المترقي اليوم فضائل للإنسانية معدلة بما هو الحري من التعديل ، لما أوردت المجتمع مورد الفساد والهلكة ، ولأقر الناس في مستقر أمن وراحة وسعادة .
ولنعد إلى ما كنّا فيه من البحث فنقول : الإسلام وضع أمر الإزدواج ـ فيما ذكرناه ـ موضعه الطبيعي ، فأحلّ النكاح وحرّم الزنا والسفاح ، ووضع علقة الزوجية على أساس جواز المفارقة وهو الطلاق ، ووضع هذه العلقة على أساس الإختصاص في الجملة على ما سنشرحه ، ووضع عقد هذا الإجتماع على أساس التوالد والتربية ، ومن الأحاديث النبوية المشهورة قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « تناكحوا تناسلوا تكثروا » .
2 ـ إستيلاء الذكور على الإناث :
ثم إنّ التأمل في سفاد الحيوانات يعطي أنّ للذكور منها شائبة إستيلاء على الإناث في هذا الباب ، فإنّا نرى أنّ الذكر منها كأنّه يرى نفسه مالكاً للبضع مسلّطاً على الاُنثى ، ولذلك ما ترى أنّ الفحولة منها تتنازع وتتشاجر على الإناث من غير عكس ، فلا تثور الاُنثى على مثلها إذا مال إليها الذكر ، بخلاف العكس ، وكذا ما يجري بينها مجرى الخطبة من الإنسان ، إنما يبدأ من ناحية الذكران دون الإناث ، وليس إلاّ أنّها ترى بالغريزة أنّ الذكور في هذا العمل كالفاعل المستعلي ، والإناث كالقابل الخاضع ، وهذا المعنى غير ما يشاهد من نحو طوع من الذكور للإناث في مراعاة ما تميل إليه نفسها ويستلذه طبعها ، فإنّ ذلك راجع إلى مراعاة جانب العشق والشهوة واستزادة اللذة ، وأمّا نحو الإستيلاء والإستعلاء المذكور ، فإنه عائد إلى قوّة الفحولة وإجراء ما تأمر به الطبيعة .
وهذا المعنى ـ أعني لزوم الشدّة والبأس لقبيل الذكور ، واللين والإنفعال لقبيل الإناث ـ مما يوجد الإعتقاد به قليلاً أو كثيراً عند جميع الاُمم حتى سرى إلى مختلف اللغات ، فسمّي كلّ ما هو شديد صعب الإنقياد بالذكر ، وكل ليّن سهل الإنفعال بالاُنثى ، يقال : حديد ذكر ، وسيف ذكر ، ونبت ذكر ، ومكان ذكر ، وهكذا .
وهذا الأمر جارٍ في نوع الإنسان ، دائر بين المجتمعات المختلفة والاُمم المتنوعة في
الجملة ، وإن كان ربما لم يخل من الإختلافات زيادة ونقيصة .
وقد اعتبره الإسلام في تشريعه ، قال الله تعالى :﴿الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض﴾[1]، فشرع وجوب إجابتها له إذا دعاها إلى المواقعة إن أمكنت لها .
3 ـ تعدد الزوجات :
وأمر الوحدة والتعدد فيما نشاهده من أقسام الحيوان غير واضح ، ففيما كان بينها اجتماع منزلي تتأحد الإناث وتختص بالذكور ، لما أنّ الذكور في شغل شاغل في مشاركتها في تدبير المنزل وحضانة الأفراخ وتربيتها ، وربما تغيّر الوضع الجاري بينها بالصناعة والتدبير والكفالة ، أعني بالتأهيل والتربية كما يشاهد من أمر الديك والدجاج والحمام ونحوها .
وأمّا الإنسان فاتخاذ الزوجات المتعددة كانت سنّة جارية في غالب الاُمم القديمة كمصر والهند والصين ، بل والفُرس والروم واليونان فإنهم كانوا ربما يضيفون إلى الزوجة الواحدة في البيت خدناً يصاحبونها ، بل وكان ذلك عند بعض الاُمم لا ينتهي إلى عدد يقف عليه كاليهود والعرب ، فكان الرجل منهم ربما تزوّج العشرة والعشرين وأزيد ، وقد ذكروا أنّ سليمان الملك تزوّج مئات من النساء .
وأغلب ما كان يقع تعدد الزوجات إنما هو في القبائل ، ومَن يحذو حذوهم من سكّان القرى والجبال ، فإنّ لرب البيت منهم حاجة شديدة إلى الجمع وكثرة الأعضاء ، فكانوا يقصدون بذلك التكاثر في البنين بكثرة الإستيلاد ؛ ليهون لهم أمر الدفاع الذي هو من لوازم عيشتهم ، وليكن ذلك وسيلة يتوسّلون بها إلى الترؤس والسؤدد في قومهم على ما في كثرة الإزدواج من تكثّر الأقرباء بالمصاهرة .
وما ذكره بعض العلماء أنّ العامل في تعدد الزوجات في القبائل وأهل القرى إنّما هو كثرة المشاغل والأعمال فيهم ، كأعمال الحمل والنقل والرعي والزراعة والسقاية والصيد والطبخ
[1]ـ النساء : 34 .
والنسج ، وغير ذلك ، فهو وإن كان حقاً في الجملة ، إلاّ أن التأمل في صفاتهم الروحية يعطي أنّ هذه الأعمال في الدرجة الثانية من الأهمية عندهم ، وما ذكرناه هو الذي يتعلّق به قصد الإنسان البدوي أولاً وبالذات ، كما أنّ شيوع الإدّعاء والتبنّي أيضاً بينهم سابقاً كان من فروع هذا الغرض .
على أنّه كان في هذه الاُمم عامل أساسي آخر لتداول تعدد الزوجات بينهم ، وهو زيادة عدّة النساء على الرجال بما لا يتسامح فيه ، فإنّ هذه الاُمم السائرة بسيرة القبائل كانت تدوم فيهم الحروب والغزوات وقتل الفتك والغيلة ، فكان القتل يُفني الرجال ، ويزيد عدد النساء على الرجال زيادة لا ترتفع حاجة الطبيعة معها إلاّ بتعدد الزوجات .
والإسلام شرّع الإزدواج بواحدة ، وأنفذ التكثير إلى أربع بشرط التمكن من القسط بينهن ، مع إصلاح جميع المحاذير المتوجّهة إلى التعدد على ما سنشير إليها ، قال تعالى :﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾[1].
وقد استشكلوا على حكم تعدد الزوجات :
أولاً : أنّه يضع آثار سيئة في المجتمع ، فإنه يقرع قلوب النساء في عواطفهن ويخيّب آمالهن ، ويسكن فورة الحب في قلوبهن ، فينعكس حسّ الحبّ على حسّ الإنتقام ، فيهملن أمر البيت ويتثاقلن في تربية الأولاد ، ويقابلن الرجال بمثل ما أساؤوا إليهن ، فيشيع الزنا والسفاح والخيانة في المال والعرض فلا يلبث المجتمع دون أن ينحط في أقرب وقت .
وثانياً : أنّ التعدد في الزوجات يخالف ما هو المشهود والمتراءى من عمل الطبيعة ، فإنّ الإحصاء في الاُمم والأجيال يفيد أنّ قبيلي الذكورة والإناث متساويان عدداً تقريباً ، فالذي هيأته الطبيعة هو واحدة لواحد ، وخلاف ذلك خلاف غرض الطبيعة .
وثالثاً : أنّ في تشريع تعدد الزوجات ترغيباً للرجال إلى الشره والشهوة ، وتقوية لهذه القوة في المجتمع .
[1]ـ البقرة : 228 .
ورابعاً : أنَّ في ذلك حطّاً لوزن النساء في المجتمع بمعادلة الأربع منهن بواحد من الرجال ، وهو تقويم جائر حتّى بالنظر إلى مذاق الإسلام الذي سوّى فيه بين مرأتين ورجل كما في الإرث والشهادة وغيرهما ، ولازمه تجويز التزوّج بإثنتين منهنّ لا أزيد ، ففي تجويز الأربع عدول عن العدل على أي حال من غير وجه .
وهذه الإشكالات ممّا اعترض بها النصارى على الإسلام ، أو مَن يوافقهم من المدنيين المنتصرين لمسألة تساوي حقوق الرجال والنساء في المجتمع .
والجواب عن الأول : ما تقدّم غير مرّة في المباحث المتقدّمة أنّ الإسلام وضع بنية المجتمع الإنساني على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية ، فالمتّبع عنده هو الصلاح العقلي في السنن الإجتماعية دون ما تهواه الإحساسات وتنجذب إليه العواطف .
وليس في ذلك إماتة العواطف والإحساسات الرقيقة وإبطال حكم المواهب الإلهية والغرائز الطبيعية ، فإنّ من المسلّم في الأبحاث النفسية أنّ الصفات الروحية والعواطف والإحساسات الباطنة تختلف كماً وكيفاً بإختلاف التربية والعادة ، كما أنّ كثيراً من الآداب والرسوم الممدوحة عند الشرقيين مثلاً مذمومة عند الغربيين وبالعكس ، وكل اُمّة تختلف مع غيرها في بعضها .
والتربية الدينية في الإسلام تقيم المرأة الإسلامية مقاماً لا تتألم بأمثال ذلك عواطفها ، نعم المرأة الغربية حيث اعتادت منذ قرون بالوحدة ، ولقّنت بذلك جيلاً بعد جيل استحكم في روحها عاطفة نفسانية تضاد التعدد ، ومن الدليل على ذلك الإسترسال الفظيع الذي شاع بين الرجال والنساء في الاُم م المتمدنة اليوم .
أليس رجالهم يقضون أوطار الشهوة مع كل مَن هَووها وهوتهم من نسائهم من محارم وغيرها ، ومن بكر أو ثيب ، ومن ذات بعل أو غيرها ، حتى أنّ الإنسان لا يقدر أن يقف في كل ألف منهم بواحد قد سلم من الزنا ، سواء في ذلك الرجال والنساء ، ولم يقنعوا في ذلك حتى وقعوا في الرجال وقوعاً قَلّ ما يسلم منه فرد ، حتى بلغ الأمر مبلغاً رفعوا قبيل سنوات إلى برلمان بريطانيا العظمى أن يبيح لهم اللواط سنّة قانونية وذلك بعد شيوعه بينهم ، وأمّا
النساء وخاصة الأبكار وغير ذوات البعل من الفتيات فالأمر فيهن أغرب وأفظع .
فليت شعري كيف لا تأسف النساء هنا ، ولا يتحرجن ، ولا تنكسر قلوبهن ، ولا تتألم عواطفهن حين يشاهدن كل هذه الفضائح من رجالهن ؟
وكيف لا تتألم عواطف الرجال وإحساساته حين يبني بفتاة ثم يجدها ثيباً فقدت بكارتها وافترشت لا للواحد والاثنين من الرجال ، ثم لا يلبث حتى يباهي بين الأقران أن السيدة ممن توفرت عليها رغبات الرجال وتنافس في القضاء منها العشرات والمئات!!
وهل هذا إلاّ أنّ هذه السيئات تكررت بينهم ، ونزعة الحرية تمكنت من أنفسهم ، حتى صارت عادة عريقة مألوفة لا تمتنع منها العواطف والإحساسات ولا تستنكرها النفوس ؟ فليس إلاّ أنّ السنن الجارية تميل العواطف والإحساسات إلى ما يوافقها ولا يخالفها .
وأمّا ما ذكروه من استلزام ذلك إهمالهن في تدبير البيت وتثاقلهنّ في تربية الأولاد وشيوع الزنا والخيانة ، فالذي أفادته التجربة خلاف ذلك ، فإنّ هذا الحكم جرى في صدر الإسلام ، وليس في وسع أحد من أهل الخبرة بالتأريخ أن يدّعي حصول وقفة في المجتمع من جهته ، بل كان الأمر بالعكس .
على أنّ هذه النساء اللاتي يتزوّج بهن على الزوجة الاُولى في المجتمع الإسلامي وسائر المجتمعات التي ترى ذلك ، أعني الزوجة الثانية والثالثة والرابعة ، إنما يتزوّج بهن عن رضاء ورغبة منهن ، وهنّ من نساء هذه المجتمعات ، ولم يسترفقهن الرجال من مجتمعات اُخرى ، ولا جلبوهن للنكاح من غيره هذه الدنيا ، وإنمّا رغبن في مثل هذا الإزدواج لعلل اجتماعية ، فطباع جنس المرأة لا يمتنع عن مسألة تعدد الزوجات ، ولا قلوبهن تتألم منها ، بل لو كان شيء من ذلك فهو من لوازم أو عوارض الزوجية الاُولى ، أعني أنّ المرأة اذا توحّدت للرجل لا تحب أن ترد عليها وعلى بيتها اُخرى ؛ لخوفها أن تُميل عنها بعلها ، أو تترأس عليها غيرها ، أو يختلف الأولاد ونحو ذلك ، فعدم الرضاء والتألم فيما كان إنّما منشؤه حالة عرضية ( التوحد بالبعل ) لا غريزة طبيعية .
والجواب عن الثاني : أنّ الاستدلال بتسوية الطبيعة بين الرجال والنساء في العدد مختل
من وجوه :
منها : أنّ أمر الإزدواج لا يتكىء على هذا الذي ذكروه فحسب ، بل هناك عوامل وشرائط اُخرى لهذا الأمر :
فأولاً : الرشد الفكري والتهيؤ لأمر النكاح أسرع إلى النساء منها إلى الرجال ، فالنساء وخاصة في المناطق الحارة إذا جزنَ التسع صلحن للنكاح ، والرجال لا يتهيأون لذلك غالباً قبل الست عشرة من السنين ، وهو الذي اعتبره الإسلام للنكاح .
ومن الدليل على ذلك : السنّة الجارية في فتيات الاُمم المتمدّنة ، فمن الشاذ النادر أن تبقى فتاة على بكارتها إلى سن البلوغ القانوني ، فليس إلاّ أنّ الطبيعة هيأتها للنكاح قبل تهيئتها للرجال لذلك .
ولازم هذه الخاصّة أن لو اعتبرنا مواليد ست عشرة سنة من قوم ( والفرض تساوي عدد الذكورة والإناث فيهم ) كان الصالح للنكاح في السنة السادسة عشر من الرجال ـ وهي سنة أوّل الصلوح ـ مواليد سنة واحدة ، وهم مواليد السنة الاُولى المفروضة ، والصالحة للنكاح من النساء مواليد سبع سنين ، وهي مواليد السنة الاُولى إلى السابعة ، ولو اعتبرنا مواليد خمسة وعشرين سنة ، وهي سن بلوغ الأشد من الرجال ، حصل في السنة الخامسة والعشرين على الصلوح من الرجال مواليد عشرة سنين ، ومن النساء مواليد خمس عشرة سنة ، وإذا أخذنا بالنسبة الوسطى حصل لكلّ واحد من الرجال اثنتان من النساء بعمل الطبيعة .
وثانياً : أنّ الإحصاء كما ذكروه يبيّن أنّ النساء أطول عمراً من الرجال ، ولازمه أن تهيء سنة الوفاة والموت عدداً من النساء ليس بحذائهن رجال .
وثالثاً : أنّ خاصة النسل والتوليد تدوم في الرجال ، أكثر من النساء ، فالأغلب على النساء أن ييئسن من الحمل في سن الخمسين ، ويمكن ذلك في الرجال سنين عديدة بعد ذلك ، وربما بقيت قابلية التوليد في الرجال إلى تمام العمر الطبيعي وهي مائة سنة ، فيكون عمر صلاحية الرجل للتوليد ـ وهو ثمانون سنة تقريباً ـ ضعفه في المرأة وهو أربعون تقريباً ، وإذا ضم هذا الوجه إلى الوجه السابق أنتج أنّ الطبيعة والخلقة أباحت للرجال التعدي من الزوجة
الواحدة إلى غيرها ، فلا معنى لتهيئة قوة التوليد والمنع عن الإستيلاد من محل شأنه ذلك ، فإنّ ذلك مما تأباه سنة العلل والأسباب الجارية .
ورابعاً : أنّ الحوادث المبيدة لأفراد المجتمع من الحروب والمقاتل وغيرهما تحلّ بالرجال وتفنيهم أكثر منها بالنساء بما لا يقاس ، كما تقدّم أنّه كان أقوى العوامل لشيوع تعدد الزوجات في القبائل ، فهذه الأرامل والنساء العزّل لا محيص لهن عن قبول التعدد ، أو الزنا ، أو خيبة القوة المودعة في طبائعن وبطلانها .
ومما يتأيد به هذه الحقيقة ما وقع في ألمانية الغربية قبل مدة : أظهرت جمعية النساء العزّل تحرجها من فقدان البعولة ، وسألت الحكومة أن يسمح لهن بسنّة تعدد الزوجات الإسلامية حتى يتزوّج مَن شاء من الرجال بأزيد من واحدة وترتفع بذلك غائلة الحرمان ، غير أنّ الحكومة لم تجبهن في ذلك ، وامتنعت الكنيسة من قبوله ورضيت بفشو الزنا وشيوعه وفساد النسل به .
ومنها : أنّ الاستدلال بتسوية الطبيعة النوعية بين الرجال والنساء في العدد مع الغض عمّا تقدّم إنّما يستقيم فيما لو فرض أن يتزوّج كل رجل في المجتمع بأكثر من الواحدة إلى أربع من النساء ، لكن الطبيعة لا تسمح بإعداد جميع الرجال لذلك ، ولا يسع ذلك بالطبع إلاّ لبعضهم دون جميعهم ، والإسلام لم يشرّع تعدد الزوجات بنحو الفرض والوجوب على الرجال ، بل إنّما أباح ذلك لمن استطاع أن يقيم القسط منهم ، ومن أوضح الدليل على عدم استلزام هذا التشريع حرجاً ولا فساداً أنّ سير هذه السنّة بين المسلمين ، وكذا بين سائر الاُمم الذين يرون ذلك لم يستلزم حرجاً من قحط النساء واعوازهن على الرجال ، بل بالعكس من ذلك اعدّ تحريم التعدّد في البلاد التي فيها ذلك اُلوفاً من النساء حرمن الازدواج والاجتماع المنزلي واكتفين بالزنا .
ومنها : أنّ الإستدلال المذكور مع الإغماض عن ما سبق إنّما يستقيم لو لم يصلح هذا الحكم ، ولم يعدّل بتقييده بقيود ترتفع بها المحاذير المتوهمة ، فقد شرط الإسلام على مَن يريد من الرجال التعدّد أن يقيم العدل في معاشرتهن بالمعروف وفي القسم والفراش ،
وفرض عليهم نفقتهن ثم نفقة أولادهن ، ولا يتيسّر الإنفاق على أربع نسوة مثلاً ومن يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة وغير ذلك إلاّ لبعض اُولي الطول والسعة من الناس لا لجميعهم ، على أنّ هناك طرقاً دينية شرعية يمكن أن تستريح إليها المرأة فتلزم الزوج على الإقتصار عليها والإغماض عن التكثير .
والجواب عن الثالث : أنّه مبني على عدم التدبير في نحو التربية الإسلامية ومقاصد هذه الشريعة ، فإنّ التربية الدينية للنساء في المجتمع الإسلامي الذي يرتضيه الدين بالستر والعفاف والحياء وعدم الخرق تنمّي المرأة وشهوة النكاح فيها أقل منها في الرجل ( على الرغم ممّا شاع أنّ شهوة النكاح فيها أزيد وأكثر ، واستدل عليه بتولّعها المفرط بالزينة والجمال طبعاً ) ، وهذا أمر لا يكاد يشك فيه رجال المسلمين ممن تزوّج بالنساء الناشئات على التربية الدينية ، فشهوة النكاح في المتوسطة تعادل ما في أكثر من امرأة واحدة بل والمرأتين والثلاث .
ومن جهة اُخرى من عناية هذا الدين أن يرتفع الحرمان في الواجب من مقتضيات الطبع ومشتهيات النفس ، فاعتبر أن لا تختزن الشهوة في الرجل ولا يحرم منها ، فيدعوه ذلك الى التعدّي إلى الفجور والفحشاء ، والمرأة الواحدة ربما اعتذرت فيما يقرب من ثلث أوقات المعاشرة والمصاحبة ، كأيام العادة وبعض أيام الحمل والوضع والرضاع ونحو ذلك ، والإسراع في رفع هذه الحاجة الغريزية هو لازم ما تكرر منّا في المباحث السابقة من هذا الكتاب : أنّ الإسلام يبني المجتمع على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية ، فبقاء الإنسان على حالة الإحساس الداعية إلى الإسترسال في الأهواء والخواطر السوء كحال التعزّب ونحوه من أعظم المخاطر في نظر الإسلام .
ومن جهة اُخرى من أهم المقاصد عند شارع الإسلام تكثّر نسل المسلمين ، وعمارة الأرض بيد مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد .
فهذه الجهات وأمثالها هي التي اهتم بها الإسلام في تشريع تعدّد الزوجات دون ترويج أمر الشهوة وترغيب الناس إلى الإنكباب عليها ، ولو أنصف هؤلاء المستشكلون كانت هذه