بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 575

أربعـةُ مـثل نسـور الرُبـى *** قد واصلوا الموت بقطع الوتين

تُنـازع الخرصـان أشـلاءَ‌هم *** فكلّهـم أمـسى صريعاً طعين

يـا ليت شعـري أكما أخبروا *** بـأن عبّـاساً قطيـع اليميـن

ولم تحضر اُم البنين أرض كربلاء ، إلاّ أنّها واست أهل البيت عليهم السلام وقدّمت أولادها الأربعة ، ولم تزل باكية عليهم نائحة حتى التحقت بالرفيق الأعلى ، وكانت النساء يُقمْن العزاء في بيتها .

وقال المامقاني في تنقيح المقال : ويستفاد قوّة ايمانها وتشيّعها . من أنّ بشراً بعد وروده المدينة نعى إليها أحد أولادها الأربعة ، فقالت ما معناه : أخبرني عن أبي عبدالله الحسين عليه السلام ، فلمّا نعى إليها الأربعة قالت : قطّعت نياط قلبي ، أولادي ومَن تحت الخضراء كلّهم فداء لأبي عبدالله الحسين عليه السلام . فإنّ عُلقتها بالحسين ليس إلاّ لإمامته عليه السلام ، وتهوينها على نفسها موت مثل هؤلاء الأشبال الأربعة إن سَلِمَ الحسين عليه السلام يكشف عن مرتبة في الديانة رفيعة ، وإنّي اُعتبرها لذلك من الحسان إن لم نعتبرها من الثقات .

وانحصر نسل العباس سلام الله عليه في ولده عبيدالله ، وقال الفضل بن محمّد بن فضل بن حسين بن عبيدالله بن العباس يرثي جدّه العباس سلام الله عليه :

إنّـي لأذكـر للعبـاس مـوقفَهُ *** بـكربلاء وهـام القـوم يـختطف

يحمي الحسين ويحميه على ظمأ *** ولا يـولّـي ولا يـثني فـيختلف

ولا أرى مشهداً يوماً كمشهـده *** مـع الحسين عليه الفضل والشرف

أكرم بـه مشهداً بـانت فضيلته *** ومـا أضاع لـه أفعاله خـلف[1]

[1]ـ انظر : شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار عليهم السلام 13 : 25 ، مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي 2 : 29 ، أعلام الورى : 250 ، تنقيح المقال 3 : 70 ، أعيان الشيعة 3 : 475 و 8 : 389 ، رياحين الشريعة ، تأريخ الطبري 5 : 468 ، مقاتل الطالبيين : 85 ، الفصول المهمة : 198 ، أعلام النساء 4 : 40 .


صفحه 576

327 فاطمة بنت الإمام الحسن عليه السلام

إحدى العلويات المخدّرات ، والصدّيقات الطاهرات ، ذات علم وفضل وحياء ، وعفّة وكمال . ويكفيها فخراً أنّها من أغصان الشجرة الطيّبة .

فهي بنت الإمام الحسن عليه السلام ، وعمّها الإمام الحسين عليه السلام ، وجدّها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه السلام ، وزوجها الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام ، وولدها باقر علوم أهل البيت الإمام محمد بن علي عليهما السلام .

لها كرامات كثيرة ، منها ما رواه الكليني في الكافي عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد ، عن عبدالله بن أحمد ، عن صالح بن مزيد ، عن عبدالله بن المغيرة ، عن أبي الصباح ، عن أبي جعفر عليه السلام قال :

« كانت اُمّي قاعدة عند جدار ، فتصدّع الجدار وسمعنا هدّةً شديدة ، فقالت بيدها : لا وحقّ المصطفى ما أذن الله لكَ في السقوط ، فبقي معلّقاً في الجو حتى جازته ، فتصدّق أبي عنها بمائة دينار »[1].

وممّا يدل على مكانتها العالية ومنزلتها السامية قول الإمام الصادق عليه السلام في حقّها ، ففي الكافي أيضاً قال الكليني : قال أبوالصباح : وذكر أبو عبدالله عليه السلام جدّته اُم أبيه يوماً فقال :

« كانت صدّيقةً ، لم تُدرك في آل الحسن امرأة مثلها »[2].

وقد حضرت هذه العلويّة مع زوجها وابنها واقعة الطف في يوم عاشوراء ، وبذلك تكون قد شاهدت ما جرى على آل الرسول عليه السلام في ذلك اليوم من مصائب ومحن ، فقد شاهدت مصرعَ عمّها الحسين عليه السلام ، وقتلَ أخيها القاسم وبقيّة الأبطال من آل البيت والأصحاب الكرام . وشاهدت أيضاً زوجها العليل مكبلاً بالأغلال ، وولدها البالغ من العمر أربع سنوات

[1]ـ الكافي 1 : 390 حديث 1 باب مولد أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام .

[2]ـ المصدر السابق .


صفحه 577

يشكو العطش ، فصبرت واحتسبت ذلك في سبيل الله[1].

328 فاطمة الكبرى[2]

بنت الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليهم .

اُمّها : اُم إسحاق بنت طلحة بن عبيدالله التيمي[3].

وجلالة هذه العلويّة المخدّرة وعظم شأنها ، أوضح من أن يحتاج إلى بيان ، وإقامة دليل وبرهان .

فهي عالمة ، محدّثة ، مجاهدة ، تركت أثراً لا يُمحى في التأريخ الإسلامي ، وإليها وإلى غيرها من بنات أمير المؤمنين عليه السلام يرجع الفضل في نجاح ثورة الحسين عليه السلام ونهضته الدامية .

[1]ـ انظر : أعيان الشيعة 1 : 650 و 8 : 390 ، أعيان النساء : 498 ، رياحين الشريعة 3 : 15 .

[2]ـ انظر ترجمتها في : الاختصاص للمفيد : 233 ، إسعاف الراغبين : 21 ، أسنى المطالب : 45 و95 ، اُصول الكافي 1 : 329 و 2 : 187 ، الأعلام للزِركلي 5 : 130 ، إعلام الورى : 251 ، أعلام النساء 4 : 44 ، أعيان الشيعة 8 : 387 ، الإرشاد : 197 و 253 ، الأغاني 18 : 204 ، الإقبال : 427 ، أمالي الشيخ الطوسي 2 : 189 و197 ، بحار الأنوار 8 : 39 ، بطل فخ : 21 ، تأريخ الإسلام 134 ، تأريخ بغداد 11 : 285 ، تأريخ الخميس 1 : 300 ، تأريخ الطبري 6 : 265 ، تأريخ اليعقوبي 2 : 312 و370 ، تذكرة الخواص : 249 ، تنقيح المقال 3 : 28 ، تهذيب التهذي 12 : 469 رقم 2862 ، الجرح والتعديل 1 : 585 ، الدر المنثور : 361 ، ذخائر العقبى : 121 ، رياحين الشريعة 3 : 281 ، سِير أعلام النبلاء 3 : 204 ، سنن ابن ماجة 1 : 484 ، شذرات الذهب 1 : 139 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 287 و 15 : 267 و 279 ، صحيح البخاري 1 : 230 ، الطبقات الكبرى لابن سعد 8 : 273 ، عمدة الطالب : 84 و 101 ، فاطمة بنت الحسين عليه السلام لعلي دخيّل ، فاطمة بنت الحسين عليه السلام لمحمد هادي الأميني ، الفصول المهمة : 100 و 155 ، الكاشف 3 : 432 ، الكامل في التأريخ 4 : 86 ، كشف الغمة في معرفة الأئمة 1 : 135 و 147 و 552 ، كنز العمال 6 : 220 ، الكنى والألقاب 2 : 241 ، اللهوف : 180 ، مستدرك الصحيحين 3 : 164 ، معاني الأخبار : 354 ، معجم رجال الحديث 23 : 197 ، مثير الأحزان : 99 ، مقاتل الطالبيين : 180 و 202 ، مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي 2 : 62 ، مجمع الزوائد 9 : 272 ، مصباح الأنوار : 61 ، مناقب آل أبي طالب 4 : 172 ، مَن لا يحضره الفقيه 4 : 28 ( المشيخة ) ، نور الأبصار في مناقب آل النبيّ المختار ( ص ) : 204 .

[3]ـ انظر : رياحين الشريعة 3 : 359 ، فاطمة بنت الحسين عليه السلام دخيل : 11 .


صفحه 578

وما عسى الباحث ، أو الكاتب أن يكتب عن حياة هذه العلويّة المخدّرة ، التي قضَت عمرها الشريف المبارك في العلم والجهاد ، ونحن إذ نترجم حياتها إنّما نمرّ على بعض الجوانب التي اطلّعنا عليها ، ونكتب عنها بإيجاز خوفاً من الإطالة :

عبادتها :

لقد عُرف أهل البيت سلام الله عليهم بكثرة العبادة ، وإنّما أخذوا ذلك من جدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث كان يصلّي الليل ويصوم النهار حتى أنزل الله سبحانه وتعالى فيه :﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾[1]، وكذلك كان الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، يصلّون في اليوم ألف ركعة .

وفاطمة الكبرى شأنها شأن آبائها الصالحين كانت عابدة زاهدة ، تصلّي الليل تصوم النهار ، وكانت تسبّح بخيط معقود فيها ، وممّا يدل على ذلك :

[1]قال الإمام الحسين عليه السلام فيها : « أمّا في الدين فتقوم الليل كلّه وتصوم النهار »[2].

[2]وقال الشيخ المفيد في الإرشاد : كانت فاطمة بنت الحسين عليه السلام تقوم الليل وتصوم النهار[3].

[3]وفي بعض المصادر : أنّها كانت تسبّح بخيوط معقود فيها[4].

[4]وقد ضربت على قبر زوجها فسطاطاً ، كانت تصوم النهار وتقوم الليل ، إلى سنة[5].

[1]ـ طه : 2 .

[2]ـ الأغاني 18 : 204 ، مقاتل الطالبيين : 180 ، عمدة الطالب : 84 ، الفصول المهمّة : 154 ، كشف الغمة 1 : 172 ، إسعاف الراغبين : 210 ، الدر المنثور : 361 ، أدب الطف 1 : 164 .

[3]ـ الإرشاد : 197 .

[4]ـ الطبقات الكبرى 8 : 474 ، السمط الثمين : 168 .

[5]ـ نفثة المصدور : 39 .


صفحه 579

استيداعها الوصية :

وممّا يدل على مكانة فاطمة عند الإمام الحسين عليه السلام ، ورجاحة عقلها ، ومعرفتها التّامة بنصوص الإمامة ، هو إيداع الحسين عليه السلام وصيّته عندها يوم عاشوراء .

روى ثقة الإسلام الكليني في الكافي عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين وأحمد ابن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن منصور بن يونس ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : « إن الحسين بن علي عليهما السلام لمّا حضره الذي حضر ، دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين عليه السلام فدفع إليها كتاباً ووصيّة ظاهرة ، وكان علي بن الحسين عليه السلام مبطوناً معهم لا يرون إلاّ أنّه لمّا به ، فدفعت فاطمة الكبرى الكتاب إلى علي بن الحسين عليه السلام ، ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا يا زياد » .

قال : قلتُ : ما في الكتاب جعلني الله فداك ؟

قال : « فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم ، منذ خلقَ الله آدم إلى أن تفنى الدنيا ، والله فيه الحدود ، حتى فيه أرش الخدش »[1].

وروى أيضاً في الكافي عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال :

« لمّا حضر الحسين عليه السلام ما حضره دفع وصيته إلى ابنته فاطمة ظاهرة في كتاب مدرج ، فلمّا أن كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان دفعت ذلك إلى علي ابن الحسين عليه السلام » .

قلت : له : فما فيه يرحمك الله ؟

[1]لكافي 1 : 303 ـ 304 حديث 1 ، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 4 : 172 .


صفحه 580

فقال : « ما يحتاج إليه ولد آدم منذ كانت الدنيا إلى أن تفنى »[1].

مع واقعة الطف :

خرجت فاطمة الكبرى مع أبيها الحسين عليه السلام ، وزوجها الحسن المثنى إلى الكوفة ، بعد أن قدمت رُسل أهلها أن أقدم يابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد أينعت الثمار ووو . . . وشاهدت سلام الله عليها كلّ ما جرى على أهل بيت العصمة عليهم السلام من قتل وسبي ، وكانت ضمن السبايا اللواتي ساقهن ابن سعد إلى الكوفة .

وفي الكوفة عاصمة أهل البيت عليهم السلام ، اُدخلت السبايا ، بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونساء الحسين وجواريه وعيالات الأصحاب ، وإذا بأهل الكوفة يتفرّجون على الحرائر ، على ودائع خير الأنبياء ، وكأن لم يحصل شيء ، لم يقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعندها صاحت اُم كلثوم :

يا أهل الكوفة أما تستحون من الله ورسوله أن تنظروا إلى حرم النبيّ .

وبينما الناس ينظرون إليهم ويسألون عنهم ، أومأت ابنة أمير المؤمنين عليه السلام وبطلة كربلاء زينت العقيلة إلى ذلك الجمع المتراكم ، فهدأوا كأنّ على رؤوسهم الطير ، وخطبت خطبتها المشهورة المعروفة .

ثم كان لفاطمة دورها ، فبعد أن انتهت عمتها زينب عليهما السلام من خطبتها ، وقفت فاطمة بقلب كلّه عزم وإيمان وثبات ويقين ، وضمير صالح صادق ، تخطب بأهل الكوفة ، وتكشف فضائح الأمويين ، وسنذكر خطبتها كاملة قريباً .

وبعد أن مكثت العائلة في الكوفـة عدّة أيام جاء الأمر من يزيد إلى ابن زياد أن يسرّح عائلة الحسين عليه السلام إلى الشام ، وفعلاً فقد دخلت العائلة إلى الشام ، وإذا بأهل الشام يُعيّد بعضهم الآخر بالإنتصار!!! ورأى الإمام زين العابدين عليه السلام أنّ الجو مناسب لأن يتحدّث ،

[1]ـ الكافي 1 : 304 حديث 2 .


صفحه 581

وفعلاً صعد المنبر وألقى خطبته المعروفة التي قاطعها يزيد عدّة مرّات .

ثم تكلّمت العقيلة زينب سلام الله عليها ، ففضحت بني اُميّة وعرّفت الناس حقيقتهم المزيّفة .

وفي هذا المجلس جرت لفاطمة سلام الله عليها قصة يرويها لنا الشيخ المفيد ، قال :

قالت فاطمة بنت الحسين عليه السلام : ولما جلسنا بين يدي يزيد رقّ لنا ، فقام إليه رجل من أهل الشام فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية . وكنتُ جارية وضيئة ، فأرعدتُ وظننتُ أنّ ذلك جائز لهم ، فأخذتُ بثياب عمّتي زينب ، وكانت تعلم أنّ ذلك لا يكون ، فقالت عمتي للشامي : كذبتَ والله ولؤمت ، والله ما ذاك لكَ ولا له .

فغضب يزيد فقال : كذبتِ والله ، إنّ ذلك لي ، ولو شئتُ أن أفعل لفعلت .

قالت زينب : كلا والله ما جعل الله ذلك لكَ ، إلاّ أن تخرج عن ملّتنا وتدين بغيرها .

فاستطار يزيد غضباً وقال : إياي تستقبلين بهذا ، إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك .

قالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنتَ وجدَكَ وأبوكَ إن كنتَ مسلماً .

قال يزيد : كذبتِ يا عدوة الله .

قالت زينب : أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك .

فكأنّه استحى وسكت ، فعاد الشامي فقال : هب لي هذه الجارية ، فقال له يزيد : أعزب وهب الله لك حتفاً قاضياً[1].

وفي رواية اُخرى : أنّ رجلاً من أهل الشام نظر إلى فاطمة بنت الحسين عليه السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية .

فقالت فاطمة لعمّتها : اُوتمتُ واُستخدم ؟

فقالت زينب سلام الله عليها : لا ، ولا كرامة لهذا الفاسق .

فقال الشامي : مَن هذه الجارية ؟

[1]ـ الإرشاد : 246 . وانظر : الكامل في التأريخ 4 : 86 ، تأريخ الطبري 6 : 265 ، سير أعلام النبلاء 3 : 204 ، مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي 2 : 62 .


صفحه 582

فقال يزيد : هذه فاطمة بنت الحسين ، وتلك زينب بنت علي بن أبي طالب .

فقال الشامي : الحسين بن فاطمة ، وعلي بن أبي طالب ؟ !

فقال يزيد : نعم .

فقال الشامي : لعنكَ الله يا يزيد ، أتقتل عترة نبيكَ ، وتسبي ذريته ؟ ! والله ما توهمت إلاّ أنّهم سبي الروم .

فقال يزيد : والله لألحقنّك بهم ، ثمّ أمر به فضرب عنقه[1].

نعم ، هكذا كانت مواقف بنات أمير المؤمنين عليه السلام بعد مقتل الحسين عليه السلام ، يصدعن بالحقّ والعدالة جهاراً في غير جمجمة ولا إدهان ، لا يثنيهنّ عن قول الحقّ رهبة يزيد وأذنابه المارقين ، ولا تصدّهم عن البيان مخافة السيوف والسجون والرماح والنبال ، فقد اندفعوا وراء الحق والقرآن ، يجاهدون دونهما بسماحة نفس وطيب خاطر ، وقد تجلّت شجاعة بنت الحسين عليه السلام في تلك الفترة الحرجة من بعد مقتل والدها ، حيث وقفت ذلك الموقف البطولي دون أن تعبأ بما سيصيبها من شرّ ، ما دامت تعتقد أنّها تدافع الحقّ عن وتذود عنه[2].

خطبتها بالكوفة :

مرّ سابقاً أنّ فاطمة بنت الحسين عليه السلام وقفت في الكوفة في مجلس ابن زياد وألقت خطبتها المشهورة المعروفة ، نعم افتتحت خطبتها بحمد الله ، ثم الإقرار بالشهادتين ، ثم تعرّضت إلى بعض المسائل العرفانية ، ثم تطرّقت إلى استشهاد أبي ها الحسين عليه السلام وأخوتها باُسلوب حكيم وبعبارة رزينة ، صوّرت فيها ألوان القتل المرير ، وترجمت بها أشجان القلوب الكسيرة ، وترفّعت في الوقت نفسه عن ذكر قَتَلَتِهِ عليه السلام ، فلم تذكّرهم ولم تتطرّق إلى أسمائهم؛ لأنّهم ليسوا من الّذين يستحقون الذكر والبيان ، ولم تشتمهم ولم تسبّهم ولم تلعنهم؛ لأنّها علمت أنّ ليست لصاحبة الرسالة أن تشتم ، إنّما وظيفتها وواجبها أن تنبّه الأذهان وتمتلك القلوب ببيانها

[1]ـ اللهوف : 180 .

[2]ـ فاطمة بنت الحسين عليه السلام : 53 .