بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 772

404 هند « اُم سلمة »[1]

اُم المؤمنين هند ، زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كانت أفضل اُمهات المؤمنين بعد خديجة بنت خويلد .

وهي مهاجرة جليلة ، ذات رأي وعقل وكمال وجمال ، حالها في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام والحسن والحسين عليهما السلام أشهر من أن يُذكر ، وأجلى من أن يحرز .

ولا يسعنا عبرَ هذه الأسطر القليلة والوريقات المتعددة أن نُحيط بحياة هذه المرأة العظيمة ، ونلمَّ بكلّ ما لديها من صفات حميدة وأخلاق عالية ، شهد الله سبحانه وتعالى بفضلها ، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

إنّما هي لمحات عن سيرة حياتها المباركة ، نعرضها للقرّاء الكرام ، راجين من الله عزّ وجلّ

[1]ـ انظر ترجمتها في : اُسد الغابة 5 : 56 و 590 ، إعلام الورى : 197 ، أعلام النساء 5 : 224 ، أعيان الشيعة 10 : 272 و479 ، اُم سلمة لعلي دخيل ، اُم سلمة لمحمد زكي بيضون ، أمالي الصدوق : 311 ، أمالي الطوسي 2 : 174 ، أنساب الأشراف 1 : 586 ، الإحتجاج للطبرسي : 106 ، الإختصاص للشيخ المفيد : 116 ، الإسلام على مفترق الطرق : 12 ، الإصابة 4 : 423 ، و458 ، الأعلام للزِركلي 8 : 97 نقلاً عن عدّة مصادر ، الإمامة والسياسة : 45 ، البداية والنهاية 5 : 291 و6 : 131 و8 : 199 ، : 112 ، الخصال : 419 ، العبِر 1 : 86 ، العقد الفريد 3 : 178 و5 : 7 و65 و89 و32 و7 : 113 ، السمط الثمين : 86 ، السيرة النبوية لابن هشام 5 : 113 و142 ، السيرة النبوية لابن كثير 2 : 215 ، الطبقات الكبرى 8 : 86 ، الكاشف 3 : 436 ، المستدرك على الصحيحين 14 : 16 ، المناقب لابن شهرآشوب 3 : 130 ، بحار الأنوار 22 : 223 ، بشارة المصطفى : 59 ، بصائر الدرجات : 183 ومابعدها ، تأريخ بغداد 3 : 164 ، تذكرة الخواص : 71 و240 ، تقريب التهذيب 1 : 617 و622 ، تكملة الرجال 2 : 705 ، تنقيح المقال 3 : 72 ، تهذيب التهذيب 12 : 483 ، جامع الرواة 2 : 456 ، خصائص أمير المؤمنين عليه السلام : 99 ، رجال أبوعلي الحائري : 368 ، رجال البرقي : 61 ، رجال الشيخ الطوسي : 32 ، سعد السعود : 204 ، سفينة البحار 1 : 258 ، سير أعلام النبلاء 2 : 148 ، شذرات الذهب 1 : 69 ، شرح نهج البلاغة 20 : 22 و79 ، صفوة الصفوة 2 : 21 ، قرب الإسناد : 29 ، الكافي 5 : 391 ، الكنى والألقاب 1 : 142 ، مجمع الرجال 7 : 181 ، مرآة الجنان 1 : 137 ، معاني الأخبار : 106 ، معجم رجال الحديث 23 : 177 ، من لا يحضره الفقيه 2 : 292 منهج المقال : 400 ، موسوعة آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم : 315 ، نساء لهن في التأريخ الإسلامي نصيب : 38 ، نقد الرجال : 412 ، وسائل الشيعة 20 : 143 ، وغيرها من المصادر المعتبرة عند الخاصة والعامة .


صفحه 773

الأجر والثواب ، ومن نساء هذه الاُمة المرحومة الإقتداء بهذه المرأة ، واقتباس الدروس والعِبر من حياة امرأة قضّت عمرها الشريف مهاجرة ، مدافعة عن عقيدتها ومبدئها .

نراها تُقرّ في بيت زوجها الأوّل أبي سلمة محبةً له ، لا تخالف له أمراً .

وبعد وفاته رحمه الله تتزوّج بخير الكائنات رسول البشريّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، فتنال بذلك الشرف كلّ الشرف ، فتروي عنه الحديث ، وتعلّم الناس ما تعلّمته من أخلاقه الكريمة وطبائعه الحميدة ، حاكية ً لهم كلّ ما رأته منه صلى الله عليه وآله وسلم .

وبعد أن انتقل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى نراها تقف إلى جنب وصيّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وتدافع عن سيّدتها ومولاتها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين البتول فاطمة الزهراء عليها السلام ، وتصبح المؤتمنة عند ولديها الحسن والحسين سلام الله عليهما .

ولا تترك نصيحة إلاّ وقد أبدتها لاُولئك الذين اغتصبوا الولاية من أهلها ، وجاروا على أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فهلّم معي أخي القارىَ واُختي القارئة لنتعرّف على حياة هذه العالمة الفاضلة المجاهدة :

عائلتها :

هي هند بنت أبي اُميّة سهيل زاد الراكب ابن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم .

اُمّها : عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن جذيمة بن علقة جدل الطعن بن فراس بن غنم بن مالك بن كنانة .

زوجها الأوّل : أبوسلمة عبدالله بن عبدالأسد المخزومي ، أنجبت له : سلمة وعمر ودرّة وزينب ، ثم تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

في القرآن الكريم :

( 1 ) لقد أمر الله سبحانه وتعالى بشكر المحسنين ومكافأة الجميل ، فقال تعالى :﴿هل جزاء


صفحه 774

الإحسان إلاّ الإحسان﴾[1]، فمضافاً لمكافأته سبحانه وتعالى عبيده بالجنة إذا أحسنوا واتّقوا ، هناك منح وعطايا منه تعالى يخصّ بها بعض عباده ، عِلماً منه بخلوص نيّاتهم وطيب سرائرهم ، منها تخليدهم في القرآن الكريم ، فقد جاءت آيات وسور في رجال ونساء من المسلمين ، بل حتى في بعض أبناء الاُمم الغابرة كأصحاب الكهف ، ومؤمن آل فرعون ، ومؤمن آل ياسين ، وإمرأة فرعون وغيره .

ومن هؤلاء الذين خصّهم سبحانه وتعالى بهذا الإكرام اُم سلمة رضوان الله عليها ، فقد قُرأت الآية السابقه فيها .

[2]قوله تعالى :

﴿فاستجاب لهم ربّهم أني لا اُضيع عمل عامل منكم من ذكر أو اُنثى﴾[2].

قال الشيخ الطبرسي رحمه الله : روي أنّ اُم سلمة قالت : يا رسول الله ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء ؟ فأنزل الله هذه الآية[3].

[3]قوله تعالى :

﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهنّ﴾[4].

نزلت في نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقد سخرن من اُم سلمة ، وذلك أنّها ربطت حقويها بسيبة وهي ثوب أبيض ، وسدلت طرفيها خلفها فكانت تجرّه ، فقالت عائشة لحفصة : اُنظري ماذا تجر خلفها ، كأنّه لسان كلب ، فهذه كانت سخريتهما .

وقيل : إنّها عيّرتها بالقصر ، وأشارت بيدها أنها قصيرة[5].

[1]ـ الرحمن : 60 .

[2]ـ آل عمران : 195 .

[3]ـ مجمع البيان 1 : 559 .

[4]ـ الحجرات : 11 .

[5]ـ مجمع البيان 9 : 135 .


صفحه 775

مع السنّة النبوية :

تُعدّ اُم سلمة راوية من راويات الحديث ، عدّها البرقي والشيخ الطوسي رحمهما الله في كتابيهما من الراويات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذا ابن عبدالبر وابن منذه وأبونعيم ، وكلّ مَن ترجم لها[1].

روت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، وعن أبي سلمة .

وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين منهم : ابناها عمر وزينب ، ومكاتبها نبهان ، وأخوها عامر بن أبي اُميّة ، وابن أخيها مصعب بن عبدالله بن اُميّة ، وعبدالله بن رافع ، ونافع ، وسفينة ، وأبوكثير ، وابن سفينة ، وخيّرة اُم الحسن البصري ، وسليمان بن يسار ، واُسامة بن زيد بن حارثة ، وهند بنت الحارث الفراسيّة ، وصفيّة بنت شيبة ، وأبوعثمان النهدي ، وحميد وأبواُسامة ابنا عبدالرحمان بن عوف بن أبي بكر ، وعبدالرحمان بن الحارث بن هشام ، وابناه عكرمة وأبوبكر ، وعثمان بن عبدالله بن موهب ، وعروة بن الزبير ، وكريب مولى ابن عباس ، وقبيصة بن ذويب ، ونافع مولى ابن عمر ، ويعلى بن مملك ، وعبدالله بن عباس ، وعائشة ، وأبوسعيد الخدري ، وسعيد بن المسيّب ، وأبووائل ، وصفيّة بنت محض ، والشعبي ، وآخرون[2].

ويبلغ مسندها 378 حديثاً ، أخرج لها منها في الصحيحين 29 حديثاً والمتفق عليها منها 13 حديثاً ، وانفرد البخاري بثلاثة ، ومسلم بثلاثة عشر[3]. وهذه فضيلة من فضائلها الكثيرة ، ومنقبة من مناقبها العظيمة التي امتازت بها من بين سائر زوجات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

وهي من رواة قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « مَن كنتُ مولاه فعلي مولاه »[4].

[1]ـ رجال البرقي : 61 ، رجال الشيخ الطوسي : 32 .

[2]ـ تهذيب التهذيب 12 : 456 .

[3]ـ سير أعلام النبلاء 2 : 148 .

[4]ـ رواه عنها ابن عقدة في حديث الولاية وأخرجه عنه الأمر تسري في أرجح المطالب : 338 و389 والحضرمي في وسيلة المآل : 118 ، ورواه عنها أيضاً الشيخ الطوسي في اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي ) 66 | 119 وعنه بحار الأنوار 37 : 233 حديث 103 ، وأخرجه القندوزي في ينابيع المودة : 40 عن جواهر العقدين للسمهودي ، ورواه أيضا الجعابي في نخب المناقب .


صفحه 776

وروى عنها الصدوق مرسلاً في الفقيه قال : وجاءت اُم سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : يا رسول الله يحضر الأضحى وليس عندي ثمن الاُضحية فأستقرض واُضحّي ؟

فقال : « استقرضي وضحّي فإنه دين مقضي »[1].

وهي من رواة حديث آية التطهير ، أخرجه الشيخ الطوسي في الأمالي[2].

وهي من رواة حديث الثقلين ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

« كأني دُعيت فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما »[3].

ولها روايات اُخرى تمر عليك في أثناء ترجمتها .

في بيت أبي سلمة :

قَلَّ أن توجد عائلة كعائلة أبي سلمة في وئامها ووفائها ، يسودها الحبّ والحبور ، ويطغى عليها المرح والسرور ، فهما أبناء عمّ قبل أن يكونا زوجين ، فلا يجد أحدهما على الآخرة

‌zb 1 ـ من لا يحضره الفقيه 2 : 138 حديث 591 باب فضائل الحج ، 292 حديث 1447 باب الأضاحي .

[2]ـ الأمالي 2 : 174 . وانظر : سنن الترمذي 5 : 31 حديث 3258 و328 حديث 3875 و361 حديث 3963 ، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي 1 : 124 حديث حديث 172 و2 : 16 ، صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فائل علي بن أبي طالب 15 : 176 ط مصر بشرح النووي و2 : 360 ط عيسى الحلبي ، المستدرك على الصحيحن للحاكم 2 : 150 و152 و416 وج 3 : 108 و146 و147 و150 و158 ، تفسير الطبري 22 : 6 و7 و8 ، تفسير ابن كثير 3 : 483 و484 ، مسند أحمد بن حنبل 1 : 185 و3 : 259 و285 و6 : 298 .

[3]ـ رواه عنها الشيخ الطوسي في أماليه 2 : 92 وعنه في بحار الأنوار 38 : 118 حديث 61 و92 : 80 حديث 61 و92 : 80 حديث 5 ، وأورده الأربلي في كشف الغمة 2 : 34 وعنه بحار الأنوار 22 : 476 حديث 26 ، وأخرجه الأمر تسري في أرجح المطالب : 338 من طريق ابن عقدة .


صفحه 777

فضلاً ، فيتكبّر على شريكه في الحياة ، فيثأر الآخر لكرامته ، فتسوء العلاقة بينهما ويفسد نظام البيت .

وحين بعث الله عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس كافة ، وقابلته قريش بأشدّ ما تقدر عليه من الأذى حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم : « ما اُوذي نبي بمثل ما اُوذيت » ، ومن بين هذا الجمع الهائل من قريش يسرع أبوسلمة ملبيّاً نداء السماء ، وتستجيب زوجته كذلك ، فتطفوا على بيتهم آنذاك قدسيّة الإسلام ، فيكون بيت أبي سلمة من أوّل البيوت إسلاماً .

وتستمر قريش في أذاها للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ويزداد الضغط على المسلمين ، فيأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة إلى الحبشة ، فكان أبوسلمة وزوجته في الرعيل الأوّل من المهاجرين ، تاركين وطنهم ، فارين بدينهم ، ولا هدف لهم من هذه الهجرة إلاّ التخلّص من بطش قريش والحريّة في ممارسة الشعائر الإلهية .

وفي الحبشة ، وتحت ظلّ ملكها العادل ، يحصل أبوسلمة وزوجته وبقيّة المسلمين على هذه الاُمنية ، ويسعدوا بأداء الواجبات بأمن وسلام ، وتقرّ عيونهم بمولود تضعه اُم سلمة في دار الهجرة وفي بلد الغربة .

وفي الحبشة توافيهم أنباء مفرحة ، بأنّ قريشاً تغيّر موقفها من الإسلام ، وتركت ما كانت تعمله بالمسلمين من الأذى ، ويسرع أبوسلمة وزوجته إلى مكة ليكونا بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنّه يفاجأ بالأمر معكوساً ، فقريش قد ازدادت في طغواها وتفننت في عتوّها وتجبرّها ، فهي تخرج المستضعفين من المسلمين إلى الرمضاء ، وبعد أن تجردّهم من ثيابهم تلقيهم على الأرض ، محمّلة لهم قلل الصخر وصلب الحجارة ، وقد تغطس البعض في الماء حتى يكاد يخنق .

وكاد أبوسلمة وزوجته أن يقع في هذا الفخ ، لولا أنّه استجار بخاله أبي طالب شيخ البطحاء وابن شيخها فأجاره وزوجته ، وهبّت قريش في وجه أبي طالب تطلب منه النزول عن هذا الجوار ، فهو يدافع عن محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالأمس ، واليوم يجير أبا سلمة ، فأجابهم أبوطالب : إنه استجار بي وأنا إن لم أمنع ابن اُختي لم أمنع ابن أخي .

وبعد أن أراد الله لرسوله الهجرة ليتسنّى له بناء الدولة الإسلامية الكبرى وتشييد دعائمها منطلقة من يثرب ، فكان أبوسلمة وزوجته أوّل الناس استجابة لهذه الهجرة يخرج بزوجته وابنه ، فتتصدّى قريش لمنعه ، فيفلت منها وتبقى زوجته وابنها في أيديهم .

قالت اُم سلمة : لمّا أجمع أبوسلمة الخروج إلى المدينة رَحلَ بعيراً له وحملني وحمل معي ابني سلمة ثم خرج يقود بعيره ، فلمّا رآه رجال من بني المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا : هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتنا هذه ، علامَ تُترك تسير بها في البلاد ، ونزعوا خطام البعير من يده وأخذوني .

وغضبت عند ذلك بنو عبدالأسد ، وأهووا إلى سلمة وقالوا : لا والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا ، فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده ، وانطلقوا به بنو أسد رهط أبي سلمة ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق أبوسلمة حتى لحق بالمدينة ، ففرّق بيني وبين زوجي وبين إبني .

فكنتُ أخرج كلّ غداة فأجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي حتى اُم سي سنة أو قريبها ، حتى مرّ بي رجل من بني عمي من بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة : ألا تخرجون من هذه المسكينة فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها .

فقالوا لي : إلحقي بزوجك إن شئت ، وردّ علي بنو عبدالأسد عند ذلك ابني ، فرحلت بعيري ووضعت ابني في حجري ثم خرجت اُريد زوجي بالمدينة ، وما معي أحد من خلق الله ، فقلت : أتبلغِ بمن لقيت حتى اُقدم على زوجي ، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبدالدار ، فقال : أين يا ابنة أبي اُميّة ؟

قلت : اُريد زوجي بالمدينة .

قال : هل معكِ أحد ؟

فقلت : لا والله ، إلاّ الله وابني هذا .

فقال : والله مالك من منزل ، فأخذ بخطم البعير ، فانطلق معي يقودني ، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب كان أكرم منه ، إذا بلغ المنزل أناخ بي ، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها ،


صفحه 778

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 779

فإذا أردنا الرواح قام إلى بعيري فقدّمه ، فرحله ، ثم استأخر عني وقال : إركبي ، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى نزل ، فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي إلى المدينة ، فلمّا نظر إلى قريه بني عمرو بن عوف بقباء قال : زوجك في هذه القرية ، وكان أبوسلمة نازلاً بها ، فدخلتها على بركة الله تعالى ، ثم انصرف راجعاً إلى مكة .

وكانت تقول : ما أعلم أهل بيت أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة ، وما رأيتُ صاحباً قطّاً كان أكرم من عثمان بن طلحة ، وقيل : إنّها أوّل ظعينة هاجرت إلى المدينة[1].

وفي المدينة المنوّرة تحقّقت اُم نية اُم سلمة ، فهي في ظلّ زوجها ، وتحت رعاية الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ، تمارس عبادتها بلا خوف ولا وجل ، فتحسب نفسها أسعد الخلق طراً .

وكان حبّها لزوجها قد ملأ قلبها الكبير ، فأرادت أن تستأثر بهذا الحبّ حتى بعد هذه الحياة فقالت له : بلغني أنّه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة ثم لم تتزوج بعده إلاّ جمع الله بينهما في الجنة ، وكذا اذا ماتت إمرأة وبقي الرجل بعدها ، فتعال اُعاهدك أن لا أتزوّج بعدك ولا تتزوّج بعدي .

فقال لها أبوسلمة : أتطيعيني ؟

قالت : ما استأمركَ إلاّ وأنا اُريد أن أطيعكَ .

قال : اذا متُ فتزوّجي ، ثم قال : اللّهم اُرزق اُم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني لا يخزيها ولا يؤذيها .

قالت : فلمّا مات قلتُ : مَن هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة ، فلبثت ما لبثت ثم تزوّجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[2].

وتتحقّق اُمنية أبي سلمة في الجهاد والسير براية الإسلام قدماً ، فها هي قريش تتجنّد لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى بدر ، ثم تتجمع مرة اُخرى باُحد ، ومن الطبيعي أن يكون أبوسلمة في طليعة الجيش الإسلامي ، فيصيبه سهم فيجرحه جرحاً بليغاً ، وبقي شهراً يداوي نفسه

[1]اُسد الغابة 5 : 589 .

[2]الإصابة 4 : 408 .