نصف قرن ونحن همجيون ، وليس لنا حظ من العدل الإجتماعي وحياة الحقوق البشرية والمعارف العامة العالية وكل سعادة اجتماعية إلاّ أسماء وألفاظاً نسمعها .
فهل يمكن لمعتذر عن ذلك إلاّ بأنّ هذه السنن المرضية إنّما لم تؤثّر أثرها لأنكم لا تعملون بها ، ولا تهتمون بإجرائها ، فما بال هذا العذر يجري فيها وينجع ولا يجري في الإسلام ولا ينجع ؟ .
وهب أنّ الإسلام لِوهن أساسه ( والعياذ بالله ) عجز عن التمكن في قلوب الناس والنفوذ الكامل في أعماق المجتمع ، فلم تدم حكومته ولم يقدر على حفظ حياته في المجتمع الإسلامي ، فلم يلبث دون أن عاد مهجوراً ، فما بال السنّة الديمقراطية ـ وكانت سنّة مرضية عالمية ـ ارتحلت بعد الحرب العالمية الكبرى الاُولى عن روسيا وانمحت آثارها وخلفتها السنّة الشيوعية ؟ وما بالها انقلبت إلى السنّة الشيوعية بعد الحرب العالمية الكبرى الثانية في ممالك الصين ولتوني واستوني وليتواني ورومانيا والمجر ويوغسلاوي وغيرها ، وهي تهدد سائر الممالك وقد نفذت فيها نفوذاً ؟
وما بال السنّة الشيوعية بعد ما عمّرت ما يقرب من أربعين سنة ، وانبسطت وحكمت فيما يقرب من نصف المجتمع الإنساني ، ولم يزل دعاتها وأولياؤها يتباهون في فضيلتها أنّها المشرعة الصافية الوحيدة التي لا يشوبها تحكّم الاستبداد ولا استثمار الديمقراطية ، وأنّ البلاد التي تعرّقت فيها هي الجنة الموعودة .
ثم لم يلبث هؤلاء الدعاة والأولياء أنفسهم دون أن انتهضوا قبل سنتين على تقبيح حكومة قائدها الوحيد ( ستالين ) ، الذي كان يتولّى إمامتها وقيادتها منذ ثلاثين سنة ، وأوضحوا أنّ حكومته كانت حكومة تحكّم واستبداد واستبعاد في صورة الشيوعية ، ولا محالة كان له التأثير العظيم في وضع القوانين الدائرة وإجرائها وسائر ما يتعلّق بذلك ، فلم ينبثق شيء من ذلك إلاّ عن إرادة مستبدة مستعبدة وحكومة فردية تحيي اُلوفاً وتميت اُلوفاً وتسعد أقواماً وتشقي آخرين ، والله يعلم مَن الذي يأتي بعد هؤلاء ويقضي عليهم بمثل ما قضوا به على مَن كان قبلهم .
والسنن والآداب والرسوم الدائرة في المجتمعات ( أعم من الصحيحة والفاسدة ) ، ثم المرتحلة عنها لعوامل متفرّقة أقواها خيانة أوليائها وضعف إرادة الأفراد المستنين بها كثيرة يعثر عليها مَن راجع كتب التواريخ .
فليت شعري ما الفرق بين الإسلام من حيث أنّه سنّة اجتماعية وبين هذه السنن المتقلبة المتبدّلة ، حيث يقبل العذر فيها ولا يقبل في الإسلام ؟ نعم كلمة الحق اليوم واقعة بين قدرة هائلة غربية وجهالة تقليد شرقية ، فلا سماء تظلّها ولا أرض تقلّها .
وعلى أي حال يجب أن يتنبّه مما فصلناه أنّ تأثير سنة من السنن أثرها في الناس وعدمه ، وكذا بقاؤها بين الناس وارتحالها لا يرتبط كل الإرتباط بصحتها وفسادها حتى يستدل عليه بذلك ، بل لسائر العلل والأسباب تأثير في ذلك ، فما من سنة من السنن الدائرة بين الناس في جميع الأطوار والعهود إلاّ وهي تنتج يوماً وتعقم آخر ، وتقيم بين الناس برهة من الزمان وترتحل عنهم في اُخرى لعوامل مختلفة تعمل فيها ،﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء﴾[1].
وبالجملة فالقوانين الإسلامية والأحكام التي فيها تخالف بحسب المبنى والمشرب سائر القوانين الإجتماعية الدائرة بين الناس ، فإنّ القوانين الإجتماعية التي لهم تختلف باختلاف الأعصار وتتبدل بتبدل المصالح ، لكن القوانين الإسلامية لا تحتمل الإختلاف والتبدل من واجب أو حرام أو مستحب أو مكروه أو مباح ، غير أنّ الأفعال التي للفرد من المجتمع أن يفعلها أو يتركها ، وكلّ تصرّف له أن يتصرّف به أو يدعه فلولي الأمر أن يأمر الناس بها أو ينهاهم عنها ويتصرف في ذلك كأن المجتمع فرد والوالي نفسه المتفكرة المريدة .
فلو كان للإسلام والٍ أمكنه أن يمنع الناس عن هذه المظالم التي يرتكبونها باسم تعدد الزوجات وغير ذلك من غير أن يتغيّر الحكم الإلهي بإباحته ، وإنَّما هو عزيمة إجرائية عامة لمصلحة نظير عزم الفرد الواحد على ترك تعدد الزوجات لمصلحة يراها لا لتغييرٍ في
[1]ـ آل عمران : 11 .
الحكم ، بل لأنه حكم إباحي له أن يعزم على تركه[1].
[1]ـ تفسير الميزان .
تمهيـد
وقبل أن تقرأ ما سنذكر من تراجم ، لابدّ من تعريف سريع لبعض المجالات التي أدّت المرأة المؤمنة من خلالها أدواراً رائعة ومشرّفة ، ونستطيع أن نقول : لا يخلو مجال لم تشارك المرأة أخاها الرجل فيه ، إلاّ تلك التي اختصّ الرجل بها لمزايا معيّنة فيها .
ففي علم الفقه تطالعنا أسماء لامعة لفقيهات مشهورات عرّفهن التأريخ الإسلامي لنا ، كالفقيهة حميدة الرويدشتي ، وفاطمة الرويدشتي ، و اُم علي زوجة الشهيد الأوّل محمد بن مكي الجزيني العاملي ، وبنته المعروفة بست المشايخ ، والفقيهة العالمة المجتهدة العلوية الأمينية الأصفهانية ، وغيرهن ممن سوف تطّلع عليهن في هذا الكتاب .
وفي علم الحديث نجد كثيراً من النساء روينَ الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والأئمة الأطهار عليهم السلام ، حتى أنّك تجد أبواباً مستقلة في ذكر الراويات ، خصّصها مؤلفو كتب التراجم ، وقسّموهن إلى عدّة أقسام حسب المروي عنه ، فهذه راوية عن النبّي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتلك عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أو الحسن والحسين عليهما السلام ، أو بقية المعصومين عليهم السلام ، أمثال : اُم سلمة ، اُم غانم ، اُم البراء ، اُم البداء ، حبّابة الوالبية ، اُم الوشاء ، اُم هاني ، سعيدة ، نضرة ، وغيرهن .
وفي مجال الحصول على إجازات للرواية من العلماء الأعلام فقد تعرّفنا على بعض النساء اللواتي حصلن على إجازات للرواية ، مثل : ست المشايخ ، فاطمة التلعكبري ، بنتا
الشيخ الطوسي ، شرف الأشراف وفاطمة بنتا السيّد ابن طاووس ، بنت السيّد ابن شدقم ، ست العشيرة ، العلوية الأمينية الأصفهانية ، وغيرهن .
وهناك عدد كبير من النساء المؤلّفات اللواتي شاركن الرجال في تأليف الكتب في شتى المجالات ، مثل : حميدة الرويدشتي ، العلوية الأصفهانية ، العلوية الشهيدة آمنة الصدر ( بنت الهدى ) ، زينب فوّاز العاملّية وغيرهن .
وفي مجال الشعر نجد شاعرات مبدعات نظمنَ الشعر الحماسي والعقائدي ، وعبّرنَ عن مبدأهن وأهدافهن بواسطة الشعر ، مثل : اُم البنين ، أروى بنت عبدالمطلب ، أسماء بنت عقيل ، ضبيعة بنت خزيمة بن ثابت ، اُم ذر الغفاري ، اُم الهيثم النخعية ، درّة العلماء ، بنت الهدى ، وغيرهن .
وكثير منهن كنّ على درجة عالية من البلاغة ، حتى أنهن أدهشنَ الرجال ببلاغتهن ، مثل سفانة بنت حاتم الطائي ، سودة بن عمارة الهمدانية ، الزرقاء بنت عدي ، بكارة الهلاليةُ ، درامّية الحجونيّة ، اُم سنان المذحجّية ، اُم البراء بنت صفوان ، أروى بنت الحارث ، وغيرهن .
وإنّ بعض هذه النسوة يمكن عدّهن من اللواتي قُلْنَ كلمة الحقّ أمام السلطان الجائر ، حيث وقفن أمام معاوية بن أبي سفيان ، ودافعنَ عن الإمام علي عليه السلام بكلّ جرأة وصلابة ، وأسمعنَ معاوية ومَن معه كلاماً شديداً .
وللمرأة المؤمنة أيضاً دور فعّال وَذِكْرٌ حسن فيما يتعلّق بواقعة الطف ، سواء مَن حضرنَ الواقعة أو لم يحضرن ، مثل : الرباب ، طوعة ، فكيهة ، اُم حبيب ، رملة ، اُم خلف ، اُم وهب وزوجته ، حسنية ، خوصاء ، وغيرهن .
ولم تقتصر الشهادة على الرجال فقط ، بل نجد أنّ المرأة المؤمنة قد شاركته في الحصول على هذا الوسام ، مع أنّ الشريعة الإسلامية أسقطت الجهاد عن المرأة ، إلاّ أنّها قد نالت الشهادة في بعض الوقائع ، مثل : اُم عمار بن ياسر أوّل شهيد في الإسلام ، اُم وهب ، درّة الصدف ، زوجة شعبان المهدي ، العلوية بنت الهدى ، سلوى البحراني ، أمل العامري ،
وغيرهن .
وهناك مجالات اُخرى أدّت المرأة المؤمنة فيها أكثر من موقف ، والتي سوف نتعرف عليها أثناء مطالعة الكتاب .
أمّا نساء أهل البيت : وفي مقدّمتهن سيّدتنا فاطمة الزهراء ، و اُم المؤمنين خديجة بنت خويلد ، وزينب بنت علي عليه وعليها السّلام التام ، وسكينة وفاطمة وبقية النساء اللواتي تعلّمنَ في بيوت أذن الله لها أن ترفع ، فإنّا ذكرناهن بشيء من التفصيل حسبما توفّر لدينا من مصادر .
وفي الختام نقدّم جزيل شكرنا وتقديرنا للّذين أعارونا بعض الكتب ، أو أرشدونا إلى أماكن تواجد البعض الآخر . وكلّنا أمل من العلماء الأعلام والأخوة المحققين أن ينبّهونا على ما وقعنا فيه من الأخطاء ، وأن يرشدونا إلى التراجم التي لم نذكرها ، ليتسنّى لنا نشرها في الطبعة اللاحقة إن شاء الله تعالى .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآل بيته الطيبين الطاهرين ، واللعن الدائم المؤبّد على أعدائهم أعداء الله أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين .
محمّد الحسّون ـ أم علي مشكور
بلدة قم الطيبة
التاسع من شعبان عام 1409 هـ
1 آبش خاتون
آبش خاتون بنت الأتابك سعد بن أبي بكر الزنكي .
عالمة ، فاضلة ، من ربّات الفصاحة والبلاغة . تلقّت من العلوم والثقافة ما جعلها من أندر وأعلم نساء عصرها . كانت محبّة للعلم ، تجالس العلماء كثيراً ، وقد عملت على نشر التشيّع في ربوع حكومتها .
وهي ملكة جليلة ، نشأت وترعرت في بلاط أبيها ، وكانت ذات عقل راجح ورأي صائب ، ذات دين وصلاح وشجاعة . وهي آخر ملكات آل الأتابك السلغري في شيراز ، انتهت بها حكومتهم في ايران .
توفيّت في سنة 685هـ في تبريز ، ودفنت في مقابر ( جرنداب ) ، وبعد مدّة من الزمن نَقلت بنتها ( كردوجين ) رفاتها إلى شيراز ودفنت في مدرستها التي تُعرف باسمها ( مدرسة آبش خاتون ) أو ( مدرسة خاتون قيامه ) ، وقد وقفت جميع أموالها وثروتها على أن يُصرف ريعها في سبيل الإسلام ونشر العلم .
ذكرها أكثر المؤرّخين والكتّاب ، منهم رشيد الدين فضل الله في ( جامع التواريخ ) ، والآيتي في ( تأريخ الوصاف ) ، وحمد الله المستوفي في ( تأريخ گزيدة ) ، وخواند أمير في ( تأريخ حبيب السير ) ، والفسائي في ( فارسنامه ناصري )[1].
[1]ـ مستدركات أعيان الشيعة 3 : 3 نقلاً عن الاستاذ عبدالحسين الصالحي في كتابه المخطوط رياحين الشيعة ، تذكرة الخواتين : 76ـ77 ، دائرة المعارف تشيّع 1 : 8 ، زنان سخنور 1 : 2 ، مرآة الخيال : 336 .
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة