بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 775

مع السنّة النبوية :

تُعدّ اُم سلمة راوية من راويات الحديث ، عدّها البرقي والشيخ الطوسي رحمهما الله في كتابيهما من الراويات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذا ابن عبدالبر وابن منذه وأبونعيم ، وكلّ مَن ترجم لها[1].

روت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، وعن أبي سلمة .

وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين منهم : ابناها عمر وزينب ، ومكاتبها نبهان ، وأخوها عامر بن أبي اُميّة ، وابن أخيها مصعب بن عبدالله بن اُميّة ، وعبدالله بن رافع ، ونافع ، وسفينة ، وأبوكثير ، وابن سفينة ، وخيّرة اُم الحسن البصري ، وسليمان بن يسار ، واُسامة بن زيد بن حارثة ، وهند بنت الحارث الفراسيّة ، وصفيّة بنت شيبة ، وأبوعثمان النهدي ، وحميد وأبواُسامة ابنا عبدالرحمان بن عوف بن أبي بكر ، وعبدالرحمان بن الحارث بن هشام ، وابناه عكرمة وأبوبكر ، وعثمان بن عبدالله بن موهب ، وعروة بن الزبير ، وكريب مولى ابن عباس ، وقبيصة بن ذويب ، ونافع مولى ابن عمر ، ويعلى بن مملك ، وعبدالله بن عباس ، وعائشة ، وأبوسعيد الخدري ، وسعيد بن المسيّب ، وأبووائل ، وصفيّة بنت محض ، والشعبي ، وآخرون[2].

ويبلغ مسندها 378 حديثاً ، أخرج لها منها في الصحيحين 29 حديثاً والمتفق عليها منها 13 حديثاً ، وانفرد البخاري بثلاثة ، ومسلم بثلاثة عشر[3]. وهذه فضيلة من فضائلها الكثيرة ، ومنقبة من مناقبها العظيمة التي امتازت بها من بين سائر زوجات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

وهي من رواة قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « مَن كنتُ مولاه فعلي مولاه »[4].

[1]ـ رجال البرقي : 61 ، رجال الشيخ الطوسي : 32 .

[2]ـ تهذيب التهذيب 12 : 456 .

[3]ـ سير أعلام النبلاء 2 : 148 .

[4]ـ رواه عنها ابن عقدة في حديث الولاية وأخرجه عنه الأمر تسري في أرجح المطالب : 338 و389 والحضرمي في وسيلة المآل : 118 ، ورواه عنها أيضاً الشيخ الطوسي في اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي ) 66 | 119 وعنه بحار الأنوار 37 : 233 حديث 103 ، وأخرجه القندوزي في ينابيع المودة : 40 عن جواهر العقدين للسمهودي ، ورواه أيضا الجعابي في نخب المناقب .


صفحه 776

وروى عنها الصدوق مرسلاً في الفقيه قال : وجاءت اُم سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : يا رسول الله يحضر الأضحى وليس عندي ثمن الاُضحية فأستقرض واُضحّي ؟

فقال : « استقرضي وضحّي فإنه دين مقضي »[1].

وهي من رواة حديث آية التطهير ، أخرجه الشيخ الطوسي في الأمالي[2].

وهي من رواة حديث الثقلين ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

« كأني دُعيت فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما »[3].

ولها روايات اُخرى تمر عليك في أثناء ترجمتها .

في بيت أبي سلمة :

قَلَّ أن توجد عائلة كعائلة أبي سلمة في وئامها ووفائها ، يسودها الحبّ والحبور ، ويطغى عليها المرح والسرور ، فهما أبناء عمّ قبل أن يكونا زوجين ، فلا يجد أحدهما على الآخرة

‌zb 1 ـ من لا يحضره الفقيه 2 : 138 حديث 591 باب فضائل الحج ، 292 حديث 1447 باب الأضاحي .

[2]ـ الأمالي 2 : 174 . وانظر : سنن الترمذي 5 : 31 حديث 3258 و328 حديث 3875 و361 حديث 3963 ، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي 1 : 124 حديث حديث 172 و2 : 16 ، صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فائل علي بن أبي طالب 15 : 176 ط مصر بشرح النووي و2 : 360 ط عيسى الحلبي ، المستدرك على الصحيحن للحاكم 2 : 150 و152 و416 وج 3 : 108 و146 و147 و150 و158 ، تفسير الطبري 22 : 6 و7 و8 ، تفسير ابن كثير 3 : 483 و484 ، مسند أحمد بن حنبل 1 : 185 و3 : 259 و285 و6 : 298 .

[3]ـ رواه عنها الشيخ الطوسي في أماليه 2 : 92 وعنه في بحار الأنوار 38 : 118 حديث 61 و92 : 80 حديث 61 و92 : 80 حديث 5 ، وأورده الأربلي في كشف الغمة 2 : 34 وعنه بحار الأنوار 22 : 476 حديث 26 ، وأخرجه الأمر تسري في أرجح المطالب : 338 من طريق ابن عقدة .


صفحه 777

فضلاً ، فيتكبّر على شريكه في الحياة ، فيثأر الآخر لكرامته ، فتسوء العلاقة بينهما ويفسد نظام البيت .

وحين بعث الله عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس كافة ، وقابلته قريش بأشدّ ما تقدر عليه من الأذى حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم : « ما اُوذي نبي بمثل ما اُوذيت » ، ومن بين هذا الجمع الهائل من قريش يسرع أبوسلمة ملبيّاً نداء السماء ، وتستجيب زوجته كذلك ، فتطفوا على بيتهم آنذاك قدسيّة الإسلام ، فيكون بيت أبي سلمة من أوّل البيوت إسلاماً .

وتستمر قريش في أذاها للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ويزداد الضغط على المسلمين ، فيأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة إلى الحبشة ، فكان أبوسلمة وزوجته في الرعيل الأوّل من المهاجرين ، تاركين وطنهم ، فارين بدينهم ، ولا هدف لهم من هذه الهجرة إلاّ التخلّص من بطش قريش والحريّة في ممارسة الشعائر الإلهية .

وفي الحبشة ، وتحت ظلّ ملكها العادل ، يحصل أبوسلمة وزوجته وبقيّة المسلمين على هذه الاُمنية ، ويسعدوا بأداء الواجبات بأمن وسلام ، وتقرّ عيونهم بمولود تضعه اُم سلمة في دار الهجرة وفي بلد الغربة .

وفي الحبشة توافيهم أنباء مفرحة ، بأنّ قريشاً تغيّر موقفها من الإسلام ، وتركت ما كانت تعمله بالمسلمين من الأذى ، ويسرع أبوسلمة وزوجته إلى مكة ليكونا بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنّه يفاجأ بالأمر معكوساً ، فقريش قد ازدادت في طغواها وتفننت في عتوّها وتجبرّها ، فهي تخرج المستضعفين من المسلمين إلى الرمضاء ، وبعد أن تجردّهم من ثيابهم تلقيهم على الأرض ، محمّلة لهم قلل الصخر وصلب الحجارة ، وقد تغطس البعض في الماء حتى يكاد يخنق .

وكاد أبوسلمة وزوجته أن يقع في هذا الفخ ، لولا أنّه استجار بخاله أبي طالب شيخ البطحاء وابن شيخها فأجاره وزوجته ، وهبّت قريش في وجه أبي طالب تطلب منه النزول عن هذا الجوار ، فهو يدافع عن محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالأمس ، واليوم يجير أبا سلمة ، فأجابهم أبوطالب : إنه استجار بي وأنا إن لم أمنع ابن اُختي لم أمنع ابن أخي .

وبعد أن أراد الله لرسوله الهجرة ليتسنّى له بناء الدولة الإسلامية الكبرى وتشييد دعائمها منطلقة من يثرب ، فكان أبوسلمة وزوجته أوّل الناس استجابة لهذه الهجرة يخرج بزوجته وابنه ، فتتصدّى قريش لمنعه ، فيفلت منها وتبقى زوجته وابنها في أيديهم .

قالت اُم سلمة : لمّا أجمع أبوسلمة الخروج إلى المدينة رَحلَ بعيراً له وحملني وحمل معي ابني سلمة ثم خرج يقود بعيره ، فلمّا رآه رجال من بني المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا : هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتنا هذه ، علامَ تُترك تسير بها في البلاد ، ونزعوا خطام البعير من يده وأخذوني .

وغضبت عند ذلك بنو عبدالأسد ، وأهووا إلى سلمة وقالوا : لا والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا ، فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده ، وانطلقوا به بنو أسد رهط أبي سلمة ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق أبوسلمة حتى لحق بالمدينة ، ففرّق بيني وبين زوجي وبين إبني .

فكنتُ أخرج كلّ غداة فأجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي حتى اُم سي سنة أو قريبها ، حتى مرّ بي رجل من بني عمي من بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة : ألا تخرجون من هذه المسكينة فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها .

فقالوا لي : إلحقي بزوجك إن شئت ، وردّ علي بنو عبدالأسد عند ذلك ابني ، فرحلت بعيري ووضعت ابني في حجري ثم خرجت اُريد زوجي بالمدينة ، وما معي أحد من خلق الله ، فقلت : أتبلغِ بمن لقيت حتى اُقدم على زوجي ، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبدالدار ، فقال : أين يا ابنة أبي اُميّة ؟

قلت : اُريد زوجي بالمدينة .

قال : هل معكِ أحد ؟

فقلت : لا والله ، إلاّ الله وابني هذا .

فقال : والله مالك من منزل ، فأخذ بخطم البعير ، فانطلق معي يقودني ، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب كان أكرم منه ، إذا بلغ المنزل أناخ بي ، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها ،


صفحه 778

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 779

فإذا أردنا الرواح قام إلى بعيري فقدّمه ، فرحله ، ثم استأخر عني وقال : إركبي ، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى نزل ، فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي إلى المدينة ، فلمّا نظر إلى قريه بني عمرو بن عوف بقباء قال : زوجك في هذه القرية ، وكان أبوسلمة نازلاً بها ، فدخلتها على بركة الله تعالى ، ثم انصرف راجعاً إلى مكة .

وكانت تقول : ما أعلم أهل بيت أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة ، وما رأيتُ صاحباً قطّاً كان أكرم من عثمان بن طلحة ، وقيل : إنّها أوّل ظعينة هاجرت إلى المدينة[1].

وفي المدينة المنوّرة تحقّقت اُم نية اُم سلمة ، فهي في ظلّ زوجها ، وتحت رعاية الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ، تمارس عبادتها بلا خوف ولا وجل ، فتحسب نفسها أسعد الخلق طراً .

وكان حبّها لزوجها قد ملأ قلبها الكبير ، فأرادت أن تستأثر بهذا الحبّ حتى بعد هذه الحياة فقالت له : بلغني أنّه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة ثم لم تتزوج بعده إلاّ جمع الله بينهما في الجنة ، وكذا اذا ماتت إمرأة وبقي الرجل بعدها ، فتعال اُعاهدك أن لا أتزوّج بعدك ولا تتزوّج بعدي .

فقال لها أبوسلمة : أتطيعيني ؟

قالت : ما استأمركَ إلاّ وأنا اُريد أن أطيعكَ .

قال : اذا متُ فتزوّجي ، ثم قال : اللّهم اُرزق اُم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني لا يخزيها ولا يؤذيها .

قالت : فلمّا مات قلتُ : مَن هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة ، فلبثت ما لبثت ثم تزوّجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[2].

وتتحقّق اُمنية أبي سلمة في الجهاد والسير براية الإسلام قدماً ، فها هي قريش تتجنّد لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى بدر ، ثم تتجمع مرة اُخرى باُحد ، ومن الطبيعي أن يكون أبوسلمة في طليعة الجيش الإسلامي ، فيصيبه سهم فيجرحه جرحاً بليغاً ، وبقي شهراً يداوي نفسه

[1]اُسد الغابة 5 : 589 .

[2]الإصابة 4 : 408 .


صفحه 780

حتى ظنّ أنّه برىَ من جرحه ويخرج للجهاد مرة اُخرى .

ويبلغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّ طليحة وسلمة ابني مخلد يعدان على رأس بني أسد لمهاجمة المدينة ويحرضان على ذلك؛ ليصيبا من أطراف المسلمين ويغنما من نعمهم ، فعقد ل أبي سلمة على مائة وخمسين ، فيهم أبوعبيدة الجراح وسعد بن أبي وقاص واُسيد بن خضير ، وأمرهم بالاستخفاء نهاراً والسير ليلاً وسلوك الطرق المجهولة؛ لكيلا يعرف أمرهم فيتأهب لهم العدو .

واتّبعَ أبوسلمة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى صحبهم وهم على غير استعداد ، فخطب رجاله يحضهم على الثبات والنصح في الجهاد ، ثم حمل بهم حملة صادقة ، فما هي إلاّ هجمة إيمان حتى كانت الدائرة تقع على المشركين ، ولم يقووا على الثبات ، ثم وجّه في طلب الفارين ، ورجع بعد ذلك بالغنيمة والنصر يعيد للمسلمين بعض هيبتهم ، فيَكُمَّ الأفواه ويلجم النفوس ، ويدخل في روع المشركين أنّ الإسلام على عزيمة رجاله جدير أن لا تقف قوّة أمامه[1].

يرجع أبوسلمة ، وترجـع إليه آلامه من جراحه يوم اُحد التي كانت قد اندملت على وغل ، ويتضاعف الألم ويتضـاءل الأمل هذه المرة في الشفاء ، وتفشل المراهم والعلاجات ، فتكون نهاية المطـاف وخاتمة الشهيد العظيم . وفي لوعة الأسى والحزن ومضض المصيبة تتذكّر اُم سلمة حديثاً سمعته من زوجها الراحل عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فقد جاءها يوماً فقال :

« لقد سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً أحبّ إليّ من كذا وكذا لا أدري ما أعدل به ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « لا يصيب أحداً مصيبة فيسترجع عند ذلك ويقول : اللّهم عندكَ أحتسب مصيبتي هذه ، اللّهم أخلفني فيها خيراً منها ، إلاّ أعطاه الله عز وجلّ » .

قالت اُم سلمة : فلما اُصبت بأبي سلمة قلت : اللّهم عندك أحتسب مصيبتي هذه ، ولم تطب نفسي أن أقول : اللّهم أخلفني فيها بخير منها ، ثم قالت : مَن خير من أبي سلمة ، أليس ، أليس ،

[1]انظر اُم سلمة لمحمد زكي بيضون : 28 .


صفحه 781

ثم قالت ذلك . فلمّا انقضت عدّتها أرسل إليها أبوبكر يخطبها فأبت ، ثم أرسل إليها عمر يخطبها فأبت ، ثم أرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبها ، فقالت : مرحباً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[1].

في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

عاشت اُم سلمة رضوان الله تعالى عليها في بيت زوجها الأوّل حياةً سعيدة ملؤها الحبّ والإخلاص والتفاني ، كانت تنظر لزوجها بعين الإحترام والإكبار حتى ظنّت أنّه أفضل رجل ، وأنّها لن تظفر بأفضل منه ، إلاّ أنّ الله سبحانه وتعالى عوّضها بخير البريّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .

فانتقلت إلى بيت زوجها الثاني بيت الرحمة والرضوان ، فحرصت على أن ترضيه صلى الله عليه وآله وسلم ، فنراها تتحبّب إليه وتفعل ما يحبه وتميل له نفسه ، فرأته يحب خديجة فأحبتها هي أيضاً ، ورأته يحب فاطمة وعلي والحسن والحسين فأحبتهم هي أيضاً وتفانت في وأخذت تلطّف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وتهتم بما يلذ له من مأكل ومشرب فتعدّه له .

قالت عائشة : كان رسول الله يطوف على نسائه ، فإن كان يومها قعد عندها وإلاّ قام ، فكان إذا دخل بيت اُم سلمة يحتبس عندها ، فقلت أنا وحفصة : ما نرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمكث عندها إلاّ أنّه يخلو معها .

قالت : واشتد ذلك علينا ، حتى بعثنا مَن يطلع لنا ما يحبسه عندها ، فإذا هو صار إليها أخرجت له عكة من عسل فتحت له فمها فيلعق فيها لعقاً ، وكان العسل يعجبه .

فقالتا : ما من شيء أكره إليه من أن يقال له : نجد منكَ ريح شيء ، فإنّه يقول : من عسل أصبته عند اُم سلمة ، فقولي له : أرى نحله جرس عرفطا .

فلمّا دخل على عائشة فدنا منها قالت : إنّي لأجد منك شيئاً ، ما أصبت ؟فقال : « عسل من بيت اُم سلمة » .

فقالت : يا رسول الله أرى نحله جرس عرفطا .

[1]انظر صفة الصفوة 2 : 21 ، اُم سلمة لعلي دخيل : 12 .


صفحه 782

ثم خرج من عندنا فدخل على حفصة فدنا منها فقالت مثل الذي قالت عائشة ، فلمّا قالتا جميعاً اشتدّ عليه ، فدخل على اُم سلمة بعد ذلك فأخرجت له العسل ، فقال : « أخّريه عني لا حاجة لي فيه » .

قالت عائشة : فكنتُ والله أرى أن قد أتينا أمراً عظيماً ، منعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً كان يشتهيه[1].

نعم ، هكذا كانت اُم سلمة ترعى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ختمت حياتها مع الرسول على أحسن ما يكون ، ولم يحفظ التأريخ شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشين بكرامتها ، بينما حفظ له عليه السلام في غيرها من أزواجه الكثير الكثير .

وقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى عدة روايات تتعلّق بزواج اُم سلمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

قال : أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثنا عمر بن عثمان ، عن عبد الملك بن عبيد ، عن سعيد بن عبدالرحمان بن يربوع ، عن عمر بن أبي سلمة قال :

خرج أبي إلى اُحد فرماه أبوسلمة الجشمي في عضده بسهم ، فمكث شهراً يداوي جرحه ثم برىَ الجرح ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي إلى قطن في المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهراً ، فغاب تسعاً وعشرين ليلة ، ثم رجع فدخل المدينة لثمان خلون من صفر سنة أربع والجرح منتقض ، فمات منه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة ، فاعتدّت اُمي وحلّت لعشر بقين من شوّال سنة أربع ، فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليالٍ بقين من شوال سنة أربع ، وتوفيّت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين .

وقال : أخبرنا محمّد بن محمّد بن عمر ، حدّثنا مجمع بن يعقوب ، عن أبي بكر بن محمّد بن عمر عن أبي سلمة ، عن أبي ه ، عن اُم سلمة :

« أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لها : « إذا أصابتك مصيبة فقولي : اللّهم أعطني

[1]اُم سلمة : 38 .