحث فنقول : الإسلام وضع أمر الإزدواج ـ فيما ذكرناه ـ موضعه الطبيعي ، فأحلّ النكاح وحرّم الزنا والسفاح ، ووضع علقة الزوجية على أساس جواز المفارقة وهو الطلاق ، ووضع هذه العلقة على أساس الإختصاص في الجملة على ما سنشرحه ، ووضع عقد هذا الإجتماع على أساس التوالد والتربية ، ومن الأحاديث النبوية المشهورة قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « تناكحوا تناسلوا تكثروا » .
2 ـ إستيلاء الذكور على الإناث :
ثم إنّ التأمل في سفاد الحيوانات يعطي أنّ للذكور منها شائبة إستيلاء على الإناث في هذا الباب ، فإنّا نرى أنّ الذكر منها كأنّه يرى نفسه مالكاً للبضع مسلّطاً على الاُنثى ، ولذلك ما ترى أنّ الفحولة منها تتنازع وتتشاجر على الإناث من غير عكس ، فلا تثور الاُنثى على مثلها إذا مال إليها الذكر ، بخلاف العكس ، وكذا ما يجري بينها مجرى الخطبة من الإنسان ، إنما يبدأ من ناحية الذكران دون الإناث ، وليس إلاّ أنّها ترى بالغريزة أنّ الذكور في هذا العمل كالفاعل المستعلي ، والإناث كالقابل الخاضع ، وهذا المعنى غير ما يشاهد من نحو طوع من الذكور للإناث في مراعاة ما تميل إليه نفسها ويستلذه طبعها ، فإنّ ذلك راجع إلى مراعاة جانب العشق والشهوة واستزادة اللذة ، وأمّا نحو الإستيلاء والإستعلاء المذكور ، فإنه عائد إلى قوّة الفحولة وإجراء ما تأمر به الطبيعة .
وهذا المعنى ـ أعني لزوم الشدّة والبأس لقبيل الذكور ، واللين والإنفعال لقبيل الإناث ـ مما يوجد الإعتقاد به قليلاً أو كثيراً عند جميع الاُمم حتى سرى إلى مختلف اللغات ، فسمّي كلّ ما هو شديد صعب الإنقياد بالذكر ، وكل ليّن سهل الإنفعال بالاُنثى ، يقال : حديد ذكر ، وسيف ذكر ، ونبت ذكر ، ومكان ذكر ، وهكذا .
وهذا الأمر جارٍ في نوع الإنسان ، دائر بين المجتمعات المختلفة والاُمم المتنوعة في