ورابعاً : أنَّ في ذلك حطّاً لوزن النساء في المجتمع بمعادلة الأربع منهن بواحد من الرجال ، وهو تقويم جائر حتّى بالنظر إلى مذاق الإسلام الذي سوّى فيه بين مرأتين ورجل كما في الإرث والشهادة وغيرهما ، ولازمه تجويز التزوّج بإثنتين منهنّ لا أزيد ، ففي تجويز الأربع عدول عن العدل على أي حال من غير وجه .
وهذه الإشكالات ممّا اعترض بها النصارى على الإسلام ، أو مَن يوافقهم من المدنيين المنتصرين لمسألة تساوي حقوق الرجال والنساء في المجتمع .
والجواب عن الأول : ما تقدّم غير مرّة في المباحث المتقدّمة أنّ الإسلام وضع بنية المجتمع الإنساني على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية ، فالمتّبع عنده هو الصلاح العقلي في السنن الإجتماعية دون ما تهواه الإحساسات وتنجذب إليه العواطف .
وليس في ذلك إماتة العواطف والإحساسات الرقيقة وإبطال حكم المواهب الإلهية والغرائز الطبيعية ، فإنّ من المسلّم في الأبحاث النفسية أنّ الصفات الروحية والعواطف والإحساسات الباطنة تختلف كماً وكيفاً بإختلاف التربية والعادة ، كما أنّ كثيراً من الآداب والرسوم الممدوحة عند الشرقيين مثلاً مذمومة عند الغربيين وبالعكس ، وكل اُمّة تختلف مع غيرها في بعضها .
والتربية الدينية في الإسلام تقيم المرأة الإسلامية مقاماً لا تتألم بأمثال ذلك عواطفها ، نعم المرأة الغربية حيث اعتادت منذ قرون بالوحدة ، ولقّنت بذلك جيلاً بعد جيل استحكم في روحها عاطفة نفسانية تضاد التعدد ، ومن الدليل على ذلك الإسترسال الفظيع الذي شاع بين الرجال والنساء في الاُم م المتمدنة اليوم .
أليس رجالهم يقضون أوطار الشهوة مع كل مَن هَووها وهوتهم من نسائهم من محارم وغيرها ، ومن بكر أو ثيب ، ومن ذات بعل أو غيرها ، حتى أنّ الإنسان لا يقدر أن يقف في كل ألف منهم بواحد قد سلم من الزنا ، سواء في ذلك الرجال والنساء ، ولم يقنعوا في ذلك حتى وقعوا في الرجال وقوعاً قَلّ ما يسلم منه فرد ، حتى بلغ الأمر مبلغاً رفعوا قبيل سنوات إلى برلمان بريطانيا العظمى أن يبيح لهم اللواط سنّة قانونية وذلك بعد شيوعه بينهم ، وأمّا
النساء وخاصة الأبكار وغير ذوات البعل من الفتيات فالأمر فيهن أغرب وأفظع .
فليت شعري كيف لا تأسف النساء هنا ، ولا يتحرجن ، ولا تنكسر قلوبهن ، ولا تتألم عواطفهن حين يشاهدن كل هذه الفضائح من رجالهن ؟
وكيف لا تتألم عواطف الرجال وإحساساته حين يبني بفتاة ثم يجدها ثيباً فقدت بكارتها وافترشت لا للواحد والاثنين من الرجال ، ثم لا يلبث حتى يباهي بين الأقران أن السيدة ممن توفرت عليها رغبات الرجال وتنافس في القضاء منها العشرات والمئات!!
وهل هذا إلاّ أنّ هذه السيئات تكررت بينهم ، ونزعة الحرية تمكنت من أنفسهم ، حتى صارت عادة عريقة مألوفة لا تمتنع منها العواطف والإحساسات ولا تستنكرها النفوس ؟ فليس إلاّ أنّ السنن الجارية تميل العواطف والإحساسات إلى ما يوافقها ولا يخالفها .
وأمّا ما ذكروه من استلزام ذلك إهمالهن في تدبير البيت وتثاقلهنّ في تربية الأولاد وشيوع الزنا والخيانة ، فالذي أفادته التجربة خلاف ذلك ، فإنّ هذا الحكم جرى في صدر الإسلام ، وليس في وسع أحد من أهل الخبرة بالتأريخ أن يدّعي حصول وقفة في المجتمع من جهته ، بل كان الأمر بالعكس .
على أنّ هذه النساء اللاتي يتزوّج بهن على الزوجة الاُولى في المجتمع الإسلامي وسائر المجتمعات التي ترى ذلك ، أعني الزوجة الثانية والثالثة والرابعة ، إنما يتزوّج بهن عن رضاء ورغبة منهن ، وهنّ من نساء هذه المجتمعات ، ولم يسترفقهن الرجال من مجتمعات اُخرى ، ولا جلبوهن للنكاح من غيره هذه الدنيا ، وإنمّا رغبن في مثل هذا الإزدواج لعلل اجتماعية ، فطباع جنس المرأة لا يمتنع عن مسألة تعدد الزوجات ، ولا قلوبهن تتألم منها ، بل لو كان شيء من ذلك فهو من لوازم أو عوارض الزوجية الاُولى ، أعني أنّ المرأة اذا توحّدت للرجل لا تحب أن ترد عليها وعلى بيتها اُخرى ؛ لخوفها أن تُميل عنها بعلها ، أو تترأس عليها غيرها ، أو يختلف الأولاد ونحو ذلك ، فعدم الرضاء والتألم فيما كان إنّما منشؤه حالة عرضية ( التوحد بالبعل ) لا غريزة طبيعية .
والجواب عن الثاني : أنّ الاستدلال بتسوية الطبيعة بين الرجال والنساء في العدد مختل
من وجوه :
منها : أنّ أمر الإزدواج لا يتكىء على هذا الذي ذكروه فحسب ، بل هناك عوامل وشرائط اُخرى لهذا الأمر :
فأولاً : الرشد الفكري والتهيؤ لأمر النكاح أسرع إلى النساء منها إلى الرجال ، فالنساء وخاصة في المناطق الحارة إذا جزنَ التسع صلحن للنكاح ، والرجال لا يتهيأون لذلك غالباً قبل الست عشرة من السنين ، وهو الذي اعتبره الإسلام للنكاح .
ومن الدليل على ذلك : السنّة الجارية في فتيات الاُمم المتمدّنة ، فمن الشاذ النادر أن تبقى فتاة على بكارتها إلى سن البلوغ القانوني ، فليس إلاّ أنّ الطبيعة هيأتها للنكاح قبل تهيئتها للرجال لذلك .
ولازم هذه الخاصّة أن لو اعتبرنا مواليد ست عشرة سنة من قوم ( والفرض تساوي عدد الذكورة والإناث فيهم ) كان الصالح للنكاح في السنة السادسة عشر من الرجال ـ وهي سنة أوّل الصلوح ـ مواليد سنة واحدة ، وهم مواليد السنة الاُولى المفروضة ، والصالحة للنكاح من النساء مواليد سبع سنين ، وهي مواليد السنة الاُولى إلى السابعة ، ولو اعتبرنا مواليد خمسة وعشرين سنة ، وهي سن بلوغ الأشد من الرجال ، حصل في السنة الخامسة والعشرين على الصلوح من الرجال مواليد عشرة سنين ، ومن النساء مواليد خمس عشرة سنة ، وإذا أخذنا بالنسبة الوسطى حصل لكلّ واحد من الرجال اثنتان من النساء بعمل الطبيعة .
وثانياً : أنّ الإحصاء كما ذكروه يبيّن أنّ النساء أطول عمراً من الرجال ، ولازمه أن تهيء سنة الوفاة والموت عدداً من النساء ليس بحذائهن رجال .
وثالثاً : أنّ خاصة النسل والتوليد تدوم في الرجال ، أكثر من النساء ، فالأغلب على النساء أن ييئسن من الحمل في سن الخمسين ، ويمكن ذلك في الرجال سنين عديدة بعد ذلك ، وربما بقيت قابلية التوليد في الرجال إلى تمام العمر الطبيعي وهي مائة سنة ، فيكون عمر صلاحية الرجل للتوليد ـ وهو ثمانون سنة تقريباً ـ ضعفه في المرأة وهو أربعون تقريباً ، وإذا ضم هذا الوجه إلى الوجه السابق أنتج أنّ الطبيعة والخلقة أباحت للرجال التعدي من الزوجة
الواحدة إلى غيرها ، فلا معنى لتهيئة قوة التوليد والمنع عن الإستيلاد من محل شأنه ذلك ، فإنّ ذلك مما تأباه سنة العلل والأسباب الجارية .
ورابعاً : أنّ الحوادث المبيدة لأفراد المجتمع من الحروب والمقاتل وغيرهما تحلّ بالرجال وتفنيهم أكثر منها بالنساء بما لا يقاس ، كما تقدّم أنّه كان أقوى العوامل لشيوع تعدد الزوجات في القبائل ، فهذه الأرامل والنساء العزّل لا محيص لهن عن قبول التعدد ، أو الزنا ، أو خيبة القوة المودعة في طبائعن وبطلانها .
ومما يتأيد به هذه الحقيقة ما وقع في ألمانية الغربية قبل مدة : أظهرت جمعية النساء العزّل تحرجها من فقدان البعولة ، وسألت الحكومة أن يسمح لهن بسنّة تعدد الزوجات الإسلامية حتى يتزوّج مَن شاء من الرجال بأزيد من واحدة وترتفع بذلك غائلة الحرمان ، غير أنّ الحكومة لم تجبهن في ذلك ، وامتنعت الكنيسة من قبوله ورضيت بفشو الزنا وشيوعه وفساد النسل به .
ومنها : أنّ الاستدلال بتسوية الطبيعة النوعية بين الرجال والنساء في العدد مع الغض عمّا تقدّم إنّما يستقيم فيما لو فرض أن يتزوّج كل رجل في المجتمع بأكثر من الواحدة إلى أربع من النساء ، لكن الطبيعة لا تسمح بإعداد جميع الرجال لذلك ، ولا يسع ذلك بالطبع إلاّ لبعضهم دون جميعهم ، والإسلام لم يشرّع تعدد الزوجات بنحو الفرض والوجوب على الرجال ، بل إنّما أباح ذلك لمن استطاع أن يقيم القسط منهم ، ومن أوضح الدليل على عدم استلزام هذا التشريع حرجاً ولا فساداً أنّ سير هذه السنّة بين المسلمين ، وكذا بين سائر الاُمم الذين يرون ذلك لم يستلزم حرجاً من قحط النساء واعوازهن على الرجال ، بل بالعكس من ذلك اعدّ تحريم التعدّد في البلاد التي فيها ذلك اُلوفاً من النساء حرمن الازدواج والاجتماع المنزلي واكتفين بالزنا .
ومنها : أنّ الإستدلال المذكور مع الإغماض عن ما سبق إنّما يستقيم لو لم يصلح هذا الحكم ، ولم يعدّل بتقييده بقيود ترتفع بها المحاذير المتوهمة ، فقد شرط الإسلام على مَن يريد من الرجال التعدّد أن يقيم العدل في معاشرتهن بالمعروف وفي القسم والفراش ،
وفرض عليهم نفقتهن ثم نفقة أولادهن ، ولا يتيسّر الإنفاق على أربع نسوة مثلاً ومن يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة وغير ذلك إلاّ لبعض اُولي الطول والسعة من الناس لا لجميعهم ، على أنّ هناك طرقاً دينية شرعية يمكن أن تستريح إليها المرأة فتلزم الزوج على الإقتصار عليها والإغماض عن التكثير .
والجواب عن الثالث : أنّه مبني على عدم التدبير في نحو التربية الإسلامية ومقاصد هذه الشريعة ، فإنّ التربية الدينية للنساء في المجتمع الإسلامي الذي يرتضيه الدين بالستر والعفاف والحياء وعدم الخرق تنمّي المرأة وشهوة النكاح فيها أقل منها في الرجل ( على الرغم ممّا شاع أنّ شهوة النكاح فيها أزيد وأكثر ، واستدل عليه بتولّعها المفرط بالزينة والجمال طبعاً ) ، وهذا أمر لا يكاد يشك فيه رجال المسلمين ممن تزوّج بالنساء الناشئات على التربية الدينية ، فشهوة النكاح في المتوسطة تعادل ما في أكثر من امرأة واحدة بل والمرأتين والثلاث .
ومن جهة اُخرى من عناية هذا الدين أن يرتفع الحرمان في الواجب من مقتضيات الطبع ومشتهيات النفس ، فاعتبر أن لا تختزن الشهوة في الرجل ولا يحرم منها ، فيدعوه ذلك الى التعدّي إلى الفجور والفحشاء ، والمرأة الواحدة ربما اعتذرت فيما يقرب من ثلث أوقات المعاشرة والمصاحبة ، كأيام العادة وبعض أيام الحمل والوضع والرضاع ونحو ذلك ، والإسراع في رفع هذه الحاجة الغريزية هو لازم ما تكرر منّا في المباحث السابقة من هذا الكتاب : أنّ الإسلام يبني المجتمع على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية ، فبقاء الإنسان على حالة الإحساس الداعية إلى الإسترسال في الأهواء والخواطر السوء كحال التعزّب ونحوه من أعظم المخاطر في نظر الإسلام .
ومن جهة اُخرى من أهم المقاصد عند شارع الإسلام تكثّر نسل المسلمين ، وعمارة الأرض بيد مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد .
فهذه الجهات وأمثالها هي التي اهتم بها الإسلام في تشريع تعدّد الزوجات دون ترويج أمر الشهوة وترغيب الناس إلى الإنكباب عليها ، ولو أنصف هؤلاء المستشكلون كانت هذه
السنن الإجتماعية المعروفة بين هؤلاء البانين للإجتماع على أساس التمتع المادي أولى بالرمي بترويج الفحشاء والترغيب إلى الشره من الإسلام الباني للإجتماع على أساس السعادة الدينية .
على أنّ في تجويز تعدد الزوجات تسكيناً لثورة الحرص التي هي من لوازم الحرمان ، فكلّ محروم حريص ، ولا هم للممنوع المحبوس إلاّ أن يهتك حجاب المنع والحبس ، فالمسلم وإن كان ذا زوجة واحدة فإنّه على سكن وطيب نفس من أنّه ليس بممنوع عن التوسع في قضاء شهوته لو تحرّجت نفسه يوماً إليه ، وهذا نوع تسكين لطيش النفس وإحصان لها عن الميل إلى الفحشاء وهتك الأعراض المحرّمة .
وقد أنصف بعض الباحثين من الغربيين حيث قال : لم يعمل في إشاعة الزنا والفحشاء بين الملل المسيحية عامل أقوى من تحريم الكنيسة تعدد الزوجات .
والجواب عن الرابع : أنّه ممنوع ، فقد بيّنا في بعض المباحث السابقة عند الكلام في حقوق المرأة في الإسلام : أنّه لم تحترمالنساء ولم تراع حقوقهن كل المراعاة أي سنّة من السنن الدينية أو الدنيوية من قديمها وحديثها بمثل ما احترمهن الإسلام ، وسنزيد في ذلك وضوحاً .
وأمّا تجويز تعدد الزوجات للرجل فليس بمبني على ما ذكر من إبطال الوزن الإجتماعي وإماتة حقوقهن والإستخفاف بموقفهن في الحياة ، وإنّما هو مبني على جهات من المصالح تقدّم بيان بعضها .
وقد اعترف بحسن هذا التشريع الإسلامي ، وما فيه منعه من المفاسد الإجتماعية والمحاذير الحيوية ، جمع من باحثي الغرب من الرجال والنساء ، ومَن أراده فليراجع إلى مظانّه .
وأقوى ما تشبّث به مخالفوا سنّة التعدد من علماء الغرب ، وزوّقوه في أعين الناظرين ما هو مشهود في بيوت المسلمين ، تلك البيوت المشتملة على زوجات عديدة : ضرتان أو ضرائر ، فإنّ هذه البيوت لا تحتوي على حياة صالحة ولا عيشة هنيئة ، ولا تلبث الضرتان من
أوّل يوم حلّتا البيت دون أن تأخذا في التحاسد حتى أنّهم سمّوا الحسد بداء الضرائر ، وعندئذٍ تنقلب جميع العواطف والإحساسات الرقيقة التي جبلت عليها النساء من الحب ولين الجانب والرقة والرأفة والشفقة والنصح وحفظ الغيب والوفاء والمودّة والرحمة والإخلاص بالنسبة إلى الزوج وأولاده من غير الزوجة وبيته وجميع ما يتعلّق به إلى أضدادها .
فينقلب البيت الذي هو سكن للإنسان يستريح فيه من تعب الحياة اليومي وتألّم الروح والجسم من مشاق الأعمال والجهد في المكسب ، معركة قتال يستباح فيها النفس والعرض والمال والجاه ، ولا يؤمن فيه من شيء لشيء ، ويتكدّر فيه صفو العيش ، وترتحل لذة الحياة ، ويحل محلّها الضرب والشتم والسب واللعن والسعاية والنميمة والرقابة والمكر والمكيدة ، واختلاف الأولاد وتشاجرهم ، وربما انجر الأمر إلى همّ الزوجة بإهلاك الزوج ، وقتل بعض الأولاد بعضاً أو أباهم ، وتتبدل القرابة بينهم إلى الأوتار التي تسحب في الأعقاب سفك الدماء وهلاك النسل وفساد البيت .
أضف إلى ذلك ما يسري من ذلك إلى المجتمع من الشقاء وفساد الأخلاق والقسوة والظلم والبغي والفحشاء وانسلاب الأمن والوثوق ، وخاصة إذا اُضيف إلى ذلك جواز الطلاق ، فإباحة تعدد الزوجات والطلاق يُنشِئآن في المجتمع رجالاً ذوّاقين مترفين ، لا همّ لهم إلاّ اتباع الشهوات والحرص والتولّع على أخذ هذه وترك تلك ، ورفع واحدة ووضع اُخرى ، وليس فيه إلاّ تضييع نصف المجتمع واشقاؤه وهو قبيل النساء ، وبذلك يفسد النصف الآخر .
هذا محصّل ما ذكروه ، وهو حقّ ، غير أنّه إنّما يرد على المسلمين لا على الإسلام وتعاليمه ، ومتى عمل المسلمون بحقيقة ما ألقته إليهم تعاليم الإسلام حتى يؤخذ الإسلام بالمفاسد التي أعقبته أعمالهم ؟ وقد فقدوا منذ قرون الحكومة الصالحة التي تربّي الناس بالتعاليم الدينية الشريفة ، بل كان أسبق الناس إلى هتك الأستار التي أسدلها الدين ونقض قوانينه وإبطال حدوده هي طبقة الحكّام والولاة على المسلمين ، والناس على دين ملوكهم .
ولو اشتغلنا بقصّ بعض السير الجارية في بيوت الملوك ، والفضائح التي كان يأتي بها
ملوك الإسلام وولاته منذ أن تبدّلت الحكومة الدينية بالملك والسلطنة المستبدة ، لجاء بحياله تأليفاً مستقلاً .
وبالجملة لو ورد الإشكال فهو وارد على المسلمين في اختيارهم لبيوتهم نوع اجتماع لا يتضمّن سعادة عيشتهم ، ونحو سياسة لا يقدرون على إنفاذها بحيث لا تنحرف عن مستقيم الصراط ، والذنب في ذلك عائد إلى الرجال دون النساء والأولاد وإن كان على كل نفس ما اكتسب من إثم ، وذلك أنّ سيرة هؤلاء الرجال وتفديتهم سعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم وصفاء مجتمعهم في سبيل شرههم وجهالتهم هو الأصل لجميع هذه المفاسد والمنبت لكلّ هذه الشقوة المبيدة .
وأما الإسلام فلم يشرع تعدّد الزوجات على نحو الإيجاب والفرض على كلّ رجل ، وإنّما نظر في طبيعة الأفراد وما ربما يعرضهم من العوارض الحادثة ، واعتبر الصلاح القاطع في ذلك ، ثم استقصى مفاسد التكثير ومحاذيره وأحصاها ، فأباح عند ذلك التعدد حفظاً لمصلحة المجتمع الإنساني ، وقيّده بما ترتفع معه جميع هذه المفاسد الشنيعة ، وهو وثوق الرجل بأنّه سيقسط بينهن ويعدل ، فمن وثق من نفسه بذلك ووفّق له فهو الذي أباح له الدين تعدد الزوجات ، وأمّا هؤلاء الذين لا عناية لهم بسعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم ، ولا كرامة عندهم إلاّ ترضية بطونهم وفروجهم ، ولا مفهوم للمرأة عندهم إلاّ أنّها مخلوقة في سبيل شهوة الرجل ولذته ، فلا شأن للإسلام فيهم ، ولا يجوز لهم إلاّ الإزدواج بواحدة لو جاز لهم ذلك والحال هذه .
على أنّ في أصل الإشكال خلطاً بين جهتين مفترقتين في الإسلام ، وهما جهتا التشريع والولاية .
وتوضيح ذلك : أنّ المدار في القضاء بالصلاح والفساد في القوانين الموضوعة والسنن الجارية عند الباحثين اليوم ، هو الآثار والنتائج المرضية أو غير المرضية الحاصلة من جريانها في الجوامع ، وقبول الجوامع لها بفعليتها الموجودة وعدم قبولها ، وما أظن أنّهم على غفلة من أنّ المجتمع ربّما اشتمل على بعض سنن وعادات وعوارض لا تلائم الحكم المبحوث